شهد السودان مع دخول الصراع العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شهره الثالث والعشرين جملة من التغيرات والتحولات السلبية الجيواقتصادية التي تجلت بهيمنة قوات الدعم السريع على الموارد الاقتصادية ومقدرات الشعب السوداني وفق منطق اقتصاد الغنيمة الذي يتماشى مع طمع وجشع هذه الميليشيا التي استحوذت على خيرات وموارد السودان الأمر الذي كان له تداعيات سلبية على الأوضاع التنموية، حيث بات السودان يُصنف وفق المؤشرات التنموية الدولية ، الدولة الأكثر هشاشة وفشلاً في مختلف جوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وأصبح يتصدر مشهد الفقر والجوع والنزوح، حيث يعاني قرابة ثلثي الشعب السوداني من الفقر المدقع، ونحو نصف السكان النشطين اقتصادياً يعانون من البطالة، علاوة على وجود أكثر من (24.6) مليون سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، كما تسببت الحرب بنزوح (8.1) مليون شخص من ديارهم ، وخسر الاقتصاد السوداني نحو (200) مليار دولار أمريكي من نشاطه الاقتصادي منذ اندلاع الحرب منتصف عام 2023م.
وسوف نتناول في هذا المقال تقييم حقبة الحرب التي يشهدها السودان على الأداء التنموي فيه من خلال استخدام أهم المؤشرات الإنمائية التي تصدرها المنظمات والهيئات الدولية التي تُعنى بتتبع وتقييم مسارات التنمية في مختلف دول العالم.
أولاً-مشهد التنمية البشرية والرخاء والهشاشة:
- دليل التنمية البشرية:
شهد أداء التنمية البشرية في السودان تدهوراً ملحوظاً خلال السنوات الستة المنصرمة، حيث تراجع ترتيب السودان في مؤشر دليل التنمية البشرية الذي يقيس أداء الأبعاد الثلاثة للتنمية البشرية (التعليم والصحة ومستوى المعيشة) من المركز (147) وبقيمة (0.526) في عام 2005م، إلى المركز (170) عالمياً وبقيمة بلغت (0.516) من بين (193) دولة شملها تقرير التنمية البشرية لعام 2023/2024م، الذي صنف السودان ضمن مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة.
.png)
المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية، سنوات مختلفة
وعند النظر في المؤشرات المكونة لدليل التنمية البشرية نلحظ انخفاضاً في متوسط دخل الفرد من (3809) دولار عام 2014م، إلى (3314) دولار عام2022م، أي بنسبة انخفاض (15%)، وهذا يعكس إلى حد كبير حجم التدهور في المستوى المعيشي للشعب السوداني والذي تجسد في نسبة الفقر في السودان التي وصلت إلى (66%) مقارنة بـــ (47%) قبل بدء الحرب وإذا استمر القتال سترتفع نسبة السودانيين الذين يعانون من فقر مدقع، ومن سوء التغذية.
2-مؤشر الدول الهشة:
الدولة الهشة هي الدول التي تمتلك قدرة ضعيفة على القيام بوظائف الحكم الرئيسية وتعاني من أزمات داخلية سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وينخرها الفساد السياسي والمالي والإداري، ولا تستطيع القيام بوظائفها الأساسية، لاسيما تحقيق الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين ولا تمتلك حق احتكار القوة المشروع، وتفقد جزءا من أراضيها لصالح تنظيمات مسلحة أو حركات تمرد، وتعاني من تدخلات إقليمية ودولية مباشرة وغير مباشرة، وتفتقد إلى الشرعية داخلياً وخارجياً، وقابلة أكثر للصدمات الداخلية والخارجية كالأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، ويُمثل الفقر والبطالة والفساد أهم خصائص الدول الهشة.
يقوم صندوق السلام الأمريكي بإصدار مؤشر الدول الهشة منذ العام 2005م، لقياس مدى قابلية الدول للانهيار والتصدع معتمدًا على مؤشرات كمية وكيفية، وبيانات معلنة تُصدرها الحكومات، والمنظمات الدولية، ومؤسسات القطاع الخاص، ومنظمات حقوق الإنسان، والجامعات، ووسائل الإعلام. ويعتمد مؤشر الدول الهشة على (12) مؤشرًا فرعيًّا لقياس درجة حدة التهديدات السياسية والأمنية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية التي تواجهها الدول، والتي تتسبب في تصدعها وإخفاقها في أداء وظائفها الأساسية.
