تشكل أحزاب اليمين المتطرف تهديدًا خطيرًا لأوروبا في ظل المعاناة من آثار الحرب في أوكرانيا، واحتمالية وصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة للمرة الثانية، وتراجع مستويات المعيشة، وتردي أنظمة الرعاية الاجتماعية، والظروف المناخية الصعبة. وكثيرًا ما تكون هذه الأحزاب اليمينية متعاطفة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومعادية تمامًا للسياسات العامة الخضراء، والمهاجرين، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي. يقول بعض المراقبين بأن التفسير لظاهرة صعود اليمين يكمن في أزمة الديمقراطية، والتي تبدو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عاجزة عن الوفاء بوعودها على المستوى النظري. كما يشيرون إلى أن التناوب بين حكومات يمين الوسط ويسار الوسط التقليدية في أوروبا لم ينتج عنه أي بدائل حقيقية من حيث النماذج الاقتصادية، بل اختلافات طفيفة وعلى نمط واحد ليس فيها تغيير نوعي، كما يبدو أن المؤسسات النيابية أصبحت مجردة من المعنى حيث تختزل الانتخابات في النظام التعددي إلى مجرد طقوس لا معنى لها.
وعلى الرغم من أن الأحزاب المؤيدة للاتحاد الأوروبي ستظل تتمتع بالأغلبية في البرلمان الأوروبي المقبل، وهناك انقسام شديد داخل الأحزاب اليمينية المتطرفة في عديد من القضايا، إلا أنه من الواضح أهمية ألا تركن الأحزاب التقليدية للوضع السياسي الراهن، وأن تسعى لكشف تضليل الشعبويين من خلال إظهار كيف يمكن لسياساتهم المتطرفة أن تأتي بنتائج عكسية. في هذا السياق، يستخدم مصطلح اليمين المتطرف بشكل فضفاض ومتبادل في وسائل الإعلام، إلا أن هذه التيارات اليمينية تختلف نوعيًا عن بعضها البعض على الرغم من سيولتها ووجودها على نفس الطيف الأيديولوجي. على سبيل المثال، ينوه الباحثون إلى أن هناك 26 تعريفًا مختلفًا للتطرف اليميني، وتشترك هذه المجموعات في خمس خصائص مشتركة وهي: العنصرية، والقومية، وكراهية الأجانب، ومعاداة الديمقراطية، والرغبة في حكومة قوية.
صعود اليمين المتطرف
1ـ هناك العديد من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المختلفة لصعود اليمين في أوروبا، ومن الصعب ذكر أيهما الأكثر أهمية. من المؤكد أن الأزمة المالية العالمية التي حدثت في عام 2008م، والسعي الحثيث من جانب الاتحاد الأوروبي والسلطات الوطنية للسيطرة على العجز الاقتصادي وتدابير التقشف النيوليبيرالية تشكل أحد العوامل الرئيسية التي أعطت دفعة لنمو الشعبويين. لقد أدت هذه السياسات الاقتصادية إلى زيادة الفجوة بين النخبة ذات الامتيازات وبين الأغلبية في قطاعات المجتمع، ومن ثم توفرت لليمين المتطرف فرصاً لاستغلال استياء قطاعات تم تهميشها من المجتمع. لقد تفاقم الوضع في أوروبا بسبب التغيرات الاجتماعية التي تأثرت بها الطبقة العاملة الصناعية في السابق، والتي كانت تدعم الأحزاب اليسارية التقليدية.
