array(1) { [0]=> object(stdClass)#14295 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 202

الأحزاب المتطرفة تساعد الصين وروسيا على تأسيس نظام دولي بديل للنظام الحالي

الإثنين، 30 أيلول/سبتمبر 2024

أحزاب اليمين المتطرف ليست ظاهرة جديدة تمامًا في السياسة الأوروبية، فقد بدأت هذه الأحزاب في الظهور منذ عقد الثمانينيات في القرن العشرين. غير أن التأييد الذي تلقاه مجموعة أحزاب اليمين المتطرف تضاعف بسرعة في السنوات الأخيرة، فكفت عن أن تكون أحزابا هامشية وكادت تصبح أحزابا رئيسية، تسهم في صنع وتشكيل الأوضاع السياسية والسياسات في القارة الأوروبية، وهو ما سوف تكون له آثار على مصالح شركاء أوروبا الخارجيين، عبر التأثيرات التي يخلفها في ثلاثة مستويات مختلفة، هي طبيعة الدولة الأوروبية، والسياسة الخارجية للدول الأوروبية، وطبيعة الاتحاد الأوروبي والسياسات التي يتبعها.

 

جديد الأحزاب اليمينية المتطرفة

 

بدأت الأحزاب السياسية في الظهور في القارة الأوروبية منذ القرن الثامن عشر مع ظهور السياسة الجماهيرية. خط الانقسام والتمييز الأول بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار كان على أساس الموقف من السلطة؛ فالأحزاب المؤيدة لبقاء امتيازات السلطات التقليدية صنفت في اليمين، فيما جرى تصنيف الأحزاب الساعية لتقويض السلطة التقليدية وتأسيس السلطة على قواعد جديدة وفقًا لمبادئ المساواة والجمهورية في قائمة اليسار.

أعيد تعريف اليمين واليسار في مرحلة تالية، عندما حلت قضية إنتاج وتوزيع الثروة محل قضية السلطة في التمييز بين أحزاب اليسار واليمين. لقد انتشرت الرأسمالية والصناعة الحديثة في القرن التاسع عشر، وزادت ثروة المجتمعات، وهجر الفلاحون الريف للعمل أجراء في المدينة. في هذه المرحلة احتلت الأحزاب الاشتراكية المنادية بتوزيع عادل للثروة، وصولًا للمطالبة بالملكية العامة لوسائل الإنتاج، فاحتلت هذه الأحزاب موقع اليسار، فيما دافعت أحزاب اليمين عن الملكية الخاصة، وعدم تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد.

تجاوزت أوروبا مرحلة الصناعة، وانتقلت إلى عصر ما بعد الصناعة، ومعها دخل النظام الدولي إلى عصر العولمة. حققت أوروبا في المرحلة السابقة مستوى متقدم جدًا من الرفاهية المادية، وانتقلت في عصر ما بعد الصناعة إلى مرحلة ما بعد الرفاهية المادية، وفيها تراجع تركيز الأفراد على الاستهلاك ومراكمة الثروة المادية، وزاد الاهتمام بالاستمتاع والحرية الفردية والتعبير عن الذات. في هذه المرحلة انتشرت قيم الاستمتاع والتعبير عن الذات بين مؤيدي الأحزاب المختلفة. فيما أيضًا ظهرت أحزاب الخضر المدافعة عن البيئة. انتقد الخضر أساليب الاستثمار والاستهلاك المدمرة للبيئة. وبسبب ارتباط أساليب الاستثمار والاستهلاك هذه بالنظام الاقتصادي الرأسمالي، فقد كان لأحزاب الخضر ميلًا يساريًا قويًا، ليس انطلاقًا من عدم عدالة نظام الملكية الخاصة، وإنما بسبب ما يترتب على الملكية الخاصة من تقويض شروط الحياة على الكوكب. على مدى العقود الماضية تقاربت الأحزاب اليمينية واليسارية في أوروبا في أيديولوجياتها السياسية، وفي برامجها. لقد تشكلت كتلة وسطية واسعة، تشمل أحزاب يسار ويمين الوسط في الدول الأوروبية المختلفة، وتقلبت هذه الأحزاب على تشكيل الحكومات، بل إنها في مرات ليست قليلة تعاونت لتشكل حكومات ائتلافية تضم يمين ويسار الوسط.