ويشير المشهد السوداني في مؤشر الدول الهشة إلى حصول تراجع في ترتيب وتصنيف السودان من المرتبة الثامنة عالمياً عام 2020م، من بين (179) دولة وبتصنيف دولة ذات إنذار مرتفع إلى الثانية عالمياً عام 2024م، حيث صنفت السودان كثاني أسوأ دولة في العالم في مؤشر الدول الهشة والتي توصف بأنها دولة ذات إنذار مرتفع جداً.
جدول (1) الدول العشر الأولى عالمياً في مؤشر الدول الهشة لعام 2024
|
الدولة |
الترتيب عالميًا |
رصيد النقاط (0-120) |
|
الصومال |
1 |
111.3 |
|
السودان |
2 |
109.3 |
|
جنوب السودان |
3 |
109.0 |
|
سوريا |
4 |
108.1 |
|
جمهورية الكونغو الديمقراطية الشعبية |
5 |
106.7 |
|
اليمن |
6 |
106.6 |
|
أفغانستان |
7 |
103.9 |
|
جمهورية إفريقيا الوسطى |
7 |
103.9 |
|
هايتي |
9 |
103.7 |
|
تشاد |
10 |
102.7 |
Source: The Fund for Peace, the Fragile Index 2024, Washington2024
ولغرض التعرف على تطور المؤشرات الفرعية المكونة لمؤشر الدول الهشة في جمهورية السودان ما قبل الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، نلاحظ حصول ارتفاع في درجات المؤشر بنسبة (5.3%)، حيث انتقل رصيد النقاط من (106.2) نقطة عام 2023م، قبل بدء النزاع والحرب المسلحة إلى (111.8) نقطة عام 2024م، وهذا يعكس بشكل كبير حجم التفكك والهشاشة التي أصابت الدولة والمجتمع السوداني بكافة مفاصله والجدول التالي يُبين ذلك.
جدول (2) المؤشرات الفرعية المكونة لمؤشر الدول الهشة في السودان لعامي (2023 و2024)
|
المؤشر |
رصيد النقاط 2023 |
رصيد النقاط 2024 |
درجة التغير |
|
تصاعد الضغوط الديموغرافية |
8.3 |
9.3 |
1.0 |
|
الحركة السلبية والعشوائية للاجئين |
9.6 |
9.6 |
ثبات |
|
الميراث العدائي الشديد |
9.3 |
9.6 |
0.3 |
|
الفرار الدائم والعشوائي للناس |
9.3 |
9.4 |
0.1 |
|
غياب التنمية الاقتصادية لدى الجماعات المتباينة |
8.5 |
8.8 |
0.3 |
|
التدهور الاقتصادي الحاد |
7.5 |
8.0 |
0.5 |
|
فقدان شرعية الدولة |
9.4 |
9.5 |
1.1 |
|
التدهور الحاد في تقديم الخدمات العامة |
8.6 |
9.0 |
0.4 |
|
الحرمان من التطبيق العادل لحكم القانون |
9.2 |
9.3 |
0.1 |
|
تشتت الأمن |
8.8 |
8.9 |
0.1 |
|
تنامي الانشقاقات داخل النخب بالدولة |
9.6 |
9.7 |
0.1 |
|
تدخل دول أخرى أو فاعلين سياسيين خارجيين |
8.1 |
8.2 |
0.1 |
|
المجموع |
106.2 |
111.8 |
4.6 |
Source: The Fund for Peace & Foreign Policy, The Fragile States Index 2023,2024
https://fragilestatesindex.org/global-data/
يلاحظ من الجدول أعلاه بأن أسباب تراجع ترتيب السودان في مؤشر الدول الهشة يرجع إلى فقدان شرعية الدولة السريع، وتصاعد الضغوط الديموغرافية وارتفاع منسوب الهجرات الداخلية والفرار من المناطق التي تشهد حرباً، حيث وصل العدد إلى قرابة (11) مليون نازح، علاوة على التدهور الكبير في تقديم الخدمات العامة والتدهور الاقتصادي الحاد.
