تولي منظمة التعاون الإسلامي اهتمامًا كبيرًا برعاية ودعم الجاليات والأقليات المسلمة في دول العالم، ويرجع اهتمام المنظمة بذلك لأنها تسعى إلى دعم قدرات هذه الجاليات، والتغلب على التحديات التي تواجهها، والتي زادت في السنوات الأخيرة. ويرتبط عمل المنظمة على هذا المستوى باعتبار أن تلك الجاليات والأقليات هي التي تطرح حقائق الإسلام ومنهجه الصحيح، وتواجه الأباطيل التي يروّجها خصومه. وتولي المنظمة اهتمامًا كبيرًا بتلك الأقليات والجاليات لأنها تشكل تقريبًا أكثر من نصف تعداد المسلمين في العالم، وأنهم ينتشرون في حوالي 130 دولة في مختلف قارات العالم.
ولا شك أن مفهوم الأقليات والجاليات الإسلامية قد زاد الاهتمام به خلال السنوات الأخيرة، رغم أن هذه الظاهرة قد بدأت منذ سنوات طويلة مع تصاعد الهجرة من البلدان الإسلامية إلى الدول المختلفة في العالم، سواء لأسباب البحث عن عمل أو لأسباب أخرى مرتبطة بإنشاء دول جديدة أو بتقسيم دول، ما فرق المسلمين بين دولة وأخرى. وبعدما كانوا أغلبية في مناطق ما، أصبحوا أقليات. ودليل على ذلك ما حدث في تقسيم دولة يوغوسلافيا بين ست دول، أصبح المسلمون في بعضها أقليات، وكذلك في بعض الدول الآسيوية. وهو ما أدى إلى تضاؤل نفوذ المسلمين وتقلص حضورهم، وأصبحوا أقلية بعدما كانوا أغلبية في مجتمعاتهم.
الأقليات المسلمة: تحديات الاندماج والتمييز
وعلى الرغم من الاختلاف الواضح في الأوضاع العامة للأقليات المسلمة من بلد إلى آخر سواء في أوروبا، أو أمريكا اللاتينية، أو آسيا أو إفريقيا، إلا أنه رغم هذا الاختلاف، هناك سمات عامة مشتركة وتشابه فيما بينها، وهذه المشتركات هي التي تفرض على منظمة التعاون الإسلامي أن تتعامل مع تلك المجتمعات وهو ما يظهر في مجموعة من التحركات، أهمها العناية بشؤونها وتقديم الدعم الثقافي لها، ومساندتها لحماية هويتها وإعانتها على مواجهة المشكلات التي تعاني منها، سواء من جانب الحكومات أو من جانب القوى المجتمعية والسياسية التي قد تصدر عنها مواقف غير إيجابية.
ومن الجدير بالملاحظة أن المشكلات التي تواجهها الأقليات الإسلامية في دول العالم تختلف من منطقة إلى أخرى؛ فإذا كانت النظم القانونية والاجتماعية والسياسية في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تسمح لتلك الدول بتوفير فرص متعددة، من خلال إنشاء جمعيات وهيئات وروابط تنظم علاقات الأقليات فيما بينها وبين فئات المجتمع الأخرى، وتكفل تلك القوانين لتلك الأقليات الحق في ممارسة شعائرهم الدينية والأنشطة الثقافية التي تخدم أهدافها، وتمهد نحو تنمية علاقات التعاون مع مكونات المجتمع. وهو ما أدى إلى نوع من الاندماج الطبيعي لتلك الأقليات داخل المجتمع، مع الإبقاء على هويتها وعدم فقدانها داخل تلك المجتمعات. إلا أن تنامي التيار اليميني المتطرف على الصعيد العالمي، خاصة في أوروبا وعدد من الدول المختلفة، قد أدى إلى نوع من التسارع أو فرض صعوبات كثيرة على تلك الجاليات في ممارسة حياتها الطبيعية.
يضاف ذلك إلى الصعوبات التي تواجهها الأقليات الإسلامية التي تعيش في أوطانها، على سبيل المثال، المسلمون في الهند، فهم يشكلون كتلة كبيرة تصل إلى حوالي 400 مليون مسلم، لكنهم يعتبرون أقلية، وكذلك في الصين والاتحاد الروسي. وهم في حاجة ماسة إلى تنظيم أنفسهم بشكل قانوني، حيث إن هذه الدول قوانينها لا تسمح لهم بإنشاء كيانات متميزة لهم تعبر عنهم وتُمثلهم بشكل كبير. وهو ما يرتب بصورة كبيرة المواجهات الخاصة بين نظم الحكم هناك وتلك الأقليات والجاليات الإسلامية.
