array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 202

يتجه اليمين لتطوير العلاقات التجارية مع دول الخليج والتشديد وتوسيع العقوبات على إيران

الإثنين، 30 أيلول/سبتمبر 2024

خرج الناخبون الأوروبيون في يونيو 2024م، للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الأوروبية، لاختيار الأحزاب التي تمثلهم في البرلمان الأوروبي، وعكست نتائج هذه الانتخابات الصعود المُطرد للأحزاب الشعبوية اليمينية، التي نجحت في حشد الناخبين وتحقيق وزن سياسي سواء على المستوى الوطني أو الأوروبي، لتشهد دول القارة الأوروبية ذات الديمقراطيات الراسخة بزوغ قوى تدفعها نحو اليمين المتطرف، وكان لهذه الأحزاب فكر شعبوي تبني عليه خطبها وسياساتها، ويقوم على ركائز عدة، كادعائها قدرتها الحصرية على التعبير عن الشعب ومصالحه والتحدث باسمه، ومناهضتها للمؤسسات الدولية كالاتحاد الأوروبي والتشكيك في صلاحيته، ودفاعها عن الهوية الوطنية، وكراهيتها للأجانب والمهاجرين والتمادي في وضع ضوابط صارمة لاستقبالهم، وهو الأمر الذي وصل لاتهام بعضها بالعنصرية والتطرف، ونجحت هذه الأحزاب في حشد الدعم الانتخابي لها، متغذية على خيبات الأمل الاقتصادية، والمخاوف بشأن الهويات الوطنية لا سيما في ظل تزايد موجات الهجرة لأوروبا، إلى جانب استغلاها لحالات السخط على النخب الحاكمة في تلك البلدان الأوروبية، وعملت خلال ذلك تحت مظلة النظم الديمقراطية دون محاولة الانقلاب عليها.

وعكست الحظوظ الانتخابية لهذه الأحزاب الشعبوية مدى الزيادة المُطردة لوزنها السياسي، وحجم قوة تأثيرها في أفكار الناخبين الأوروبيين، ففي فرنسا، حصلت "مارين لوبان" رئيسة حزب "الجبهة الوطنية" على 41% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022م، والذي يعد أكبر دعم انتخابي حققه هذا الحزب الشعبوي في الانتخابات الرئاسية منذ نشأته عام 1972م، وهو نجاح مماثل لما حققه الحزب على الساحة الأوروبية بتصدره المركز الأول في الانتخابات الأوروبية 2024م، وحصوله على 31% من أصوات الناخبين الفرنسيين، أما في إيطاليا _التي تعد الأرض الخصبة للشعبوية في أوروبا_ فقد حصل الائتلاف اليميني الشعبوي؛ حزب "إخوة إيطاليا" بزعامة "جورجيا ميلوني" وحزبي "الرابطة" و"فورزا" على 43% من الأصوات في الانتخابات العامة الإيطالية عام 2022م، لتُشكل "ميلوني" الحكومة ذات التوجه الشعبوي اليميني وتتولى رئاستها، واستمر نجاح حزب "ميلوني" في الانتخابات الأوروبية، ليحتل المركز الأول بحصوله على 27% من أصوات الناخبين الإيطاليين، كذلك في ألمانيا، حيث رفع حزب "البديل من أجل ألمانيا" حصته في مقاعد البرلمان، بحصوله على 10.3% من الأصوات في الانتخابات الفيدرالية الألمانية عام 2021م، ليصبح رابع أكبر حزب في البرلمان، وتحقيقه مكاسب أكبر في الانتخابات الأوروبية، الذي استحوذ فيها على المركز الثاني، بحصوله على 15.9% من أصوات الناخبين الألمانيين، مما يؤهل الحزب لممارسة دور قوي في تشكيل التشريعات الأوروبية، أما في المجر، استمرت ولاية الزعيم الشعبوي "فيكتور أوربان" باستمرار نجاح حزبه "فيدز" منذ ولايته عام 2010م، وحتى آخر دورة انتخابية تشريعية عام 2022م، والتي حصل الحزب فيها على 52% من الأصوات، كأكبر نسبة أصوات حشدها الحزب في تاريخه، واستكمال نجاحه في الانتخابات الأوروبية بحصوله على 44% من أصوات الناخبين المجريين، وفي هولندا، حقق الحزب الأكثر تطرفاً "من أجل الحرية" بزعامة "خيرت فليدرز"، نجاحًا تاريخيًا في الانتخابات التشريعية الهولندية عام 2023م، بحصوله على 23% من الأصوات ليصبح الحزب الأكبر في البرلمان، ولكن دون أغلبية تمكنه من الحكم دون ائتلافه مع أحزاب أخرى، التي تعارض أفكاره المتطرفة وتجد صعوبة في الائتلاف معه، ليشكل "فليدرز" حكومته الائتلافية، بعد ما يقرب من ستة أشهر بعد فوزه، بائتلافه مع ثلاثة أحزاب يمينية أخرى، وعلى الرغم من ذلك فقد حقق نجاحًا مماثلًا في الانتخابات الأوروبية، ليحتل المركز الثاني بحصوله على 16.9% من الأصوات الهولندية، ونجد نجاحات متماثلة في النمسا، التي وصل فيها حزب "الشعب النمساوي" بزعامة "سيباستيان كورتس" للحكم، خلال ائتلافه مع حزب الخضر، هذا بعد أن حصل على 37% من الأصوات في الانتخابات التشريعية النمساوية عام 2019م، كما أنه على مستوى الانتخابات الأوروبية احتل المركز الثاني بحصوله على 24.5% من الأصوات، وبفارق ضئيل عن الحزب الأول "الحرية" الذي حصل على 25% من الأصوات.

