array(1) { [0]=> object(stdClass)#14313 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 202

"الأصول الوطنية" تثير أزمات عالمية لتشابك علاقات دول الاتحاد الأوروبي مع العالم

الإثنين، 30 أيلول/سبتمبر 2024

تشهد أوروبا تحولًا ملحوظًا في المشهد السياسي، حيث صعدت القوى اليمينية المتطرفة بشكل لافت. هذا التحول لم يكن مجرد انعكاس للتغيرات المحلية، بل يرتبط بشكل وثيق بالأزمات العالمية التي تنعكس على التطورات المختلفة داخل القارة الأوروبية بشكل خاص؛ بحكم العديد من الاعتبارات أبرزها: أنها ساحة مركزية للعلاقات بين القوى الكبرى التي يتشكل منها بنية النظام العالمي، كما أن الجوار الإقليمي للقارة الأوروبية (إفريقيا ومنطقة الأوراسيا والشرق الأوسط بامتداده الجغرافي)، ترتبط أغلب دوله بروابط تاريخية واستعمارية بالقوى الأوروبية الرئيسية، هذا الجوار يفرض عليها الانخراط في قضايا هذه الأقاليم بمشكلاتها المعقدة والمستمرة. كما أن القارة الأوروبية تعد النموذج العالمي في المؤسسة الاتحادية؛ إذ يظهر الاتحاد الأوروبي باعتباره المؤثر الأكبر في سياسات الدول الأوروبية، بما يزيد من تأثير هذه السياسات في تشكيل العلاقات الأوروبية مع بقية دول العالم.

وعلى الرغم من الارتباط الشديد بين المؤسسات الاتحادية الأوروبية بالولايات المتحدة الأمريكية وتشابه سياساته ومواقفه الدولية معها حتى الآن؛ فإن دول الاتحاد الأوروبي لها نفوذها وتأثيرها العالمي المستقل وقد تتسع المسافات المواقف الأوروبية والأمريكية مستقبلًا إذا ما تغيرت موازين القوى العالمية أو إذا ما تنامت التيارات السياسية الشعبوية داخل الطرفين، التي تتفق مع الفكر اليميني بشكل عام واليمين المتطرف بدرجة أكبر.

وهذه المكانة المميزة عالمياً لدول الاتحاد الأوروبي تفرض الاهتمام ببحث التطورات والتغيرات الجارية داخلها، وبحث التأثير المحتمل لهذه التغيرات على السياسات الأوروبية عالمياً وإقليمياً. ويلاحظ كافة المهتمين بالشأن الأوروبي أن هناك مبالغة في تأثير تيار اليمين المتطرف، وهو ما عكسته انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة والتي تمت في يونيو 2024م.

في هذا السياق تناقش هذه الدراسة قضية جدلية حول العلاقة بين تصاعد تأثير تيار اليمين المتطرف في أوروبا وبين الأزمات العالمية، ومحاولة الإجابة على السؤال التالي: إلى أي مدى ساهمت الأزمات العالمية في زيادة تأثير اليمين في أوروبا؟ وإلى أي مدى يمكن أن يمثل هذا الصعود أزمة عالمية أو إقليمية؟

وفي محاولة الإجابة عن هذا السؤال، يمكن تناول العناصر التحليلية التالية: مفهوم تيار اليمين بصفة عامة، وتحليل تأثير الأزمات العالمية على زيادة تأثير هذا التيار، ويستعرض القوى الرئيسية لليمين في أوروبا، ويقيم مدى تأثير هذا الصعود على الساحة السياسية العالمية.

