array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 172

4 مسارات مستقبلية أمام دول مجلس التعاون للحفاظ على أمن الممر الملاحي في الخليج

الثلاثاء، 29 آذار/مارس 2022

شغل أمن الخليج العربي كممر ملاحي للتجارة العالمية اهتمامًا كبيرًا في العقود الماضية، بسبب الأوضاع التي شهدتها المنطقة (الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988م، والغزو العراقي للكويت 1990م، وتبعات الغزو والحرب والحصار، ثم غزو واحتلال العراق عام 2003م)، فضلاً عن الاضطرابات التي شهدتها الممرات البحرية والمناطق المجاورة لمنطقة الخليج خصوصًا في القرن الإفريقي، وبالعالم العربي منذ 2011م، ولأن الحروب والضربات العسكرية قد تطال مناطق الشحن والتحميل في الموانئ النفطية، وآبار النفط والناقلات في عرض البحر، والآبار البحرية القريبة من الساحل، وتزداد بذلك احتمالات التسرّب النفطي، فقد ظلت الأزمات والحروب من أكثر مهددات أمن وسلامة الممر المائي للخليج العربي.

والخليج العربي الكتلة المائية المتاخمة للمملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين والكويت -وسلطنة عمان وقطر والعراق وإيران، وهو الممرّ المائي الحيوي الذي يمرّ من خلاله نحو 30% من النفط المنقول بحراً. ويمثل مضيق هرمز المنفذ البحري الوحيد بين الخليج العربي وخليج عمان والمحيط الهندي وباقي العالم، وهو ممر يمثل نقطة اختناق ضيقة، مما يمكن لأي حادث بحري فيه أن يؤثر على سوق الطاقة في العالم. وتعتمد دول الخليج على مضيق هرمز لنقل أكثر من 85% من نفطها إلى آسيا والولايات المتحدة وأوروبا. كما تأتي واردات دول الخليج عبر سفن شحن تمر من خلال مضيق هرمز، سيما تلك القادمة من الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان.

وعلى جانب القيمة الاستراتيجية للممر الملاحي للخليج عالميًا، فإنها تتضح في ربطه القواعد الجوية الأمريكية الممتدة من جنوب شرقي آسيا بقواعد حلف الأطلسي المنتشرة في جنوب أوروبا الغربية، بما يضمن استمرار حرية حركة السفن والطائرات الأمريكية من المنطقة وإليها. علاوة على ذلك أضفت الجزر والخلجان الخليجية أهمية خاصة –عسكرية واستراتيجية-على الخليج العربي، من حيث صلاحيتها لإنشاء القواعد العسكرية وإخفاء القطع البحرية، وحماية الغواصات النووية الحاملة للصواريخ عابرة القارات في بعض أجزائه.

أولا: إشكاليات أمن الممر الملاحي الخليجي

تكمن إشكاليات أمن الممر الملاحي الخليجي في الخلافات وتباين التوجهات بين دوله؛ فبينما ترتبط دول مجلس التعاون بالولايات المتحدة والمنظومة الأمنية الغربية، تقف إيران على الجانب الآخر، وتتبنى عقيدة عسكرية عدائية تجاه الولايات المتحدة وتسعى إلى رحيل القوات الأمريكية، كي تتمكّن من ممارسة ما تعتبره سلطتها الشرعية على المنطقة. وباسم أمنها القومي وطموحاتها النووية، هددت إيران مرارًا حركة المرور الدولية في الخليج، وعرقلت الشحن البحري وأعاقت تدفق النفط عبر مضيق هرمز .

ولم يكن غريبًا أن يكشف أحد أعضاء مجلس الشورى الإيراني منذ عامين عن أن هناك مشروع قرار جرى تقديمه إلى المجلس ينص على فرض إيران رسومًا جمركية على السفن العابرة لمضيق هرمز. مضيفًا أنه "إذا كانت إيران هي الحامي الحقيقي للمنطقة والمياه الدولية، ووفقًا للنهج والأعراف الدولية والأمريكية، فإن البرلمان يعتقد أيضًا أن تكلفة ذلك يجب أن تدفع من قبل المراكز التجارية وجميع السفن العابرة في المنطقة على شكل رسوم جمركية". ولقد هددت إيران في أوقات الأزمات بإغلاق المضيق، أو على الأقل الجزء الذي ينتمي إلى أراضيها من مياهه. وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988م)، أعلنت إيران منطقة حرب داخل مياهها الإقليمية، مما يُلزم الدول المحايدة بالإبحار على طول الحزام الساحلي الخاضع لسيادة سلطنة عمان. ولكن على الرغم من تهديدات إيران المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، فإنها لم تنفذ هذه التهديدات.

