الثورة الشعبية على نظام الإنقاذ الوطني، والتي أدت إلى سقوط الرئيس عمر البشير في أبريل 2019م، قد وضعت الحركة الإسلامية السودانية المهيمنة على النظام السابق على مفترق طرق، جاعلة منها في لحظة صراع أيديولوجي – عاطفي – نفسي إزاء مصيرها في السودان. من ثم، تأكد لقيادتها إبعادها من المسرح السياسي في الفترة الانتقالية وخسارة مكتسباتها التي حرصت عليها طوال ثلاثة عقود، ما دفعها لخيار التحرك المنظم والعنيف لتقويض وضرب الثورة الشعبية، والانتقاص من رموزها وأهدافها ومبادئها.
تمثل هذا الحراك في استغلال حزب المؤتمر الوطني - الذراع السياسي للحركة - والذراع العسكري المتمثل في اللجنة الأمنية لنظام الإنقاذ، وإدارة الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات والشرطة، والذراع الديني المتمثل في بعض أئمة المساجد والطرق والمؤسسات الدينية والذراع الاقتصادي المتمثل في بنوك ومؤسسات وشركات، والذراع العدلي المتمثل في بعض القضاة والمستشارين بالنيابات العامة والإدارات القانونية بالوزارات والمؤسسات الحكومية، بجانب ذراعها المهني والاجتماعي المتمثل في سيطرتها على النقابات و كوادرها في الخدمة المدنية، وذلك فيما يسمى بالدولة العميقة بعد أن هيمنت خلال ثلاثة عقود على مقدرات الدولة اقتصاديًا وسياسياً وإعلامياً. لقد اتسمت فترة حكم الحركة الإسلامية في السودان باستخدام العنف المفرط والتعامل بحد السيف إلى حد كبير مع المخالفين، حيث أخذت هذه المشروعية من أيدولوجيتها وهدف بقائها في الحكم.
ومنذ بواكير وصولها للحكم، كانت الحركة تتوقع وتتهيأ لمعركة قادمة تجابه فيها السقوط أمام ثورة شعبية عارمة كما حدث وفعلها الشعب السوداني عبر ثورتي 1964 و1985م، ضد نظامي عبود والنميري العسكريين.
من جهة أخرى، سعت الحركة الإسلامية إلى ضرب كل القوى السياسية ومعارضيها خلال حكمها، وأصبح لدى قادتها هوس في كيفية تشكيل أدوات قمعية وسياسات لتقييد وإضعاف وضرب العمل السياسي المعارض، والسيطرة التامة على كل مؤسسات الدولة بواسطة كوادرها. استخدم نظام المؤتمر الوطني كافة التكتيكات لتقويض الأحزاب السياسية من خلال خلق الفوضى والخداع والترهيب وتشويه سمعة هذه القوى السياسية وقد طبق النظام استراتيجيات مختلفة لقمعها بما في ذلك الإكراه واستخدام المال وتقييد الحريات السياسية والإعلام والقيود القانونية، وتبني مبدأ "فرق تسد"، واستخدام سياسة الجزرة والعصى مع قيادات سياسية والسعي لإحداث انشقاقات في كل الأحزاب. لقد تناول الكاتب فتحي الضو في كتابه (الطاعون: اختراق دولة جهاز الأمن والمخابرات في السودان) هوس أجهزة أمن النظام بالقوى السياسية حيث يقول "أشكال الاختراق، تشمل قيادات الحزب عبر أعضاء نافذين داخل الحزب بغرض معرفة كافة التفاصيل عن الحزب من عضوية واجتماعات ووثائق مالية وكل نشاطات الحزب، رصداً دقيقاً. وكذلك عمليات أمنية تشمل التفتيش السري والتصوير بغرض التشهير والفضح."
