حين ظهر تيار اليمين المتطرف في أوروبا منذ حوالي نصف قرن كان حضوره هامشيًا وملفوظًا من النخب السياسية والغالبية العظمى من المجتمع، ومع الوقت تصاعد تأثير هذا التيار حتى استيقظ الأوروبيون على "الزلزال الفرنسي" منذ 22 عامًا ووجدوا أن جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة في 2002م، تنتقل لأول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة من ثنائية التنافس بين اليمين الديجولي واليسار الاشتراكي إلى إعادة بين جاك شيراك الديجولي وجان ماري لوبان مرشح حزب الجبهة الوطنية أي اليمين المتطرف.
ويمكن القول أن وصول جان ماري لوبان إلى جولة الإعادة أمام الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك دفع فرنسا كلها يمينًا ويسارًا للاصطفاف خلف الأخير واعتبروا جميعًا أن مبادئ الجمهورية مهددة لمجرد أن مرشح اليمين المتطرف وصل إلى جولة الإعادة. وقد فاز شيراك في هذه الانتخابات بنسبة 82% وحقق انتصارًا ساحقًا.
واتضح أمام كل من تابع هذه الانتخابات حجم التعبئة التي قامت بها قوى سياسية متناقضة في منابعها الفكرية والسياسية من أجل مواجهة "خطر داهم" مثله أقصى اليمين، واعتبر وقتها من قبل الغالبية العظمى من النخب الفرنسية إن حزب الجبهة الوطنية حزب عنصري متطرف يمثل خطرًا على مبادئ الجمهورية، واصطف اليمين واليسار الذي اعتاد على المواجهة والتنافس إلى مواجهة حزب الجبهة الوطنية في ذلك الوقت ونجحوا في هزيمة مرشحه هزيمة ساحقة.
حالة "الاجماع الوطني" في مواجهة خطر اليمين المتطرف أخذت صورًا وأشكالًا مختلفة وغير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الفرنسية وجرى التعامل مع هذا التيار كأنه "تيار غازي" أو وافد على البلد وخارج على التوافق الوطني العام ويهدد القيم الأساسية التي تحكم النظام الدستوري حتى لو كان الحزب قانوني وشرعي.
وقد استهدفت الصحف ووسائل الإعلام بمختلف توجهاتها السياسية مرشح اليمين المتطرف بتحقيقات ومقالات قاسية، كما هاجمته غالبية فئات المجتمع، واصطفت النقابات بمختلف توجهاتها لمواجهة خطر مرشح اليمين المتطرف، واعتبرته المنظمات الحقوقية والنسوية تهديدًا للديمقراطية ومبادئ الجمهورية.
والمؤكد أن رحلة العقدين الماضيين في تاريخ أوروبا وفرنسا تقول إن التعامل مع اليمين المتطرف باعتباره تهديدًا وخطرًا يستلزم التعبئة المجتمعية والسياسية الشاملة قد تغير، وأصبح هناك صعود في قوة هذه التيارات في معظم البلاد الأوروبية وأن التعامل معها لم يعد عمليًا في صورة أن الجميع في مواجهة أقصي اليمين، إنما أصبح هناك تحول في التعامل مع هذه التيارات أخذ صورتين: الأولى أن خطاب أقصي اليمين أصبح على رأس قضية النقاش العام في أوروبا وخاصة ما يتعلق بقضايا المهاجرين ومحاربة الهجرة غير الشرعية، ولم يعد أغلب المجتمع والنخب قضيته الأساسية مواجهة خطاب اليمين المتطرف إنما صار متقبلاً جوانب منه ولا ينظر إليه باعتباره تهديدًا إنما كلون سياسي ضمن ألوان أخرى، أما الثانية فهي تبني بعض القوى السياسية اليمينية جزئيًا أو بشكل مخفف خطاب أقصى اليمين حتى باتت الصورة أن هناك خلاف بين اليمين بدرجاته المختلفة من جهة واليسار بدرجاته المختلفة من جهة أخرى.
