بداية، أجد أنه من المفيد أن نثير بعض الأسئلة، لعلها تشكل مفاتيح فهم ظاهرة خطيرة تجتاح الاتحاد الأوروبي، تتمثل في صعود اليمين المتطرف، وكيف ساعد الإعلام في هذا الصعود الخطير من حيث يدري أو لا يدري.
ومن خلال تتبعي للخطاب الإعلامي لليمين المتطرف في دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، يدهشني أن اليمين الأوروبي المتطرف غير من خطاباته على مدار السنوات الخمس السابقة، كيف لم تتنبه له الحكومات الغربية؟ أهي المواءمة السياسية؟ أم الاستهانة بحجم الخطر؟
المحصلة النهائية أن الحكومات الأوروبية فوجئت بما أنجزه اليمين المتطرف في خطط التعبئة الناجحة للناخب الأوروبي، انتهت بفوزه في معظم الانتخابات في إيطاليا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، تساؤل آخر، يتعلق بمدى تأثر القضايا السياسية والإعلامية والاجتماعية العربية بصعود اليمين المتطرف خلال السنوات الخمس المقبلة؟ وهل يعكس استحواذ اليمين المتطرف على مقاعد البرلمان الأوروبي دلالة سياسية حول هشاشة القيم الأوروبية؟ ثم ما حجم تأثير أصوات المسلمين والعرب على نتائج الانتخابات الأوروبية؟
نأتي إلى السؤال المسكوت عنه أوروبيًا وأمريكيًا: من الذي صنع التطـرف وأسهم في صعود اليمين على هذا النحو الذي بات خطرًا على أوروبا أكثر منه خطرًا على العالم؟
باعتقادي، أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا، كان نتيجة الأخطاء الأوروبية والأمريكية في معالجة قضايا الشرق الأوسط وازدواجية المعايير بشكل صارخ، مثل السماح للتنظيمات المتطرفة بممارسة أنشطة الاستقطاب وجمع التبرعات وإشاعة خطاب الكراهية وغض الطرف عن وحشية اليمين الصهيوني المتطرف في إسرائيل وما يجري في غزة من قتل للأطفال والنساء بدم بارد.
ولكي نفهم الظاهرة، علينا أن نتتبع بداية الصعود (الخطير) لليمين الأوروبي المتطرف، في انتخابات 2022م، عندما حصل اليمين الفرنسي المتطرف في الانتخابات الرئاسية على 41.45% من أصوات الناخبين مقابل 34% في انتخابات عام 2017م، كما تضاعف عدد مقاعد الحزب بالبرلمان الفرنسي في انتخابات يونيو 2022م، إلى 89 مقعدًا.
وقد رصدت السلطات الفرنسية أنشطة اليمين المتطرف، مثلًا رصدت حوالي (20) صندوق هبات خاص استغلتها تنظيمات متطرفة لتمويل نشاطاتها. وإثر صدور قانون مكافحة الانفصالية الذي ينص على احترام مبادئ الجمهورية، أدى التحقيق المعمق إلى منع 8 منها، ومن بينها صناديق صدرت بحقها شكاوى قضائية.
تنبهت متأخرًا بعض المنظمات والجهات الأوروبية للخطاب الإعلامي المتطرف لليمين الأوروبي وانتشاره في وسائل التواصل الاجتماعي مما أدى إلى تحذير شديد اللهجة من مبادرة ألمانية في 10 مارس 2022م، تحذر من المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال من خلال ممارسة الألعاب عبر الإنترنت مثل خطاب الكراهية ونشر الأيديولوجيات المتطرفة. وأكدت المبادرة على ضرورة تدريب الآباء على طرح الأسئلة حول المحتوى المتطرف واختيار المحتويات المناسبة للعمر مع تفعيل إعدادات الأمان والخصوصية بالإضافة إلى ضرورة مراقبة الآباء أطفالهم عن قرب.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي اعتمد مشروعاً حول محاربة التطرّف في منطقة السّاحل والمغرب العربي منذ العام 2015م، بميزانية تقدر بـ (6) ملايين يورو. يجمع بين الاستراتيجية الأوروبيّة لمكافحة الإرهاب والاستراتيجية الأوروبيّة لمحاربة التّجنيد للإرهاب والاستراتيجيّة الأوروبيّة للأمن والتّنمية في السّاحل واستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل بسبب المعايير المزدوجة للأوروبي في تعامله مع قضايا العرب والمسلمين.