أيضاً كان تقويض النقابات المهنية والطلابية للحركة هدفًا جوهريًا، نظراً لدورها الحيوي في إزالة الأنظمة العسكرية السابقة في العامين 1964 و1985م، لقد كانت النقابات في السودان جزءًا من أكثر المجتمعات المدنية حيوية في إفريقيا والشرق الأوسط. وكما أشار الأكاديمي بيتر وودورد في مقال (السودان: إسلاميين متطرفين في الحكم، في كتاب الإسلام السياسي: ثورة، تطرف أم إصلاح؟) بالنسبة للحركة الإسلامية فإن النقابات "كان يُنظر إليها باعتبارها معاقل للمعايير الليبرالية الغربية، أو ما هو أسوأ من ذلك، باعتبارها شيوعيين وبعثيين من مختلف الأطياف".
ولفهم ديناميكية المرحلة الانتقالية ودور الحركة الإسلامية/المؤتمر الوطني في إفشالها، لابد من النظر بداية إلى سعي الحركة الدؤوب خلال فترة حكمها للسيطرة على مفاصل الدولة ومواردها، خاصة على القطاعين الأمني والعسكري والقطاعات الأخرى كما بينا، فهذا أمر أساسي لفهم استغلال الحركة التمكين داخل أجهزة الدولة ضمن جهودها لإجهاض تطلعات الشعب السوداني في الانتقال للحكم المدني الديمقراطي. من ثم يدلف المقال إلى ديناميكية محاولات إزالة التمكين والثورة المضادة، ثم يتناول الاتفاق الإطاري وإشعال الحركة الإسلامية للحرب في السودان، وأخيراً سيناريوهات ومستقبل ومآلات الحركة الإسلامية
التمكين في القطاع الأمني والعسكري والفترة الانتقالية
منذ استيلائها على السلطة عسكرياً في يونيو 1989م، طبقت الحركة الإسلامية السودانية سياسة أطلق عليها منظّر وعراب النظام الدكتور حسن الترابي اسم "التمكين": بمعنى تمكين هذه الحركة بأيدولوجيتها من الدولة باعتبارها الحامل الوحيد لمشروع بنائها. وكان ذلك المفهوم مدخلاً لفساد صارخ، حيث تبنى النظام استراتيجية إعطاء أولوية التوظيف للملتزمين أيديولوجياً بأجندة الحركة بدلًا عن الكفاءة ومصالح الدولة. أدت سياستها المرتبطة بأسبقية "الالتزام بالإسلام الثوري على الكفاءة في مؤسسات الدولة" إلى فصل والتقاعد القسري لقطاعات كبيرة من المهنيين المدربين تدريباً جيداً في كافة القطاعات كالخدمة المدنية والقضاء والإعلام والشرطة والجيش والأمن. وتم استبدال مئات الآلاف بكوادر للحركة (أهل الولاء والبراء) مما أدى إلى خلل واسع النطاق في أجهزة الدولة وتدهور في مختلف الخدمات.
وعلى سبيل المثال، ففي قطاع مركزي كالقضاء حيث لا يمكن أن تستقيم أي دولة ومنظومتها، فقد قدم القضاة السودانيون في أغسطس 1989م، مذكرة إلى رئيس مجلس قيادة الثورة أعربوا فيها عن انزعاجهم من ممارسات الحكومة فيما يتعلق بالقضاء، واصفين فيها تشكيل وممارسات المحاكم العسكرية بالأمر الخطير الذي لم يشهده من قبل السودان الحديث. ونتيجة لهذه المذكرة، تم طرد 57 قاضيًا بارزًا من النظام القضائي. وفي تقرير كتبه القانوني الفاضل إبراهيم حسن بعنوان (الملف الأسود للقضاء السوداني -قضاء حكومة الإنقاذ حتى عام 2012م) أكد فيه على أن القضاء في عهد الانقاذ أصبح أحد أذرع الحكومة وأدواتها في نشر الفساد لا محاربته! كما أشار إلى الكيفية التي جرى بها تعيين كثير من القضاة، حيث تطلب لجنة المعاينة التي يشكلها رئيس القضاء من المتقدمين للوظائف القضائية إبراز خطاب "تزكية" من المسؤولين الحكوميين، وبحسب إفادة عدد من المتقدمين فإن خطابات التزكية نفسها كانت لها مقامات ودرجات، فالأولوية للتزكية من لدن شيخ علي عثمان، ومثلها لتزكية نافع على نافع، ثم تأتي تزكية علي كرتي، وهكذا تتدحرج حتى تبلغ تزكية غندور، وكل هؤلاء قادة مفصليين في الحركة الإسلامية. لقد نشأ عن ذلك نظام تم فيه دمج الأيديولوجية الدينية وأمن الدولة والمعلومات والإعلام والثروة ضمن منظومة متكاملة. وفي وزارة الخارجية، أشار الوكيل السابق للخارجية فاروق عبد الرحمن في مقال "تم طرد 14 سفيراً في الأشهر الأولى من النظام، ثم تم طرد 26 سفيراً ودبلوماسياً على مستويات مختلفة، وغيرهم، في عام 1990/1991م، حتى وصل العدد الإجمالي إلى 100 كادر دبلوماسي يمثلون 40% من السلك الدبلوماسي." واستمر نهج إبدال وإحلال كوادر الحركة في كل مؤسسات الدولة طوال فترة نظام الحركة.