وأضافت السنوات الأخيرة الكثير إلى أسباب القلق الدولي بشأن أمن الممر الملاحي للخليج، تمثلت في تراجع الضمانة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة لدول مجلس التعاون، والنهج الأمريكي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي سعى إلى بناء معادلة أمن في الخليج تتأسس على التكافؤ بين إيران ودول المجلس؛ حيث استغلت إيران هذه الفترة الانتقالية في التفكير الأمريكي في فرض أنماط جديدة من السلوك جعلت الممر الملاحي أقل أمانًا، مما جعل السنوات الأخيرة الأكثر اضطرابًا في الحالة الأمنية للخليج، وهو ما انعكس في حجم الهجمات على الناقلات والموانئ والحروب الإلكترونية.

وضاعف من مهددات البيئة الأمنية ما كشفه قائد القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني في أواخر سبتمبر 2021م، من وجود مدن صاروخية ممتدة تحت الأرض، بطول يتجاوز 70 كيلومترًا على طول سواحل الخليج وبحر عمان، وأن هذه المدن ممتدة في العرض على مسافة أكثر من 70 كم من الساحل نحو الداخل، وهي مسلحة بالكامل. كما كان لافتًا، تزايد حجم المناورات العسكرية التي أجراها الحرس الثوري في مياه الخليج في السنوات الأخيرة، ومؤخرًا أثار الانتباه مناورة أجرتها إيران مع روسيا والصين على جوار الخليج العربي (في بحر العرب) ، وفي 29 ديسمبر زعم قائد بحرية الحرس الثوري الإيراني أن بلاده لها الرصد الاستخباري الكامل على المنطقة والإشراف على الخليج كله.

وبشكل عام، فقد ترجمت إيران سريعًا الإشارات التي أظهرت الضعف في الموقف الأمريكي من أمن الخليج، وبدا السلوك الإيراني يتجه أكثر إلى فرض قواعد الهيمنة البحرية، بل بدت إيران تطمح إلى اقتحام محطة أخرى في مناكفة القوة الأمريكية، بإعلان نائب قائد البحرية الإيرانية في مارس 2019م، عن أن بلاده سترسل سفنًا حربية لغرب المحيط الأطلسي، قرب السواحل الأمريكية. وعلى الرغم من أن بعض هذه التصريحات دعائية وأن السفن الإيرانية اتجهت تاليًا قبالة الساحل الغربي لإفريقيا شمالًا وليس عبر المحيط الأطلسي باتجاه فنزويلا، إلا أنها عكست تطور إدراك الذات الإيراني ، مع ذلك، فقد كرس كل ذلك من احتمالات إقحام أمن الممر المائي للخليج أكثر في الصراعات العالمية للقوى الكبرى.

ثانيًا: ملامح البيئة الأمنية للخليج

تتمثل أبرز تحديات البيئة الأمنية في الخليج العربي فيما يلي:

  • غياب تنظيم أمني جماعي مؤسسي: فليس هناك هيكل أمني مؤسسي معني بأمن الممر الملاحي للخليج، وإنما للدول ترتيبات انفرادية أو ثنائية أو جزئية، ترتبط بموانئها ومياهها الإقليمية، ولكل منها أجهزتها وآلياتها الخاصة في ضمان أمنها البحري بشكل انفرادي أو ثنائي. ولقد أسهم افتقار المنطقة إلى الاتفاقات الجماعية في دخول سفن كثيرة دون المعايير والمواصفات لهذا الممر الملاحي وقيامها بتهريب النفط عبره، ما يجعلها عرضة للحوادث، واحتمالات تسرب النفط الذي تحمله في مياهه. وقد رصدت هذه الإشكالية بشأن قصور الوضع الأمني للخليج ورقة بحثية مهمة صدرت عن مركز مالكولم كير – كارنيجي للشرق الأوسط، في نوفمبر 2015م، (بالتوافق مع توجهات إدارة أوباما في ذلك الوقت)، دعت إلى حوار أمني إقليمي جديد وشامل لأجل بناء نظام أمني ​​أكثر استقراراً، من شأنه تقليل اعتماد الدول الخليجية على الوجود العسكري الأمريكي .وأكدت الورقة أن انخراط الولايات المتحدة في المنطقة، ينبغي أن يحفّز على منح الأولوية لتأسيس منتدى جديد متعدّد الأطراف (يضمّ دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والهند وإيران والعراق واليابان وروسيا) حول قضايا الأمن في الخليج.
  • تفاوت مستويات أمن الممر الملاحي: حيث عملت إيران على تكثيف الضغوط، وأصبح كثير من مواني دول المجلس عرضة للتهديد (المثال الأبرز على ذلك الهجمات التي شهدتها المياه الإقليمية لدولة الإمارات شرق إمارة الفجيرة في 12 مايو 2019م). وبينما تفرض قوات الحرس الثوري هيمنتها على الموانئ الإيرانية، تهدد إيران موانئ الدول الخليجية، مما يرفع درجات الاستعداد الأمني ويزيد التكاليف، وهو ما يتضح أكثر في دول مجلس التعاون التي لا منفذ بحريًا آخر لها، ما أشار إليه وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، الذي أكد أن المنفذ الوحيد "للكويت والبحرين وقطر هو مضيق هرمز، وإذا أُغلق فسنكون جميعًا في مشكلة. مع ذلك يعتبر الخليج العربي أكثر أمانًا من خلجان دولية مماثلة، وذلك ما يشير إليه التقرير السنوي الدولي Dryad Global Annual Report 2021م، الذي يؤكد أنه على الرغم من ارتفاع مستوى المخاطر الخاصة بأمن الممر الملاحي للخليج العربي في السنوات الأخيرة، تظل الحوادث به غير منتظمة، ومن غير المرجح أن تؤثر على العمليات التجارية العادية في جميع أنحاء المنطقة. ونسب التقرير أقل من 20 عملية احتجاز ومصادرة للسفن إلى النشاط الإيراني في منطقة تشهد حوالي 33000 عملية عبور سنويًا، بالمقارنة بـ 76 هجومًا فعليًا ومحاولة هجوم شهدها خليج غينيا في عام 2020م. ومن ثم لا تشكل الإجراءات البحرية الإيرانية تهديدًا مستمرًا للشحن التجاري الأوسع.
  • استمرار مشكلات ترسيم الحدود البحرية: يضاعف من أزمات الممر الملاحي للخليج استمرار مشاكل ترسيم الحدود البحرية بين دوله، من ذلك محادثات ملف الحدود المشتركة وتعيين النقاط الحدودية بين إيران ومملكة البحرين ودولة قطر التي تجمدت منذ عام 2010م، وملف ترسيم الحدود البحرية في الجرف القاري بين الكويت وإيران المعلّق منذ تسعينات القرن العشرين، بشأن حقل الدرة، الذي تقدر كميات الغاز التي يمكن استخراجها منه بمئتي مليار متر مكعب. وقد انفجرت الأزمة بشكل مباشر حينما طرحت وزارة النفط الإيرانية مسودة مشروعين أمام الشركات الأجنبية لاستخراج النفط والغاز من الحقل، وبدأت عمليات الحفر فيه بالاتفاق مع شركتين عالميتين في مجال التنقيب دون مراعاة أي حقوق للكويت. وفي العقد الأخير نظّمت الكويت والعراق الملاحة البحرية في خور عبد الله المشترك بينهما، ووقّعتا في العام 2012م، اتفاقية الخطة المشتركة لضمان سلامة الملاحة في الخور، مع ذلك، فلا يزال التوصل إلى اتفاق على الحدود البحرية يطرح تحديًا، كما بيّن الخلاف العلني في 2019-2020م. وفي نوفمبر 2012م، تقدمت السعودية بشكوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة ضد انتهاكات إيران لمنشآتها النفطية البحرية في المنطقة الشرقية، بعد أن حلقت "طائرة مروحية إيرانية عدة مرات فوق مواقع في حقل الحصبة النفطي".
  • ازدياد تأثر أمن الممر الخليجي بالحالة الدولية والإقليمية: على مدى السنوات الماضية برز تأثر أمن الممر الملاحي للخليج بشدة بتقلبات الموقف الأمريكي الداخلي، وهو ما كانت إيران تقرأه بدقة، وتحدد مقدار التحول في استراتيجيتها في الخليج وفقًا لمستوى الالتزام الأمريكي بأمن دول مجلس التعاون، فكانت ترقب الرغبة الأمريكية بتقليص الوجود في الشرق الأوسط لمصلحة تكثيف الوجود في بحر الصين الجنوبي. ولم تكن للهجمات الإيرانية على السفن في مياه الخليج والمياه الدولية المحيطة به لتشهد هذه الكثافة لولا إدراك إيران لتبني صانع القرار الأمريكي لخيار أساسي يتعلق بالعودة إلى الاتفاق النووي في ظل إدارة الرئيس جو بايدن الديمقراطية. وتشير إلى ذلك أيضًا الهجمات الحوثية على دولة الإمارات العربية المتحدة بالصواريخ البالستية والمسيرات أواخر يناير 2022م، والتي أضافت إلى تهديد الممر الملاحي للخليج تهديد الازدهار الاقتصادي والصناعي والعمراني والسياحي للدولة. ولم يكن بعيدًا عن ذلك تأثير التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل؛ حيث ترجمت كل من إسرائيل وإيران، عداءهما السياسي إلى حرب ظل بحرية دارت بعض عملياتها في الخليج العربي وجواره البحري.