ويلاحظ أن صعود اليمين في القارة العجوز ليس مقتصراً على ألمانيا ولا حتى إيطاليا، إذ شهدت الأعوام القليلة الماضية صعوداً للتيار اليميني المتطرف في أنحاء أوروبا كلها، علماً بأن الأفكار القومية والشعبوية المتشددة رأيناها دائمة الحضور في الخطابات الإعلامية للأحزاب المتطرفة بل وحتى في السياسة الأوروبية.
وقد زادت المخاوف حيال صعود التيار اليميني المتطرف والنازيين الجدد والتنظيمات الفاشية إثر الأحداث الأخيرة، مثل عملية دهس المتظاهرين السلميين في مدينة شارلوتسفيل الأمريكية وما تلاها من أعمال عنف في عام 2017م، أو موجة أعمال عنف شهدتها مدينة كيمنتس الألمانية عام 2018م، أو الهجوم الإرهابي الأخير في مدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا.
الحصاد المر للتطرف الأوروبي:
نتيجة لتساهل الحكومات الغربية مع المتطرفين، صعد تيار اليمين المتطرف في السويد في الانتخابات البرلمانية ليصبح حزب الديمقراطيين القومي اليميني المتطرف ثاني أكبر حزب سياسي في البلاد بعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي.
ويلاحظ أن حزب الديمقراطيين القومي الألماني المعارض للهجرة قد ولد من رحم الحركة النازية الجديدة في ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن ظل فترة طويلة حزباً هامشياً منبوذاً، دخل البرلمان بعد فوزه بنسبة 5.7% من الأصوات عام 2010م، ثم ارتفعت النسبة، استجابة لخطاب إعلامي متطرف إلى 17.5% عام 2018م، ثم في 2022م، تزايد عدد المؤيدين قرابة 20%
توالت حوادث صعود اليمين المتطرف في أوروبا وبخاصة تجاه العرب والمسلمين والأجانب بصفة عامة، كشف عنها التقرير السنوي الذي أصدرته تنسيقية مناهضة الإسلاموفوبيا في أوروبا (CCIE) لعام 2022م، وقد تبين أن معظم البلاغات الواردة إليها، تتعلق بوقائع وأحداث ترتبط بكراهية الإسلام والمسلمين في فرنسا، فمن بين (527) بلاغًا يتعلق بالعنصرية وكراهية الإسلام في أوروبا، استأثرت فرنسا وحدها ب (501) بلاغًا.
وجاء في تقرير ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا، والذي أعده 26 خبيرًا وأكاديميًّا حول الظاهرة وتطورها في الدول الأوروبية، أنه خلال عام 2022م، تم توثيق 364 جريمة معادية للإسلام والمسلمين في ألمانيا من بينها 26 جريمة استهدفت مساجد.
وفي بريطانيا، ارتفعت جرائم الكراهية المرتبطة بالدين بشكل ملحوظ خلال الفترة من (2021 إلى مايو2022م) بنسبة 37٪ ولتصل إلى 8730 حادثة، وقد لوحظ أن 42٪ من هذه الحوادث كان ضحاياها مسلمين، وفي الصدد نفسه تتعرض 35٪ من المساجد الموجودة في المملكة المتحدة إلى هجوم واحد على الأقل بدوافع دينية كل عام.
وتنوعت الحوادث التي رصدها تقرير الإسلاموفوبيا الأوروبي بعد صعود اليمين المتطرف فمثلا، تم رصد 467 حادثة تتعلق بالعنصرية، و128 حادثة تتعلق بالكراهية والاستفزاز، و71 حادثة تتعلق بتوجيه إهانات، و59 حادثة تتعلق بالتحرش والمضايقات الأخلاقية، و44 حادثة تتعلق بالتشهير، و27 حادثة ذات صلة بالاعتداءات الجسدية، و33 حادثة مرتبطة بقانون مكافحة التطرف والانفصالية الفرنسي. كما يكشف التقرير أنه خلال الفترة (2011-2023م)، شهدت أوروبا العديد من الحوادث التي تتعلق بإحراق المصحف وتدنيسه وتمزيقه، وذلك في دول (السويد -بريطانيا – ألمانيا – فرنسا-النرويج -هولندا – الدنمارك) .