في هذا السياق، كانت المؤسسة العسكرية والأمنية تشكل الهاجس الأكبر للحركة الإسلامية، ولذا مثلت مسألة تأمينها أولوية قصوى. لقد أشار دكتور حيدر إبراهيم في كتابه (الإخوان والعسكر قصة الجبهة الإسلامية والسلطة في السودان) إلى فصل ما يقرب من 1800 ضابط من إجمالي خمسة آلاف ضابط في بداية حكم الحركة في عملية تطهير كانت لها عواقب سياسية وعملياتية عميقة على مهنية الجيش. وكان إبراهيم شمس الدين، الضابط الشاب والعضو الملتزم في الحركة الإسلامية مكلفاً بضمان ولاء الجيش. وفي أبريل 1992م، قام النظام بإعدام 28 ضابطاً وأكثر من 54 جندياً على الفور بعد محاكمة سريعة استمرت ساعتين بتهمة محاولة الانقلاب، وهو ما يؤكد نهج النظام الحاسم تجاه أي معارضة داخل المؤسسة العسكرية. لقد جعلت الحركة الإسلامية الانتساب إلى المؤسسة العسكرية والأمنية بعد تصفيتها محصوراً خلال فترة حكمها بشكل كبير على كوادرها الملتزمة والمنتفعين. وقد قال مفكر الحركة الإسلامية حسن الترابي في مارس 1990م، حسب ما جاء في مجلة الوطن العربي، كما نشر في كتاب (الجيش السوداني والسياسة) "إن الجيش السوداني قد بني على إرث استعماري، والإنقاذ تهدف إلى تغيير ذلك الواقع ... وإن 75 % من ضباط وجنود الجيش هم أعضاء في الجبهة الإسلامية أو لديهم توجهات إسلامية... وبقية الضباط والجنود هامشيون ولا تأثير لهم." كان هذا التوجه مهماً في استخدام القطاع الأمني والعسكري في الثورة المضادة مستقبلاً ضد أي ثورة شعبية تخرج على نظام الحركة الإسلامية، كما حدث مرتين في 1964 و1985م، لقد كان الجيش السوداني وجهاز الأمن ما بعد هذه الثورات الشعبية غير مؤدلج، ولا ينتمي بشكل تام لجهة سياسية محددة، كما كان مهنياً إلى حد كبير، ولذلك توصلت الحركة عند وصولها السلطة في 1989م، لنتيجة مفادها أهمية سيطرة كوادرها بالكامل على هذه المؤسسات استعدادًا للمستقبل.