في العقود الأخيرة بدأت مكانة كتلة الوسط الأوروبية في الاهتزاز. فمنذ انتهاء الحرب الباردة هيمنت موجة ليبرالية قوية على المجتمعات الأوروبية، بحيث تم تراجع تمثيل قيم المحافظة الاجتماعية بين النخب والأحزاب السياسية، وتلاقت أحزاب ويمين الوسط في البقاء

 لقد مثل التقارب الكبير بين يمين ويسار الوسط إضعافًا للتنوع السياسي والتعددية في السياسة الأوروبية، الأمر الذي أتاح للناخبين بدائل أقل للاختيار بينها. لقد خلق هذا الوضع حاجة اجتماعية لظهور أحزاب جديدة لتوسيع نطاق التنوع وتعزيز حرية الاختيار أمام الناخبين.

عقيدة الأحزاب اليمينية المتطرفة

عند أحد المنعطفات في التطور التاريخي الطويل للأحزاب الأوروبية، ظهرت الأحزاب النازية والفاشية في فترة ما بين الحربين العالميتين، وهي أحزاب قومية، تركز على تعزيز وحدة الأمة ضد هؤلاء الذين يمزقونها من اليمين واليسار، ودافعت عن وجود سلطة قوية تتدخل في إدارة المجتمع والاقتصاد وتقمع الانشقاق والمعارضة، لا تلغي الملكية الخاصة، لكنها توجهها بقوة لخدمة المصلحة العامة للأمة. تبنت هذه الأحزاب عقيدة قومية متطرفة وانتهت إلى إشعال حرب عالمية مدمرة استمرت عدة سنوات. من بين التيارات الحزبية المتنوعة التي عرفتها القارة الأوروبية منذ عرفت الأحزاب السياسية، فإن أحزاب اليمين المتطرف الصاعدة الحالية في القارة الأوروبية هي في نظر كثير من الأوروبيين شديدة الشبه بالأحزاب الفاشية، وهو تشابه يثير ذكريات أليمة في العقل الأوروبي، والكثير من المخاوف داخل أوروبا وخارجها.

تتكون العقيدة السياسية لأحزاب اليمين المتطرف من مكونين أساسيين، الأول يتعلق بالهوية، ويتعلق الثاني بالسلطة. الهوية هي المفهوم الحاكم الرئيسي لدى هذه الأحزاب، والذي تتمحور حوله المفاهيم الأخرى، والذي منه تنطلق السياسات التي تتبناها مجموعة الأحزاب هذه. تعلي الأحزاب اليمينية المتطرفة من الثقافة واللغة والتقاليد والدين والقومية، وتتمسك برواية قومية فخورة للتاريخ القومي، وترفض الروايات البديلة المستحدثة من جانب تيارات التفكيك ونظريات التاريخ البديل. يرى اليمين المتطرف أن لكل أمة تاريخها وثقافتها وهويتها الخاصة بها، والتي يجب عليها ويحق لها أن تفخر بها، وأن تفضلها على ما عداها من ثقافات وهويات، فهذا هو النظام الطبيعي للعلاقات بين البشر والثقافة والهوية. لهذا يرفض اليمين المتطرف الأراء القائلة بالتعددية الثقافية، ويرفض القول بالنسبية الثقافة، ويرى فيه تقويضًا لقدسية الثقافة الوطنية، وتدميرًا للمعايير القومية للصواب والخطأ. يترتب على هذا المفهوم للثقافة والهوية القومية درجة عالية من كراهية الأجانب، لما يمثلونه من تحدٍ للثقافة القومية وتلويثا لها.

أما فيما يتعلق بالسلطة، أي المكون الثاني لعقيدة الأحزاب اليمينية المتطرفة، فإنها تتكون بدورها من شعبتين: الأولى هي شعبة الثقافة الأصلية، وفيها يراهن اليمين المتطرف على الثقافة الأصلية كأداة فعالة لقمع الانحرافات الحادثة في المجتمع. فالقيم الثقافية المنحرفة المهددة لهوية الأمة يمكن قمعها استنادا إلى تعزيز سلطة الثقافة الأصلية، وتمكين المجتمع من توظيفها بشكل فعال لمحاصرة القيم والثقافات والهويات الغازية والمستحدثة. الشعبة الثانية لمكون السلطة في العقيدة اليمينية المتطرفة يتمثل في إجراءات القمع المباشر التي تستخدمها السلطة الشرعية لمعاقبة التهديدات والانحرافات المهددة للهوية والثقافة الأصلية. وفقًا لهذا المكون القمعي تسعى أحزاب اليمين المتطرف لإصدار تشريعات مشددة تحظر الانحرافات المهددة للهوية، وتعاقب عليها عبر أجهزة إعمال القانون والنظام العادية.