ووفقًا للتقرير نفسه، شهدت الدنمارك خلال عام 2021م، قرابة 164 جريمة كراهية بدوافع دينية، 38٪ منها استهدفت مسلمين. كما أن 67٪ من جرائم التمييز القائم على أساس الانتماء الديني في هولندا موجهة نحو المسلمين، وكذلك شهدت النمسا خلال عام 2022م، أكثر من 1000 قضية تتعلق بجرائم كراهية ضد المسلمين.
استمر الاتحاد الأوروبي يحرث في البحر باعتماده في أبريل 2021م، لائحة بشأن معالجة نشر المحتوى المتطرف عبر الإنترنت للحد من الخطاب الاعلامي العنيف لليمين الذي لا يخفى كراهيته للمسلمين والعرب، ورغم أنه تم تطبيق القواعد الجديدة في يونيو 2022م، بإصدار أوامر إزالة المحتوى المتطرف أو تعطيل الوصول إليه إلا أن هذه الاحزاب تفننت في الهروب من القواعد بحسابات مزيفة.
ومن أشهر أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا الجبهة الوطنية بفرنسا المعادية للأجانب والإسلام، وحزب الوسط الديمقراطي في سويسرا الذي كان وراء استفتاء منع بناء المآذن في البلاد ، أجري يوم 29 نوفمبر 2009م، و"حركة بيغيدا" الألمانية التي تأسست عام 2014م، والمناهضة لما تدعوها "أسلمة الغرب". كما ارتفع الدعم للأحزاب القومية المتطرفة في أوروبا عقب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016م، وفوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2017م.
جهود أوروبية لمكافحة التطرف:
يعد مشروع "إيكسيت نورواي"، واحدًا من هذه المؤسسات التي تتصدى للفكر المتطرف. ووضع هذا المشروع، الذي أسسه باحثان بأكاديمية الشرطة النرويجية عام 1997م، ثلاثة أهداف رئيسية: "أولها إقامة شبكات محلية لدعم آباء وأمهات الأطفال الذين انضموا لجماعات عنصرية أو عنيفة، والسماح للشباب بالانشقاق عن هذه الجماعات، وأخيرًا نشر معلومات منهجية للمختصين الذين يعملون مع شباب لهم صلة بجماعات تنتهج العنف.
وتُعد منصة “De Facto ” التي أطلقت في فرنسا من المنصات الرقمية المتوفرة لرصد الأخبار المضللة والأفكار المتطرفة في 18 يناير 2022م. أطلق هذه المنصة مجموعة من الباحثين والصحافيين والمتخصصين الفرنسيين في مجال تطوير قدرات الأفراد على استعمال وسائل الإعلام والتواصل والمبادرة وهي وليدة جهود بذلتها وكالة “فرانس برس ” ومعهد العلوم السياسية في باريس “سيانس بو” ومركز الربط للتعليم ووسائل الإعلام “كليمي” ومنصة “اكس ويكي” التعاونية. ما يميز المنصة هو إنتاج خطاب مضاد للمعلومات المضللة وللخطاب المتطرف على مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من أن ينحصر داخل المؤسسات التعليمية ودور العبادة.
تولت شركة “META” في يناير 2023م، رئاسة مجلس تشغيل منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب (GIFCT)، وهي منظمة غير حكومية تجمع بين شركات التكنولوجيا لمعالجة المحتوى المتطرف عبر الإنترنت من خلال البحث والتعاون التقني ومشاركة المعرفة. التزمت شركات مواقع التواصل الاجتماعي منذ 16 سبتمبر 2022م، باتخاذ خطوات جديدة لمكافحة التطرف وتوسيع سياسات بشأن محاربة الخطاب الإعلامي المتطرف على مواقعها من خلال إزالة المحتوى الأكثر عنفاً وفي نفس الوقت تعزيز الثقافة الإعلامية المؤمنة بالحوار مع الآخر.
وتشير تقارير منظمة اليونسكو، لإطلاق مؤتمر “الإنترنت لبناء الثقة”، في 23 فبراير 2023م، حيث أشركت المنظمة جميع الجهات المعنية من حكومات وهيئات تنظيمية مستقلة وشركات عاملة في المجال الرقمي وأوساط أكاديمية ومجتمع مدني لمناقشة حلول تنظيمية للأزمة الراهنة للمعلومات المضللة المتاحة على شبكة الإنترنت ومحاربة التطرف.