وبشكل عام، فقد تأثرت مختلف الدول الخليجية من تبعات تراجع معدلات أمن الممر الملاحي في الخليج، الأمر الذي دفعها جميعها في أوقات مختلفة للتفكير الجدي في تجاوز المرور عبر مضيق هرمز من خلال إنشاء خطوط ملاحية جديدة، وحتى إيران نفسها كانت قد أعلنت في 22 يوليو 2021م، عن تدشين خط جديد لتصدير النفط يهدف لتجاوز مضيق هرمز ومياه الخليج. وأعلن الرئيس الإيراني السابق روحاني في كلمة متلفزة بدء العمل بخط أنابيب نقل النفط من كوره (جنوب غرب) إلى جاسك (جنوب شرق) المطّل مباشرة على بحر عمان في الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد بطول ألف كيلومتر، وتشغيل منصة التصدير في منطقة مكران". وبالتالي تفادي عبور الناقلات في مياه الخليج ومضيق هرمز.

ثالثًا: محاولات مأسسة أمن الممر الملاحي للخليج

عملت دول مجلس التعاون الخليجي على تنظيم حركة الملاحة فيما بينها من خلال آليات مختلفة. وتجاوزًا للوضع مع إيران، سعى بعضها لإبرام اتفاقيات ثنائية أو جماعية لضمان أمن الملاحة البحرية؛ فتم إصدار الدليل الموحد لقواعد وتعليمات الموانئ بدول المجلس واعتباره إلزاميًا، وجرى إعداد واعتماد النموذج الموحد لإحصائيات الموانئ بدول المجلس، وإصدار النظام البحري الموحد لدول المجلس، والعمل بموجبه في موانئ الدول الأعضاء، إلى جانب توقيع الدول الأعضاء على مذكرة تفاهم الرياض الخاصة بالتفتيش والرقابة على السفن في موانئ دول المجلس عام 2004م، والتي تعني بالسلامة وحماية البيئة البحرية في الإقليم، والتي تم تفعيلها عبر إنشاء مكتب سكرتارية ومركز معلومات المذكرة في مسقط.