لقد ضرب النظام في العمق العقيدة العسكرية للجيش السوداني كعقيدة قومية وطنية، وحلت محلها أيدلوجيًًًا الإسلام الثوري للحركة حيث شمل ذلك تغيير شعارات الجيش ورموزه، وأصبحت دورة الثقافة الإسلامية والدعوة بالمركز الإسلامي الإفريقي ولاحقاً جامعة إفريقيا إحدى الدورات الأساسية التي لا يمكن للضباط العسكريين الترقية للرتبة الأعلى دون حضورها والنجاح فيها. وتم تكوين ميليشيات عسكرية موازية للجيش في العلن والسر كالدفاع الشعبي وكتائب الظل. في هذا الإطار، قام الرئيس البشير بتكوين ميليشيا قبلية بزعامة الشيخ موسى هلال سميت قوات حرس الحدود عام 2006م، ثم كون الدعم السريع في عام 2013م، والتي كانت تطوراً من قوات حرس الحدود وجعله قوة موازية للجيش تحت قيادة، حميدتي وهو تاجر وراعي إبل. كان أحد الأسباب الرئيسية لدعم البشير اللامحدود في أواخر عهده لهذه القوة الموازية وتسمية قائدها في العلن في خطاباته بـ "حمايتي" أنه أصبح يشك في ولاء الجيش وتنظيم الحركة الإسلامية.
يؤكد الدكتور حيدر إبراهيم في كتابه (الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان) بالدلائل والتحليل على أن جهاز الأمن ومنذ ما قبل مفاصلة الإسلاميين التي قسمت الحركة الإسلامية في نهاية 1999م، هو الحاكم الفعلي في السودان. وذلك في سياق ما قام تعريفه "بالأمنوقراطية". ويسوغ الكاتب بأن مفهوم الأمنوقراطية هو الحالة التي أصبح فيها جهاز الأمن هو عملياً التنظيم الحاكم في الدولة السودانية بديلاً عن التنظيم السياسي، ويضيف بأن الجهاز ليس مجرد جزء من البناء، بل هو البناء نفسه ثم يقوم بوظائف داخله. وقد استدل الدكتور حيدر في كتابه بحادثة اعتقال كارلوس عام 1994م، وبكتابات الإسلاميين أمثال التيجاني عبد القادر، عبد الوهاب الأفندي، والمحبوب عبد السلام، والذين أكدوا أنه ومنذ ذلك الوقت فقد سادت الأمنوقراطية. لقد كان عمل هذه الأجهزة الأمنية نافذاً في مختلف أوجه الحياة في السودان، حيث أصبح له موارد ضخمة من العاملين تجمع له كل المعلومات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية من كل أنحاء السودان. وأصبح له بناء على ذلك القدرة على تحريك الصراعات والفتن والحروب بين مختلف أطياف المجتمع السوداني القبلية والأثنية، أو استخدام واستغلال هذه الجماعات لأغراضه.
ديناميكية إزالة التمكين والثورة المضادة
كانت قضايا الإصلاح في مؤسسات الدولة، وبخاصة القطاع الأمني والعسكري بعد سقوط الرئيس البشير في صلب الوثيقة الدستورية التي وقعتها المؤسسة العسكرية في أغسطس 2019م، مع قوى الحرية والتغيير المظلة الممثلة للقوى المدنية السياسية وقوى الاحتجاج الثورية في أغسطس 2019م، وهو الاتفاق الذي انقلبت عليه المؤسسة العسكرية في أكتوبر 2021م، بدعوى أن مشاكل السودان ناتجة عن الانشقاق بين المدنيين. وكذلك كانت حاضرة بشكل مركزي بعد ذلك في الاتفاق الإطاري الذي وقعه المجلس العسكري مع نفس هذه القوى المدنية في ديسمبر 2022م، وكان ذلك الاتفاق بديلًا لإعادة تنظيم صيغة تقاسم السلطة حيث تنامى في سياق الاتفاق الصراع على الهيمنة بين القوات المسلحة وقوات الدعم، وكان للحركة الإسلامية دور أساسي في زيادة الصراع بين الطرفين، حيث لم يكن أي منهما على استعداد لمشاركة القوى المدنية السلطة أو حتى فيما بينهم.