البرنامج السياسي للأحزاب اليمينية المتطرفة

 

ينطلق البرنامج السياسي للأحزاب اليمينية المتطرفة بشكل مباشر من عقيدتها السياسية، وبشكل خاص فإن نقطتي الهجرة ومعاداة الاتحاد الأوروبي تمثل أهم نقطتين في البرامج السياسية لأحزاب اليمين المتطرف. 

يقاوم اليمين المتطرف أشكال التغير الثقافي المختلفة التي تخالف المستقر من هوية الأمة وثقافتها حسب تصورهم. وتحتل مقاومة الهجرة مكانة مركزية في برامج اليمين الأوروبي المتطرف، ففي المهاجرين تتجسد كافة الأشياء السلبية التي يرفضها اليمين المتطرف وتثير غضبه. قضية الهجرة هي القضية الأولى على جدول أولويات جميع الأحزاب اليمينية المتطرفة تقريبًا. قضية الهجرة تلخص كثيرًا من القضايا التي تنشغل بها هذه الأحزاب، في نفس الوقت فإنها تمثل قوة الدفع الرئيسية في تعاظم تأييد أحزاب اليمين المتطرف.

لو أن هناك قضية واحدة تجتمع عليها أحزاب اليمين المتطرف وتضعها في مركز اهتمامها فهي قضية الهجرة. أحزاب اليمين المتطرف انتقلت من معاداة السامية إلى معاداة المهاجرين. في الماضي كان يتم تحميل العرق السامي المسؤولية عن كل الشرور، بحيث أن التخلص من الساميين كان كفيلًا بحل كل المشكلات التي يتسببون فيها. إنه نفس الدور الذي تلعبه الهجرة والمهاجرون الآن.

المهاجرون يأتون إلى البلد الأوروبي بثقافة مختلفة وطرق حياة مختلفة، ويفرضون هويتهم ورموزهم الثقافية على المجال العام، ويغيرون شكل المجتمع وقيمه وثقافته تدريجيًا، ويولدون شعورًا بالغربة لدى أهل البلاد. تلقى نظريات الإحلال الديموغرافي انتشارًا واسعًا بين أنصار اليمين المتطرف، حيث يخشون من أن التركيب الديمغرافي للمجتمعات الأوروبية سيتغير بسكان من المهاجرين القادمين من بلاد ذات ثقافات غريبة. وبشكل خاص فإن المهاجرين الأفارقة والمسلمين بشكل خاص يتلقون الجانب الأكبر من غضب ورفض اليمين المتطرف، بسبب علامات الهوية الواضحة على أعضاء هاتين الفئتين. هناك إذا مكون عرقي ديني في سياسة رفض الهجرة التي يتبناها اليمين المتطرف، الأمر الذي يبرر شبهات العنصرية التي تحوم حول تيار اليمين المتطرف.

أما فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، فإن أحزاب اليمين المتطرف تنظر له باعتباره سلطة فوق قومية، لها سلطات عابرة للحدود، تتدخل في شئون الشعوب، وتحرمها من التمتع باستقلال مستحق، وتطبيق اختيارات خاصة تناسب هويتها الوطنية. الاتحاد الأوروبي مؤسسة بيروقراطية يديرها بيروقراطيون غير منتخبون، اغتصبت السلطة المستحقة للشعوب والأمم. يدرك اليمين المتطرف، ربما بشكل مبالغ فيه، الدور الذي تلعب القيم الليبرالية كأساس للسياسات التي يطبقها الاتحاد الأوروبي في مجالات مختلفة. ترفض أحزاب اليمين الأساس القيمي للاتحاد الأوروبي، وتنظر له وللسياسات المترتبة عليه باعتباها قهرًا خارجيًا للأمم الأوروبية تجب مقاومته. لهذا فإن اليمين المتطرف لديه شكوك عميقة في الاتحاد الأوروبي، ويطالب بالحد من السلطات المتاحة له، ولإرجاع السلطة إلى كل أمة من الأمم الأعضاء في الاتحاد. وبسبب هذا الموقف المتشدد من الاتحاد الأوروبي، فإن اليمين المتطرف يرفض محاولات تقوية وتعزيز الاتحاد الأوروبي، وبشكل خاص فإنهم يقاومون سياسة توسعة الاتحاد الأوروبي.