بدأ هذا التيار في الاستفادة من الاستياء الشعبي الأوروبي تجاه الطبقة السياسية القائمة ويقوم بتصويرها على أنها فاسدة وصفوية واحتكارية، كما أن النظام أصبح عاجزاً في مواجهة جشع الشركات الاقتصادية والمالية الكبرى والتي لا يمكن المساس بها. ولذلك يتم اتهام الأحزاب القائمة بشكل متواصل بعدم تمثيلها الفعلي للشعب. في مقابل ذلك، يدعو اليمين المتطرف إلى المشاركة السياسية المباشرة، ووضع الثقة في زعماء ذوي كاريزما قادرين على التواصل مع الناس دون وسيط، ومن ثم إلغاء الطبقة السياسية القديمة بشكل جماعي (بغض النظر عما إذا كان اليسار أو اليمين التقليدي في السلطة) بسبب المحسوبية الحزبية والعجز عن حل المشاكل الاجتماعية.
لقد زاد التجاذب العام المرتبط بالاتحاد الأوروبي مع مشاركة المزيد من الجهات الفاعلة -السياسية أو غير السياسية -في المناقشات المتعلقة بالاتحاد والتعبير عن وجهات نظر مختلفة. وبسبب الأزمات المتتالية في أوروبا في عدد من القضايا، فقد برز الاتحاد الأوروبي على رأس جدول الأعمال كمحرك محتمل، أو معوق أمام إيجاد حلول فيما يتعلق بالسياسة العامة. من ثم، أصبح هناك انخفاض في الثقة وارتياب لدى قطاعات كبيرة من المجتمعات الأوروبية تجاه الاتحاد مع تحميله المسؤولية للمشاكل في أوروبا، وصارت قضية الاندماج الأوروبي قضية إضافية تدعم آفاق صعود اليمين المتطرف الانتخابية.
لم يعد اليمين المتطرف يشكك في المشروع الأوروبي فقط، بل يشجع على كراهية أوروبا بشكل كامل، بحجة أن العولمة والأوروبية وجهان لعملة واحدة، بما يعني أن النخب القوية تقوم بمناورات لنزع هوية الشعوب الأوروبية. ويصور اليمين هذا المشروع الأوروبي على أنه نوع من الاتحاد السوفييتي الحديث، ويعتبره مصطنع ويلغي الأوطان. وفي حين يتفق اليمين المتطرف بأكمله في رفضه الصريح لأي فيدرالية سياسية مستقبلية محتملة للاتحاد الأوروبي، إلا أن هناك سيولة في المواقف، فقد تدعم بعض تياراته أشكالاً معينة من التعاون بين الحكومات. وفي هذا الصدد، تدعو بعض أحزاب اليمين المتطرف إلى الخروج من الاتحاد، وآخرون يدعون إلى حله، وآخرين إلى "تقليصه" ليكون مجرد منسق اقتصادي للدول ذات السيادة. هذا الرفض للاتحاد الأوروبي في شكله الحالي لا يمنعها من أن يكون لها حضور كبير في البرلمان الأوروبي، حيث تسعى بعض الأحزاب اليمينية المختلفة أن تشكل مجموعة قوية فيه ككتلة الهوية والديمقراطية. تعاني هذه الأحزاب من انقسامات كبيرة داخل البرلمان الأوروبي، وهي منقسمة بين مجموعتين برلمانيتين متنافستين، وبعضها غير مرتبط بأي منهما. ويختلف التيار اليميني بشأن حرب أوكرانيا، والسياسة الاقتصادية، وحقوق المثليين جنسيًا، والأهم من ذلك، ما إذا كان ينبغي لها أن تعمل داخل نظام الاتحاد الأوروبي أو ضده. ومن المحتم أن تؤدي مثل هذه الخلافات إلى إضعاف نفوذها.