3) مؤشر الرخاء:
يصدر هذا المؤشر عن معهد ليجتاتوم البريطاني، ويقيس الرخاء في (167) دولة في العالم طبقاً لتسعة معايير أساسية. ويضع المؤشر درجة من صفر إلى 100 في كل معيار على حدة، وتُجمع كل الدرجات في درجة متوسطة تتراوح من (صفر إلى 100)، وكلما اقتربت الدولة محل الدراسة من 100، دلّ ذلك على أنها أكثر رخاءً وحلّت في ترتيب متقدم في المؤشر، والعكس صحيح؛ فكلما اقتربت الدولة محل الدراسة من الصفر، دلّ ذلك على أنها أقل رخاءً وحلّت في ترتيب متأخر في المؤشر الذي يتضمن أيضًا ترتيب كل الدول في كل معيار من المعايير التسعة التالية:
- الجودة الاقتصادية: يتضمن قياس انفتاح الدولة الاقتصادي، ومؤشرات الاقتصاد الكلي، وأسس النمو، والفرصة الاقتصادية، وكفاءة القطاع المالي.
- بيئة الأعمال: يتضمن قياس بيئة إدارة الأعمال، والبنية التحتية للأعمال، ومعوقات الابتكار، ومرونة سوق العمل.
- الحوكمة: يتضمن قياس أداء الدولة في ثلاثة جوانب: كفاءة الحكومة، والديموقراطية والمشاركة السياسية، ودور القانون.
- التعليم: يتضمن قياس إتاحة التعليم، وجودة التعليم، والعنصر البشري.
- الصحة: يتضمن قياس أداء الدولة في ثلاثة جوانب: الصحة البدنية والذهنية، والبنية التحتية للصحة، والرعاية الوقائية.
- السلامة والأمن: يتضمن قياس الأمن القومي، والسلامة الشخصية.
- الحرية الشخصية: يتضمن قياس تقدم الدولة نحو الحقوق القانونية، والحرية الشخصية، والتسامح الاجتماعي.
- رأس المال الاجتماعي: يتضمن قياس قوة العلاقات الشخصية، والدعم الاجتماعي، والأعراف الاجتماعية، والمشاركة المدنية في البلاد.
- البيئة الطبيعية: يتضمن قياس أداء الدولة في ثلاثة جوانب: جودة البيئة الطبيعية، وضغوط البيئة، وجهود المحافظة على البيئة.
ويشير المشهد السوداني وفق مؤشر الرخاء خلال السنوات العشر المنصرمة إلى حصول تدهور كبير، حيث انخفضت قيمة المؤشر من (35.8) نقطة عام 2013 إلى (31.9) نقطة عام 2023 حيث جاء السودان ضمن قائمة أسوأ ثلاث دول على الصعيد العالمي، بعد جمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان.
جدول (3) لوحة أداء السودان في المعايير الخاصة بمؤشر الرخاء (2013-2023)
|
مصدر الرخاء |
قيمة المؤشر لعام 2013 |
قيمة المؤشر لعام 2023 |
الترتيب عالميًا (1-167) |
التغير في قيمة المؤشر |
|
القيمة الإجمالية للمؤشر |
35.8 |
31.9 |
158 |
-3.9 |
|
أولاً-مجتمعات شاملة |
36.8 |
32.3 |
159 |
-4.5 |
|
- الأمن والأمان |
33.7 |
33.3 |
145 |
-0.4 |
|
- الحرية الفردية |
27.3 |
29.3 |
153 |
+2.0 |
|
- الحوكمة |
33.3 |
31.9 |
145 |
-2.4 |
|
- رأس المال الاجتماعي |
53.0 |
34.8 |
164 |
-18.2 |
|
ثانياً-اقتصادات مفتوحة |
34.2 |
33.2 |
159 |
-1.0 |
|
- بيئة الاستثمار |
34.6 |
33.4 |
149 |
-1.2 |
|
- الشروط المؤسسية |
43.1 |
38.0 |
155 |
-5.1 |
|
- دخول الأسواق والبنية التحتية |
33.7 |
36.7 |
139 |
+4.0 |
|
- الجودة الاقتصادية |
25.6 |
24.5 |
167 |
-1.1 |
|
ثالثاً-تمكين الناس |
44.0 |
45.4 |
144 |
+1.4 |
|
- الظروف المعيشية |
41.6 |
47.4 |
138 |
+5.8 |
|
- الصحة |
57.7 |
60.5 |
127 |
+2.8 |
|
- التعليم |
32.8 |
34.1 |
144 |
+2.7 |
|
- البيئة الطبيعية |
44.0 |
39.7 |
163 |
-0.3 |
Source: Legatum Institute, The Legatum Prosperity Index TM: Atool for transformation 2023, P.272
يلاحظ من الجدول السابق مدى تدهور أداء السودان في مؤشر الرخاء، حيث تراجع قيمة مؤشر مجتمعات شاملة بنحو (4.5) نقطة ومؤشر اقتصادات مفتوحة بنحو نقطة واحدة، أما على مستوى المعايير الفرعية، فيلاحظ تراجع مؤشر الأمن والأمان بنحو (-0.4) نقطة، ومعيار الحوكمة (-2.4) نقطة ومعيار رأس النال الاجتماعي (-18.2) نقطة. كما تراجعت قيمة مؤشر اقتصادات مفتوحة بنحو (-1.0) وعلى صعيد المعايير فقد تراجع معيار البيئة الاستثمارية بنحو (-1.2) نقطة ومعيار الشروط المؤسسية (-5.1) نقطة ومعيار الجودة الاقتصادية تراجع هو الأخر بنحو (-1.1) نقطة مرتبة، وبات الاقتصاد السوداني من أكثر اقتصادات العالم تخلفاً، وخسر عشرات المليارات من الدولارات بسبب الحرب.