كيف أسهم الإعلام في صعود المتطرفين في أوروبا وأمريكا؟
بمتابعة الإعلام الإلكتروني الغربي من خلال مراصد جمعية حماية المشاهدين والقراء المصرية، تبين أن مجموعة من المواقع الأمريكيّة المتطرّفة تنشر خطبًا ومحاضرات تحريضيّة كان يلقيها الأمريكي Dr Pierce William وهو قائد الجماعة المتطرفة المعروفة باسم المنظمة الانفصاليّة "التحالف الوطني" National Alliance. والغريب أن هذا المتطرف كان يعمل بروفيسورًا في الفيزياء بجامعة «Oregon» الحكوميّة ويعد أبرز منظري ومؤسسي جماعات التطرّف الأمريكيّة ذات الميول النازيّة، ويقال إن روايته «The Diaries Turner» كانت بمثابة «الفتوى» التي ألهمت منفذي تفجيرات المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما سنة 1995م، مخلّفة 168 قتيلاً وتدمير كامل المبنى.
وتخصص الصحافة الإيطالية الليبرالية، وفي طليعتها «لا ريبوبليكا» و«لا ستامبا»، كل يوم مساحات واسعة لظاهرة عودة اليمين المتطرف، الفاشي الجذور، إلى الحكم، ومحاولاته الدؤوبة للظهور بالاعتدال.
وفي إسبانيا، تفرد جريدة «الباييس»، وهي الأوسع تأثيراً في البلدان الناطقة بالإسبانية، مساحة كبيرة للتحقيقات والمقالات التحليلية التي تتناول نشاط اليمين المتطرف بعد دخوله بقوة إلى البرلمان، ومشاركته في عدد من الحكومات الإقليمية، للمرة الأولى، منذ سقوط ديكتاتورية الجنرال فرانشيسكو فرنكو.
أما الصحافة الأمريكية فقد حذرت التايم من خطر الصعود اليميني المتطرف والأحزاب القومية على الديمقراطيات الغربية كما حذرت فورين بوليسي من تداعيات كارثية على الحريات والنظام الديمقراطي في حال استمرار صعود الظاهرة اليمينية المتطرفة ورسوخها في الدول الغربية. أما صحيفة «لوموند» الفرنسية الرصينة فقد حذرت مرات من مخاطر وصول اليمين المتطرف إلى الحكم، وتدعو في افتتاحياتها ومقالاتها التحليلية إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي، لتحصينه ضد ما أسمته «الخطر الداهم» على القيم والمبادئ الجمهورية.
على الجانب الآخر، فوجئنا بخطاب إعلامي يرسخ كراهية الأجانب، تتزعمه مجلة «كومباكت» الألمانية التي تؤيد بقوة اليمين التطرف وتروّج لأفكاره، وغالباً ما تستضيف قادته وسياسييه. كما سبق للاستخبارات الألمانية أن وصفت مجلة «كومباكت» بأنها «يمينية متطرفة» هذه المجلة التي تروج خطاب الكراهية تنشر على مواقع الإنترنت وتطبع أيضاً بشكل شهري، ولديها قناة على «يوتيوب» تبث عليها برامج أسبوعية. ومن «ضيوفها» وكتّابها الدائمين مارتن سيلنر، النمساوي اليميني المتطرف الذي كان شارك في اجتماع سرّي كشفه الإعلام الألماني نهاية العام الماضي بألمانيا، وناقش ترحيل ملايين المهاجرين من حملة الجنسية الألمانية .
جهود عربية في مكافحة التطرف:
تبذل كثير من الدول العربية جهودًا مقدرة في مكافحة التطرف من خلال وسائل الإعلام ومراكز البحوث، ومن ذلك “مركز هداية ” الذي أسسته دولة الإمارات العربية بالإضافة لمركز ” صواب الذي يسهم في محاربة الفكر المتطرف، وهو مركز يهدف لتعزيز التدريب والحوار والأبحاث والتعاون في مجال مكافحة التطرف العنيف، حيث يتم مع الشركاء الدوليين استحداث الطرق الجديدة التي تساهم بمنع انتشار التطرف ولا سيما من خلال الحرص على نبذ الأيديولوجية المتطرفة والاستفادة من مجال التربية والتعليم في محاربة التطرف. انطلقت أعمال المركز منذ العام 2015م، والذي يسخر وسائل الاتصال والإعلام الاجتماعي على شبكة الإنترنت من أجل محاربة الخطاب المتطرف، وتفكيك الأيديولوجيات المتطرفة ووضعها في منظورها الصحيح.
