يعتبر السودان واحدًا من أفقر دول العالم، وهي دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من 50 مليون نسمة وعانت من الصراع وعدم الاستقرار والعزلة الاقتصادية منذ عام 1956م، وحتى الآن. ويبلغ متوسط دخل الفرد في السودان 880 دولارًا فقط في السنة عام 2023م، مما يجعلها واحدة من أفقر دول العالم، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 109.27 بليون دولار عام 2023م، وحقق معدل نمو سنوي بالسالب (20.1%) نفس العام، وبلغ معدل التضخم 139% عام 2022م، ونسبة الفقراء لأقل من 2.15 دولار في اليوم تبلغ 15.3% من مجموع السكان عام 2024م
ويعد الاقتصاد السوداني من أكثر الاقتصادات في العالم عرضة للتقلبات وشهد تغيرات كبيرة على مر العقود، وبعد تصاعد التوترات السياسية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع مؤخرًا وأخذ شكل نزاع مسلح في 15 أبريل 2023م، مما أثر على هيكل الاقتصاد الوطني وعلى أدائه وتسبب في كارثة إنسانية شديدة، حيث عطلت الحرب الحصول على الخدمات العامة الأساسية وعرقلت الوصول إلى الأسواق واستمرت في التسبب في ندرة كبيرة في السلع والخدمات الأساسية.
ويساعد تحليل العلاقة بين الاستقرار السياسي والأوضاع الاقتصادية على كشف تعقيدات مستقبل التنمية في السودان، وسيكون بالتأكيد مفيدًا لرسم مسار مستقبل البلاد الاقتصادي والسياسي بالتالي؛
لذا تهدف هذه الورقة إلى المساهمة في فهم كيف تؤثر الظروف السياسية على الأحوال الاقتصادية، واستكشاف العلاقة بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في السودان التي شهدت تقلبات سياسية كبيرة على مدى العقود القليلة الماضية.
العلاقة بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية
يشير الاقتصاد السياسي إلى دمج العوامل السياسية والاقتصادية في تحليلنا للمجتمعات الحديثة، فالسياسة والاقتصاد متشابكان بشكل معقد؛ ويؤثر الفكر الاقتصادي والتطورات الاقتصادية، بشكل كبير على الأنظمة السياسية، بل وتشكل طبيعة النظام السياسي القائم، كما حدث عند اعتناق المذاهب الاشتراكية اقتصاديًا في الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية سابقًا، حيث سادت نظم سياسية ديكتاتورية (الحزب الواحد). وبسقوط المذهب الاشتراكي في تسعينات القرن الماضي، تحولت النظم السياسية في دول أوروبا الشرقية إلى الديمقراطية متعددة الأحزاب، كما أن تطبيق المذهب الرأسمالي (أو اقتصاد السوق) يستلزم نظمًا ديمقراطية متعددة الأحزاب بطبيعته.
من ناحية أخرى يؤثر الوضع الاقتصادي على مستوى الاستقرار السياسي والسياسات العامة، حيث تعزز القوة الاقتصادية الحوكمة الديمقراطية وسهولة مساءلة الإدارات الحاكمة، من خلال تعزيز المطالب المجتمعية للمسؤولية والشفافية. وعلى العكس يمكن أن تؤدي الأزمات الاقتصادية أو التفاوت الكبير في توزيع الدخل إلى عدم الاستقرار السياسي؛ أو ظهور الاستبداد، أو صعود الحركات الشعبوية، وبقدر ما تؤثر الظروف الاقتصادية العالمية على الاقتصاد الوطنى تتأثر الأوضاع السياسية بالداخل.
وتظهر تلك العلاقة المتبادلة بين السياسة والاقتصاد جليًا في النظم الديمقراطية الغربية حيث تحاول الحكومات إنعاش الاقتصاد قبل الانتخابات، بحيث تخلق ما يسمى بالدورات التجارية السياسية للنشاط الاقتصادي. وعلى نحو مماثل، فإن الظروف الاقتصادية لها تأثير قوي على الانتخابات؛ وأصبحت أدوات الاقتصاد تستخدم لدعم وصناعة السياسة، ويمكننا أن ننظر إلى الساسة باعتبارهم أشبه بالشركات، كما يعتبر الناخبون مستهلكين، والحكومات بمثابة مقدم احتكاري للسلع والخدمات العامة للجمهور.