ثانياً-مشهد الأداء الحكومي:
شهدت الفترة التي تلت النزاع المسلح بين قوات الجيش والدعم السريع تراجعاً كبيراً في الأداء المؤسسي الحكومي بمختلف القطاعات في السودان، الأمر الذي سارع من تفشي الفساد وعمليات السرقة والنهب من قبل قوات الدعم السريع، علاوة على تراجع جهود السودان في إشاعة ثقافة الشفافية ومحاربة الفساد، والتوجه نحو استكمال متطلبات الحكومة الإلكترونية. وفيما يلي بيان أداء السودان فيما يتعلق بالحكومة الإلكترونية ومدركات الفساد.
- مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية:
شهد مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية في السودان تدهوراً كبيراً خلال الفترة (2014-2024م)، نتيجة للتراجع الحاصل في البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية، علاوة على تدني مستوى الخدمات الإلكترونية المُقدمة من الوزارات والأجهزة الحكومية، الأمر الذي أدى إلى تراجع ترتيب السودان في مؤشر جاهزية الحكومة الإلكترونية بنحو (14) مرتبة، حيث أنتقل من المرتبة (154) عالمياً إلى المرتبة (178) من بين (193) دولة عام 2024م، وتراجع تصنيفها في الأداء إلى مستوى منخفض.
.png)
المصدر: الأمم المتحدة-إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، مسح الحكومة الإلكترونية، سنوات مختلفة
ويلاحظ بأن قيمة المؤشر العام لتنمية الحكومة الإلكترونية بالسودان قد شهد انخفاضاً بنسبة (50.4%) حيث انخفضت قيمة المؤشر إلى (0.1293) نقطة لعام 2024م، مقارنة بـــ (0.2606) عام 2014م، وعند مقارنة الانخفاض بين عامي و2022 و2024م، نجده أعلى حيث بلغ (-56.5%) نتيجة للانهيار الكبير الذي حصل في الخدمات الإلكترونية التي تقدمها الحكومة وباتت قيمة المؤشر تقل عن المتوسط العالمي وعن نظيره في دول الدخل المنخفض .
جدول (4) مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية في السودان (2014-2024)
|
المؤشر |
2014 |
2018 |
2022 |
2024 |
|
مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية |
0.2606 |
0.2394 |
0.2972 |
0.1293 |
|
- عنصر الخدمات الحكومية الإلكترونية |
0.2912 |
0.1528 |
0.2118 |
0.0000 |
|
-عنصر البنية التحتية للاتصالات |
0.1847 |
0.1780 |
0.3111 |
0.4392 |
|
- عنصر راس المال البشري |
0.3059 |
0.3873 |
0.3599 |
0.2593 |
المصدر: الأمم المتحدة-إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، مسح الحكومة الإلكترونية، سنوات مختلفة
أما بالنسبة للمؤشرات الفرعية لمؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية، فقد شهد عنصر الخدمات الحكومية الإلكترونية انهياراً كبيراً، حيث وصلت قيمته إلى الصفر عام 2024م، وكذلك عنصر راس المال البشري الذي انخفض هو الآخر بنسبة (-27.9%) ما بين عامي 2022 و2024م، والسبب في ذلك يعود إلى هجرة الكفاءات والكوادر البشرية السودانية نتيجة للحرب، علاوة على تأثر البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية.