كما أن تصاعد النشاط الإرهابي لبعض التنظيمات الإرهابية ذات المرجعية الإسلامية في عدد من مناطق العالم، خصوصًا بتبلور ظهور تنظيم القاعدة ثم تنظيم داعش وممارسات هذه التنظيمات التي لا تتفق مع الدين الإسلامي الحنيف المعتدل، قد أعطى كل ذلك صورة يبدو فيها الدين الإسلامي متطرفًا، وهو ما انعكس بدوره على نظرة المجتمعات الأخرى إلى الأقليات المسلمة فيها، وناصبتها عليها العداء، وهو ما مثل ضغوطًا لم تكن تلك الجاليات تشعر بها.
أي أن الفكر الجهادي المتطرف تسبب في خسائر كثيرة بالنسبة للجاليات والأقليات الإسلامية بصورة كبيرة وواضحة، وجعلها دائمًا في موضع الدفاع والمواجهة، ورتب ذلك خسائر كثيرة على مؤسساتها الثقافية والاجتماعية، وأدى إلى فرض قيود جديدة على ممارستها شعائرها الدينية أو على العادات الثقافية التي تلتزم بها.
وبصفة عامة، فإن قضية الأقليات ورعايتها وإعانتها على مواجهة ما لديها من تحديات كانت أحد مجالات العمل الأساسية لمنظمة التعاون الإسلامي، ولا يزال هناك حرصٌ واضح على أن يكون لهذا العمل محوراً في منظمة التعاون الإسلامي. وبالتالي، سنتناول في هذه الورقة الجهود التي تقوم بها منظمة التعاون الإسلامي على هذا المستوى، ونختار عددًا من القضايا الشائكة التي تتعلق بمشاكل أقليات إسلامية في عدد من الدول واجهت تحديات كبيرة ولا تزال، وما قامت به منظمة التعاون الإسلامي على هذا المستوى، وأهم التحديات التي واجهتها في تحقيق أهدافها أو ما أعاق تنفيذها لأهدافها.
دعم الأقليات المسلمة
تركز منظمة التعاون الإسلامي على تعزيز حقوق الأقليات المسلمة حول العالم، خاصة في الحالات التي تتعرض فيها هذه الأقليات للاضطهاد أو الانتهاكات. فيما يلي أبرز الأقليات التي أولتها المنظمة اهتمامًا خاصًا:
- الروهينجا في ميانمار: تعد قضية الروهينجا واحدة من أبرز الأزمات الإنسانية التي واجهتها الأقليات المسلمة في العصر الحديث، حيث تعرض مسلمو الروهينجا في ميانمار إلى اضطهاد واسع النطاق. وتفاعلت منظمة التعاون الإسلامي مع هذه القضية بشكل واسع، حيث أصدرت بيانات تدين الانتهاكات التي ترتكب بحق الروهينجا، وعملت على رفع الوعي الدولي بشأن معاناة الروهينجا بما في ذلك تنظيم اجتماعات على مستوى القمة للتباحث حول الأزمة. وبالإضافة إلى ذلك قدمت منظمة التعاون الإسلامي دعمًا قانونيًا في قضية الإبادة الجماعية التي رُفعت ضد ميانمار أمام محكمة العدل الدولية، حيث ساعدت في إعداد ملف قانوني يثبت الانتهاكات بحق مسلمي الروهينجا. وعلاوة على ذلك، قدمت منظمة التعاون الإسلامي مساعدات إنسانية للاجئين من مسلمي الروهينجا الذين فروا إلى بنجلاديش، وذلك من خلال التنسيق مع الدول الأعضاء والمنظمات الإنسانية. كما صعدت المنظمة هذه القضية لتوضع على طاولة نقاش المجتمع الدولي من خلال الأمم المتحدة؛ وذلك لإصدار قرارات أممية تطالب بحماية مسلمي الروهينجا، كما شجعت على تعيين مبعوث خاص للأمم المتحدة لمتابعة الأزمة.
- الإيغور في الصين: تفاعلت منظمة التعاون الإسلامي بشكل كبير مع قضية أقلية الإيغور المسلمة في الصين، حيث أصدرت في عدة مناسبات بيانات تدعو إلى احترام الحقوق الدينية والثقافية للأقليات المسلمة في الصين بما في ذلك الإيغور، وطالبت الصين بضمان حرية المسلمين هناك في ممارسة الشعائر الدينية واحترام التنوع الثقافي. كما شكلت المنظمة لجانًا لمتابعة أوضاع الإيغور من خلال جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ذلك جنبًا إلى جنب مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الحكومة الصينية بشأن هذه القضية، علاوة على دعم التنمية في إقليم شينجيانغ حيث يوجد الإيغور والتركيز على تعزيز فرصة التعلم والتدريب لهم.