لقد نصت الوثيقة الدستورية بالتزام الدولة بوضع برامج لإصلاح أجهزة الدولة خلال الفترة الانتقالية بصورة تعكس استقلاليتها وقوميتها وعدالة توزيع الفرص فيها دون المساس بشروط الأهلية والكفاءة، على ان تُسند مهمة إصلاح الأجهزة العسكرية للمؤسسات العسكرية وفق القانون. وفي سياق الاتفاق الإطاري انعقد مؤتمر تجديد عملية تفكيك نظام يونيو 1989 في يناير 2023م.
كانت عملية تفكيك النظام القضية المفصلية التي تزعج المكون العسكري في مجلس السيادة منذ وقت مبكر، حيث انسحب رئيس اللجنة الفريق ياسر العطا تعبيراً عن احتجاجه، حيث أصبح المدنيون يديرون التفكيك وقراراته مع تزايد حدة الخلاف بين شركاء الحكم الانتقالي وقتها. كانت مسألة تفكيك نظام الحركة الإسلامية وخاصة القطاع الأمني والعسكري قضية أساسية في الانقلاب الذي نفذه المكون العسكري في 25 أكتوبر 2021م، حيث قام قادة الانقلاب بإلغاء 90% من قرارات لجنة إزالة التمكين في كل المجالات، أيضاً كان التفكيك قضية رئيسية في إشعال الحرب الراهنة التي بدأت في أبريل 2023م، والتي جاءت نتيجة للاتفاق الإطاري. هذان الحدثان المركزيان في المرحلة الانتقالية يعكسان دور دولة الإسلاميين العميقة وتأثيره.
لقد عكست المرحلة الانتقالية قدرة الأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها تنظيم الحركة الإسلامية على ضرب الانتقال الديمقراطي من خلال استغلال إمكاناته وقدراته وتغلغله في كل المجالات والأوساط لتقويض الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية والاجتماعية بالتماهي والتنسيق مع المؤسسة العسكرية. يقول الكاتب عبدالعزيز هاشم داؤود في مقال صدر في موقع الراكوبة في 2 نوفمبر 2024م، بعنوان (من الذي يدير حرب حميدتي و البرهان على السودانيين و السودان) "يجب التأكيد هنا على أن هذه الحرب العبثية اللعينة الواقعة الآن ما هي إلا محاولة من محاولات جهاز الأمن لوأد هذه الثورة العظيمة. وهي بالتأكيد لم تحصل بشكل مفاجئ، وإنما هي خطة كاملة تم وضعها بالتفصيل والتخطيط لها وتحديدها كأحد الخيارات التي تلجأ لها الثورة المضادة بقيادة جهاز الأمن حينما يستعصي عليهم الأمر، ومنها الإجهاز على الثورة ومحاولة إنهاء المواكب للأبد، وتأديب السودانيين ليتمنوا مرة أخرى عودة نظام البشير، وكأنه عهد الأمن والأمان."