- مؤشر مدركات الفساد:
تصدر منظمة الشفافية الدولية المؤشر السنوي ً لمدركات الفساد الذي يُصنف 180 دولة سنويً طبقاً لآراء الخبراء والقائمين على الأعمال التجارية لمستويات الفساد المُدركة في القطاع العام. وتتراوح قيمة مؤشر مدركات الفساد (CPI) ما بين )0-100) نقطة، حيث تُعد الدولة أكثر نزاهة كلما اقتربت من (100)، وتكون أكثر فسادًا كلما اقتربت من الصفر. وطبقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية حول مؤشر مدركات الفساد 2023م، فقد حصلت السودان على (20) نقطة لتحتل بذلك المركز 162 من بين 180 دولة، فضعف وهشاشة مؤسسات الدولة وضعف الحريات العامة والحكم الرشيد في الفترة الأخيرة نتيجة الحرب والصراع أسهم أيضًا في تفاقم الفساد الذي بدوره يوثر على فرص العمل والتماسك الاجتماعي. كما هو موضح في الشكل رقم (3) تراجع السودان في ترتيبه بشكل ملحوظ من المرتبة (162) عالمياً في العام 2022م، إلى (7) في العام 2023م، متراجعاً بنقطتين في قيمة المؤشر خلال الفترة نفسها.
شكل (3) ترتيب السودان في مؤشر مدركات الفساد (2015-2024)
.png)
Source: International Transparency Organization, Corruption Report, Various Issues
ويواجه السودان اليوم في ظل تفكك الدولة وتآكل العدالة وتقييد الوصول لها، وانهيار البنية المؤسسية لها بسبب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تحديات كبيرة في بناء مؤسسات شفافة بعيدة عن الفساد وخاضعة للمساءلة ومحاسبة المخالفين ومنعهم من الإفلات من العقاب، والسماح بانخراط المواطنين ومشاركتهم في صنع القرار.
رابعًا – مشهد الجوع والأمن الغذائي:
يُعرف الجوع وفقًا لمنظمة الصحة والزراعة العالمية، على أنه الحرمان من الطعام وسوء التغذية، الذي يجعل الفرد لا يستطيع الحصول على (1800) سعرة حرارية، كحد أدنى يوميًا لحياة صحية ومُنتجة. ولقياس الجوع قام المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية بإصدار مؤشر الجوع العالمي الذي يتم احتساب قيمته من خلال أربعة مؤشرات فرعية تتمثل بالآتي: النسبة المئوية للسكان الذين يُعانون من نقص التغذية، النسبة المئوية لانتشار «الهُزال» بين الأطفال دون سن الخامسة، النسبة المئوية لانتشار التقزم بين الأطفال دون سن الخامسة، النسبة المئوية للأطفال الذين يموتون قبل سن الخامسة.
ويتم إعطاء كل مؤشر فرعي قيمة قياسية على مقياس مكون من 100 نقطة ثم يتم تجميع تلك النتائج لإنتاج درجة مؤشر الجوع الكلي من مقياس مئوي، حيث درجة الصفر هي الأفضل والدرجة 100 هي الأسوأ وتصنف الدول بحسب درجات المؤشر إلى خمس فئات من حيث درجة الخطورة، وهي: منخفضة (أصغر أو يساوي 9.9)، ومعتدلة (10-19.9) وحادة (20-34.9) ومنذرة بالخطر (35 – 49.4،) ومنذرة بالخطر الشديد أكبر من (50) نقطة. ويشير الشكل (4) إلى حالة السودان في مؤشر الجوع العالمي خلال الفترة (2015-2024)، حيث ارتفعت قيمة المؤشر من (20.4) نقطة في العام 2023م، أي ضمن الفئة الحادة إلى (28.8) نقطة في العام 2024م، نتيجة للأزمة الإنسانية الحادة والتدهور الاقتصادي الذي يمر به السودان من أثر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع على الشعب السوداني.