تيار اليمين المتطرف في أوروبا:

تيار اليمين المتطرف في أوروبا يختلف عن تيار اليمين التقليدي من حيث الشدة والتطرف في مواقفه، هذا التيار يشمل مجموعة من الأحزاب والجماعات التي تعتمد سياسات متشددة تجاه الهجرة وتعزيز الهوية الوطنية بطرق يمكن أن تكون متطرفة. وتعتمد الأحزاب اليمينية المتطرفة غالباً على الخطاب المعادي للأجانب والكراهية العرقية مستغلة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتوسيع نفوذها، كما تعارض هذه الجماعات السياسات الأوروبية المشتركة، خاصة تلك المتعلقة بالهجرة والتكامل الأوروبي، وتدعو إلى تعزيز السيادة الوطنية وتقليص دور المؤسسات الدولية.

وبهذا المعنى تتفاوت القوى السياسية اليمينية ما بين قوى معتدلة ومتطرفة في آرائها، وتتنوع في طبيعتها ما بين الأحزاب السياسية وهي الأكثر تأثيراً بحكم مشاركتها في مؤسسات الحكم داخل الدول الأوروبية، أو باتساع نفوذها داخل المؤسسات الاتحادية (البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي). وفيما يلي يمكن الإشارة إلى أبرز هذه القوى على المستويين الحزبي وغير الحزبي، فمن أبرز الأحزاب السياسية اليمينية المؤثرة:

  • ‏الجبهة الوطنية (فرنسا)، تحت قيادة مارين لوبان، أصبحت "الجبهة الوطنية" واحدة من أبرز ‏الأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا. الحزب يشتهر بسياساته المعادية للهجرة والمناهضة للاتحاد الأوروبي، ومن خلال استغلال مخاوف الناخبين من فقدان الهوية الوطنية والأزمات الاقتصادية، نجح الحزب في جذب ‏قاعدة دعم واسعة وحقق نتائج ملحوظة في الانتخابات المحلية والعامة. ‏
  • حزب البديل من أجل ألمانيا ‏AFD، والذي يعد من الأحزاب البارزة في ألمانيا التي ‏تتبنى سياسات متطرفة ضد الهجرة والاتحاد الأوروبي. حقق الحزب نجاحاً ملحوظاً في الانتخابات العامة، ‏مستفيداً من الاستياء الشعبي من السياسات التقليدية، كما حقق نجاحاً بارزاً في الانتخابات البرلمانية الأوروبية ويركز على القضايا الاقتصادية والأمنية، ويستغل ‏المخاوف الشعبية لتعزيز قاعدة دعمه. ‏
  • حزب استقلال المملكة المتحدة ‏UKIP‏، كان لهذا الحزب دوراً رئيسياً في ‏حملة الانفصال للمملكة عن الاتحاد الأوروبي "بريكست". ويركز الحزب على السيادة الوطنية ‏ومواجهة الهجرة، مما ساعده في تعزيز شعبيته، واستخدم القضايا الاقتصادية والهجرة ‏كمحاور رئيسية لحملاته الانتخابية، مما ساهم في جذب قاعدة دعم واسعة. ‏
  • إخوة إيطاليا، وهو من الأحزاب الرئيسية في إيطاليا ‏التي تتبنى سياسات قومية وشعبوية. الحزب يدعو إلى تعزيز الهوية الوطنية ومحاربة الهجرة، ولديه تأثير ‏متزايد على الساحة السياسية الإيطالية. "إخوة إيطاليا" ركز على تقديم نفسه كبديل قوي للحزب الحاكم في ‏إيطاليا، مستغلاً مشاعر الاستياء من الأزمات الحالية.

ـ حزب القانون والعدالة (بولندا)، يتبنى الحزب سياسات قومية ‏ومعادية للاتحاد الأوروبي، ويسعى لتعزيز السيادة الوطنية في بولندا. الحزب يروج لسياسات اقتصادية ‏واجتماعية متشددة تؤثر بشكل كبير على السياسة البولندية. وقد استخدم الحزب القضايا الوطنية ‏والأمنية لتعزيز سلطته السياسية والتأثير على السياسات الأوروبية. ‏

بالإضافة إلى الأحزاب السياسية، هناك عدة قوى غير حزبية تسهم في تعزيز اليمين المتطرف في أوروبا، ومنها:

  • وسائل الإعلام الشعبوية، التي تمارس دوراً كبيراً في تعزيز الخطاب اليميني ‏المتطرف، وأجندتها تعتمد على تعزيز مشاعر الخوف وكراهية الأجانب.
  • الحركات الاجتماعية، هناك العديد من الحركات الاجتماعية التي تدعو إلى تعزيز الهوية الوطنية ‏ومكافحة الهجرة، مثل "حركات مقاومة الإسلام السياسي" و"حركات حماية الهوية الثقافية". هذه الحركات غالباً ‏ما تتعاون مع الأحزاب اليمينية المتطرفة لتعزيز أجندتها، مما يساعد في زيادة تأثيرها في المجتمع ‏والسياسة.
  • المفكرون والمؤسسات الفكرية الذين يدعمون سياسات اليمين المتطرف ‏وتعزز من خطابه، من خلال نشر الأبحاث والدراسات التي تدعو إلى تعزيز الهوية الوطنية ومعارضة ‏السياسات الليبرالية، تلعب هذه المؤسسات دورًا في تشكيل الفكر السياسي وخلق مبررات للأيديولوجيات ‏المتطرفة.

ثانياً: تأثير الأزمات العالمية في زيادة قوة تيار اليمين في أوروبا:

شهدت أوروبا في العقدين الأخيرين صعوداً لتيار اليمين، سواء كان يميناً تقليدياً أو يميناً متطرفاً، وهو اتجاه له تداعيات كبيرة على السياسات الداخلية والدولية. يمكن ربط هذا الصعود بعدد من الأزمات العالمية، ويمكن مناقشة كيف أثرت هذه الأزمات على تصاعد تيار اليمين في أوروبا؟ فيما يلي:

الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008م، كان لها تأثير عميق على أوروبا؛ حيث تسببت في تباطؤ النمو الاقتصادي، وزيادة معدلات البطالة، وتقليص الخدمات الاجتماعية في العديد من الدول الأوروبية. أدت هذه الظروف إلى خلق حالة من الإحباط وعدم الثقة بين المواطنين تجاه المؤسسات الحاكمة والأحزاب التقليدية. في هذا السياق، برزت الأحزاب اليمينية كبديل يعد بإعادة السيطرة على الاقتصاد الوطني وحماية العمال المحليين. ركزت هذه الأحزاب على انتقاد العولمة والسياسات الاقتصادية النيو ليبرالية، مطالبة بزيادة الرقابة على التجارة والهجرة، ووعود بتقديم حلول سريعة للمشاكل الاقتصادية. وقد نجحت هذه الاستراتيجيات في جذب شرائح كبيرة من المجتمع، خصوصاً الطبقة العاملة والفئات المتضررة من الأزمة.

أزمة الهجرة التي بلغت ذروتها في عام 2015م، شهدت أوروبا موجات هجرة كبيرة على مدى العقدين الماضيين، وكان أبرزها أزمة اللاجئين في عام 2015م، عندما وصل أكثر من مليون لاجئ ومهاجر إلى أوروبا هرباً من النزاعات في بلدان مثل سوريا والعراق وأفغانستان. هذه الأزمات أثرت بشكل كبير على المجتمعات الأوروبية، حيث أدت إلى ضغوط هائلة على أنظمة الرعاية الاجتماعية، والتكامل الثقافي، وظهور تحديات جديدة في مجال الأمن. في عام 2023م، وصل عدد المهاجرين إلى أوروبا عبر البحر المتوسط والطرق البرية إلى ما يقرب من ‏‏250,000 مهاجر وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية. ويشمل ذلك جميع المهاجرين الذين وصلوا إلى دول ‏أوروبا عن طريق البحر المتوسط، مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا، أو عن طريق الطرق البرية، مثل طريق ‏البلقان. ‏ أما اللاجئون وطالبو اللجوء، ففي عام 2022م، قُدر عدد طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي بأكثر من 960,000 طلب، وهو أعلى مستوى منذ عام 2016م، عندما حدثت أزمة الهجرة الكبرى. يأتي هؤلاء ‏اللاجئون من دول مثل سوريا وأفغانستان والعراق وأوكرانيا. ‏