لا شك إن الاتحاد الأوروبي يمر بفترة صعبة، حيث أدت الأزمة المالية وما تلاها من عواقب اقتصادية، والمستوى المتصاعد للإرهاب الإسلامي السلفي محليًا إلى جانب التأثير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأزمة اللاجئين، إلى تغذية الإحباط المتزايد، وتصورات انعدام الأمن، وعدم اليقين والخوف في العديد من المجتمعات الأوروبية. يُنظر إلى اليمين المتطرف بشكل عام على أنه رأس الرمح في تناول وإثارة قضية الهجرة. ويرتبط المهاجرون في الدول الأوروبية بمجموعة متنوعة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تتراوح من البطالة والجريمة إلى الحديث عن التغيير الديموغرافي، مما يشكل تهديدًا لـ "طريقة الحياة على المستوى الوطني." إن الهوس الأيديولوجي الرئيسي لليمين المتطرف يتمثل في مسألة النقاء العرقي، حيث يتجلى ذلك في خطابه وتحركاته من خلال الرفض الصريح للهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي، ورفض مشروع الاتحاد الأوروبي نفسه على نحو متزايد. وبطبيعة الحال، تشكل كراهية الأجانب أحد العوامل التي تقدم أكبر المكاسب الانتخابية لهذا التيار، الذي اشتهر بخطابه الشعبوي فيما يتصل بـالمخاطر المزعومة للهجرة، وخاصة المهاجرين المسلمين، الذين يتم تصويرهم على أنهم غير قادرين على الاندماج ومناقضين بشكل كبير للحضارة المسيحية والغربية. ويتهم الشعبويون هؤلاء المهاجرين باستغلال نظام الرفاه الأوروبي، والتسبب في ارتفاع معدلات الجريمة (بما في ذلك الإرهاب)، وكذلك إدخال الأمراض التي تم القضاء عليها في أوروبا. مع ذلك، هناك إجماع متزايد على أن أحزاب اليمين المتطرف ليست أحزابًا ذات قضية واحدة، حيث يظهر أن هناك طرقًا متعددة لحصولها على التصويت، غير موضوع الهجرة.
يمكن تقسيم اليمين المتطرف الأوروبي إلى نمطين رئيسيين، وإن كان من الصعب التمييز بينهما بشكل متزايد: الأحزاب القديمة ذات الأصول الفاشية الجديدة والأحزاب الشعبوية الحديثة. وفي كل الأحوال، تستند جميع هذه الأحزاب إلى زعامات قوية ومنظمات هرمية وقواعد نشطة متطرفة.
لقد أصبحت الأحزاب التقليدية (من اليمين "المعتدل" إلى قطاعات معينة من الديمقراطيين الاجتماعيين) تتبنى جوانب من خطاب اليمين، بل وبدأت حتى في تنفيذ بعض الحلول التي يقترحها التيار اليميني كطرد المهاجرين غير الشرعيين واحتجازهم في ظروف أشبه بالسجن. ومن ثم، نجح اليمين المتطرف في استمالة المحافظين "المعتدلين" وشريحة من الديمقراطيين الاجتماعيين نحو اليمين.
اليمين المتطرف وديناميكية السياسة الأوروبية
يواصل اليمين المتطرف توسيع نفوذه في الاتحاد الأوروبي، حيث عانى بعض أبرز الزعماء الأوروبيين من انتكاسات في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة، وتحصلت الأحزاب اليمينية المتطرفة على مكاسب كبيرة، رغم فشلها في تحقيق النتائج التي توقعتها استطلاعات الرأي، باستثناءين مهمين. في فرنسا، حصل ائتلاف يضم حزب النهضة الذي يتزعمه الرئيس إيمانويل ماكرون على 14.6% فقط من الأصوات. وفاز حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، الذي خاض حملته الانتخابية على أساس بطاقة معادية للهجرة، بنسبة 31.3% من الأصوات (فاز ب 30 من أصل 81 مقعدًا لفرنسا في البرلمان الأوروبي.) ودفعت النتائج ماكرون إلى حل البرلمان الفرنسي على الفور والدعوة إلى انتخابات محلية مبكرة. كما عانت الأحزاب الوسطية في ألمانيا من انتكاسات. فقد احتل حزب المستشار الألماني أولاف شولتز الديمقراطي الاجتماعي المركز الثالث في الانتخابات الأوروبية خلف حزب البديل من أجل ألمانيا الذي حصل على المركز الثاني (بنسبة 16% من الأصوات و15 مقعدًا)، وهو حزب يميني متطرف على الرغم من تعرضه لسلسلة من الفضائح المتعلقة بالتجسس لصالح الصين، والعلاقات الوثيقة مع روسيا، والتعاطف مع النازية. في الوقت نفسه، في إيطاليا، عززت حزب رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني اليميني "إخوان إيطاليا" موقفها بنسبة 28.7% من الأصوات.