السياقات الجديدة
يمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء هذا التحول في خطاب اليمين المتطرف بصورة جعلته يقبل من شرائح أوسع داخل المجتمعات الأوروبية وينظر إليه باعتباره تيار ضمن تيارات أخرى: الأول يتعلق بسلبيات العولمة وتأثيرها على شرائح اجتماعية متعددة، فكما عززت العولمة من فرص الفئات الأكثر تعليمًا ومهارة من الاندماج في مؤسسات النظام العالمي من شركات كبرى وبنوك وتوكيلات عالمية، فأنها همشت قطاعات اجتماعية أخرى هي بنت تعليم محلي أو محدود وظلت مرتبطة بوظائف محلية كان عائدها المالي أقل بكثير من العائد الذي يحصل عليه من يعملون في المؤسسات "المتعولمة"، كما تعرضت شرائح مجتمعية كثيرة للبطالة بسبب أداء كثير من الشركات الكبرى ورغبتها في المنافسة العالمية ولو على حساب تقليص متكرر لعمالتها، وأصبح هناك قطاع واسع ممن يصوتون لليمين المتطرف هم أبناء طبقات شعبية نالوا تعليم متوسط أو لم يستكملوا تعليمهم الجامعي كما هو حال جوردان بارديلا أحد قيادات حزب التجمع الوطني الذي كان مرشحًا من قبل حزبه لرئاسة الحكومة، وترك دراسته الجماعية في قسم الجغرافيا "للتفرغ للعمل السياسي"، بجانب بالطبع من عانوا من البطالة وقسوتها.
أما السبب الثاني فيرجع لزيادة أعداد المهاجرين الأجانب في أوروبا وخاصة من العرب والمسلمين، وهنا سنجد ربطًا بين هذه الزيادة وارتفاع معدلات البطالة والجريمة وتحويلها من قضية اجتماعية إلى قضية تهديد ثقافي وحضاري للمجتمعات الغربية يمثله هؤلاء المهاجرون.
أما السبب الثالث فهو يتعلق بالإرهاب وجماعات التطرف الإسلاموية، فيقينًا كان هناك تأثيرًا سلبيًا لقيام أفراد يحملون أسماء عربية أو مسلمة بعمليات إرهابية في الغرب، أدى لوجود حالة خوف وتوجس من المسلمين والربط بينهم وبين جماعات التطرف العنيف.
وقد اعتبر "المعتدلون" من تيارات أقصي اليمين ضمنًا أو صراحة أن الإسلام غير قابل للاندماج داخل المجتمعات الأوروبية واعتبر تيار آخر أكثر تشددًا إنه لا فرق بين الإسلام والمسلمين وبين الإسلاميين المتطرفين.
وقد ذكر الكاتب والسياسي الفرنسي الذي ينتمي لأقصى اليمين المتطرف إريك زامور أن الإسلام في حد ذاته غير قابل للاندماج مع مبادئ الجمهورية العلمانية في فرنسا وقال جملته الشهيرة " إن الإسلام هو الإسلاميين في راحة والإسلاميين هم الإسلام في الفعل" أي لا يوجد فرق بين جماعات التشدد والإسلام.
صحيح أن مارين لوبان رئيسة حزب أقصي اليمين (التجمع الوطني) ميزت بين الإسلام والمسلمين وبين الإسلاميين المتطرفين، إلا أنها طالبت بمنع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة (وليس المؤسسات الحكومية كما هو مطبق) وهي بذلك ستجعل فرنسا في حال وصلت للرئاسة أول بلد في الكرة الأرضية تمنع ارتداء الحجاب في المقاهي والمواصلات العامة.