وقد حظيت هذه العلاقة بتأييد العديد من الاقتصاديين وعلماء السياسة لتطوير القدرة المؤسسية خاصة في البلدان النامية من أجل تعزيز الاستقرار السياسي، وبالتالي دعم التقدم الاقتصادي في تلك البلدان، وتؤكد التجارب التنموية الناجحة في جنوب شرق آسيا فهم تأثير الاستقرار السياسي على النمو الاقتصادي، حيث كان ذلك جليا في تفاوت مستويات التنمية مع تباين نظم الحكم والاستقرار السياسي في تايلاند بالمقارنة مع كوريا الجنوبية.
ويتفق الاقتصاديون وعلماء السياسة على أنه يمكن للتطورات السياسية التأثير على النمو الاقتصادي. كما يؤثر عدم الاستقرار السياسي سلبًا على التقدم الاقتصادي من خلال الحد من نمو الإنتاجية، ومن تراكم رأس المال المادي والبشري. كما يساهم الاستقرار السياسي في إنشاء ترتيبات مؤسسية قوية ذات أهمية حاسمة للتنمية طويلة الأجل، حيث أن المؤسسات الديمقراطية تعزز بالفعل التقدم الاقتصادي من خلال التخفيف من الاضطرابات الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار السياسي، وتنفيذ الإصلاحات التي تؤدي إلى النمو، مثل السياسة الضريبية والاستثمار في السلع العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم.
الاقتصاد السياسي للصراع المسلح في السودان
واجهت السودان لفترات طويلة سلسلة من الصراعات الداخلية كبيرة أضعفت قدرتها على تحقيق مستوى معيشي مناسب للسكان، ويشمل ذلك اثنتين من أطول الحروب الأهلية في القارة الإفريقية، والصراعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، فضلًا عن انفصال جنوب السودان.
لعب الجيش السوداني دورًا مهيمنًا في التأثير سلبًا على النشاط الاقتصادي، وإضعاف جودة التنمية، مع انتشار الفوضى وعدم الاستقرار السياسي؛ وأدت مجموعة من العوامل مثل القوة والهيمنة الإقتصادية والاستيلاء على العوائد المالية، إلى الصعود التدريجي لانخراط الجيش في إدارة الشؤون الاقتصادية بالتحالف مع شبكات الأعمال التي عملت جنبًا إلى جنب مع الجيش وأدت إلى تدهور الأحوال المعيشية لغالبية الشعب السوداني ومن ثم التوزيع غير المتكافئ للثروة.
أسفرت الحرب الأهلية بين عامي 1983-2005م، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان عن نزوح كبير للسكان، وخسائر في الأرواح، وتدمير البنية التحتية في مناطق مثل جبال النوبة في جنوب كردفان وتشير التقديرات إلى أن السودان خسر ملايين الدولارات سنويًا من الصادرات الزراعية خلال النزاع وأدى الصراع إلى اضطراب في سلاسل القيمة الزراعية، وتفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي وإعاقة التنمية الاقتصادية
وبموجب شروط اتفاق السلام الشامل في عام 2005م، انفصل جنوب السودان عن السودان في عام 2011م، وأدى انفصال جنوب السودان إلى صدمات اقتصادية متعددة، بما في ذلك فقدان عائدات النفط التي كانت تمثل أكثر من نصف عائدات الحكومة السودانية و95٪ من صادراتها، وتراجع معدل النمو الاقتصادي وارتفاع كبير في أسعار السلع الاستهلاكية، وأسعار الوقود، مما أسفر عن اندلاع احتجاجات عنيفة في سبتمبر 2013م.
كما أدت الزيادات المستمرة في أسعار المواد الغذائية والمظالم التي طال أمدها إلى مظاهرات حاشدة في ديسمبر 2018م. وبلغت المظاهرات ذروتها بإقالة الرئيس عمر حسن البشير في أبريل 2019م، وأدى ذلك إلى تشكيل حكومة انتقالية في سبتمبر 2019م، نفذت إصلاحات اقتصادية واجتماعية طموحة وانخرطت في مفاوضات سلام مع الجماعات المسلحة لمعالجة النزاعات والمظالم في جميع أنحاء البلاد وانتهت بتوقيع اتفاقية جوبا للسلام مع جميع جماعات المعارضة المسلحة تقريبًا في أكتوبر 2020م.