حافظت دولة الإمارات العربية المتحدة في 20 يناير 2023م، على مركزها الأول في مؤشر مكافحة الإرهاب العالمي، حيث تعتبر من أكثر الدول أماناً من بين دول عدة فعالة في مجال مكافحة الأنشطة المتطرفة بمستوى “منخفض جداً” لمخاطر التطرف والإرهاب.
كما أسست السعودية مركز” المناصحة والرعاية” لتأهيل المتطرفين وهو برنامج حكومي تابع للمملكة العربية السعودية أطلق في العام 2004م، لإعادة تأهيل المتطرفين عقلياً ونفسياً وجسدياً، ودمج المتطرفين في المجتمع، كذلك رفع الوعي الثقافي للمواطنين لمنع التحاقهم بالجماعات المتطرفة والإرهابية بمناطق الصراعات. ويمزج برنامج “المناصحة والرعاية” دروساً حول التفسيرات الوسطية والمعتدلة للشريعة مع رفع اللياقة البدنية والترفيه والاستشارات.
وفي هذا السياق أسست السعودية مركز “اعتدال” محاربة التطرف الرقمي لمكافحة التطرف خلال القمة العربية الإسلامية / الأمريكية التي احتضنتها المملكة العربية السعودية في 21 مايو 2017م، ومن مهام المركز تطوير نظم الذكاء الاصطناعي لتحديد المواقع الجغرافية التي تحتضن بؤر وحواضن الفكر المتطرف، ويعتمد المركز في مواجهة الفكر المتطرف على صناعة إعلام ومحتوى محترف ينشر الأفكار الوسطية.
في ضوء ما سبق، يتبين وجود تنامي في ظاهرة العداء والكراهية والعنصرية والتمييز بأشكالهم المختلفة ضد الإسلام والمسلمين في العديد من الدول الأوروبية في مقابل جهود عربية مؤثرة، تحارب التطرف الفكري وتبذل الجهود العلمية والبحثية في تطويق الظاهرة.
لماذا هذه الطفرة في صعود اليمين الأوروبي؟
يمكن إرجاع الظاهرة لعدد من الأسباب والدوافع، يتمثل أبرزها في:
- سوء الفهم للإسلام وتبني صور نمطية سلبية عن المسلمين: يتجلى ذلك في وجود حالة من الخلط والالتباس في فهم وإدراك الكثيرين في أوروبا للمفاهيم والأفكار والرؤى المتعلقة بالدين الإسلامي، مما أفضى إلى ظهور الخوف والقلق والتوتر المشوب بالكراهية والنفور داخل المجتمعات الأوروبية تجاه الإسلام والمسلمين، والذي يتغذى من القوالب النمطية السلبية والأحكام المُسبقة غير الموضوعية. ويرجع ذلك إلى ممارسات بعض الأطراف والجهات والمؤسسات الغربية، ومن أبرزها: بعض وسائل الإعلام، وبعض مراكز الفكر والأبحاث، التي ساهمت في خلق تصورات مغلوطة ومشوهة عن الإسلام والمسلمين تفتقر إلى الموضوعية العلمية، والنزاهة، والتجرُّد، والحيادية، بالإضافة إلى سلوكيات التطرُّف والعنف والتشدد والانحراف عند بعض المسلمين في الغرب. حيث جاءت سلسلة الاعتداءات الإرهابية والتفجيرات التي تبناها بعض المتطرفين المسلمين والتنظيمات الإرهابية المحسوبة على الإسلام على أهداف مدنية بين الحين والآخر في عدة بلدان أوروبية من قبيل فرنسا وفنلندا وهولندا وإسبانيا وبريطانيا، بمثابة أحد الأسباب والمحفزات الرئيسة التي ساعدت في تنامي تيار الخوف والشك والكراهية ضد الإسلام والمسلمين في الغرب، وأدت إلى نشوء صورة سلبية ومغلوطة عن الدين الإسلامي وأتباعه.