تلقى سياسة الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة رفضًا شديدًا من اليمين المتطرف بشكل خاص. في رأي اليمين المتطرف فإن سياسة الاتحاد الأوروبي المشجعة للهجرة، والمفروضة على كل الدول المكونة للاتحاد هي الأساس الذي يشجع موجات المهاجرين غير الشرعيين على التدفق عبر حدود القارة وسواحلها، فسياسة الهجرة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي هي عبارة عن مجموعة من الحوافز التي تغري آلاف المهاجرين غير الشرعيين بالوصول إلى بلاد الاتحاد. لقد خلق الاتحاد الأوروبي مجالاً اقتصاديًا وسوقًا أوروبية واحدة، وتكفلت نظم التأشيرة الموحدة بتسهيل تحرك المسافرين، بمن فيهم الأغراب الذين لم يدخلوا إلى أوروبا بشكل شرعي.

باستثناءات قليلة جدًا تتجنب أحزاب اليمين المتطرف الصاعدة في أوروبا التورط في معاداة السامية. هناك أدلة على وجود مناصرين لتيارات نازية بين أعضاء أحزاب اليمين المتطرف الصاعدة. ومع هذا فإن أي من هذه الأحزاب يتجنب في خطابه الرسمي الظهور بمظهر المعادي للسامية، وهذا فارق مهم بين الأحزاب اليمينية المتطرفة اليوم، والأحزاب الفاشية التي ظهرت في فترة بين الحربين. لقد كانت معاداة السامية في الحركات النازية والفاشية التقليدية تعبيرًا عن الصراع الاجتماعي الذي كان دائرًا وقتها، والذي تداخل فيه اليهود مع ظواهر بارزة كانت مكروهة من عناصر كثيرة في مجتمعاتها، حيث برز اليهود ضمن الرأسمالية في عنفوانها وذروة استغلالها، كما ظهروا بارزين أيضًا ضمن الحركات الشيوعية الإلحادية التي قاومت الرأسمالية.

التيارات اليمينية المتطرفة المعاصرة تتشابه مع أسلافها في أوروبا في أشياء، أهمها منطق التفكير وتكوين الحجة السياسية. سواء في الماضي أو الحاضر، اتسمت الأحزاب اليمينية بأنها أيضًا أحزاب شعبوية، وهو مصلطح له عدة أبعاد، منها الاستهزاء بالمؤسسات وبالنخب التي تقودها، واتهامها بالفساد، وخيانة مصالح الناس. تجد الأحزاب اليمينية المتطرفة فرصة كبيرة لنموها في ظروف الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. وبينما تقدم النخب الحاكمة تحليلات معقدة لأسباب الصعوبات التي تواجه الناس، مثل تطورات الأسواق العالمية، والتضخم والدورات الاقتصادية، وهي مفاهيم مجردة يصعب على عموم الناس فهمها أو لمسها، فلا أحد يرى الأسواق أو الدورات الاقتصادية. بالمقابل فإن الأحزاب الشعبوية تقدم تفسيرات بسيطة قادرة على جمع التأييد حولها، وإلهاب حماس مؤيديها.

العمل من داخل مؤسسات النظام، واحترام قواعد المباراة الديمقراطية هو من أهم الاختلافات التي تميز أحزاب اليمين المتطرف المعاصرة عن الأحزاب الفاشية التي ظهرت في أوروبا بين الحربين. فالأحزاب اليمينية المتطرفة اليوم ليست أحزابًا انقلابية أو ثورية تدبر للاستيلاء على السلطة بغير الطرق الدستورية، وهي أحزاب تحترم النظام، وإن كانت ترفض النخب المسيطرة على هذا النظام، وتعتبرها مسؤولة عن إفساده.

مع هذا فإنه من المهم ملاحظة أنه في عدد من الحالات، خاصة في دول الكتلة السوفيتية السابقة، بولندا والمجر والتشيك، فإن وصول أحزاب اليمين المتطرف إلى الحكم صاحبه إجراء تعديلات دستورية تقيد الحريات الفردية وتحد من استقلال القضاء، وهي التعديلات التي يمكن وصفها بأنها تحافظ على الطبيعة الديمقراطية لنظام الحكم، ولكنها تضيق من طابعه الليبرالي.