وبعد مرور عام، في أكتوبر 2021م، وقع انقلاب عسكري، وتم حل الهياكل الحكومية الرئيسية وتعليق شروط الميثاق الدستوري لعام 2019م، وفي أوائل يناير 2022م، تنحى رئيس الوزراء بعد فشل جهوده في التوصل إلى تسوية سياسية بين أصحاب المصلحة المحليين. وفي ديسمبر 2022م، تم توقيع اتفاق إطار سياسي بين الجيش وعدد من الأحزاب السياسية، في محاولة لإعادة انتقال البلاد إلى حكومة مدنية وإجراء انتخابات في غضون عامين، وفي يناير 2023م، انطلقت المرحلة الثانية من العملية السياسية، بهدف التوصل إلى توافق في الآراء بشأن القضايا الرئيسية ودعوة غير الموقعين للانضمام إلى العملية، وبحلول نهاية هذه المرحلة أدت العملية السياسية الفاشلة إلى اندلاع الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
مع تصاعد التوترات السياسية في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وتحولها إلى صراع مسلح في 15 أبريل 2023م، إلى جانب الكارثة الإنسانية الشديدة، عطلت الحرب الوصول إلى الخدمات العامة الأساسية وقيدت الوصول إلى الأسواق واستمرت في إحداث ندرة كبيرة في السلع والخدمات الأساسية للحياة، ومن المتوقع أن يؤدي الصراع لتغيير أنماط النشاط الاقتصادي، بما له من آثار وخيمة على الأمن الغذائي في السودان، حيث أدى الصراع المستمر إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية وسبل العيش في جميع أنحاء البلاد، وتقييد الوصول إلى المرافق والخدمات العامة كالمستشفيات، وأغلقت البنوك مع تزايد مصاعب الحصول على الغذاء.
وكما يشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أنه اعتبارًا من 13 أكتوبر 2023م، فإن أكثر من 70 % من مرافق الرعاية الصحية في جميع أنحاء البلاد أصبحت غير صالحة للعمل بسبب القتال العنيف، مما حال دون وصول ملايين المواطنين إلى الخدمات الصحية، كما أدى نزوح الناس من مناطق الصراع إلى زيادة الضغوط على توفير الخدمات، وموارد الغذاء، وأنظمة الرعاية الصحية العامة في تلك المناطق.
وحتى 13 أكتوبر 2023م، نزح أكثر من 4.55 مليون شخص داخليًا، بينما عبر 1.1 مليون شخص إلى البلدان المجاورة، بسبب القتال المستمر حيث تدفقوا عبروا الحدود إلى تشاد (423657 شخصا)، تليها مصر (317230 شخصا)، وجنوب السودان (307184 شخصًا)، وإثيوبيا (37289 شخصا)، وجمهورية إفريقيا الوسطى (20431 شخصًا). ومع استمرار الصراع في التوسع إلى مناطق خارج الخرطوم، وخاصة في منطقتي دارفور وكردفان، تتزايد أعداد النزوح الداخلي والنزوح عبر الحدود يومًا بعد يوم.
خلال الفترة الانتقالية، توسعت قوات الدعم السريع اقتصاديًا وسياسيًا، وشكلت شبكات قوية عبر قطاعات مختلفة من خلال تطوير إمبراطورية شبه مؤسسية ذات روابط أجنبية، ومع ذلك، لا تزال المؤسسة الاقتصادية العسكرية التابعة للقوات المسلحة السودانية صامدة كمصدر مهيمن للإيرادات العسكرية.كما هددت اشتباكات الفصائل المتحاربة في الأحياء والمناطق السكنية سبل عيش الناس ورفاهتهم. ومع ذلك، في 29 أبريل 2023م، تم نشر شرطة الاحتياطي المركزي لأمن المدنيين، واستمر نهب الممتلكات العامة والخاصة وإرهاب المدنيين.
تأثير الصراع المسلح على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان
على الرغم من توقيع إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في السودان في 11 مايو 2023م، بموجب مبادرة قادتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، فقد اشتدت الحرب في الخرطوم وامتدت إلى مناطق في دارفور وكردفان، بحيث مثل الصراع المتجدد الأول من نوعه في تاريخ السودان الذي يحدث في العاصمة الخرطوم، إلا أن أسبابه وعواقبه، وإن كانت حادة، لا تبدو مختلفة عن الصراعات السابقة في السودان وما يتصل بتداعياتها على انعدام الأمن الغذائي وقطع سبل العيش. للسكان
تعتبر الخسائر الاقتصادية في السودان مأساوية مع فقدان عقود من التقدم التنموي، حيث جعلت الاقتصاد السوداني يواجه الآن تحديات كبيرة في التعافي، وأطلقت الأمم المتحدة خطة استجابة إنسانية بقيمة 2.7 مليار دولار لمعالجة هذه الأزمة؛ ويعتبر تأثر الصراع على الأمن الغذائي مثيرا للقلق، حيث يواجه ما يقرب من 26 مليون شخص جوعًا حادًا يمثلون أكثر من 50٪ من سكان السودان. تحذر الأمم المتحدة من أنه بدون اتخاذ إجراءات فورية، قد يواجه تسعة ملايين شخص جوعًا كارثيًا، بالإضافة إلى ذلك، تأثر نظام الرعاية الصحية في السودان بشدة، حيث خرجت معظم المستشفيات عن الخدمة.