الاتفاق الإطاري وإشعال الحركة الإسلامية للحرب في السودان
كان خطاب الحركة الرسمي تجاه الاتفاق الإطاري الذي سيمهد لتفكيك دولتهم العميقة وإعادة الأحزاب السياسية وقوى الاحتجاج المدني الثوري إلى سدة الحكم المدنية خشن وشرس ويهدد بكل ثقة بقيام حرب لا تبقي ولا تذر. في خطاب له يوم 1 فبراير 2023م، وقبل الحرب بشهرين قال انس عمر، المحسوب من ضمن أعنف قيادات الحركة الإسلامية الأمنية، في إشارة للاتفاق الإطاري "سندفنه وندفن من وقعوه" مضيفاً في حشد أمام كوادر الحركة ومخاطباً قادة الجيش السوداني، في 1 أبريل قبل الحرب بأسبوعين "أي زول يلبس مقاسو لو بقيت فريق ولا فريق أول ولا مشير .. ما في زول أكبر من الحركة الإسلامية وما في زول أعرف منها، وما في زول أرجل منها". وقال الحاج آدم النائب السابق لرئيس جمهورية السودان وعضو المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني يوم 7 أبريل وقبل أسبوع من اندلاع الحرب "نحن ماشين في العد التنازلي .. هم قالوا لحد يوم ١١ أبريل دايرين يشكلوا حكومة.. نحن إن شاء الله لحدي ١١ أبريل نكون جاهزين وفرتقوهم زي الإطار" وقال الناجي عبد الله وهو أحد كوادر الحركة قبل أيام من الحرب في إفطار رمضاني مع كتائب البراء التابعة للحركة "الإفطارات دي ليها ما بعدها ونحن بنعبي ليوم نحسب انو قريب.. وأضاف هذا آخر رمضان للإفطارات والحشود والمواكب"
من جهة أخرى، نشرت صفحة المؤتمر الوطني الرسمية على الفيس بوك يوم 20 مارس "ليعلم جميع العملاء عسكريين ومدنيين وجواسيس السفارات، أننا لن نقف مكتوفي الأيدي هذه المرة، وأن شعبنا لن يخضع ويرضى الاستعمار بعد اليوم، وإن هذا الاتفاق لن يمر إلا على جثثنا، وإن غداً لناظره قريب" ونشرت في يوم 6 أبريل 2023م، "الأخوة المجاهدون في كتيبة البراء بن مالك، يعلنون جاهزيتهم لأسقاط ما يسمي بالاتفاق الإطاري والإملاءات الخارجية، ولن نصمت بعد الآن، الناس توري وشها، فليعد للدين مجده أو ترق منهم دماء." وفي يوم 10 أبريل نشر في صفحته صورة للرئيس البشير ومعها تغريدة تقول "إنما النصر صبر ساعة، سنخرجك محمولاً على الأعناق، لتكمل مسيرة التعمير مثل سيدنا يوسف عليه السلام ليكون عزيز مصر، ولا عزاء لعملاء الاستعمار والسفارات"
وفي حوار مع الجزيرة مباشر، أكد د. علي الحاج الأمين العام للمؤتمر الشعبي الذي كان جزءاً من الحركة الإسلامية في مرحلة سابقة بأن قائدي الجيش والدعم السريع هما دعاة حرب، وإن من أشعل الحرب هما قادة ورئيس حزب المؤتمر الوطني ونائبه اللذان كانا معه في السجن، وأشار إلى أن بعض قادة الحزب ممن كانوا معه في السجن كانوا يقولون إن "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة." وإن الاسلاميين أشعلوا الحرب بسبب الاتفاق الإطاري.
اندلعت الحرب في 15 أبريل، وهناك الكثير من الدلائل والشواهد بأن كتائب الحركة الإسلامية هي التي بدأتها بهجوم على قوات الدعم السريع. تشارك في الحرب الدائرة الآن وفي العلن كوادر وكتائب الحركة الإسلامية المعروفة باسم البراء بن مالك وكذلك قوات العمل الخاص. وكما أشار عبد الحي يوسف وهو داعية إسلامي وعضو في الحركة الإسلامية، ومن أشد الداعمين لها بعد قيام الحرب وبوضوح "هذه حرب ساقها الله ليعيد للحركة الإسلامية قوتها." وأضاف "أن الجيش لا يحارب بل الإسلاميين هم من يقاتلون الدعم السريع." وفي حوار أجرته قناة الجزيرة مباشر مع القيادي في المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض، الدكتور أمين حسن عمر، يوم 28 ديسمبر 2024م، أكد أن كوادرهم وكتائبهم تمثل العدد الأكبر من المقاتلين على الأرض... وأضاف "ليس البراء وحدها بل هناك البرق الخاطف والفرقان وغيرها ..... هناك عشرات الآلاف من الإسلاميين يحاربون وهم يمثلون السواد الأعظم من المقاتلين على الأرض وقد أستشهد منهم ألفان." وأشار في حديثه "لن نقبل بتسوية إلا عندما نتأكد أن هذه التسوية هي تسوية نهائية لن تكون من بعدها حرب ولن تقوم للدعم السريع قائمة لا على المستوى السياسي ولا على المستوى العسكري" بمعنى أنهم لا يعترفون بأي من مبادرات السلام الإقليمية ولا الدولية إلا باستسلام الدعم الكامل وانتصار وسيطرة الحركة الإسلامية على الحكم من خلال مؤسسة الجيش وميليشياتها.
