array(1) { [0]=> object(stdClass)#14443 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 204

تطورات الشرق الأوسط تتطلب إجراءات استباقية لمعالجة التشابك بين أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي

الخميس، 28 تشرين2/نوفمبر 2024

تشهد إمدادات الطاقة العالمية اضطرابات واسعة النطاق بفعل الصراعات المُشتعلة داخل منطقة الشرق الأوسط ،وذلك نظرًا للمكانة المهمة التي تحتلها المنطقة على صعيد أسواق الطاقة العالمية. حيث تلعب دول مثل المملكة العربية السعودية والعراق، على سبيل المثال، دورًا حاسمًا في تلبية الطلب العالمي على النفط والغاز الطبيعي، وبالتالي، فإن الحفاظ على استمرارية ومأمونية الإنتاج الطاقي لدى هذه الدول يعد لازمًا للحفاظ على استقرار الأسواق. ولسوء الحظ، فإن التوترات الجيوسياسية والتناحرات الإقليمية تسفر، في أغلب الأوقات، عن حالة من انعدام الاستقرار، وتشكل تهديدات لمنظومتي الإنتاج والنقل داخل قطاع الطاقة، مما قد يؤول إلى نقص في الإمدادات وزعزعة الاستقرار الاقتصادي للبلدان التي تعتمد على صادرات المنطقة.

بالتالي، فإن حالة انعدام الاستقرار المزمنة التي تعاني منها المنطقة، تفرض تحديات وعقبات جمة أمام الاستثمار في مجال البنية التحتية للطاقة، وتُعيق التنمية طويلة الأجل. حيث تتسبب الضبابية الناتجة عن الصراعات الإقليمية، في توليد حالة من العزوف لدى المستثمرين المحليين والأجانب، على حد سواء، عن ضخ استثمارات في مشروعات الطاقة، بما يؤدي إلى الحد من القدرات الإنتاجية، وعرقلة التقدم التقني، وإجراء الصيانة اللازمة. كما أن الافتقار لهذا النوع من الاستثمارات يؤدي إلى تقييد قدرة المنطقة على زيادة الناتج الطاقي لديها أو الحفاظ على استدامته. وبالتالي، تضييق الخناق على المعروض العالمي، وهو ما قد يقود إلى ارتفاعات طويلة الأجل في أسعار مواد الطاقة. ذلك بالإضافة إلى سلسلة العقوبات الغربية، بالأخص تلك المفروضة على إيران، والتي تتسبب في تعقيد سبل التجارة وإجبار كبار المستوردين، مثل الصين والهند، على البحث عن جهات بديلة للتوريد، مما يُضاعف من تقلبات الأسواق.

يشكل الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تنعم به دول الشرق الأوسط ، لاسيما المُطلة على مضيق هرمز، أهمية محورية لمنظومة نقل مواد الطاقة. فتُمثل نسبة شحنات النفط العابرة من خلال المضيق يوميًا نحو 21 % من شحنات النفط العالمية. ومن ثم، فإن أية اضطرابات تشهدها المنطقة، قد تسفر عن نقص فوري في إمدادات الطاقة العالمية، وصعود محتمل في الأسعار لتتجاوز 200 دولار للبرميل. ومن شأن مثل هذه الارتفاعات، أن تفرض عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على الدول المستوردة للطاقة، وتعطيل الصناعات التي تعتمد على الطاقة أيضًا، وزيادة معدلات التضخم، لتُمهد الطريق أمام ركود عالمي. ويبرز هذا السيناريو الحاجة المُلحة لتحسين ورفع مستوى أمن الطاقة والجهود الدبلوماسية لحماية هذه المسارات الحيوية من تبعات الصراعات الإقليمية.