في هذا الإطار، تم تعيين ديك شوف، رئيس جهاز الخدمة السرية السابق، رئيساً للوزراء في هولندا في يونيو الماضي بعد فوز حزب الحرية اليميني المتطرف، بقيادة خيرت فيلدرز، في الانتخابات التي جرت قبل سبعة أشهر. وقد تم تكوين ائتلاف جديد حمل عنوان "الأمل والشجاعة والفخر"، حيث فرض تدابير صارمة على طالبي اللجوء، وألغى لم شمل الأسرة للاجئين، وسعى إلى تقليل عدد الطلاب الدوليين الذين يدرسون في البلاد. هذا الموقف سيؤثر على كيفية تنفيذ ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء في هولندا، وستكون هذه الإجراءات مرجعًا للدول الأعضاء الأخرى التي تنتقد الاتفاقية التي تمت الموافقة عليها مؤخرًا.
وبالإضافة إلى هولندا، يشارك اليمين المتطرف في حكومات ائتلافية في إيطاليا، وفنلندا، وجمهورية التشيك، وكرواتيا. لقد شهد أقدم وأكبر حزب في السويد وهو الحزب الديمقراطي الاجتماعي، تراجعًا تدريجيًا في شعبيته، وفي المقابل، حقق الديمقراطيون الشعبيون المناهضون للهجرة، والذين كانوا يُعتبرون ذات يوم مجموعة هامشية ذات ماضٍ فاشي، مكاسب كبيرة حيث يشغلون الآن خُمس المقاعد في البرلمان الوطني. ونتيجة لذلك، يحكم البلاد الآن ائتلاف أقلية من يمين الوسط يعتمد على دعم الشعبويين اليمينيين، حيث أصبحت قضية الهجرة تشكل قضية سياسية رئيسية بالنسبة للديمقراطيين السويديين. من ناحية أخرى، تعتبر المجر الدولة العضو الوحيدة التي يتولى فيها السلطة وبأغلبية حزب يميني متطرف (حزب فيدز).
وفي النمسا، يتصدر اليمين المتطرف استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الوطنية المقررة في سبتمبر 2024م. وفي البرتغال وسلوفاكيا، زاد اليمين المتطرف من حصته من الأصوات بشكل ملحوظ في الانتخابات المحلية الأخيرة. وفي ألمانيا استطاع حزب البديل من أجل ألمانيا ان يتحصل على مكاسب كبيرة في الانتخابات الإقليمية مما يشكل صفعة قوية للمؤسسة السياسية.