ويتمثل الهدف الرئيسي لمذكرة تفاهم الرياض في إنشاء نظام فعال للرقابة من قبل دول الميناء داخل مناطقهم، من خلال تعاون أعضائه وتنسيق أنشطتهم، للقضاء على الشحن دون المستوى المطلوب، فضلاً عن تعزيز السلامة البحرية وحماية وصون ظروف العمل والمعيشة على متن السفن وحماية البيئة البحرية ضمن ولايتها القضائية ، وبمقتضى المذكرة تقوم كل سلطة بالالتزام بإنشاء نظام فعال لرقابة الدولة على الموانئ، مع الاهتمام دون تمييز فيما يتعلق بعلم السفينة وجنسيتها، لضمان تطبيق السفن التجارية الأجنبية المترددة على موانئ الدولة للمستويات القياسية بسلامة الملاحة لحماية الأرواح والممتلكات والبيئة البحرية ضمن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الصادرة من المنظمة البحرية الدولية.

وقامت دول مجلس التعاون بتأسيس مركز العمليات البحري الخليجي الموحد في البحرين، لينضوي تحت القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون، وهو المركز الذي اضطلع منذ العام 2011م، بمهمة تبادل المعلومات مع مراكز بحريات دول المجلس في مقره المؤقت حتى تم إنشاء مقره الدائم الذي افتتح في فبراير 2016م. ويمثل المركز قيادة مشتركة للقوات البحرية في دول مجلس التعاون يهدف إلى جمع المعلومات وتحليل البيانات وتقييم المخاطر وتقديم المشورات القانونية لقيادات القوات البحرية في دول المجلس كافة، وغيرها من أوجه التعاون العسكري من أجل تأمين حرية الملاحة بالمنطقة.

وفي أعقاب الهجمات الحوثية التي تعرضت لها المنشآت النفطية السعودية عام 2019م، أعلنت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة انضمامهما للتحالف الدولي لأمن الملاحة وسلامة الممرات البحرية، ليزداد عدد الدول الخليجية المنضمة لهذا التحالف إلى ثلاث، بعد إعلان مملكة البحرين الانضمام لذلك التحالف، والذي يشمل مضيق هرمز وباب المندب وبحر عمان والخليج العربي، وكان أحد المستجدات الخاصة بأمن الممر الملاحي للخليج، الإعلان في 8 سبتمبر 2021م، عن إنشاء ما أسمي بـ "القوة 59" في البحرين، من قبل البحرية الأمريكية. ووفق الناطق باسم الأسطول الخامس الأمريكي فإن هذه القوة هي "قوة عمل مكرسة لدمج سريع للأنظمة غير المأهولة المسيرة عن بعد والذكاء الاصطناعي مع العمليات البحرية في منطقة الأسطول الخامس بشكل أساسي"، تتضمن "أنظمة يمكن استخدامها تحت الماء، وعلى الماء وفوقه"، والهدف الأساسي من قيامها هو تعزيز الوعي بالمجال البحري وزيادة الردع. وقد تم اختيار منطقة عمليات الأسطول الخامس، للبدء في عمل القوة الجديدة، وسيتم توسيع نطاق القوة إلى مناطق أخرى لتشمل المحيط الهندي بأكمله، وكذا منطقة الهندي – الهادئ "Indo-Pacific"، وربما إدراجها في الأساطيل الأمريكية الباقية. مع ذلك، لا يبدو أن تشكيل هذه القوة قد شكل ضمانة حقيقية لأمن دول الخليج، حيث أن تعداد القوة لا يمثل نسبة معتبرة، بالمقارنة بحجم الانتشار العسكري الأمريكي في مواجهة الغزو العراقي للكويت (والذي بلغ 500 ألف جندي)، فضلاً عن ذلك فإن هدفها الأساسي هو الأمن الأمريكي الذي يرتبط بمسرح عمليات عالمي، على خلاف الوجود الأمريكي السابق في الخليج. 