ولتقليص الاعتماد على إمدادات نفط الشرق الأوسط ، تلجأ العديد من الدول إلى التركيز على تنويع مصادر الطاقة لديها عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، والوقود الأحفوري المحلي، لتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات المحتملة. وهو ما دفع كلاً من أوروبا وأمريكا لمنح الأولوية إلى خيارات الطاقة المتجددة، لتحقيق استقلالية الطاقة. مع ذلك، لا يزال هذا التحول صوب الطاقة المتجددة بطيء وغير قادر على التخفيف بشكل كامل من آثار الاضطرابات المحتملة على المدى القصير. لذلك، يعد انتهاج سياسات متوازنة عاملًا حاسمًا في معالجة التحديات الآنية المحدقة بالمعروض العالمي، مع تسهيل، سبل الانتقال إلى الطاقة المستدامة. بالإضافة إلى، أهمية توطيد التعاون الدولي والدبلوماسية بين كبار مستهلكي الطاقة والمنتجين، في سبيل تدعيم الاستقرار الإقليمي وصون البنية التحتية الحيوية لقطاع الطاقة.

التطورات الأخيرة والسيناريوهات المحتملة

شهدت التوترات بالمنطقة تصعيدًا خلال الفترة الأخيرة، والذي تمحور حول الصراع الإيراني-الإسرائيلي. وتُشير هذه التطورات، بما في ذلك الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع إيرانية-ردًا على هجمات الأخيرة الصاروخية-إلى تحول الصراع بين الجانبين من" حرب بالوكالة" إلى مباشرة. في حين أن المعارك المستمرة في قطاع غزة، ولبنان، وسوريا، واليمن، باتت تُنسج شبكة معقدة من القضايا المتداخلة. ورغم التصعيدات الأخيرة، إلا أن أسعار المعدن الأسود حافظت على استقرارها، حيث لا تزال أسعار خام برنت تحوم بالقرب من مستوى 79 دولارًا للبرميل، بدعم انخفاض الطلب الصيني وزيادة الإنتاج الأمريكي. بالتالي، فإن الهدف المنشود بشأن منع المزيد من التصعيد، يقتضي تعزيز الجهود الدبلوماسية بإشراك أطراف محايدة أو المنظمات الدولية، بما يساعد في تسهيل إجراء تواصل فعال، وتفادي التصعيد غير المقصود. وفي هذا الصدد، من الأهمية معالجة القضايا الأساسية المُغذية لهذه الصراعات مثل الوضع الفلسطيني-الإسرائيلي وديناميات القوى الإقليمية.

ويمكن أن تساعد الحوافز الاقتصادية وتخفيف العقوبات وخفض التصعيد، في رعاية حوار بناء بين الأطراف المعنية، ومن الممكن أن يلعب التعاون الإقليمي دورًا محوريًا لمنع اتساع نطاق الصراع ليمتد إلى الدول المجاورة.  كذلك تشجيع هذه الدول على الحفاظ على موقف محايد وتسهيل الحوار، ويتعين على القوى الكبرى استغلال نفوذها لثني الأطراف الفاعلة الإقليمية عن التورط في الصراع، مع العمل على دعم مبادرات منع انتشار النووي للحد من انتشار القدرات النووية.

كلما طال أمد النزاعات المسلحة، كلما تعددت السيناريوهات المحتملة. في مقدمتها، إمكانية وقوع هجمات سيبرانية أو هجمات تستهدف منشآت عسكرية أو بنى تحتية للطاقة، في حال استمرت التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل. سيناريو آخر محتمل، يتمثل في تعطل مسارات الشحن على خلفية الهجمات الحوثية المتزايدة على حاملات النفط، وبالتالي، ارتفاع تكاليف التأمين والنقل. ويمكن أن يشهد الصراع مزيدًا من التوسع، ليجر لبنان إلى مواجهة إقليمية أوسع نطاقا. فمن شأن مثل هذه التطورات أن تؤدي إلى تقلبات على المدى القصير في أسواق الطاقة العالمية، ورفع الأسعار أعلى من مستوى 100 دولار للبرميل، والتأثير بشكل واسع على الاقتصادات المعتمدة على الواردات النفطية. ذلك إلى جانب الزيادة المشهودة في تكاليف النقل وتأخر تسليم العديد من البضائع نتيجة الزيادة الملحوظة في الهجمات الحوثية على السفن بالبحر الأحمر. وحتى وإن لم تختبر إمدادات الطاقة العالمية اضطرابات خطيرة بعد، لكن يظل التهديد قائمًا، بالأخص في ظل تخطيط جماعة الحوثي استهداف إسرائيل من خلال الهجمات الصاروخية، والمشاركة في عمليات عسكرية مشتركة لدعم فلسطين ولبنان.