لقد توازى مع صعودُ تيار اليمين المتطرف في أوروبا صعودَ ظاهرة رُهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) التي تروِّج عَداءَ المسلمين وتربطهم بالإرهاب، ولا سيَّما في ظلِّ ما شهدَته أوروبا من زيادة عدد الهجَمات الإرهابية في السنوات الأخيرة في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وغيرها. وقد دفع هذا الصعودُ بعض الحكومات والأحزاب الأوروبية إلى غضِّ الطرف عمَّا تطرحه أحزابُ اليمين المتطرف؛ بهدف الحفاظ على كتلتها التصويتية في الانتخابات. ففي أكتوبر 2020م، أشار الرئيسُ الفرنسي ماكرون إلى أن مسلمي فرنسا يمكنهم تكوينُ مجتمع موازٍ في البلاد، وأن الإسلام يواجه أزمةً في جميع أنحاء العالم.
إجمالًا يمكن القول إن رموز اليمين المتطرف في الغرب ينطلقون في أحد جوانب فكرهم المتشدد من موقف أصولي فيه تمجيد للحضارة الغربية المسيحية، واستعلاء على الحضارات الأخرى، وأنها تنظر إلى المهاجرين سواء المقيمين بشكل نظامي أو من حملوا جنسية البلد الأوروبي باعتبارهم ليسوا فقط مختلفين عرقيًا وثقافيًا ودينيًا وغير قابلين للاندماج في المنظومة الأوروبية إنما يمثلون تهديدًا للقيم الأوروبية والحضارة الغربية.
ويروج اليمين المتطرف إلى فكرة إعادة بناء المجتمع على أساس الاثنية أو الجنسية أو الدين أو العرق، ويقودهم هذا المفهوم إلى رفض جميع أشكال العولمة في صالح حب الذات وامتعاض الغير، وهذا يفسر أسباب ممارسة العنف لدى كثير من المنتمين لليمين المتطرف في أوروبا سواء كان عنف جسدي أو لفظي.
وقد تبنى اليمين المتطرف بدرجات متفاوتة خطاب "مضاد للنخبة" الأكثر تعلمًا أو ارتباطا بالمؤسسات العالمية، وخاصة هؤلاء الذين يعرفون في فرنسا بخريجي معاهد الإدارة العليا التي تفرز النخب الفرنسية، ويتناسون أن قادة أحزاب اليمين المتطرف تحولوا مع الوقت إلى "نخب" حتى لو اختلفت في تركيبتها وخطابها عن نظرائهم في اليمن واليسار، وحتى لو كانوا أقل تعليمًا من نظرائهم في الأحزاب الأخرى.
واعتاد رموز اليمين المتطرف وأحزابه في أوروبا على استخدام تعبيرات من نوع العصر الذهبي، والمُخلص، والانحطاط، والمؤامرات العالمية، ويعظمون القيم اللاعقلانية غير المادية وثقافة الماضي، ويتحدثون عن دور الشباب وقدموا بالفعل قيادات شابة.
الوطنية والخصوصية الحضارية
مع ازدياد أعداد المهاجرين إلى أوروبا وتزايد معدلات الهجرة غير النظامية تحولت قضية الهجرة من قضية اجتماعية واقتصادية مرتبطة باحتياجات المجتمعات الأوروبية للعمالة الأجنبية إلى قضية "تهديد ثقافي" وخرجت عشرات الكتب والأبحاث التي تعالج أوضاع المهاجرين من زوايا جديدة، ويكفي صدور كتاب "الاستبدال الكبير" الذي كتبه الباحث الفرنسي "رونو كامي" الذي شكل إطارًا مرجعيًا لمواقف كثير من قادة اليمين المتطرف وعلى رأسهم المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة الفرنسية الأخيرة إريك زامور، واعتبر فيه المهاجرين المسلمين خطرًا على الهوية الأوروبية المسيحية، وأنهم محاربون غزاه يهدفون إلى جعل حياة السكان الأصليين مستحيلة وإجبارهم على الفرار و"إخلاء الأرض"، وإن هدفهم الوحيد هو تدمير الشعب الفرنسي وحضارته واستبدالهما بالإسلام".