وعلاوة على المسار الجماعي لدول المجلس لتلافي مهددات الملاحة البحرية، هناك المسار الانفرادي الذي سلكته بعض دول المجلس؛ فقد وقعت الإمارات مع إيران في 1 أغسطس 2019م، على مذكرة تفاهم مشتركة لتعزيز التعاون في مجال أمن الحدود البحرية  وكانت سلطنة عمان قد وقعت وإيران في مايو 2015م، على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في منطقة بحر عمان، ووفقًا للبيان الصادر عن البلدين في ذلك الوقت، فقد تم التوصل إلى الاتفاقية في «أجواء سادتها روح التعاون والصداقة للوصول إلى تحديد خط الحدود البحرية الفاصل وفقًا لمبادئ العدل والإنصاف وأسس القوانين الدولية» ذات الصلة. وفي أغسطس 2021م، تم استئناف رحلات النقل البحري بين خرمشهر والكويت، بعد مرور عام على توقف العمل بهذا الخط الملاحي. وفي سياق الأزمة الخليجية في عام 2018م، طالبت قطر إيران بزيادة حركة المرور بين ميناء "بوشهر" وميناء "حمد" لتعزيز التجارة بين البلدين ، ووقعت قطر مع إيران في أبريل من العام نفسه على اتفاقية لمواصلة التعاون الحدودي بينهما في الخليج، وبمقتضى الاتفاق يعتبر كل طرف نفسه مسؤولا عن حل مشاكل صيادي وملاحي الطرف الآخر، ويتوجب أن يبادر كل منهما لحل المشاكل في أسرع وقت ممكن.

مسارات الحركة المستقبلية

تزايدت التعقيدات الخاصة بأمن الخليج كممر ملاحي في السنوات الأخيرة، بسبب تنامي سلوكيات الهيمنة الإيرانية، بعد تعاظم مؤشرات تراجع الاهتمام الأمريكي بأمن الحلفاء في المنطقة، وتغير الرؤية الأمريكية للمصالح مع دول مجلس التعاون، مع تفاوت القدرات العسكرية لدول المجلس وتباين علاقاتها مع إيران، وتفاوت مستويات العدائية وممارسات التمييز في السلوك الإيراني نحو كل منها على حدة. ويلمح ذلك إلى أنه حتى لو تمت صفقة الاتفاق النووي الأمريكي مع إيران، فإن ذلك لن يعني تحقق الأمن الشامل للممر الملاحي الخليجي.

وأمام هذه التطورات تتبدى المسارات الأهم بالنسبة لدول المجلس في أربعة أساسية:

  • تعزيز التطوير العسكري الوطني، حيث تشير خلاصات الواقع الدولي، إلى أن حجم الدولة لم يعد هو المقياس الأساسي في قدرتها العسكرية، ويؤكد ذلك أن دولا أعضاء في مجلس التعاون تمكنت من تجاوز إشكالية صغر الحجم، ومارست أدوارًا عسكرية مهمة على امتداد الإقليم، ولم تقتصر على حماية الأمن القومي بالداخل، وتمكنت بسلوكها العسكري من تغيير التوازنات في كثير من الأزمات.
  • تكثيف تطوير سلاح البحرية الخليجية المشترك لدول مجلس التعاون، ودمجها وفق عقيدة عسكرية وأمنية جماعية قبالة التحديات الخاصة بأمن الممر الملاحي للخليج، بحيث تتكامل المؤسسات والأجهزة البحرية لدول المجلس الست في بناء قوة بحرية تبسط السلامة على أمن الممر المائي ومضيق هرمز، بحيث تطرح دول المجلس ذاتها باعتبارها رقما ذا وزن في معادلة الأمن البحري في الخليج.
  • إسناد رؤية ومساعي دول مجلس التعاون لأمن الممر الملاحي الخليجي بدعامات أو شبكة تحالفات إقليمية/ دولية، ويمكن أن يتضمن ذلك تحالفات كثيرًا ما جرى الحديث عنها وطرحها للعلن في السنوات الأخيرة، بما يمثل موازنًا ومكافئًا لإيران، ويمكن دول المجلس من التصدي لسياسات الهيمنة الإيرانية، بالأخص إذا أسند بتحالف دولي فرنسي بريطاني أمريكي.
  • التعاطي مع الصندوق المظلم لجهاز صنع القرار الإيراني، عبر مبادرات تنزع العدائية عنه وعن وكلائه الإقليميين، بصفقات تحدث صدعًا بين إيران ووكلائها، وبين الأجهزة وداخل المؤسسات الإيرانية وبينها وأتباعها في الإقليم، وهو ما يبدو أن بعض دول المجلس تتجه إليه بفتح مسارات التفاوض مع إيران والضغط الداخلي على حزب الله والحوثيين، وذلك بالترافق مع الاستمرار في إنشاء ممرات بديلة لنقل الطاقة، ويمكن التحرك في المسارين معًا.
مقالات لنفس الكاتب