إن زعماء الحكومات اليمينية المتطرفة قادرون على عرقلة عمل الاتحاد الأوروبي، ولكن ليس بالضرورة متفقين على كل القضايا، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالسياسة الدولية، والحرب في أوكرانيا مثال على ذلك. وليس من الواضح ما إذا كانوا سيتمكنون دائمًا من إيجاد حل وسط فيما بينهم. من ناحية أخرى، يتمتع بعض زعماء اليمين المتطرف بسمعة طيبة باعتبار انخراطهم بشكل بناء داخل الاتحاد الأوروبي، وكمثال رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
في هذا الإطار، تنقسم الأحزاب اليمينية الشعبوية في البرلمان الأوروبي إلى كتلتين رئيسيتين بشكل عام وهي مجموعة المحافظين والإصلاحيين، ومجموعة الهوية والديمقراطية. وتضم مجموعة المحافظين والإصلاحيين، التي تعتبر نفسها يمين الوسط، أحزابًا شعوبية يمينية ومحافظة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل حزب الإخوة الإيطاليين بزعامة ميلوني رئيسة الوزراء الإيطالية الحالية، وحزب القانون والعدالة البولندي. هذه المجموعة لها 83 مقعدًا في البرلمان الأوروبي، وهي ثالث أكبر كتلة برلمانية، ولذلك فإن ميلوني، أحد القادة الرئيسيين للمجموعة، تريد أن ينعكس هذا الحجم في تخصيص المناصب العليا في الاتحاد الأوروبي. من الناحية الأخرى، هناك أيضاً كتلة الهوية والديمقراطية في البرلمان وتشمل أحزاب يمينية متطرفة، مثل التجمع الوطني الفرنسي، ورابطة إيطاليا، وحزب الحرية النمساوي، وحزب فلامس بيلانغ السويدي، وحزب الشعب المحافظ في إستونيا، وحزب الشعب الدنماركي في الدنمارك، وحزب الحرية والديمقراطية المباشرة في جمهورية التشيك، وحزب الحرية في هولندا. وتعد هذه الكتلة خامس أكبر مجموعة حيث تضم 58 عضوًا في البرلمان الأوروبي. ونظرًا للمواقف المتطرفة التي تتخذها هذه الكتلة غالبًا، تتجنب الكتل الرئيسية تقديم أي تنازلات وترفض التفاوض معها. إلى جانب ذلك، هناك أحزاب متطرفة أخرى، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب فيدز المجري، والاتحاد البولندي، الذين لم ينضموا إلى أي مجموعة في البرلمان الأوروبي. وكان حزب البديل من أجل ألمانيا عضوًا في الكتلة، وطُرد من هذه المجموعة في مايو الماضي.
من جهة أخرى، تسبب اليمين المتطرف في سلوفاكيا في تسميم المناخ السياسي وزيادة الاستقطاب خاصة بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء روبرت فيتسو في مايو الماضي، والذي يقود حزب الاتجاه-الديمقراطية الاجتماعية والذي لا يخفي مواقفه المعادية للمهاجرين واللاجئين، وكذا كراهيته للإسلام، كما يرفض فكرة تعدد الثقافات ويصفها بأنها "خيال"، كما تعهد بعدم قبول بلاده مطلقا حصص الاتحاد الأوروبي لإعادة توطين اللاجئين الذين تدفقوا على اليونان وإيطاليا من سوريا ومناطق أخرى عامي 2015 و2016م. تحاول حكومة فيتسو المناهضة للديمقراطية الآن استغلال محاولة الاغتيال والتي عززت من الدعم الشعبي له من أجل قمع المعارضة ووسائل الإعلام المستقلة. إن نتائج الانتخابات الأخيرة تظهر أن أوروبا تتحرك فعلياً نحو اليمين المتطرف". ولذلك من الواضح أن على الأحزاب التقليدية والسياسيين بذل المجهودات لاستيعاب اليمين المتطرف.
سيؤثر هذا الصعود اليميني ونتائج الانتخابات على الطريقة التي تتخذ بها المؤسسات في بروكسل القرارات، حيث تواجه حكومات الدول الأوروبية خطر تمكن اليمين المتطرف من إفراغ السياسة الأوروبية من الداخل، إلا أنه من ناحية أخرى، قد يبدأ زعماء اليمين في الوصول إلى قناعة أنهم يحتاجون أيضًا إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي ليكونوا قادرين على الوفاء بسلسلة من الوعود التي قطعوها لناخبيهم على المستوى الوطني، وخاصة فيما يتعلق بالأمن والهجرة.