شكل (4) وضع السودان في مؤشر الجوع العالمي (2015-2024)
.png)
Source: www://https.globalhungerindex.org /download /all.html
وطبقًا لمنظمة اليونيسف فإن أكثر من 30 مليون شخص، أكثر من نصفهم من الأطفال، يحتاجون إلى المساعدة في السودان بعد عشرين شهراً من الحرب المدمرة. إن نحو 3.2 مليون طفل دون الخامسة يواجهون خطر الإصابة بسوء التغذية الحاد. وتشير مصادر الأمم المتحدة إلى أن نطاق المجاعة في السودان اتسع إلى خمسة مناطق ومن المرجح أن يمتد إلى خمس مناطق أخرى بحلول مايو 2025م، بينما يواجه اليوم نحو (24) مليون سوداني خط الجوع وفق تقديرات الأمم المتحدة، وإن ما يقارب من (6.2) مليون شخص يواجهون مستويات طارئة من الجوع الحاد.
2) مؤشر الأمن الغذائي:
تجري عملية احتساب وترتيب دول العالم وفق مؤشر الأمن الغذائي العالمي، من قبل وحدة الاستخبارات التابعة لمجلة "إيكونيميست" البريطانية، طبقاً لأربعة عوامل تشمل: القدرة على تحمل تكاليف الغذاء، ومدى توافره ونوعيته والموارد الطبيعية الخاصة بالحصول عليه.
ويشير المشهد السوداني في مؤشر الأمن الغذائي العالمي ما بين عامي 2019 و2022م، إلى تراجع السودان بنحو ست مراتب إذ انتقل من المرتبة (99) وبرصيد نقاط (45.7) إلى المرتبة (105) عالمياً وبرصيد نقاط (42.8) نقطة عام 2022م، من بين (113) دولة. كما وجاء السودان في ذيل القائمة عربياً متقدماً فقط على اليمن الذي جاءت بالمرتبة (111) وسوريا التي احتلت المرتبة الأخيرة عالمياً.
.png)
Source: The Economist Intelligence Unit (EIU), Global Food Security Index2022, London 2023
ومن المتوقع أن يحتل السودان المرتبة الأخيرة في مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2024م، ويرجع ذلك إلى الحرب التي أثرت على الإنتاج الزراعي، علاوة على قيام قوات الدعم السريع بسرقة المساعدات الغذائية المقدمة من برنامج الغذاء العالمي ومؤسسات أخرى، مما دفع بالعديد من المنظمات والهيئات الدولية إلى التوقف على تقديم المساعدات الغذائية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع غير المؤتمنة في توزيع المساعدات على الشعب السوداني الذي بات ثلثيه يحتاج للمساعدات الغذائية في أغلب المناطق السودانية.
وبالرغم من أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد وسع من حجم المساعدات الغذائية خلال شهر ديسمبر 2024م، شملت أكثر من (800) ألف شخص في المناطق التي تواجه المجاعة أو خطرها منذ إطلاق زيادة واسعة النطاق في تقديم المساعدات الغذائية، غير أن التقدم التشغيلي الذي تحقق مؤخرًا لا يزال هشًاً، حيث يبقى الوضع الميداني متقلبًا وخطيرًا بسبب استمرار تصاعد القتال. وشدد البرنامج على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للفرق الإنسانية لتتمكن من تلبية احتياجات السكان المتضررين.
وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من (24.6) مليون شخص -نصف سكان السودان -يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقًا لمبادرة التصنيف المرحلي المتكامل، التي تتعقب الجوع الشديد على مستوى العالم. وأكدت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل أن المجاعة (المرحلة 5 من التصنيف المرحلي المتكامل) موجودة في خمس مناطق على الأقل، بما في ذلك مخيم زمزم في شمال دارفور وأجزاء من جبال النوبة الغربية. ومن المتوقع أن تتوسع الأزمة بشكل أكبر، حيث من المتوقع أن تواجه خمس مناطق إضافية -محليات شمال دارفور في أم كدادة ومليت والفاشر والطويشة واللعيت -المجاعة بين ديسمبر 2024 ومايو 2025م.
وختاماً نقول بأن تداعيات الحرب والصراع المسلح في السودان ستعيق في تحقيق الغايات الواردة في أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، لاسيما المتعلقة بمحاربة الفقر والجوع وتحقيق الأمن الغذائي وتوفير التعليم والصحة الجيدة، وهذا يتطلب من المجتمع الدولي الضغط على قوات الدعم السريع لوقف تمردها المسلح، وكذلك تبني مشاريع لإعادة الاستقرار والسلم الأهلي وتحقيق التعافي للاقتصاد السوداني من خلال مشروع دولي وعربي وإقليمي تسهم فيه كافة الدول المانحة للمساعدات وكذلك الهيئات والصناديق التنموية الدولية والإقليمية.