وشهد عام 2024م، تصاعد وتيرة الصراع الإقليمي، وتبلور عبر الهجوم الإيراني المباشر غير المسبوق على إسرائيل في 13 إبريل، وتضمن استخدام 350 طائرة مسيرة، والعديد من الصواريخ. وقد جاء هذا الهجوم ردًا على الغارة الإسرائيلية الجوية على مقر السفارة الإيرانية بدمشق وأسفرت عن مقتل 16 شخصًا، من بينهم مسؤولين إيرانيين عسكريين رفيعي المستوى. وعلى الرغم من اتساع نطاق الهجمات الإيرانية الأخيرة، إلا أن إسرائيل استطاعت، بدعم من واشنطن، اعتراض معظم المقذوفات. وشهدت الأوضاع مزيدًا من التصعيد منذ بداية أكتوبر الماضي، في ظل دفعة أخرى من الهجمات الصاروخية التي شنتها إيران على إسرائيل، والتي وُصفت بأنها الأضخم منذ بداية الصراع. واستطاع الهجوم الإيراني، الذي جاء ردًا على الممارسات الإسرائيلية، التي تضمنت عمليات اغتيال وشن غارات جوية ضد قيادات جماعة حزب الله، في إلحاق ضرر واسع بالقواعد العسكرية الإسرائيلية.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي في 26 من أكتوبر إطلاق عملية" أيام الحساب"، مستهدفًا تدمير 20 موقعًا داخل الأراضي الإيرانية، مع التركيز على المرافق الدفاعية الجوية المرتبطة ببرامج الصواريخ الإيرانية والطائرات بدون طيار. وفي الوقت الذي زعمت مصادر إسرائيلية أن هذه الهجمات تستهدف تعطيل قدرات إيران الصاروخية، أسفرت العملية عن وقوع خسائر بشرية، تضمنت مقتل 4 عسكريين إيرانيين وسقوط مدني. يمثل هذا التصعيد تحولًا من "حرب الظل" إلى المواجهة العلنية.

انعكس رد فعل المجتمع الدولي، وبالأخص مجلس الأمن، من خلال حث الجانبين على ضبط النفس لتفادي اندلاع صراع إقليمي واسع. وعلى خلفية هذه الأزمة، شهدت أسعار النفط تقلبات متزايدة، مع تسجيل أسعار خام برنت أعلى مستوى أسبوعي لها منذ قرابة عام. في حين تُشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ما يصل إلى 8 % من إمدادات النفط الخام العالمية قد تتأثر في حال اندلاع صراع أوسع نطاقًا، بما يشكل خطرًا كبيرًا على كبريات الاقتصادات العالمية، لاسيما في آسيا.

ويمكن أن يقود انعدام الاستقرار المطول إلى تسريع وتيرة التحول إلى مصادر الطاقة البديلة، فقد تضطر الدول إلى التحول إلى مصادر موثوقة داخل قارة أمريكا الشمالية (أمريكا، وكندا، والمكسيك)، لمعالجة نقص الإمدادات. بالتالي، فإن الصراع الدائر يُعيد تشكيل التحالفات الإقليمية وديناميات القوة، كما أنه يزيد من وطأة الضغوط التي تواجهها القوى العالمية مثل أمريكا والصين من أجل المشاركة بشكل أكثر فعالية ونشاطًا في الدبلوماسية الإقليمية وجهود حل الصراع.