استفاد تيار اليمين المتطرف من هذه الأزمات لتغذية المخاوف من فقدان الهوية الوطنية وزيادة الجريمة المرتبطة بالمهاجرين. الأحزاب مثل "الجبهة الوطنية" في فرنسا و"البديل من أجل ألمانيا" ركزت على استخدام هذه المخاوف لتوسيع قاعدة دعمها، من خلال تقديم نفسها كمدافع عن الهوية الوطنية والأمن. هذه الأحزاب نجحت في جذب الناخبين من خلال إلقاء اللوم على المهاجرين والمطالبة بسياسات أكثر تشدداً بشأن الهجرة، مما ساهم في زيادة نفوذها في الانتخابات.

ومع تصاعد هذا الخطاب، ازدادت شعبية الأحزاب اليمينية في دول مثل ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، والمجر. وهو ما دفع الحكومات الأوروبية لتبني سياسات أكثر صرامة تجاه أزمة الهجرة واللجوء لدول الاتحاد، فبعد محادثات استمرت لثلاث سنوات حول “ميثاق الهجرة واللجوء”، انتهت باتفاق مبدئي للبرلمان الأوروبي في 25 ديسمبر 2023م، بشأن إصلاح واسع لسياسة الهجرة، بتشديد المراقبة على المهاجرين الوافدين للاتحاد، وإنشاء مراكز قرب الحدود لإعادة الذين لا يحق لهم اللجوء، ووضع آلية إلزامية بين الدول الأعضاء للتضامن مع الدول المعرضة لموجات لجوء أكثر، وتطبيق تدقيق إلزامي قبل دخول المهاجر لدول التكتل، ومن الممكن أن تستمر مسألة التحقق من الهوية لـ (7) أيام، ويتم أخذ صورة الوجه وبصمات الأصابع من الأطفال اعتباراً من (6) أعوام، لتقرر الدولة استكمال إجراءات اللجوء، أو إعادته للبلد الأصل أو العبور. وفي 10 أبريل 2024 م، صادق البرلمان الأوروبي على هذه التعديلات، رغبة في إفشال خطط اليمين الشعبوي، الذي يستغل ملف الهجرة لكسب أصوات في الانتخابات الأوروبية.

وعلى المستوى الوطني، عملت ألمانيا على تشديد قواعد الهجرة واللجوء، بوضع ضوابط على الحدود مع دول الجوار مثل بولندا والتشيك، والمساعدة على تشديد الرقابة للحدود الخارجية للتكتل الأوروبي. وفي 27 سبتمبر 2023م، أكد المستشار الألماني أولاف شولتز على إتمام المفاوضات بشأن “مرسوم الأزمات” كإجراءات إضافية مرنة ومحددة لمواجهة الهجرة. وأجرت الداخلية الألمانية في 2 أكتوبر 2023م، مناقشات مع (6) دول حول “شراكات الهجرة”، لتشديد الرقابة على الحدود. كما أقرت فرنسا في 11 مارس 2023م، اتفاقاً حول تدفق طالبي اللجوء انطلاقاً من الأراضي الفرنسية، بتأسيس مركز احتجاز بشمال فرنسا لطالبي اللجوء، والتنسيق على الحدود الفرنسية البريطانية للتصدي لمشكلة المعابر. وفي 20 يونيو 2023م، أعلنت الداخلية الفرنسية أنها ستقدم (25.8) مليون يورو لتونس لوقف قوارب المهاجرين القادمة من البحر المتوسط، وفي 20 ديسمبر 2023م، أقر البرلمان الفرنسي تشريعاً لتشديد سياسة الهجرة، بعد تأييد حزب النهضة (ذو الميول الوسطية) ويتزعمه إيمانويل ماكرون، وحزب التجمع الوطني اليميني بزعامة مارين لوبان. ويستهدف التشريع منع المهاجرين المقيمين بفرنسا من إحضار أفراد عائلاتهم للبلاد، وحظر احتجاز القاصرين في مراكز الاحتجاز.