أحزاب اليمين المتطرف هي بالتأكيد أحزاب شعبوية تحرض ضد النخب، لكنها أحزاب دستورية تعمل من داخل النظام السياسي ووفقًا لقواعده، وهو ما يمكن اعتباره نجاحًا مهمًا للنظم السياسية الديمقراطية في أوروبا، إذ تبدو قادرة على الحفاظ على بقائها رغم التحديات والتغير الأيديولوجي العميق.

التنوع داخل أحزاب اليمين المتطرف

 

يوجد تنوع مهم داخل عائلة الأحزاب التي جرى العرف على وصفها بأنها يمينية متطرفة. يعكس ذلك التنوع نفسه في انقسام أحزاب اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي بين كتلتين، هما كتلة المحافظين والإصلاحيين، وتضم أحزاب إخوان إيطاليا، والقانون والعدالة (بولندا)، وبولندا المتحدة، وفوكس (السويد)، والتحالف (ألمانيا)، والفنلديين (فنلندا). وقد فازت هذه المجموعة بما عدده 83 مقعدًا في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة في مايو 2024م.

الكتلة الثانية هي كتلة الهوية والديمقراطية، وتضم أحزاب التجمع الوطني (فرنسا)، الرابطة (إيطاليا)، الحرية (النمسا)، فلاس بيلانج (السويد)، الشعب المحافظ (أستونيا)، حزب الشعب (الدانمرك)، الحرية والديمقراطية المباشرة (جمهورية التشيك)، وحزب الحرية (هولاندا). وتمتلك هذه الكتلة ما مجموعه 58 مقعدًا في البرلمان الأوروبي الذي تم انتخابه في مايو 2024م، بالإضافة إلى حزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب الاتحاد المدني (الحزب الحاكم في المجر، وعزب الكونفدرالية البولندية، والتي تقف مستقلة خارج الكتلتين الكبيرتين.

كتلة المحافظين والإصلاحيين في رؤاها وسياساتها قريبة جدًا من مواقف وسياسات يمين الوسط الأوروبي التقليدي، ويمكن القول أن أحزاب هذه الكتلة تمثل محاولة لتجديد يمين الوسط الأوروبي، وليس محاولة للقفز عليه أو استبداله. ترجع جذور أحزاب هذه الكتلة إلى أحزاب فاشية جديدة وأحزاب يمينية متطرفة، لكنها وظفت هذه الخلفية لكسب المصداقية وتأكيد اختلافها عن النخب الفاسدة المسيطرة على الأحزاب القائمة، ثم شرعت في إحداث تكييف وتعديل في موقفها، يبتعد بها عن مواقف اليمين المتطرف، ويقترب بها أكثر من مواقف يمين الوسط.

وتعد كتلة الهوية والديمقراطية هي التعبير الأكثر تبلورًا عن عقائد وسياسات اليمين المتطرف الأوروبي.

السياسة الخارجية للأحزاب المتطرفة اليمينية

 

هناك أكثر من طريقة للإجابة على سؤال السياسة الخارجية للأحزاب اليمينية المتطرفة. الطريقة الأولى هي مراجعة وفحص السياسات الخارجية لحكومات يقودها أو يشارك في أحزاب منتمية لليمين المتطرف. الفرضية هنا هي أن ما فعلته أحزاب يمينية وصلت إلى الحكم سوف يتكرر إلى حد بعيد مع وصول المزيد من هذه الأحزاب إلى السلطة. الطريقة الثانية لدراسة هذا الموضوع هي فحص الأيديولوجيات الخاصة بهذه الأحزاب، لكي نستنتج منها السياسة الخارجية المرجحة لهذه الأحزاب حال وصولها للسلطة. الفرضية هنا هي أن السياسة الخارجية التي تطبقها الحكومات تعكس المنطلقات الأيديدلوجية التي تنطلق منها.