ويمكن القول إن هذه الفكرة تبناها بعض من حملوا السلاح وقاموا بعمليات إرهابية ضد المسلمين كما جرى في نيوزيلاندا على يد الإرهابي الأبيض الذي قتل مصلين آمنين في أحد المساجد. أو يتبناها بشكل مخفف وسلمي كثير من رموز اليمين المتطرف داخل العملية السياسية الشرعية والسلمية في أوروبا بشكل مخفف.
وقد باتت الهجرةُ إحدى القضايا الرئيسية التي أثَّرت أثرًا بالغًا في صعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا. وتتَّفقُ جميع قوى اليمين المتطرف على أنها السبب الأوَّل للمشكلات التي تواجهها المجتمعاتُ الأوروبية، وأن الهُوية الوطنية الأوروبية في خطر، ويجب حمايتها من الغزو الأجنبي المتمثِّل في المهاجرين؛ لما يسبِّبونه من تهديد لتلك الهُوية.
وقد وظَّفت هذه الأحزابُ قضية الهجرة في التسويق لمشروعها السياسي بهدف تعزيز عملية الحشد والجذب لقِطاعات واسعة من الأوروبيين لصالح برامجها في أي استحقاق انتخابي.
وقد أعادت قوى أقصى اليمين الترويج لخطاب تراجع في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية وهو "الخطاب الوطني" الذي اعتبر كثيرون إن بسبب هذا الخطاب والتمجيد المبالغ فيه للوطنية واستدعاء مفاهيم التفوق العرقي والجنس الأري وغيرها اشتعلت الحرب العالمية.
صحيح أن اليمين المتطرف استعاد تبني الخطاب الوطني بشكل مختلف عما جري في فترات سابقة كما قال الزعيم الثاني في حزب التجمع الوطني في فرنسا جوردان بارديل: إنه يريد منع الفرنسيين مزدوجي الجنسية من تولي مناصب استراتيجية حسّاسة، واصفاً إياهم بـ "أنصاف الوطنيين". ويريد أيضاً أن يحدّ من الرعاية الاجتماعية للمهاجرين، والتخلص من الحق التلقائي لحصول الأطفال من أهل ولدوا خارج فرنسا، على الجنسية الفرنسية، كما رفعت تيارات أقصي اليمين الشعارات الوطنية في مواجهه المهاجرين في الداخل والبلدان الأخرى في الخارج فكان شعار "فرنسا أولاً و"ألمانيا أولاً" وغيرها.
النتائج على الأرض
قاد حزب "التجمع الوطني" حملاته الانتخابية بنجاح رافعًا شعارات وأفكار بسيطة، ولاعباً على مخاوف الناس من خسارة هويتهم الفرنسية، وعلى تراجع قدراتهم الشرائية. واستخدم الحزب مواقع التواصل الاجتماعي بفعالية كبيرة، لتعزيز صورته وجعل الناخبين يشعرون بأنه جدير بالثقة ومألوف. وأطلق على جوردان بارديلا (لقب) سياسي التيك توك، لأنه يحّرك وسائل التواصل الاجتماعي بسهولة".
وقد خلقت هذه الأفكار تيار مجتمعي داخل أوروبا يرى بدرجات متفاوتة في صحتها ويروج لها ويترجمها في برامج سياسية وحزبية عبر عنها اليمين المتطرف.