- المسلمون في كشمير: تعد قضية كشمير من القضايا المركزية التي تعاملت معها منظمة التعاون الإسلامي، حيث يواجه المسلمون في الإقليم تحديات كبيرة. وقد أكدت المنظمة دعمها لحق تقرير المصير لشعب كشمير بناء على قرارات الأمم المتحدة، مع إدانة الانتهاكات ضد حقوق الإنسان في الإقليم، وعبرت عن قلقها بشأن حقوق المسلمين في كشمير، خاصة بعد القرارات الهندية في عام 2019م، بإلغاء الوضع الخاص للإقليم، حيث اعتبرتها تصعيد في الأزمة وتقويض لحقوق الشعب الكشميري، ودعت الهند إلى احترام حقوق الإنسان ووقف القيود المفروضة على السكان المسلمين في الإقليم. وقد أنشأت منظمة التعاون الإسلامي لجنة خاصة لدعم قضية كشمير، وتعمل اللجنة على تسليط الضوء دوليًا على الأزمة الإنسانية والسياسية في كشمير، وتصدر تقارير دورية حول الانتهاكات بحق المسلمين في الإقليم.
- مسلمو إفريقيا الوسطى: تعاني الأقلية المسلمة في جمهورية إفريقيا الوسطى منذ سنوات من صراعات طائفية وأعمال عنف أدت إلى تهجير الآلاف وانتهاك حقوقهم. وقد تولت منظمة التعاون الإسلامي دورًا محوريًا في دعم هذه الأقلية وحماية حقوقها، حيث أعربت عن القلق من العنف الطائفي ضد المسلمين هناك وطالبت بتقديم المساعدات الإنسانية، ونظمت حملات إغاثية بالتعاون مع الدول الأعضاء لتقديم مساعدات إنسانية لهم، فضلًا عن تمويل مشاريع إغاثية لتلبية الاحتياجات العاجلة للنازحين واللاجئين منهم. ودعمت اتفاقيات سلام تهدف إلى تحقيق الاستقرار، مثل اتفاق الخرطوم عام 2019م، الذي شمل عدة أطراف من جمهورية إفريقيا الوسطى.
- مسلمو الفلبين: ساهمت منظمة التعاون الإسلامي بشكل فعال في دعم الأقليات المسلمة في الفلبين خاصة في منطقة مينداناو التي شهدت نزاعات طويلة، وتمحور دور المنظمة حول الوساطة لتحقيق السلام، دعم التنمية، وتمكين المسلمين سياسيًا واجتماعيًا. حيث لعبت دورًا محوريًا في التوسط بين الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الوطنية لتحقيق السلام، وصولًا إلى اتفاقية السلام النهائي عام 199م، بين الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الوطنية. كما دعمت المنظمة إنشاء منطقة الحكم الذاتي لمسلمي مينداناو التي كانت نواة لتعزيز التنمية والاستقرار، ولعبت دورًا استشاريًا في صياغة القوانين والسياسات التي تخص الأقلية المسلمة، مثل قانون "بانجسامورو العضوي" لعام 2018 الذي أسس منطقة بانجسامورو للحكم الذاتي.
مواجهة الإسلاموفوبيا
تعد الإسلاموفوبيا أو الخوف والكراهية تجاه الإسلام والمسلمين من أهم التحديات المعاصرة التي تواجه ليس فقط الأقليات المسلمة في الدول المختلفة وإنما تؤثر على الصورة الذهنية عن المسلمين في جميع أنحاء العالم، حيث أصبحت هذه الظاهرة ذات انتشار واسع، خاصة بعد ظهور التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش والحوادث الإرهابية التي نفذتها هذه التنظيمات في الدول الغربية بدءًا من هجمات 11 سبتمبر وحتى الآن، والتي استُخدمت لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، واستُغلت في اتباع إجراءات وسياسات تمييزية وخطاب كراهية ضد المسلمين، وصولًا إلى تنفيذ هجمات إرهابية على المسلمين ومؤسساتهم.
ويمكن الإشارة إلى أهم مظاهر الإسلاموفوبيا في:
- الهجمات العنصرية: حيث تزايد الاعتداءات على المسلمين، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية، مثل الهجمات على المساجد أو النساء المحجبات، حيث تم توثيق حوادث عديدة في عدة دول أوروبية ضد المسلمين، ومن أبرزها الهجوم على مسجد كرايستشيرش في نيوزيلندا عام 2019.