وعليه، بالنظر إلى هذه الحظوظ الانتخابية على المستوى الأوروبي، يتضح مدى الوزن السياسي لقوى اليمين الشعبوي داخل البرلمان الأوروبي خلال دورته الحالية (2024-2029)، لتشكل هذه القوى كتلتين برلمانيتين، الأولى كتلة "وطنيون من أجل أوروبا (PfE)"، والتي تكونت حديثاً تحت قيادة "جوردان بارديلا" زعيم حزب الجبهة الوطنية الفرنسية، واستحوذت على 84 مقعداً في البرلمان، لتصبح ثالث أكبر فصيل في البرلمان الأوروبي، وذلك بضمها غالبية الأحزاب الشعبوية المنشقة من كتلة "المحافظين الإصلاحيين"، كحزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي، و"البديل من أجل ألمانيا"، و"فيدز" المجري، و"الرابطة" الإيطالي، و"من أجل الحرية" الهولندي، و"الحرية" النمساوي، والثانية كتلة "المحافظين الإصلاحيين الأوروبيين (ECR)" التي تستحوذ على 78 مقعداً لتصبح رابع أكبر فصيل في البرلمان.

وإن رسَّخت هذه الدورة البرلمانية الطابع الشعبوي اليميني للبرلمان الأوروبي، إلا أن هذه القوى لم تحظ بأغلبية المقاعد البرلمانية، فلا تزال كتلة "الشعب الأوروبي (EPP)" اليميني الوسطي تفرض سيطرتها على البرلمان الأوروبي، لكونها أكبر فصيل فيه بحصولها على أكثر من ربع مقاعده بموجب 188 مقعداً، إلى جانب اعتبار كتلة "التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين (S&D)" اليساري الوسطي ثالث أكبر فصيل في البرلمان، بموجب استحواذها على 136 مقعداً، وبالتالي فإن التركيبة البرلمانية الحالية لن تغير توجه البرلمان الأوروبي بشكل جذري، ولكنها ستدفعه نحو مزيد من اليمين المتطرف، وسيكون لذلك أثر لا يمكن تجاهله على السياسات الأوروبية، وإن كان من المتوقع أن يسود الخلاف حول هذه السياسات بين قطبي الوسط واليمين المتطرف المفتقر لتجانس أطرافه.

وكان لهذا الصعود الشعبوي المُطرد أثر في توجهات السياسات الخارجية الأوروبية، حيث تدفعها إلى مزيد من تعظيم السيادة الوطنية للبلدان الأوروبية في مقابل الانسحاب من المؤسسات الدولية والتشكيك في صالحيتها، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، كذلك ستدفعها نحو التوجه إلى الاتفاقيات الدولية ثنائية الأطراف أو محدودة الأطراف، في مقابل الانسحاب من الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف، لهذا تعمل هذه الأحزاب الشعبوية على تقليص نفوذ الاتحاد الأوروبي أو ما يسمونه "بنخبة بروكسيل"، إلى جانب دعوتها إلى الانسحاب من الاتفاقيات الدولية التي تدعي أنها تقلص السيادة الوطنية لبلدانها، لذلك من المتوقع أن تتخذ السياسات الخارجية الأوروبية اتجاهاً أكثر قومياً، وأكثر برجماتيةً، وأكثر استقلالية، تجاه القضايا المطروحة على الساحة الدولية.