ارتباط التهديدات الإرهابية بالمهاجرين، أدت الهجمات الإرهابية التي شهدتها أوروبا في العقد الماضي، مثل تلك التي حدثت في باريس وبروكسل وبرلين، غذت المخاوف من التهديدات الأمنية الداخلية. الأحزاب اليمينية المتطرفة قدمت نفسها كحماة للأمة، مقترحة سياسات صارمة تجاه المهاجرين وتعزيز مراقبة الحدود. هذا الخطاب الأمني، الذي يركز على التصدي للإرهاب وحماية المواطنين، ساعد في تعزيز دعم هذه الأحزاب. العديد من الناخبين اعتبروا الأحزاب اليمينية المتطرفة الخيار الأنسب لضمان الأمن والاستقرار، مما أدى إلى زيادة تأثيرها السياسي في الانتخابات. استغلت الحركات اليمينية هذه الهجمات لتبرير أجنداتها المناهضة للهجرة والإسلام؛ إذ ركزت الحملات السياسية للأحزاب اليمينية على تقديم سياسات أكثر صرامة فيما يتعلق بالأمن القومي، بما في ذلك زيادة الرقابة على الحدود، والتوسع في صلاحيات الأجهزة الأمنية.

أزمة كوفيد-19، عززت جائحة كورونا تصاعد اليمين في أوروبا بطرق مختلفة. من جهة، أدت الجائحة إلى تشكيك المواطنين في كفاءة الحكومات في إدارة الأزمة الصحية والاقتصادية، ما أعطى زخماً للأحزاب اليمينية التي قدمت نفسها كبديل سياسي. ومن جهة أخرى، استفادت الحركات اليمينية من انتشار نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة حول الجائحة، وروجت لفكرة أن النخب السياسية والطبية تسيطر على حقوق المواطنين وحرياتهم. كذلك، استغلت هذه الأحزاب الغضب من سياسات الإغلاق الإجباري وتلقيح السكان لتعزيز شعبيتها، حيث نادت بحماية "حريات الأفراد" ومعارضة ما وصفته بالإجراءات "التعسفية".

أزمة الحرب الأوكرانية 2022م، التي بدأت في فبراير 2022م، وما زالت جارية، كان لها تأثير كبير على السياسة الأوروبية، بما في ذلك تعزيز قوة الأحزاب اليمينية في العديد من الدول الأوروبية. امتدت تداعيات هذه الحرب لكافة الدول والأقاليم في العالم، لكن كان الأثر الأكبر في أوروبا، بما وفرته من بيئة خصبة للأحزاب اليمينية في أوروبا لتعزيز شعبيتها من خلال استغلال مخاوف المواطنين بشأن الهجرة، الاقتصاد، والأمن. ومع استمرار الحرب وتداعياتها على الساحة الدولية، من المتوقع أن تستمر هذه الأحزاب في الاستفادة من الوضع لتعزيز نفوذها السياسي، ما لم تتمكن الأحزاب التقليدية من تقديم حلول أكثر فعالية للأزمات الراهنة. وفيما يلي يمكن الإشارة لأهم التداعيات التي كان لها أثر في تصعيد اليمين الأوروبي:

  1. المخاوف من أزمة الهجرة والأمن؛ فقد أدت الحرب إلى تدفق ملايين اللاجئين من أوكرانيا إلى دول الاتحاد الأوروبي، مما زاد من الضغط على هذه الدول لإيجاد حلول سريعة لإيوائهم وتوفير الخدمات الأساسية لهم. وقد استثمرت الأحزاب اليمينية المخاوف المتزايدة من تأثير الهجرة على الاقتصاد المحلي، والهوية الوطنية، والأمن الداخلي. وركزت على تحذير المواطنين من "أزمة هجرة جديدة" وأصرت على أن الأنظمة الحاكمة فشلت في حماية الحدود الأوروبية.
  2. تفاقم الأزمات الاقتصادية والطاقة؛ أثرت الحرب بشكل كبير على الاقتصاد الأوروبي، خاصة من خلال تعطيل إمدادات الطاقة والمواد الغذائية. أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والتضخم، ووظفت الأحزاب اليمينية هذه الأزمة الاقتصادية لتوجيه انتقادات حادة للحكومات القائمة وسياساتها، مشيرة إلى فشلها في حماية مواطنيها من تأثيرات الحرب الاقتصادية، ولذا عززت هذه الأحزاب حملاتها بالدعوة إلى سياسات اقتصادية وطنية تركّز على تقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة، ورفع العقوبات عن روسيا، واتباع نهج جديد للتفاوض معها، متهمة الحكومات التقليدية بالانصياع للمصالح الأمريكية والغربية على حساب الشعوب الأوروبية.
  3. الاستفادة من تصاعد القومية والشعور الوطني؛ أدت الحرب إلى تصاعد الشعور القومي في العديد من الدول الأوروبية، حيث تم إعادة تقييم مسألة الهوية الوطنية والسيادة. لعبت الأحزاب اليمينية على هذا الوتر، معززة من خطابها القومي والسيادي، واستخدمت الحرب كدليل على ضرورة تعزيز الدفاع الوطني وتقليل الاعتماد على التحالفات الدولية، مثل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، واتباع سياسات خارجية أكثر استقلالية. ومن ثم ساهمت هذه الرسائل في جذب المؤيدين الذين يشعرون بأن دولهم يجب أن تكون أكثر استعداداً لمواجهة التهديدات الخارجية، سواء كانت من روسيا أو من التدخلات الغربية.
  4. تقوية التيار المناهض للعولمة والنخب؛ لعبت الحرب دوراً في تعزيز مشاعر العداء تجاه العولمة والنخب السياسية والاقتصادية التي يُعتقد أنها تسيطر على الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية. وزادت الأحزاب اليمينية من الخطاب الشعبوي القومي، منتقدة الأحزاب الحاكمة صاحبة الاتجاهات المعولمة بأنها تفرض سياسات خارجية ودفاعية لا تخدم مصلحة الشعوب الأوروبية، فمساعدة أوكرانيا أو معاقبة روسيا لا يجب أن تكون على حساب الشعوب الأوروبية! على سبيل المثال، "البديل من أجل ألمانيا" انتقد السياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي وقدم نفسه كبديل قادر على حماية الاقتصاد الألماني من تأثيرات العولمة، هذه السياسات الحمائية جذبت قاعدة دعم واسعة من المواطنين الذين كانوا يشعرون بالتهديد من فقدان وظائفهم وأمنهم الاقتصادي.

 

ثالثًا: إلى أي مدى يمكن أن يمثل صعود تيار اليمين في أوروبا أزمة سياسية أو عالمية؟

يمثل صعود تيار اليمين المتطرف في أوروبا تحدياً كبيراً للاستقرار الأوروبي والعالمي. تعتمد قدرة هذه ‏الأحزاب على إحداث أزمة على مستوى أوروبا أو العالم على نجاحها في الوصول إلى السلطة وتنفيذ ‏سياساتها. لكن من الواضح أن تأثيرها الحالي قد أدى بالفعل إلى تعزيز النزعات القومية والشعبوية، وزيادة ‏الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي. لمواجهة هذا التهديد، أي أنه يؤثر بشكل كبير على السياسة العامة، سواء كان ذلك على الصعيد الوطني أو على مستوى الاتحاد الأوروبي. فمع وصول بعض الأحزاب اليمينية إلى السلطة أو تعزيز نفوذها في البرلمانات الوطنية والاتحادية، بدأت تظهر تغييرات ملموسة في السياسات المتعلقة بالهجرة، والتجارة، والعلاقات الدولية. كما أدت هذه التغيرات إلى زيادة التوترات داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة بين الدول التي تتبنى سياسات يمينية متشددة وتلك التي تدعو إلى التكامل الأوروبي والانفتاح.