لقد تنفس العديد من المراقبين الصعداء إزاء نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو الماضي، لأن فوز الشعبويين كان متوقعًا على نطاق واسع لكنهم لم ينجحوا في إزاحة المحافظين التقليديين. وبالرغم من عدم هيمنة القوى اليمينية على البرلمان الأوروبي المقبل، إلا أنها اكتسبت أرضية، وخاصة في فرنسا وألمانيا. ويطرح ذلك سؤالا حول مقدرة الساسة والأحزاب الأوروبية التقليدية عكس هذا الاتجاه. لقد حقق ائتلاف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك المدني "أفضل أداء بين جميع الأحزاب الرئيسية في الانتخابات الأوروبية، حيث انخرط باستراتيجية ناجحة في الانتخابات بحيث جعلها تتعلق بمصير الاتحاد الأوروبي ذاته. من جهة أخرى، قدمت الدنمارك أيضاً دروساً في مقاومة اليمين المتطرف. فمنذ تحقيق حزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف مكاسب انتخابية كبرى قبل عقد من الزمان، نجحت الأحزاب السياسية التقليدية القائمة في دفعه إلى الهامش، وذلك من خلال تبني عناصر من مواقفه السياسية بشكل جزئي، وخاصة فيما يتصل بالهجرة.
في هذا السياق، استمر الود ولسنوات طويلة بين أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا الشرقية وروسيا. وكمثال في عام 2008م، دعمت الأحزاب الشعبوية في أوروبا الشرقية الحرب الروسية ضد جورجيا، إلا أنه منذ بداية الأزمة الأوكرانية، تحولت هذه العلاقة الحميمية مع روسيا نحو اليمين المتطرف في غرب أوروبا. كانت زعيمة حزب "التجمع الوطني" الفرنسي اليميني، مارين لوبان المتحدثة الفعلية باسم اليمين المتطرف الأوروبي، غير معروفة في روسيا حتى وقت قريب جدًا، إلا أنه منذ يناير 2011م، عندما أصبحت رئيسة لحزب الجبهة الوطنية (أعيد تسميته إلى التجمع الوطني في عام 2018م) أعلنت السيدة لوبان مرارًا وتكرارًا إشادتها بالرئيس الروسي باعتباره زعيم وطني حقيقي ومدافعًا عن القيم الأوروبية، على الرغم من انتهاكات النظام الروسي المتكررة لحقوق الإنسان والقانون الدولي. لقد قام بوتين بدعوتها إلى موسكو إلى جانب ممثلين آخرين من الجبهة الوطنية وأحزاب اليمين الأوروبية الأخرى لمراقبة الاستفتاء الذي أُجري في مارس 2014م، بشأن ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. وفي الوقت الذي أدانت فيه أنجيلا ميركل وزعماء أوروبيون آخرون من الوسط روسيا، قامت لوبان بتأييد استفتاء شبه جزيرة القرم واعتبرته شرعيًا وقانونيًا، وعكس رغبة سكان الجمهورية، ومن ثم حذا آخرون من أقصى اليمين الأوروبي حذوها بما في ذلك حزب الحرية النمساوي وحزب الاستقلال البريطاني.
إن علاقات روسيا الوثيقة مع الشعبويين من شأنه أن يمنح بوتين المزيد من النفوذ في مواجهة الناتو -حلف شمال الأطلسي، كما سيؤدي إلى تسميم العلاقات داخل الاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى، ينظر اليمين الأوروبي إلى بوتين على أنه مدافعاً قوياً عن السيادة الوطنية والقيم المحافظة، كما تحدى النفوذ الأمريكي وفكرة "أوروبا" بطريقة تعكس قناعات الشعوبيين الخاصة.