وسوف يعرض هذا المقال نتائج تأثير صعود اليمين الشعبوي الأوروبي على السياسات الخارجية الأوروبية نحو الشرق الأوسط وملفاته الإقليمية.

السياسات الخارجية الأوروبية نحو الشرق الأوسط في ظل التصاعد الشعبوي اليميني

تعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة استراتيجية لدول الاتحاد الأوروبي، وذلك لأسباب عدة؛ منها القرب الجغرافي بينهما، ووجود روابط وتفاعلات اقتصادية وسياسية وتاريخية بينهما، حيث مارست القوى الأوروبية تاريخياً نفوذًا كبيرًا في المنطقة، بدءًا من ترسيم الحدود، وترسيخ العلاقات الاقتصادية للاستفادة من موارد المنطقة، ودعم الأنظمة الحاكمة فيها، وصولاً للحرب العالمية ضد الإرهاب، والسعي إلى تعزيز مبادرات السلام، ودعم حقوق الإنسان، وتوفير المساعدات الإنسانية، واتبع الاتحاد الأوروبي في إطار ذلك خلال العقدين الأخيرين استراتيجيتين رئيسيتين تجاه منطقة الشرق الأوسط، وهما "سياسة الجوار الأوروبية (ENP) "، و"الشراكة الأوروبية المتوسطية(EMP) "، وذلك بهدف خلق وضع أكثر استقراراً، ولمنع انتشار الأزمات الأمنية في الدول المجاورة له، ولكن اتضح عدم صالحية هذه الاستراتيجيات في ظل تأجج المنطقة بالصراعات  وعدم الاستقرار السياسي، وهو ما أنتج موجات المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا، التي استخدمتها الأحزاب الشعبوية اليمينة كركيزة أساسية في خطاباتها وسياساتها.

ولا بد من الإشارة إلى أن فاعلية الدور الأوروبي في الشرق الأوسط بوجه عام متأثرة بعدة عوامل، منها؛ اعتراض الولايات المتحدة أن تلعب أوروبا دوراً مستقلاً ومنفرداً في المنطقة، ولكن دفعها إلى لعب دوراً تكميلياً في إطار سياسات الولايات المتحدة، كذلك صعوبة اعتماد أوروبا لسياسات محددة وثابتة تجاه المنطقة لتعدد الجهات الفاعلة غير الحكومية فيها، مثل الجماعات المتمردة والميليشيات والفصائل المختلفة، وبالتالي ضرورة التعامل مع كل حالة بشكل منفرد ومستقل، إلى جانب زيادة دور القوى الدولية غير الغربية كروسيا والصين، وزيادة دورهم في المنطقة، ومحاولة أوروبا الحفاظ على موازنة علاقاتها معهم.

وبالنظر في تأثير القوى الشعبوية اليمينية على السياسات الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، وفي إطار المنطلقات الفكرية لهم والتي تسعى لتعظيم استقلالية الدول الأوروبية وسياداتها الوطنية بعيداً عن توجه الاتحاد الأوروبي والتشكيك فيه، فإن هذه القوى ستدفع نحو مزيد من الاستقلالية في علاقات بلدانها بدول منطقة الشرق الأوسط، كما سيدور الجانب الأعظم من سياساتها تجاه المنطقة حول ملف الهجرة واللاجئين ومكافحة الإرهاب، لا سيما اعتبارها أن المنطقة تمثل المصدر الرئيسي لهؤلاء اللاجئين والنازحين، ولاتخاذها هذا الملف ركيزة أساسية في حشدها لأصوات الناخبين، وتوسيع قاعدة مؤيديها، وبالتالي ستعمل هذه القوى على توجيه السياسات الأوروبية نحو أقصى اليمين، ولكن دون تغيرها بشكل جذري ونوعي، كما ستتبع نهجاً براجماتياً في تعاملها مع ملفات الشرق الأوسط، ومن أبرز هذه الملفات ما يلي:

أولاً: ملف الهجرة واللاجئين

تعد الهجرة ركيزة أساسية في سياسات وخطب القوى الشعبوية اليمينية في أوروبا، والتي ترفض استقبال المهاجرين لا سيما من دول منطقة الشرق الأوسط التي تعاني صراعات وتوترات سياسية، والتي تعتبرها هذه القوى مصدراً رئيسياً لهؤلاء اللاجئين والمهاجرين، وتتبنى مواقف معادية بشدة تجاه المهاجرين المسلمين بوجه خاص، والذي وصل إلى حد التطرف واتهام المسلمين بكونهم يمثلون تهديداً لأمن وهوية القارة الأوروبية، واقترحت هذه القوى في إطار ذلك تطبيق سياسات هجرة أكثر صرامة، كإغلاق الحدود أمام هؤلاء اللاجئين، وتقليص الإعانات التي تُقدم لهم، كالرعاية الصحية والاجتماعية، بل والتأكيد على ضرورة إعادة اللاجئين إلى أراضيهم، وهي بذلك تتخلى عن الدور الإنساني طويل الأمد الذي اتبعته أوروبا في شؤون حقوق الإنسان، وفي ذات الوقت اتبعت هذه القوى الشعبوية نهجاً معاكساً تماماً مع تدفقات اللاجئين الأوكرانيين، حيث رحبت بهم، واعتبرتهم "أقرب ثقافياً ودينياً" للمجتمع الأوروبي، وهناك ضرورة إنسانية من مساعدتهم.

لذلك ستحكم قضية الهجرة العديد من جوانب علاقة أوروبا بالشرق الأوسط، لا سيما في ظل ما يشهده عدد من بلدان المنطقة من حالات الصراع المسلح وعدم الاستقرار الأمني، وفي إطار ذلك ستضغط القوى الشعبوية اليمينية على البرلمان الأوروبي لاتباع سياسات من شأنها تهدئة أوضاع الصراع في المنطقة، وعدم تفاقم الأزمات فيها، وتقليص التدخل العسكري الأوروبي فيها، وذلك لعدم إنتاج المزيد من أزمات اللاجئين الضاغطة على أوروبا، بل ومحاولة إعادتهم لأراضيهم، لذلك على سبيل المثال، تتخذ هذه القوى موقفاً مؤيداً لنظام الأسد، ظناً منها أن استمراره وعدم تقديم الدعم العسكري والمادي للمعارضة الداخلية السورية، من شأنه أن يؤدي إلى تهدئة الأوضاع وتحقيق تسوية سياسية، وإيجاد فرص لإعادة اللاجئين السوريين لأراضيهم، لذلك تؤيد هذه القوى الشعبوية التعاون مع روسيا للضغط على نظام الأسد لتهدئة الأوضاع السورية، وتخليص الدول الأوروبية من هذا العبء، كذلك ستسعى هذه القوى لتعزيز العلاقات مع دول شمال إفريقيا، من أجل الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، وبالتالي ستعمل على تعزيز الاستثمارات والمعونات مع هذه الدول وربط ذلك بقدرة هذه الدول على الحد من هذه التدفقات، إلى جانب الدعم السياسي لأنظمتها تجنباً لإحداث أو تفاقم مناطق توتر جديدة.

ثانياً: ملف الطاقة والعلاقات الاقتصادية

يمثل الترابط الاقتصادي بين أوروبا والشرق الأوسط حجر الزاوية في العلاقة بينهما، وتشكل الطاقة جانباً هاماً فيها، حيث يعد الشرق الأوسط شريكاً استراتيجياً لأوروبا فيما يتعلق بإمدادات الطاقة، لا سيما النفط والغاز الطبيعي من منطقة الخليج العربي التي تؤدي دوراً رئيسياً في أسواق النفط العالمية، وتزايد الاهتمام الأوروبي بوجه عام بقطاعات الطاقة المتجددة في المنطقة، لا سيما الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، في حين تستفيد المنطقة من الاستثمارات الأوروبية في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.