مستقبل صراعات الشرق الأوسط  وتبعاتها على استقرار أسواق الطاقة العالمية

تُشكل الصراعات المتصاعدة داخل المنطقة تهديدًا كبيرًا لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، في ظل احتمالات تعطُل نحو 8 % من إمدادات النفط الخام العالمية، وتأثر صادرات الطاقة الإيرانية بشكل خاص. وعلى الأرجح ستؤول الاضطرابات في المعروض النفطي، إلى ارتفاع الأسعار متجاوزة مستوى 90 دولارًا للبرميل، وربما حتى تصل إلى 150 دولار للبرميل، في حال تم اختراق مسارات الشحن الحيوية داخل المنطقة مثل مضيق هرمز. وفي الوقت الذي قد يتيح الإنتاج الأمريكي والسعة الإنتاجية الاحتياطية لدول منظمة "أوبك" النفطية لأسواق الطاقة إمكانية تنفس الصعداء، إلا أن استقرارها بشكل عام، يظل مرهونًا بالمدى الذي ستصل إليه الصراعات الإقليمية وشكل استجابة كبار منتجي النفط الخام.

لن تسلم شحنات الغاز الطبيعي أيضًا من شبح الاضطرابات، بسبب ما تشهده نقاط الاختناق المحورية. حتى وإن كان مستبعدًا أن يحدث حصارًا كليًا، إلا أن تنامي التوترات كفيل بتعطيل نقل الشحنات، وقد يؤدي إلى ارتفاعٍ الأسعار، وتكاليف النقل. وفي حال شهدت الصراعات مزيدًا من التصعيد إلى حد شن هجمات على البنية التحتية للطاقة، يصبح استقرار منظومة الإنتاج والصادرات في مواجهة خطر داهم، ليبرز أهمية توافر موردين بدلاء للغاز الطبيعي، بالأخص أمريكا، لسد العجز المعروض العالمي. ورغم الاستقرار الراهن في أسواق الغاز الطبيعي، تظل احتمالية توسع نطاق الصراع تهديدًا ينذر بحدوث عجز في المعروض وتزايد التقلبات. في أثناء ذلك، استطاعت أسعار النفط أن تحافظ على استقرارها بشكل عام، بدعم الأداء الإيجابي للأسواق المدعومة بشكل من المنتجين، إلى جانب الفوائض المتوقعة في الإنتاج حتى عام 2025م، وتراجع الطلب في الصين. كما ساهمت زيادة الإنتاج من خارج " أوبك"، خاصة أمريكا في التخفيف من بعض الضغوط الخاصة بـ المعروض العالمي، في الوقت الذي حرص أعضاء " أوبك" على الحفاظ على سعة إنتاجية احتياطية تصل لمستوى يقارب 6 ملايين برميل يوميًا، كدرع حامي من تقلبات الأسواق. كان أيضًا للتجار دور في تجنيب الأسعار التبعات الفورية للصراع من خلال إبداء ردود فعل معتدلة تجاه الأسعار، فضلًا عن التذبذبات الموسمية التقليدية في مستويات الطلب على الخام. مع ذلك، قد يتبدل الوضع سريعًا في حال تصاعدت التوترات وطالت تبعاتها البنية التحتية للطاقة أو نقاط الاختناق الحيوية.