وكما أشارت مجلة (The Economist) البريطانية إن أحزاب اليمين المتطرف في معظم أنحاء أوروبا تكتسب زخمًا، وتقترب أكثر من الوصول إلى السلطة في بلدانها. ومع ذلك فهي "ليست بحاجة إلى الانضمام إلى الحكومات للتأثير على صنع السياسات". وترى المجلة في تقريرها أن تمدد تلك الأحزاب نمط شائع في القارة، فحزب "فلامس بيلانغ"، ومعناه "المصلحة الفلمنكية "، في بلجيكا يسير من قوة إلى قوة بعد أن كان قد تراجع إلى الهامش.أما بلدان مثل المجر وإيطاليا وبولندا تتولى الأحزاب اليمينية المتطرفة الحكم، وفي فنلندا والسويد وسويسرا تشارك بحصة في السلطة، وفي ألمانيا، أظهرت استطلاعات الرأي حصول حزب "البديل من أجل ألمانيا" على 22% في استطلاعات الرأي، وحقق بذلك ارتفاعًا من 10% في انتخابات 2021م.
أما في بريطانيا فإن فوز اليسار ممثلًا في حزب العمال في الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر يوليو الماضي (حصل على 411 من أصل 650 مقعدًا)، لم يمنع تقدم حزب اليمين المتطرف إذا حصل على حوالي 13% من أصوات الناخبين حتى لو كان تمثيله داخل البرلمان بـ4 مقاعد فقط.
وفي فرنسا، حصل حزب التجمع الوطني، وهو أكبر حزب يميني متطرف، على 143 مقعدًا في الانتخابات الأخيرة التي جرت في شهر يوليو الماضي، واستغل حالة عدم الرضا عن الأوضاع الاقتصادية ليعزز من وجوده واعتبر أن الوضع المعيشي للمواطنين في أعلى سلم أولوياته، بعد أن تراجعت قدرتهم الشرائية، ورفعت أسعار الطاقة، وتدهورت الخدمات الصحية، بالإضافة إلى تصاعد نسبة الجرائم، والتي يصفها الفرنسيون بـ "انعدام الأمن". كما يري سكان المناطق الفرنسية البعيدة عن المدن الكبرى، إنهم يشعرون بالتجاهل، مع اتجاه التمويل والاهتمام نحو المدن، بينما ترتفع نسبة البطالة في بعض المناطق لتصل إلى 25%. ولا يستطيع البعض دفع تكاليف السكن، وأقفلت مدارس ومراكز صحية عامة في بعض الأماكن أبوابها نتيجة الاقتطاع من الميزانية.
وقد عملت زعيمة "التجمع الوطني" مارين لوبان على مدى سنوات في البرلمان لجعل حزبها أكثر شعبية وقبولاً لدى الناخبين وحوّلت اتجاهه من الجذور المعادية للسامية لحزب "الجبهة الوطنية" الذي أسّسه والدها جان مارين لوبان، وغيّرت اسمه إلى "التجمع الوطني"، ويصبح حزبا يتحدث عن الوطنية الخالصة في مواجهة العولمة والخصوصية الحضارية في مواجهة ما يعتبره "التهديد الذي يمثله الإسلام" ومعادي للهجرة مع الاستمرار في رفع شعارات شعبوية تشكك في جدوى الاتحاد الأوروبي دون أن تدعو صراحة للخروج منه كما هو حال هذه الأحزاب في إيطاليا وألمانيا.
إن الشعارات التي تحملها هذه الأحزاب تشمل "مروحة واسعة" من المواضيع الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية والدينية، التي يمكن أن تتقاطع حولها شرائح واسعة من الجماهير. فبعض المهاجرين العرب من المسلمين والمسيحيين المحافظين أو المتشددين دينياً، يجدون أحزاب اليمين المتطرف التي تدعو إلى عدم قبول المثليين جنسياً أقرب إليهم من أحزاب اليسار التي تدعو إلى حمايتهم وصون حقوقهم مع باقي الشرائح الاجتماعية والأقليات.
في المقابل، فإن تلك الأحزاب تجعل من شعارات مناهضة المهاجرين المسلمين أولوية في مناطق ذات غالبية غير مسلمة، وتستثمر أكثر في شعارات مناهضة المثلية في مناطق ذات وجود أكبر للمسلمين. أما الفئات الشبابية، فهي تشعر بالتململ من انخفاض مستوى المعيشة، وازدياد الجرائم والأحداث الأمنية والحروب وانسداد الحلول.