إن إحدى التحديات الكبرى التي تواجه الاتحاد تتلخص في كيفية التعامل مع الدول الأعضاء التي تعرقل العمل في الاتحاد الأوروبي، مثل المجر. فقد أبدى زعيمها الشعبوي فيكتور أوربان تشككا في فرض عقوبات على روسيا ودعم أوكرانيا. وربما يحاكي الشعبويون في بلدان أخرى ــ روبرت فيتسو في سلوفاكيا، وجيرت فيلدرز في هولندا ــ مواقف أوربان في مجلس الاتحاد الأوروبي. من جهة أخرى، أصبح توسيع الاتحاد الأوروبي مرة أخرى من أهم أولويات السياسة الخارجية، في ضوء الغزو الروسي لأوكرانيا. وفي العديد من العواصم الأوروبية، يعتبر انضمام دول غرب البلقان وأوروبا الشرقية أمراً ضرورياً لضمان أمن الاتحاد الأوروبي وجيرانه، غير أن الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا يدعمون بشكل متزايد الأحزاب التي لا تؤيد بالضرورة هذه الأجندة. وتبدي أحزاب مثل حزب الحرية الهولندي، والحزب الوطني في فرنسا، وحزب الحرية النمساوي، وحزب البديل من أجل ألمانيا تشككًا واسع النطاق من أي توسع للاتحاد الأوروبي. من ناحية أخرى، هناك بعض استثناءات: فحزب القانون والعدالة في بولندا يعتبر انضمام أوكرانيا مهمًا لأمنه القومي، وفي المجر، يدفع حزب فيدس الحاكم باتجاه انضمام صربيا والبوسنة والهرسك ــ وكلاهما يقوده حاليًا زعماء مقربون من روسيا. من ثم، سيحتاج الساسة والحكومات المؤيدة لتوسيع الاتحاد الأوروبي إلى تقديم حجة قوية لشعوبهم لصالح التوسع، وإجراء مناقشة عامة حول تأثيره.
خاتمة:
يؤثر صعود التيار اليميني في أوروبا على تكوين وعمل المجلس الأوروبي ومجلس الوزراء، وهما الهيئتان اللتان يجتمع فيهما رؤساء حكومات الدول الأعضاء ووزراء الدول على التوالي لتحديد أجندة السياسة رفيعة المستوى واعتماد قوانين الاتحاد الأوروبي. ومع تزايد عدد الزعماء والأحزاب التي تشكك في أوروبا على المستوى الوطني، فقد تتغير المواقف التي تتخذها الدول الأعضاء في المجلس. وقد تكثف هذه الدول التي يتقلد السلطة أو يشارك فيها الشعبويون المحاولات لإضعاف سلطات الاتحاد الأوروبي السياسية والتشريعية لصالح سن القوانين الوطنية. لقد حاولت أحزاب الوسط تبني خطاب اليمين المتطرف بشأن الهجرة على المستوى الوطني والاتحاد الأوروبي، على أمل الاحتفاظ بالناخبين الذين قد يفكرون في الانشقاق والانضمام إلى أحزاب اليمين المتطرف. في هذا السياق، عكست سياسات ملف الهجرة التي تبناها الاتحاد الأوروبي تأثير خطاب اليمين عليه من خلال الاستعانة بدول من خارج الاتحاد لإدارته، مما أسفر عن سلسلة من الاتفاقيات مع البلدان المجاورة للاتحاد الأوروبي بهدف منع المهاجرين من الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك بغض النظر عن سجلات حقوق الإنسان السيئة في بعض هذه البلدان، مثل ليبيا وتونس. كما قام بتأطير قضية الهجرة باعتبارها مهدداً أمنيًا، وقد دفع ذلك إلى عدد من السياسات بشأن ضوابط الحدود وردع المهاجرين، بما في ذلك الميثاق الجديد للهجرة واللجوء الذي اعتمده مجلس الاتحاد الأوروبي في مايو الماضي، وهو أكبر تعديل لسياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من عقد من الزمان. هناك العديد من القضايا التي ستتأثر وسيحدث فيها تجاذبات في مؤسسات الاتحاد الأوروبي بوجود الشعبويين والتي تشمل قضايا الهجرة والتغير المناخي والتعامل مع الحرب في أوكرانيا وتوسعة الاتحاد الأوروبي.