إن هجمة إسرائيلية عسكرية مباشرة على منشآت النفط الإيرانية ستسفر عن تداعيات إقليمية وخيمة، قد تشمل ردًا إيرانيًا واستنفار القوات الموالية لإيران داخل المنطقة مثل جماعة حزب الله والحوثيين، التي قد تعمد إلى شن هجمات ضد مواقع استراتيجية، بما يعمق حالة انعدام الاستقرار الإقليمي. على جانب آخر، قد تشارك القواعد العسكرية الأمريكية المُقامة على الأراضي العراقية في الأحداث التي تشهدها داخل المنطقة، وبالتالي تعميق تورط الولايات المتحدة داخل الصراع الدائر. هذا السيناريو المحتمل، قد يستلزم اتخاذ تدابير أمنية مكثفة داخل السعودية، والإمارات، والدول الحليفة، ومن ثم، مضاعفة مخاطر اتساع نطاق الصراعات داخل المنطقة. فضلًا عن، أن أي حصار جزئي أو كامل قد يُفرض على مضيق هرمز، سيؤدي إلى اضطرابات حادة لما يقرب من 21 مليون برميل من النفط يوميًا، ويترتب على ذلك قفزة في الأسعار. من شأن هذه الاضطرابات أن تغذي المخاوف الخاصة بالمعروض، لاسيما للاقتصادات المعتمدة على النفط في أوروبا وآسيا. ناهيك عن أن أي ضرر قد يحدث لمنشآت النفط الإيرانية، سيقود الأسعار إلى مستويات تتأرجح ما بين 150 دولار إلى 200 دولار للبرميل، وربما حتى يصل إلى 300 دولار ضمن أسوأ السيناريوهات. وبلا شك أن أمد الصراع سيكون له أثر كبير على استقرار الأسعار ما قد يؤدي لتقلبات طويلة الأجل. كما أن التخفيضات الإضافية في الإنتاج من دول الجوار بسبب اعتبارات أمنية، قد تُفاقم من أزمة العجز في المعروض، وزيادة المضاربة في أسواق العقود الآجلة، وخلق حالة من التراجع السعري.

لن تقف أسواق الغاز الطبيعي بمعزل عن الاضطرابات، لاسيما في حال تعطلت الصادرات القطرية من الغاز، ويؤدي ذلك إلى ارتفاع في الأسعار ونقص في الإمدادات خلال فصل الشتاء. على صعيد آخر، من المتوقع أن يؤدي الصعود المطول في أسعار النفط، إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي بنسبة تتراوح ما بين 2 % إلى 3 %، مع تأثير التضخم على منظومة النقل، والتصنيع. كذلك ستكون البنوك المركزية على موعد مع خيارات شاقة، يحمل كلا منها تبعات اقتصادية كبيرة؛ ما بين رفع معدلات الفائدة لكبح جماح التضخم، أو الحفاظ على معدلات منخفضة من أجل تعزيز النمو.

 من ناحية أخرى قد تصبح الدول النامية المستوردة للنفط عرضة لعدم الاستقرار. حيث أن استمرار ارتفاع أسعار النفط أعلى مستوى 120 دولارًا للبرميل، يزيد مخاطر حدوث ركود اقتصادي، نظرا إلى أنه سيتسبب في استنزاف ميزانيات الأسر والشركات، والحد من الإنفاق الاستهلاكي، واستثمارات الشركات. كذلك سيواصل شبح الركود ويهدد حتى أعتى الاقتصادات العالمية. وقد تصبح أوروبا، عرضة إلى ارتفاع الأسعار مع قرب حلول موسم الشتاء، وقد تعاني من أزمة في الطاقة ستكون أشد وطأة عن أزمات نقص الطاقة السابقة. وقد تطال هذه الأزمة اقتصادات أوروبية كبرى، بالأخص، ألمانيا وإيطاليا. وهو سيناريو ينذر بتقويض وحدة الصف الأوروبي، في ظل معاناة دول الاتحاد الأوروبي من الضغوط الداخلية وتضارب المصالح فيما بينها.

كيف تؤثر صراعات الشرق الأوسط على أمن الطاقة الأمريكي والصيني والأوروبي؟

تعكس ردود فعل الصين الاقتصادية والجيوسياسية حيال صراعات المنطقة، مدى اعتمادها على واردات النفط الإيراني. باعتبارها أكبر عملاء الطاقة الإيرانية، تواجه بكين تحديات اقتصادية وخيمة في حال تصاعدت التوترات. ففي الوقت الذي تسعى فيه لتخفيف تأثير الصراعات بتنويع مصادر وارداتها، بما في ذلك روسيا، تُشير التقديرات إلى تراجع نموها الاقتصادي إلى أدنى مستوى 4 %. لذلك قد تفرج الصين عن بعض احتياطاتها وتسعى لتعزيز الجهود الدبلوماسية في المنطقة لدعم استقرار الأوضاع التي باتت تهدد أمنها الطاقي. بالتالي، فإن هذه الاعتمادية على إمدادات الطاقة تٌملي على بكين شكل شراكاتها الاستراتيجية ومبادرات تنويع مصادر الطاقة التي تهدف للحد من المخاطر والتقلبات.