وعلى الرغم من عدم إصدار معدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية من قبل الجهاز المركزي للإحصاء منذ فبراير 2023م، وعلاوة على ذلك، أدى الصراع إلى تباينات في أسعار العملات الأجنبية. وبسبب عدم استقرار الأسواق استمر سعر الصرف في الانخفاض والتباين بشكل حاد بين السعر الرسمي والموازي، إضافة للتقلب بين 580 و600 جنيه سوداني/دولار خارج الخرطوم حتى أبريل 2023م، ومع ذلك، فقد انخفضت قيمته بشكل حاد بنسبة 14.3% في سبتمبر 2023م، ليصل إلى 800 جنيه سوداني/دولار، ويرتفع لأكثر من ثلاثة أضعاف هذا السعر في السوق الموازية. (برنامج الأغذية العالمي 2023م).
ويعود التباطؤ الحادث في الاقتصاد السوداني إلى الاضطرابات في إنتاج الزراعة وتعدين الذهب، والتجارة خاصة واردات الغذاء التي تشكل 22.3 % من إجمالي واردات السلع الأساسية في عام 2022م-وصادرات الذهب والثروة الحيوانية، وفقدان الوظائف في جميع القطاعات والمواقع ولكن بشكل رئيسي في ولاية الخرطوم، والاستثمارات حتى قبل الحرب، كان من المتوقع انخفاض الاستثمار الثابت بنسبة 4.5 % عام 2023م.
ومن المتوقع أن ينخفض الإنتاج الزراعي والصناعي في الخرطوم ومناطق الصراع الأخرى بشكل كبير، في حين تظل حركة مدخلات الإنتاج من الخرطوم وبورتسودان إلى بقية مناطق الإنتاج في جميع أنحاء البلاد مقيدة. وقد أدى الاضطراب الشديد في أسواق المواد الغذائية وطرق النقل إلى زيادة حادة في تكلفة نقل السلع الغذائية عبر الشاحنات البرية في جميع أنحاء السودان بنحو 250 % علاوة على ذلك، فإن فقدان البنية الأساسية والأضرار التي لحقت بالطرق والمطارات والمستشفيات والمناطق الصناعية من شأنه أن يكون له آثار سلبية على النشاط الاقتصادي.
كما تضرر القطاع الخاص من الصراع المستمر. وتأثرت العديد من شركات ومصانع تصنيع الأغذية بشكل مباشر بالصراع المسلح. وبعض الشركات الكبرى في قطاع الأغذية خرجت عن العمل بسبب نهب وحرق مصانعها في بداية الصراع كما تم تدمير شركات أخرى من القطاع الخاص تعمل على تخفيف أزمة انعدام الأمن الغذائي والموردين الرئيسيين للغذاء.
وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية يحتاج 24.7 مليون شخص من سكان البلاد إلى مساعدات إنسانية بسبب الصراع، والذي يأتي على رأس أزمات أخرى مستمرة بما في ذلك أزمة المناخ، وتفشي الأمراض، والتدهور الاقتصادي. وإذا استمر العنف، فستواجه البلاد كارثة إنسانية أسوأ، حيث يُقدر عدد الأشخاص الإضافيين الذين يقعون في براثن الفقر بما يتجاوز 1.8 مليون شخص نتيجة هذا الصراع.
وقد شكل نزوح الناس من مناطق النزاع ضغوطًا إضافية على توفير الخدمات والموارد الغذائية وأنظمة الرعاية الصحية العامة في جميع أنحاء السودان، وحتى 23 مايو ،2023م، نزح داخليًا أكثر من مليون شخص، بينما عبر ما لا يقل عن 345,000 شخص إلى الدول المجاورة، نتيجة للقتال المستمر ، وذهب معظم الهاربين من النزاع الذين عبروا الحدود إلى مصر (126,000 شخص) تليها جنوب السودان (71,000) وتشاد (60,000) وجمهورية إفريقيا الوسطى (9,700) وإثيوبيا (5,000) وفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتتزايد أعداد النزوح الداخلي وعبر الحدود يومًا بعد يوم .(مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2023م)
المآلات والحلول
تؤكد تطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية في السودان أن الاستقرار السياسي يعد عاملًا رئيسيًا في التنمية الاقتصادية. وتوفر أدلة هامة تدعم آثار الاستقرار السياسي على النمو الاقتصادي، ويظهر ذلك جليا في حال حدوث انقلابات وحالات عنف سياسي كبرى، حيث يعد الاستقرار السياسي، فالبلدان التي تتمتع بحوكمة وإدارة أكثر قوة تكون في وضع أفضل للنمو بسبب تأثيره الإيجابي على محددات النمو والتنمية، مثل الاستثمار والجودة المؤسسية ورأس المال البشري؛ كما يعزز الاستقرار السياسي وجود بيئة مواتية للاستثمار مع ضمان عمل المؤسسات بكفاءة، واستخدام رأس المال البشري بشكل فعال، مما يؤكد أهمية الحكم السليم في تشكيل مسار النمو والتنمية في البلاد.