وفي ظل سعي القوى الشعبوية اليمينية إلى الحفاظ على المصالح الاقتصادية لبلدانها، ستتجه نحو مزيدٍ من العلاقات التجارية الثنائية، في شكل عقود ثنائية أو محدودة الأطراف مع دول الخليج العربي، لا سيما في مجالات الطاقة المتجددة، ودعم وجذب الاستثمارات الخليجية في مشاريع البنية التحتية في مقابل تعزيز الاستثمارات الأوروبية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة، وبالتالي فهي من صالحها أن تعمل على ضمان استقرار علاقتها بالخليج العربي، واستقرار إمدادات الطاقة والاستثمار المتبادل بينهما، لا سيما بعد الحرب الأوكرانية- الروسية، وتراجع تدفق الغاز الروسي لأوروبا، وأسعار النفط المرتفعة، كذلك كمساندة لرغبتها في تراجع الاعتماد على سوق الطاقة الأوروبية، واستبداله بالاعتماد على العقود الثنائية مع أطراف أخرى، وذلك ما اتضح على سبيل المثال في اقتراحات "مارين لوبان" زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" بإعادة تقييم أسعار الطاقة الفرنسية وإنهاء المعاملات القائمة على السوق الأوروبية، واستبدالها بعقود ثنائية أو متعددة الأطراف مع الدول المجاورة، وفي إطار هذا الوضع يتحتم على دول الشرق الأوسط توظيف ذلك الأمر في صالحها، والعمل على تأمين الاتفاقيات طويلة المدى في قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا لتحقيق المنفعة الاقتصادية المتبادلة مع أوروبا، وتهيئة البيئات الاستثمارية الجاذبة للاستثمارات الأوروبية في هذه القطاعات، وذلك في ظل التوجه العالمي للاستدامة والاعتماد على الطاقة النظيفة.

ثالثاً: ملف الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي

لعبت أوروبا في هذا الملف دوراً مقيداً وتكميلياً للسياسات الأمريكية - الإسرائيلية التي تعظم من المنافع الإسرائيلية وتحافظ على مصالحها، وبعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م،  وزيادة احتقان الوضع، أدان الاتحاد الأوروبي بكافة تكتلاته أعمال العنف من كلا الطرفين، وبدأت حالة من الجدل في الشأن الأوروبي حول مدى تأييد أو معارضة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأبدى الاتحاد الأوروبي تحفظاً على العمليات الإسرائيلية في القطاع، واعتبار إسرائيل قد "تجاوزت حقها في الدفاع عن نفسها"، وفقاً لتعبير "جوزيب بوريل" ممثل الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، الذي طالب بفرض عقوبات على بعض الوزراء الإسرائيليين، وتأكيده أن ذلك لا يعني معاداة الاتحاد للسامية، أو حق إسرائيل في الحفاظ على وجودها.

وفي إطار ذلك تعاملت القوى الشعبوية اليمينية _لا سيما في غرب أوروبا_ مع هذا الملف بشكل أكثر حدة، وعملت على إيجاد سبيل لجعل هذه الأزمة تصب في صالحها، حيث أيدت الموقف الإسرائيلي-الأمريكي ووجهات نظره انطلاقاً من معاداتها للمسلمين والفكر الإسلامي، وادعت أن التهديدات التي يواجهها الأمن الأوروبي والإسرائيلي تنبع من هذا الفكر، وبالتالي فهما يحاربان الخصم نفسه الذي يهدد أمنهما،  ويحاربان الأفعال المعادية للسامية، وأن أوروبا تعاني أصل المشكلة وهي اللاجئون والمهاجرون المسلمون الذين ينشرون العنف والكراهية، ويشوهون الهوية الأوروبية، وربطت الهجرة بمعاداة السامية،  وانطلقت من ذلك لزيادة حشد الناخبين حولها، واتضح ذلك في توجهات أبرز هذه الأحزاب الشعبوية اليمينية وممارسات زعمائها، كحزب "البديل من أجل ألمانيا" الذي طالب بوقف الدعم المالي المقدم للجانب الفلسطيني، ومشاركة "مارين لوبان" زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي في المسيرات المناهضة لمعاداة السامية، والدعم التام من حزب "الرابطة" الإيطالي للجانب الإسرائيلي، ووعد زعيمه "ماتيو سالفيني" بنقل سفارة إيطاليا من تل أبيب للقدس في حال فوزه، إلى جانب تصريحات "ماركو زاني" عضو الحزب في البرلمان، بأن "حرب حماس على إسرائيل هي حرب على الغرب بأكمله"، وبالتالي استغلت هذه القوى هذا الملف لتأكيد مناهضتها للمهاجرين واللاجئين المسلمين، وتأييدها المطلق لإسرائيل وتوغلها في قطاع غزة، ومن المتوقع أن يزداد هذا التأييد في حال فوز المرشح الرئاسي الأمريكي "دونالد ترامب" في الانتخابات المزمع عقدها في نوفمبر 2024م.