من ثم، فإن حجم الأعباء الاقتصادية الواقعة على كاهل الدول النامية المعتمدة على النفط سيكون مهولًا. حيث سيؤدي ارتفاع الأسعار إلى مضاعفة الأزمات الخاصة بميزان المدفوعات وانعدام الاستقرار الداخلي. دول مثل باكستان، وبنجلاديش، ومختلف البلدان الإفريقية التي تعتمد بصورة مفرطة على واردات الطاقة، قد تختبر قلاقل أهلية كبيرة تحت ضغط ارتفاع أسعار مواد الغذاء والطاقة. وعليه، قد تلجأ الحكومات في هذه المناطق، لاتخاذ تدابير طارئة مثل المعونات الاجتماعية، بما يؤدي إلى استنزاف الموارد العامة للدول والتي تعد شحيحة بالفعل. ومن ثم، قد تسقط هذه الاقتصادات فريسة للتبعات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود بما يؤدي إلى مفاقمة أوضاعها الهشة.

على الصعيد الأمريكي، رغم ارتفاع الأسعار قد يصب في صالح الاقتصاد الأول عالميًا باعتباره مُصدِرًا صافيًا للطاقة، إلا أن تبعات ذلك السياسية على الداخل الأمريكي ستكون مشهودة. فأحد أكبر بواعث قلق الإدارة الأمريكية الحالية -على خلفية التوترات المشتعلة بين إيران وتل أبيب-أن يؤدي ارتفاع أسعار الجازولين المحلي إلى الضغط على المستهلكين. استراتيجيا، قد تشعر واشنطن نفسها مضطرة إلى التدخل عسكريًا لمنع المزيد من التدهور في أوضاع المنطقة غير المستقرة وحماية إمدادات الطاقة العالمية. بالتالي، فإن هذا الثنائية في المنطق الأمريكي، تؤكد مدى تعقيد موقف واشنطن في محاولتها إدارة سواء مصالحها الاقتصادية أو التحديات الداخلية الناتجة عن تذبذب أسعار النفط.

ومن المتوقع أن يؤدي الصراع إلى تعميق الانقسامات داخل المنطقة وعزل إيران بصورة أكبر عن دول الخليج. وفي الوقت الذي قد تشهد البلدان المصدرة للنفط زيادة في عائداتها النفطية مدعومة بارتفاع الأسعار، قد تعاني الدول غير النفطية بسبب تكاليف الطاقة المرتفعة. من شأن هذه الديناميات أن تغير من شكل التحالفات الإقليمية، وأن تحدث تقاربًا عربيًا-عربيًا لمجابهة النفوذ الإيراني. وعليه، ستؤدي التبعات طويلة الأجل الناتجة عن مثل هذه التحولات إلى خلق واقع جيوسياسي جديد داخل المنطقة.

التبعات الاقتصادية ونظرة مستقبلية استراتيجية

يٌنذر حدوث ارتفاع في أسعار النفط لفترات ممتدة مقترنًا بتعطل حركة الإمدادات، بتبعات اقتصادية وخيمة تُهدد الاستقرار العالمي. في حين أن الزيادات المستمرة في الأسعار ستؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم عبر مختلف القطاعات بدءًا من التصنيع إلى النقل، مما يترتب عليه ارتفاع تكاليف الاستهلاك. ومن بين آثار ذلك السلبية أيضًا: عرقلة التقدم الاقتصادي، وتفاقم معدلات الفقر، والحد من النفاذ إلى الخدمات الأساسية لاسيما داخل الاقتصادات الناشئة. لاسيما وأن قدرة أسواق الطاقة على الصمود والتكيف، تظل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأحداث المتكشفة داخل المنطقة، في ظل محاولات الدول موازنة خياراتها ما بين كبح جماح التضخم والحفاظ على النمو. بالتالي، فإن ارتباط أمن الطاقة العالمي باستقرار المنطقة يُسلط الضوء على الحاجة إلى اتباع نهج متعدد الأوجه، بحيث يشتمل على استثمارات في البنية التحتية للطاقة، ومساعي التنويع الاستراتيجي، إلى جانب المشاركة الدبلوماسية. كما أن الحفاظ على مستقبل مستقر ومستدام للطاقة قادر على الصمود أمام الديناميات الجيوسياسية المعقدة للمنطقة، يقتضي اعتماد منظور عالمي.