تشارك أحزاب اليمين المتطرف في الحكم في ست دول أوروبية هي إيطاليا، فنلندا، جمهورية التشيك، المجر، كرواتيا، وسلوفاكيا، وأغلبها من أحزاب اليمين الأقرب ليمين الوسط. أشهر أحزاب اليمين في الحكم هو حزب إخوان إيطاليا، والذي تقترب مواقفه إلى حد كبير من مواقف يمين الوسط الأوروبي، مع سياسة هجرة متشددة، في إطار ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومع موقف متشكك في الاتحاد الأوروبي، يتحفظ على تعميق الاتحاد في أبعاده السياسية، ويفضل إبقائه في حدود القضايا التقنية. هناك أيضًا حزب القانون والعدالة في بولندا، والذي يعتبر الوريث الأهم لحركة التضامن التي قادت معارضة الحكم الشيوعي في الثمانينيات من القرن الماضي. تبنى الحزب موقفًا متشككًا قويًا في الاتحاد الأوروبي، وعبر عن رفض هيمنة ألمانيا على الاتحاد الأوروبي، واتخذ موقفًا قويًا جدًا لدعم أوكرانيا عسكريًا ضد الغزو الروسي، وإن رفض تقديم تنازلات لأوكرانيا تضر بمصالح بولندا.

مواقف هذه الأحزب هي إلى حد بعيد مزيج من سياسات ذات مصادر متنوعة.

الأمر أكثر وضوحًا وتبلورًا في حالة أحزاب كتلة الهوية والديمقراطية، والتي يقف أغلبها خارج الحكم، باستثناء حزب الحرية النمساوي الذي يشارك في الحكم منذ عدة سنوات، ومؤخرًا حزب الحرية الهولندي. تشترك هذه الأحزاب في رفض سياسة الهجرة الراهنة للاتحاد الأوروبي، وتطالب بإغلاق أبواب الهجرة بشكل يكاد يكون كامل. ترفض هذه الأحزاب سياسة الطاقة الخضراء والتحول الأخضر التي يطبقها الاتحاد الأوروبي، ويراها سياسة غير عملية استعراضية، ويطالب بالمقابل بتحقيق استقلال طاقي، والاعتماد على الحلول والسياسات المحلية.

أيديولوجيات الأحزاب اليمينية المتطرفة تضعها في خصومة مع الولايات المتحدة. خطر الأمركة هو أحد أهم التهديدات التي تتعرض لها الثقافة الوطنية التقليدية. أيضًا، الولايات المتحدة قوية وغنية بأكثر مما يمكن للدول الأخرى أن تقاومه، وهي لهذا تمثل تهديدًا للمصالح الوطنية لبلادهم، مثلما لا يمثل أي بلد آخر، فامتزاج القوة الناعمة الأمريكية مع مواردها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الهائلة يجعل منها خطرًا يصعب التصدي له. ثقافيًا هناك تفضيل من جانب اليمين المتطرف لروسيا، أولًا لأن روسيا لا تمثل تهديدًا للهوية والثقافة الوطنية التقليدية في الدول الأوروبية، وثانيًا لأن روسيا تحت حكم بوتين تتبنى نموذجًا محافظًا للحكم يركز على الهوية التقليدية ويحترم القيم التقليدية للأسرة والدين والعلاقات الجنسية. سياسيًا أيضًا يفضل اليمين المتطرف روسيا على الولايات المتحدة لأن روسيا لا تمثل تهديدًا لا يمكن مقاومته لبلادهم. أما فيما يخص الحرب في أوكرانيا، فإن هذه الأحزاب تظهر تعاطفًا مع روسيا، وتعارض تزويد أوكرانيا بالسلاح، ويعتبرون أن انتصار روسيا يمثل انتصارًا أيديولوجيًا لهم.

لأحزاب اليمين المتطرف في عمومها خصومة مع النظام الدولي الليبرالي، أولًا من ناحية القيم التي يروج لها النظام الليبرالي، وثانيًا من ناحية المؤسسات فوق القومية التي تشبه الحكومات العالمية التي يقوم عليها النظام الدولي الليبرالي. لهذه الأسباب فإن صعود هذا التيار يمثل تحديًا من الداخل الأوروبي للنظام الدولي الليبرالي. ويمكن القول إن نجاح هذه الأحزاب سيضيف زخمًا مهمًا لمسعى الصين وروسيا وقوى دولية أخرى لتأسيس نظام دولي بديل وفقًا لقواعد مختلفة عن قواعد النظام الدولي الليبرالي الذي تولت الولايات المتحدة قيادته لعدة عقود طويلة.

مقالات لنفس الكاتب