من المرجح أن يستمر الجدال والتوتر بين التيارات السياسية الكبرى في أوروبا ما بين التيار النيو ليبرالي واليساري في جهة والتيار اليميني المعتدل والمتطرف في جهة أخرى، وقد يتسع هذا الجدال مع وصوله للمستوى الاتحادي وزيادة القاعدة الشعبية المؤيدة لآراء قوى اليمين، خاصة مع اعتماد هذه القوى على الحركات الشعبوية في القارة.

وفي هذا السياق يظهر اتجاه يرى أن تنامي قوة وتأثير القوى السياسية اليمينية في أوروبا قد يمثل أزمة في حد ذاته، على الرغم من مساهمة الأزمات العالمية في صعوده، ويستند هذا الرأي على تداعيات هذا التنامي أوروبياً وعالمياً، وأهمها:

أزمة للقيم الديمقراطية الليبرالية:

يمثل صعود تيار اليمين المتطرف تحدياً كبيراً للقيم الديمقراطية التي بُنيت عليها الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية؛ فالأحزاب اليمينية المتطرفة غالباً ما تعارض التعددية والتنوع، وتدعو إلى سياسات قومية قد تؤدي إلى تآكل القيم الأساسية للديمقراطية. مثل هذه السياسات يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الانقسامات داخل المجتمعات الأوروبية، مما يهدد الاستقرار السياسي الداخلي. الهجمات على المؤسسات الديمقراطية، مثل الصحافة الحرة والقضاء المستقل، تعد مؤشراً على المخاطر التي قد تترتب على صعود اليمين المتطرف. وتدعو الأحزاب اليمينية المتطرفة أيضًا إلى تقليص حقوق الأقليات وتعزيز قوانين قمعية قد تهدد الحقوق والحريات الأساسية. مثل هذه السياسات يمكن أن تؤدي إلى تراجع في مستوى حقوق الإنسان، وتزيد من التوترات بين الفئات المختلفة في المجتمع، مما يضعف التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.

أزمة للمؤسسات الاتحادية الأوروبية:

تميل الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى إعلاء المؤسسات الوطنية وغلبة النزعة القومية عن المؤسسات والقيم الاتحادية، خاصة وأن هذه الأحزاب في دول أوروبا الغربية تستخدم في خطابها السياسي أن المستفيد الأساسي من المؤسسات الاتحادية هي دول شرق أوروبا حديثة الانضمام للاتحاد، وهذا قد يؤثر على تماسك الاتحاد الأوروبي. وحتى إذا ما استمر الاتحاد بمؤسساته المختلفة فإن المعارضة القوية للأحزاب اليمينية المتطرفة للمؤسسات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي قد تعرقل جهود التعاون الدولي لمواجهة القضايا العالمية، مثل الأمن الإقليمي والتغير المناخي من خلال تقليص الدور الذي تلعبه المؤسسات الدولية، قد تشهد أوروبا والعالم تراجعاً في مستوى التنسيق الدولي والتعاون في معالجة الأزمات العالمية.

أزمة للعلاقات الأوروبية مع دول الجوار الإقليمي:

على المستوى الدولي، يشكل صعود تيار اليمين المتطرف تهديداً للعلاقات الدولية والتعاون العالمي؛ إذ تميل الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى اتخاذ مواقف انعزالية، مما يعزز من النزعات الوطنية ويقلل من التزام الدول بالاتفاقيات الدولية والتعاون بين الدول. هذه السياسات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام الأوروبي وتعقيد العلاقات الدولية، مما يؤثر على الأمن والسلام العالميين.