الدور الإيراني وصادرات النفط

قطاع النفط الإيراني أظهر القدرة على التكيف، سواء على صعيد الإنتاج أو الصادرات. واعتبارًا من عام 2024م، بلغ الإنتاج الإيراني 3.4 مليون برميل يوميًا، مع تصدير 1.6 مليون برميل، ما يبرز أهمية الدور الذي تلعبه إيران في أسواق الطاقة. وخلال مايو من العام ذاته، سجلت الصادرات النفطية أعلى مستوياتها في 5 أعوام بمقدار 1.7 مليون برميل يوميا، مدفوعة، بتنامي الطلب الصيني، وتوسع نشاط أسطول "الشبح " الإيراني الذي يحمل شحنات النفط السرية إلى المشترين في مختلف دول العالم. مع ذلك، لا تزال الإمكانات الإيرانية مقيدة بفعل العقوبات الغربية، وسط تقديرات تُشير إلى إمكانية بلوغ الإنتاج الإيراني مستوى 3.8 مليون برميل يوميًا في غضون 6 أشهر، في حال تم رفع العقوبات. بشكل عام، تشكل الصادرات النفطية أهمية للاقتصاد الإيراني، حيث تمثل 70% من عائدات الحكومة. كما ساهمت زيادة الصادرات الأخيرة في دعم الاقتصاد الوطني، مدعومة بعائدات نفطية بلغت قيمتها 12 مليار دولار خلال الربع الأول من السنة المالية الإيرانية لعام 2024م.

وقد وضعت إيران هدفًا لرفع سعتها الإنتاجية إلى مستوى 5.7 مليون برميل يوميًا بحلول 2031م، رغم العقبات وغياب الاستثمار الأجنبي.

رد الفعل الدولي وانعكاسات الأسواق

ينبغي للمجتمع الدولي الاضطلاع بدور محوري في إدارة هذا الصراع لضمان استقرار أسواق الطاقة وتفادي أزمة أوسع نطاقًا على الصعيد الجيوسياسي. هنا تحديدًا، تعد الدبلوماسية النشطة من قبل دول مثل أمريكا وأوروبا عاملًا ضروريا في معالجة القضايا الأساسية والعمل على منع التصعيد. ومع استمرار غياب إدارة فعالة للصراعات، تظل مخاطر التصعيد متنامية، بما قد يؤول على الأرجح إلى سلسلة من التحديات الجيوسياسية التي من شأنها تعطيل حركة الأسواق العالمية.

يؤكد الوضع القائم الحاجة لاتخاذ إجراءات استباقية لمعالجة القضايا المتداخلة والمتشابكة بين أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. كما يتعين على صناع السياسات منح الأولوية لرعاية حوار بناء وتدعيم التعاون بين اللاعبين الرئيسيين، بما في ذلك الدول المنتجة للنفط وكبار المستهلكين مثل الصين والهند، التي تعتمد بشكل كبير، على إمدادات النفط القادمة من المنطقة. ويعد الاستثمار في مصادر الطاقة المتنوعة، مثل الطاقة المتجددة والوقود البديل، أمرًا حيويًا للحد من تأثير أيّ اضطرابات محتملة في الإمدادات وتعزيز الاستدامة طويلة الأجل. كما سيكون تعزيز البنية التحتية لتخزين الطاقة وتطوير الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية أمرًا بالغ الأهمية لتحسين القدرة على الصمود في وجه صدمات الإمدادات. علاوة على ذلك، ينبغي أن يتم تنفيذ خطة مُحكمة لمعالجة حالات الطوارئ كونها ستساعد في التخفيف من وطأة التداعيات الاقتصادية لأية اضطرابات تطرأ في المستقبل. وفي نهاية المطاف، فإن تبني نهج تعاوني يركز على الوقاية وتعزيز الجهوزية أمر ضروري لدعم السلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية، وبالتالي تأمين مستقبل مستقر للطاقة واقتصاد عالمي أكثر مرونة.