رابعاً: ملف إيران...تدخلاتها وبرنامجها النووي:

التوجهات الأوروبية نحو إيران وملفها النووي تتسم بالتوازن والتعقيد، فهي تسعى للتعاون الدبلوماسي والاقتصادي، لا سيما بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015م، إلى جانب الضغط السياسي وفرض العقوبات الاقتصادية، وذلك للحد من قدرات إيران النووية، ومعارضة تدخلاتها في الشؤون الإقليمية للشرق الأوسط، ودعمها للجماعات المسلحة في سوريا والعراق واليمن ولبنان، وهذه التوجهات تتوافق مع مساعي دول الشرق الأوسط، التي ترى في إيران تهديداً واضحاً لأمنها القومي، لا سيما دول الخليج العربي، التي تعارض بشدة برنامج إيران النووي، وتدخلاتها الداعمة للجماعات المسلحة، ولن تتغير هذه النظرة بدرجة كبيرة بعد وصول الرئيس الإصلاحي "مسعود بزشكيان" للسلطة، حتى بعد سعيه لفتح قنوات حوار مع الغرب، وتخفيف وطأة عقوباتهم على بلاده، ووعوده بالتقارب للجوار والمنطقة.

أما بالنسبة لتوجهات قوى اليمين الشعبوي، فهناك عدة معطيات معقدة في تعاملها مع هذا الملف؛ أولهم: نظرتهم لإيران كونها دولة إسلامية راعية للإرهاب، وداعمة للحركات المسلحة في المنطقة، وبالتالي فهي  تتعارض مع مكافحة هذه القوى للإرهاب والتأثير الإسلامي المزمع على أوروبا، ثانياً: محاولة هذه القوى حفاظهم على العلاقات المستقرة مع دول الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحهم في ملف الهجرة واللجوء، أو مصالحهم الاقتصادية في قطاع الطاقة والاستثمار، لا سيما دول الخليج التي تعمل على الضغط على المجتمع الدولي لتشديد مواقفه ضد إيران، ثالثاً: تخوفها من أن تؤدي التطورات المحتملة في المنطقة إلى اندلاع توترات أمنية من شأنها أن تؤثر سلباً على الأمن الأوروبي، وإنتاج المزيد من اللاجئين الضاغطين على أوروبا، وهو ما تخشاه هذه القوى، رابعاً: محاولة حفاظ هذه القوى على تقربها لروسيا وتأييد "بوتين" لها، والذي يُعد بدوره حليفاً قوياً لإيران ويدعم تسليحها.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، فإن هذه القوى الشعبوية اليمينية ستدفع السياسات الأوروبية إلى مزيد من التشدد في التعامل مع إيران، وتوسيع العقوبات عليها، وحرصها على تعزيز الرقابة والضغط عليها، سواء للحد من تطوير قدراتها النووية، أو الحد من دعمها للجماعات المسلحة والإرهابية، ولكن بالتوازن مع الحفاظ على علاقاتها بروسيا، ومن ثم فإن ذلك لن يمثل تعارض كبير لمصالح دول الخليج أو دول الشرق الأوسط بوجه عام، بل سيعزز التفاعلات بينهم في هذا الملف.

وختاماً، لن يؤثر الصعود المُطرد لليمين الشعبوي على السياسات الخارجية الأوروبية تجاه ملفات منطقة الشرق الأوسط بدرجة كبيرة، ولن يحولها تحولاً جذرياً، حتى وإن كان سيدفعها أكثر نحو اليمين، لا سيما في الشؤون المتعلقة بملف الهجرة واللاجئين، وهو ملفها الأساسي في سياساتها الخارجية المقترحة، إلى جانب دفعها أكثر لاستقلال بلدانها عن سياسات الاتحاد الأوروبي واتفاقياته وعلاقاته مع دول المنطقة، واستبدال ذلك بالعلاقات الثنائية معها، وذلك في ظل أن هذه القوى لا تمثل كتل الأغلبية في البرلمان الأوروبي، إلى جانب افتقار الدور الأوروبي بوجه عام لفاعلية التحرك بشكل مستقل أو منفرد بعيداً عن التكامل مع الدور الأمريكي أو مساندته، وفي ظل الوضع الراهن لمنطقة الشرق الأوسط، فإنه يتعين على بلدان المنطقة اتباع نهج أكثر تماسكاً وتوحداً لمواجهة الوضع الإقليمي المتوتر، واستغلال هذه التوجهات اليمينية للقوى الأوروبية الصاعدة لتعزيز منافعها وحماية مصالحها إزاء أي تغيير في السياسات الخارجية الأوروبية.

مقالات لنفس الكاتب