أزمات اجتماعية داخل الدول الأوروبية:

تساهم أحزاب اليمين الشعبوي في ازدياد الاستقطاب الاجتماعي وتُشعل فتيل التوترات بين مختلف فئات ‏المجتمع‏؛ إذ أنها تعادي السياسات والخطاب اليميني المتطرف للأجانب والأقليات العرقية والدينية، مما يؤدي إلى زيادة التوترات والانقسامات الاجتماعية داخل الدول الأوروبية. هذه التوترات قد تمتد إلى دول أخرى، يعزز العنصرية وينشر كراهية الأجانب على مستوى عالمي، وهذا يزيد من حالات الاعتداءات العنصرية والإرهاب اليميني التي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية في الدول المتأثرة وتساهم في زيادة عدم الاستقرار.

أزمة انتشار تأثير تيار اليمين عالميًا:

تصاعد تيار اليمين المتطرف في أوروبا يمكن أن يشجع حركات وأحزاب مماثلة في دول أخرى، مما يزيد من الاستقطاب والتوترات الاجتماعية والسياسية على مستوى عالمي. الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا غالباً ما تكون مصدر إلهام لحركات مشابهة في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وآسيا. التأثيرات العالمية يمكن أن تشمل تشجيع الحركات الشعبوية والقومية في مناطق مختلفة، مما يزيد من التحديات أمام الديمقراطية والتعاون الدولي.

كما تشكك الأحزاب اليمينية المتطرفة في التوافق العالمي حول قضايا مثل تغير المناخ، مما يمكن أن يؤدي إلى تراجع الجهود الدولية لمكافحة هذه الأزمة العالمية، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تراجع الدعم العالمي لمبادرات حماية البيئة وتفاقم الأزمات البيئية التي تؤثر على البشرية جمعاء. وبالتالي قد تزداد التوترات بين الدول حول قضايا البيئة والمناخ، مما يعرقل الجهود العالمية لمواجهة التحديات البيئية.

وعلى المستوى الاقتصادي فإن الأحزاب اليمينية المتطرفة تميل إلى تعزيز السياسات الحمائية، والتي يمكن أن تؤدي إلى زيادة التوترات التجارية والاقتصادية على مستوى عالمي. سياسة الإغلاق الاقتصادي والتقليل من التعاون الدولي في مجال التجارة يمكن أن تؤدي إلى أزمات اقتصادية جديدة وتفاقم الأزمات القائمة. هذه السياسات الحمائية قد تؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وزيادة التوترات التجارية بين الدول، مما يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي والاستقرار العالمي.

ختامًا

في الختام، يمكن القول إن تصاعد تيار اليمين في أوروبا هو نتيجة لتفاعل معقد بين الأزمات العالمية والسياسات المحلية. استغل اليمين هذه الأزمات لتعزيز شعبيته من خلال تبني خطابات قومية وشعبوية تعد بالحلول السريعة والعودة إلى "الأصول الوطنية"، ومع استمرار الأزمات والتحديات العالمية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذا التيار وقدرته على التأثير في المشهد السياسي الأوروبي بشكل دائم، وهو ما يثير احتمال أن يكون صعود تيار اليمين المتطرف في أوروبا كأزمة سياسية وعالمية نتيجة لتداخل وتشابك سياسات وعلاقات دول الاتحاد الأوروبي مع القوى الكبرى والمتوسطة الرئيسية في العالم، ويشتبك أيضًا مع أزمات عالمية لا تقتصر على أوروبا مثل الهجرة، والأزمات الاقتصادية، والأمنية بما يعزز بقاء تأثير هذا التيار وما يمكن أن يسببه من أزمات.

مقالات لنفس الكاتب