- تنامي أعداد المسلمين في أوروبا والخوف من توسعهم الديموغرافي:
تصاعدت المخاوف في السنوات الأخيرة من التزايد العددي للمسلمين في أوروبا، لا سيَّما في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد وفنلندا وبلجيكا وبولندا والنمسا، وساد تصور لدى البعض بأنهم في طريقهم لــ «غزو أوروبا» و«أسلمتها» (Islamization) ليصبحوا هم الأغلبية العددية في التركيبة السكانية للمجتمع الأوروبي؛ وذلك بالنظر إلى عاملين أساسيين، أولهما: تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين من البلاد ذات الأغلبية المسلمة إلى أوروبا، وثانيهما: ارتفاع معدلات المواليد ونسب الخصوبة بين الجاليات المسلمة في أوروبا (بمتوسط طفل واحد لكل امرأة)، وذلك مقارنة بانخفاض معدلات المواليد وتزايد نسبة الشيخوخة بشكل متسارع بين الأوروبيين. فوفقًا لأحدث تقرير نشره مركز «بيو» للأبحاث بواشنطن (Pew Research Center) حول أعداد السكان المسلمين في أوروبا بتاريخ نوفمبر 2017م، فقد وصل عدد السكان المسلمين في أوروبا في منتصف عام 2016م، إلى نحو 25.8 مليون مسلم (أي 4.9٪ من إجمالي سكان أوروبا) وذلك ارتفاعًا من 19.5 مليون مسلم (أي 3.8٪ من إجمالي سكان أوروبا) في عام 2010م. كما بلغ متوسط الأعمار بين المسلمين في أوروبا (30 عامًا)، مقارنة بمتوسط أعمار الأوروبيين الذي يبلغ (43 عامًا).
وقد تنبأ التقرير بثلاثة سيناريوهات تتعلق بتزايد أعداد مسلمي أوروبا خلال السنوات المقبلة؛ وهي كالتالي:
السيناريو الأول: ارتفاع نسبة المسلمين من إجمالي سكان أوروبا من 4,9٪ إلى 7.4٪ بحلول عام 2050م، في حال توقفت أيَّة عملية دخول للمهاجرين إلى الدول الأوروبية.
السيناريو الثاني: ارتفاع النسبة إلى 11.2٪ بحلول عام 2050م، حال تم وقف عملية استقبال اللاجئين بشكل تام.
السيناريو الثالث: أمَّا في حال استمرار وصول المهاجرين بالوتيرة نفسها التي سُجِّلت بين عامَي 2014 و2016م، في أوروبا، فمن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى قرابة 14٪ بحلول عام 2050م.
كيف نواجه تيار اليمين المتطرف؟
- أن تتبني الدول العربية والغربية ومؤسساتها الإعلامية استراتيجية إعلامية تعتمد على تنظيم الحملات التوعوية لنشر ثقافة التسامح والتعايش مع الآخرين.
- تشكيل لجان من علماء النفس والاجتماع لمحاورة معتنقي الفكر المتطرف وتنويرهم.
- يتعين على وسائل الإعلام أن تراعي أخلاقيات العمل الإعلامي والدقة والمصداقية مع عدم نشر صور وأسماء الإرهابيين المتسببين في التفجيرات والذين لقوا حتفهم، حتى لا يتم تمجيدهم.
- ضرورة الرجوع إلى مصادر موثوقة قبل نشر أي أخبار تتعلق بالإرهاب، وتفعيل فكرة ثنائية المصدر للمعلومة.
- تفعيل سياسة حجب مواقع الإرهابيين لضمان عدم تدفق الأفكار الإرهابية والمتضمنة لأفكار متطرفة.
- إنشاء قاعـدة معلوماتيـة إعلاميـة حـول ظـاهرة الإرهاب والعمـل علـى تحليـل تلـك المعلومـات بمـا يضـمن محاصرة الإرهابيين إعلاميًا وثقافيًا.
باختصار، يمكن القول: إن الصعود الكبير لليمين الأوروبي المتطرف وإمكانية وصوله إلى السلطة، أثر سلبًا على الخطابين الإعلامي الأوروبي بدلًا من تقديم خطابات تستوعب التنوع حيث بدأت أحزاب اليمين ووسط اليمين في تبني خطاب يشبه اليمين الشعبوي، خاصة فيما يتعلق بالمهاجرين وقضايا الهوية مما يزيد من التوترات السياسية والاجتماعية في قادم الأيام.