أسفرت عقود من الصراع ضغوطًا وأزمات مختلفة، أبرزها العجز المستمر في الميزان التجاري منذ انفصال الجنوب عام 2011م، بموارده البترولية، إضافة إلى النقص الحاد في العملات الأجنبية، وتدهور قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، إلى جانب بلوغ معدلات التضخم مستويات قياسية، كما زادت قيمة الدين الخارجي إلى 62.2 مليار دولار عام 2021م، والدين الداخلي إلى 12.5 مليار دولار في نفس العام حتى بلغت نسبة الدين الحكومي 128% العام الماضي، وارتفعت معدلات البطالة إلى 19.8% و وزاد معدل الفقر إلى 46.5%، وارتفعت معدلات الجوع مع استمرار الصراعات المسلحة .
لقد أهدرت مكاسب النفط خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ وفشل السودان في بناء أسس الاقتصاد غير النفطي، وبعد الانفصال خسر السودان ثلث مساحة البلد، وربع السكان، وثلاثة أرباع الثروة، وبدأت صراعات أخرى داخل السودان، أصبح الوضع أكثر خطورة، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى حل الصراع بسرعة، والعودة إلى الاستقرار السياسي، واستئناف الإصلاحات الحاسمة اللازمة لإعادة البلاد إلى المسار الصحيح لبناء أسس التنمية الاقتصادية واستغلال الموارد، والارتقاء بمستويات معيشة السكان.
بشكل عام، كان تأثير الصراع على الاقتصاد السوداني عميقًا، مما أدى إلى تغييرات هيكلية، وزيادة الفقر وانعدام الأمن، وتزايد التحديات المستمرة امام تحقيق التنمية الاقتصادية المستقرة، ما يتطلب معالجة هذه القضايا من خلال نهج متعدد الأوجه، بما في ذلك جهود بناء السلام، والإصلاحات الاقتصادية، والمساعدة الدولية من أجل الانتعاش.
مجمل القول
تشير تجربة السودان إلى أن الأداء الاقتصادي الضعيف للحكومات المدنية يمكن أن يعجل بانقلابات عسكرية، مما يؤدي إلى تدهور الاستقرار السياسي، بل يمكن القول إن التنمية الاقتصادية تسبق الاستقرار السياسي والديمقراطية، وأن الدول ذات المستويات العالية من الاستقرار السياسي اليوم تميل أكثر نحو الديمقراطية، ومع ذلك فالديموقراطية والتنمية ليسا مترادفين بطبيعتهما، والتي استمرت على مدى فترات طويلة.
ويزداد هذا التأثير في حالات التغييرات التنفيذية غير الدستورية حيث أن حدوث مثل هذه التغييرات يؤثر سلبًا على الأوضاع الاقتصادية من خلال الاستثمارفي كل من القطاعين العام والخاص، الذي يشكل قناة انتقال أساسية؛ يمكن من خلالها للوضع السياسي والاستقرار التاثير على الوضاع الاقتصادية في البلاد.
كما أن عدم المساواة في الدخل تشكل عاملًا رئيسيًا يمكن أن يزيد من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وبالتالي تقليل الاستثمار وإعاقة التقدم الاقتصادي، ويؤكد وجود علاقة سببية بين عدم استقرار الحكومات في المجتمعات وعدم قدرتها على دعم وحماية حقوق الملكية، مما يؤدي إلى انخفاض الاستثمار الخاص، وبالتالي التأثير سلبًا على معدلات التنمية الاقتصادية.
ويجب أن تدرك جميع الأطراف أن الازدهار الاقتصادي يمثل الوجه الأخر للاستقرار السياسي، حيث يوفر الاستقرار والسلام مليارات الدولارات التي يستنزفها الصراع على السلطة، كما يحقق الازدهار الاقتصادي فرصًا للرفاه لجميع الأطراف، ويحقق رخاء السكان، ومزيدًا من الاستقرار السياسي.