الختام

السبيل لتجنيب أسواق الطاقة العالمية الوقوع في براثن التوترات الإقليمية المتصاعدة، يستلزم منح الأولوية للدبلوماسية الاستباقية والتسوية الفعالة للصراعات. كما أن تداخل وتشابك العلاقات ما بين الديناميات السياسية، والاستقرار الاقتصادي، وأمن الطاقة، تدعو إلى تبني جهد دولي موحد لمعالجة الأسباب الجذرية لانعدام الاستقرار المزمن الذي تعاني منه المنطقة. وفي حال ما اقدمت إسرائيل على تنفيذ هجوم على حقول نفطية إيرانية، ستكون التبعات وخيمة وستدفع بالصراع نحو المزيد من التصعيد مما يعرض استقرار أسواق الطاقة العالمية المهددة بالفعل إلى خطر مؤكد. فإن هذا التصعيد، من شأنه تقليص إمدادات الطاقة على نحو كبير، ومفاقمة الأوضاع الهشة بالفعل للدول المستوردة للنفط لاسيما في أوروبا وآسيا. وبالنظر إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعد أكبر منتج للوقود الأحفوري، فإن أي عطل يحدث، سيدفع بأسواق النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وتعثر النمو الاقتصادي، وحدوث موجات ركود محتملة تضرب مختلف الاقتصادات في العالم. وباعتبارها أكبر مشتر للنفط الإيراني، ستكون الصين، على وجه الخصوص، في مواجهة خطر محدق، بما يتطلب منها اتخاذ خطوات دبلوماسية سريعة لحماية مصالحها.

 وفي ضوء هذا السيناريو، من الضروري أن يظل صناع القرار وشركات الطاقة والمنظمات الدولية في حالة تأهب واستعداد للتعامل مع أي تصعيد. تعتبر التدابير الفورية، مثل الاستفادة من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية وزيادة الإنتاج من مصادر بديلة، أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق الاستقرار في السوق على المدى القصير. ومع ذلك لا يزال الحل على المدى البعيد، يكمن في تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على النفط القادم من المنطقة. إلى جانب ذلك، يجب أن يذهب التعاون الدولي القائم لما هو أبعد من نطاق تبني تدابير دبلوماسية على المدى القصير، ليشمل صياغة استراتيجيات للانتقال في مجال الطاقة والتنمية المستدامة. ومن الممكن أن يسهم فتح قنوات للحوار مع أصحاب المصالح الرئيسيين، بما في ذلك القوى الإقليمية، والدول المنتجة للنفط، والأسواق الناشئة، في بلورة وتنمية فهم مشترك للمصالح المشتركة وأن تخدم كمصدر إلهام للمبادرات المشتركة.

من خلال الاستثمار الرشيد في تقنيات الطاقة المتجددة وتطوير البنية التحتية اللازمة، يمكن للمجتمع الدولي أن يخفف من حدة الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية الهشة، ويقلل بالتالي من مخاطر التذبذب في أسعار الطاقة وانقطاع الإمدادات. هذا الاستثمار الاستراتيجي لا يقتصر على تعزيز أمن الطاقة فحسب، بل يساهم أيضًا في بناء مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا، حيث تتكاتف جهود الدول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وعبر تعزيز الحوار والتعاون الدولي، يمكن للمجتمع الدولي أن يساهم في خلق مناخ من الثقة والتفاهم المتبادل، مما يقلل من احتمالية نشوب الصراعات ويدعم جهود تحقيق السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي.

مقالات لنفس الكاتب