- القوانين التمييزية: اتخذت عدة دول أوروبية قوانين وإجراءات تمييزية ضد المسلمين، مثل حظر الحجاب والنقاب مثل فرنسا والنمسا، مما يؤثر على حرية التعبير الديني، وقوانين منع بناء المآذن في سويسرا، والتي تم تمريرها عبر استفتاء عام.
- الخطاب السياسي والإعلامي: تستخدم الأحزاب اليمينية المتطرفة خطابًا معاديًا للإسلام لتحقيق مكاسب سياسية، حيث تصور الإسلام والمسلمين كتهديد للأمن القومي في الإعلام.
وقد أولت منظمة التعاون الإسلامي هذه الظاهرة ومواجهتها أهمية كبيرة على أجندة أعمالها، ويمكن الإشارة إلى أبرز ما قامت به على هذا النحو في:
الرصد والتوثيق: حيث أنشأت المنظمة مرصد الإسلاموفوبيا عام 2007 لمتابعة التطورات المتعلقة بالإسلاموفوبيا عالميًا، ويصدر المرصد تقارير دورية توثق حالات التمييز والاعتداءات ضد المسلمين، ويوفر البيانات للمجتمع الدولي عن انتشار الظاهرة وآثارها السلبية.
تعزيز الحوار والتفاهم: تروج منظمة التعاون الإسلامي للحوار بين الأديان والثقافات كوسيلة لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، حيث نظمت مؤتمرات دولية تجمع قادة دينيين ومفكرين لبحث سبل مواجهة الكراهية، وهي كذلك تشجع المبادرات التي تعزز التفاهم والتعايش بين المسلمين وغير المسلمين.
التعاون مع المنظمات الدولية: تعمل المنظمة مع الأمم المتحدة والهيئات الدولية لتعزيز القوانين التي تجرم الكراهية الدينية. ودعمت اعتماد قرار في الأمم المتحدة عام 2022 يخصص 15 مارس يومًا عالميًا لمكافحة الإسلاموفوبيا، وتدعو الدول إلى تعزيز الإطار القانوني لحماية المسلمين من التمييز والعنف.
الحملات الإعلامية والتثقيفية: أطلقت المنظمة حملات إعلامية لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام والمسلمين، وتدعم إنتاج محتوى يعكس القيم الحقيقية للإسلام مثل التسامح والسلام، وتركز على توعية المجتمعات حول مخاطر الإسلاموفوبيا على التعايش الاجتماعي.Top of Form
تحديات وعقبات
على الرغم من الجهود التي تبذلها وتقوم بها منظمة التعاون الإسلامي في حماية الأقليات المسلمة في الدول المختلفة، فضلًا عن مواجهة الظواهر المؤثرة على هذه الأقليات مثل الإسلاموفوبيا، فإن عمل المنظمة وجهودها لا يزال يواجه مجموعة من التحديات.
الافتقار إلى القوة الملزمة: تقوم المنظمة بجهود كبيرة لدعم الأقليات المسلمة، إلا أنها تفتقر إلى النفوذ والقوة الملزمة لتغيير الأوضاع على الأرض، لا سيّما إذا كانت هذه القضايا محل التحرك من المنظمة تُواجه بتعنت من الدول المعنية، وحينها تعتمد المنظمة على المواقف الدبلوماسية وحث هذه الدول ودعوتها إلى اتخاذ تغيير مواقفها تجاه الأقليات المسلمة.
ضعف الاستجابة الدولية: تواجه جهود منظمة التعاون الإسلامي في دعم الأقليات المسلمة بضعف الاستجابة الدولية، خاصة من الدول الكبرى التي لها مصالح سياسية واقتصادية على مستوى عالٍ مع الدول المعنية بالانتهاكات التي تتعرض لها الأقليات المسلمة.
علاقات الدول الأعضاء مع الدول المعنية: يحكم موقف منظمة التعاون الإسلامي تجاه قضايا الأقليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم التباينات بين الدول الأعضاء في المنظمة في علاقاتها مع الدول المعنية أو التي توجد بها هذه الأقليات، حيث تفضل بعض الدول في بعض الأحيان تجنب اتخاذ مواقف حاسمة تجاه هذه القضايا للحفاظ على علاقاتها مع هذه الدول وعدم تضررها، وهو ما يؤثر على الموقف العام لمنظمة التعاون الإسلامي وصلابته تجاه هذه القضايا.