يبدو أن رد فعل الفئات الشبابية في أوروبا جاء على قاعدة "عدم تجريب المجرّب"، على الرغم من أن أقصى اليمين لا يحمل في جعبته سوى تاريخ حافل من الحروب العبثية والانهيارات الاقتصادية والاستبداد الشديد. وفي هذا السياق، يظهر العجز الكبير لتيارات اليسار المتطرف في استقطاب الجماهير العمالية وتعبئتها.
ومن الأسباب الرئيسة لتزايد حضور اليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية هو العاملُ الاقتصادي، وأشارت التقديراتُ إلى أن الأحزاب اليمينية المتطرفة في 20 دولةً ديمقراطية في العالم كانت هي المستفيدَ الأوَّلَ من الاضطرابات بعد الأزَمات؛ إذ تجاوزت نسبةُ الأصوات المؤيِّدة لها 30 % من إجماليِّ الأصوات. وأحدثت الأَزْمةُ الاقتصادية العالمية عام 2008م، اضطرابًا ملحوظًا أسهم في ارتفاع الموجة الجديدة من المدِّ اليميني المتطرف في أوروبا، وأدَّت السياساتُ الاقتصادية إلى ازدياد الاستياء لدى قطاع عريض من المواطنين، بإيعاز من التيارات اليمينية المتطرفة. وتفاقمَ الوضع بسبب التغيُّرات الاجتماعية التي قلَّصت الطبقةَ العاملة الصناعية التي تُعدُّ الداعمَ الرئيس للأحزاب اليسارية.
وارتبط صعودُ اليمين المتطرف أيضًا بارتفاع معدَّلات البَطالة ارتفاعًا غيرَ مسبوق في البلدان الأوروبية في العقد الماضي، فقد شهدت أوروبا زُهاء 20 مليون عاطل من العمل. وأرجعَ اليمين المتطرف هذه البَطالة إلى المهاجرين؛ لأنهم يتقاضَون أجورًا أقلَّ من نظرائهم الأوروبيين، فضلًا عن التكلِفة التي تتحمَّلها الدولُ المضيفة للَّاجئين في عدد من المجالات، مثل: المرافق العامَّة والتعليم والصحَّة. ومع أن معدَّلات البطالة في بلدان الاتحاد الأوروبي انخفضت في عام 2022م إلى 6.6 %من إجماليِّ السكَّان، بواقع 12.93 مليون عاطل في الكتلة الأوروبية، لا يزال اليمين المتطرف الأوروبي في ارتفاع وصعود.
ويعتمد اليمين المتطرف كذلك على استخدامه الواسع لمنصَّات التواصُل الاجتماعي في ترويج أفكاره، واستقطاب العديد من مناصريه؛ إذ توجِّه قوى اليمين خطابها إلى الشباب للانضمام إلى صفوفها، مستغلَّةً حالة الغضب والإحباط التي تستحوذُ عليهم تجاه سياسات حكوماتهم وتعاملها مع الأزَمات الاقتصادية. وتضغط هذه القُوى أيضًا على المعتدلين من أجل تبنِّي خطاب اليمين المتطرف؛ للحفاظ على مكتسباتها السياسية الانتخابية.
ستبقي هناك كثير من الأفكار الموجودة في برامج قوى اليمين المتطرف لدغدغة مشاعر الجماهير وضمان الحصول على أكبر عدد من الأصوات مثل التضييق على المهاجرين الشرعيين بأشكال مختلفة، إذ يعتبرهم بشكل عام أعداءً للمجتمعات الأوروبية، حتى ولو قاموا بالحصول على الجنسية بعد جهدٍ كبير، وانتظار سنوات طويلة، وتعلّم اللغات والتكيّف والاندماج في تلك المجتمعات. لكن حتى لو لم يتمكن اليمين المتطرّف من الضغط لإقرار كل تلك القوانين، فإنه سيفعل ما في وسعه لتصعيب حياة المهاجرين الشرعيين في البلدان الأوروبية.
مستقبل اليمين المتطرف
أصبح صعودُ اليمين المتطرف ظاهرةً عالمية نامية ومقلقة، فلم تَعُد مجرَّدَ أحزاب صغيرة تتبنَّى بعض الأفكار الشعبوية إنما صارت أحزاب كبري تضع النقاط الأساسية في أجندة الحوار العام وتفرضها على القوى التقليدية من اليمين واليسار.
إن تصاعد تأثير قوى اليمين المتطرف ستؤثر على ثلاث قضايا أساسية حتى لو لم تصل بشكل كامل إلى السلطة أو تحصل على أغلبية مطلقة داخل البرلمان الأوروبي:
الأولى: ستفرض هذه القوى قيودًا أو ربما عراقيل أمام توجهات بعض الدول الأوروبية لتوسيع الاتحاد الأوروبي حيث يشكل صعود أحزاب اليمين المتطرف تحدياً محتملاً لمشاريع توسيع الاتحاد الأوروبي وسيعيق ضم دول جديدة، وخاصة أوكرانيا، على الأقل خلال الدورة البرلمانية الحالية (5 سنوات) كما سيتخذ الاتحاد خطوات أكثر تشددًا تجاه ضم أي دول جديدة له.
الثانية: قضايا الهجرة واللجوء إلى أوروبا، وهنا من المؤكد أن صعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، سيؤدي إلى فرض قيود جديدة على دخول المهاجرين بكافة صورهم ومن الوارد اتخاذ موقف متشدد يصل إلى الترحيل الفوري للمهاجرين غير النظاميين، وفرض قيود ومراقبة صارمة للحدود تتماشى مع سياسات هذه الأحزاب الرامية إلى الحد من الهجرة غير الشرعية وطلبات اللجوء.
الثالثة: تتعلق بموقف هذه الأحزاب من المواطنين الأوربيين ذوي الأصول المهاجرة، فإذا كان إغلاق الحدود في وجه الأجانب أو اللاجئين أو ترحيل المهاجرين غير النظاميين هي كلها قرارات سيادية من حق أي دولة أن تتخذها أيًا كان الرأي فيه، إلا أن المشكلة تكمن في التمييز الذي يحدث بحق مواطنين أوروبيين أصولهم مهاجرة أو لون بشرتهم أسمر، وهنا تكون المعضلة لأن هذا الفعل لن يكون حقًا سياديًا وقانونيًا للدولة إنما سيكون عملا ضد القانون وضد مواثيق حقوق الإنسان التي وقعت عليها (وربما وضعتها) كثير من الدول الأوروبية.
معضلة خطاب اليمين المتطرف في أوروبا إنه يعتبر صراحة أو ضمناً "الأوربيين من أصول غير غربية "وغير بيضاء" غير قابلين للاندماج بسبب خلفيتهم الثقافية والدينية وأن العنف متأصل فيهم، وهو بذلك يدفع في اتجاه بناء مشروع سياسي مخالف للدساتير والقوانين التي بنت عليها أوروبا نهضتها، فيرفض التنوع ولا يحترم الخصوصيات الثقافية ويسعي لإقصاء قطاع واسع من الأوروبيين لأن أصولهم عربية أو غير أوروبية ويضع مزيدًا من العراقيل أمام فرص صعودهم في السلم الاجتماعي والوظيفي مما سيفاقم مشاكل أوروبا إذا شكل حزب أقصى اليمين الحكومة القادمة في ألمانيا أو شارك فيها، أو وصلت مارين لوبان إلى الرئاسة بعد ثلاث سنوات في فرنسا.