سيناريوهات ومستقبل ومآلات الحركة الإسلامية
لقد سقط فعلياً مشروع الحركة الإسلامية فكرياً وأخلاقياً بدلالة ثلاثة عقود من الفساد في الدولة، بعد أن أعملت قياداتها وكوادرها والطفيليون المرتبطون بها سرقةً وسلباً ونهباً للمال العام بشكل ممنهج، وورطت البلاد في الإرهاب الإقليمي والدولي الذي أدى إلى عزلتها، وفصلت جنوب السودان وأشعلت الحروب في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وأنشأت ما يسمى "بيوت الأشباح" لقمع وتعذيب وإرهاب المعارضين، كما أنها لم تحترم خصوصية المجتمعات المحلية السودانية وقامت بانتهاكات واسعة على مستوى السودان. ومن عجب فقد كانت كل هذه السياسات العامة الكارثية والمدمرة ترتكز على شعارات دينية فضفاضة أساءت بشكل كبير لقيم ومبادئ الدين الإسلامي، وأصبحت قطاعات كبيرة من الشعب السوداني تتندر وتسخر من التناقضات بين سردية وخطاب الحركة الإسلامية، وبين ما ولغوا فيه من لصوصية وضلال وانحراف على صعيد الواقع العملي.
إن الحرب الأهلية الدائرة في السودان هي حرب الحركة الإسلامية بشكل حصري، وكل الخيوط تشير وتقوده إليها، وإلى سعيها العنيف الدؤوب للرجوع إلى سدة الحكم، ومن ثم اجتثاث القوى المدنية حال نجاحها في القضاء على الدعم السريع وترسيخ سلطتها من خلال مؤسسة الجيش وميليشياتها. في هذا الإطار، لا تستطيع الحركة الرجوع إلى سدة الحكم ما بعد الحرب إلا من خلال الحكم والمؤسسة العسكرية. تركز الحركة حالياً كل مساعيها على أن تجعل من نفسها الطرف المتحكم في أي عملية سياسية قادمة. ويعكس هذا السياق سلوك المؤسسة العسكرية تجاه منابر التفاوض المختلفة سواء في جدة أو جنيف أو المنامة أو الاتحاد الإفريقي، حيث أن هذا الرفض المتكرر يمثل موقف الحركة الإسلامية ولي ذراع لهذه المؤسسة التي تهيمن عليها. وتقوم الحركة الإسلامية بإرسال رسالة للمجتمع الإقليمي والدولي بأهمية التسليم بأنها الطرف المركزي، ولذلك تهميشها يعني استمرارية الحرب وإفساد أي محاولات لوقفها.
هناك يقين عند الكثير من السودانيين بأن هناك معركة مؤجلة بين قطاعات واسعة من الشعب السوداني والحركة الإسلامية إذا ما استأثرت بالسلطة مرة أخرى. لقد أدرك واستوعب الكثيرون دورها في ضرب استقرار السودان وإشعال الفتن والنزاعات طوال ثلاثة عقود، ودورها المركزي في إشعال الحرب الراهنة. هذا السياق سيؤدي إلى اضطراب وهيجان ثوري متواصل لأي حكم قادم يسيطر عليه الإسلاميون، حيث سيؤدي ذلك إلى استخدامهم لعنف مفرط غير مسبوق ضد القوى المدنية والمعارضين، حيث بدأ في ذلك فعليًا في الوقت الحالي، وهي لا تتردد في جعل السودان دولة مارقة أخرى في القمع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كأنظمة الخمير الحمر في كمبوديا أو كوريا الشمالية.
لكن على الرغم من انتصارات الجيش الأخيرة واعتقاد الحركة الإسلامية بقرب عودتها للسلطة، فإن مستقبلها السياسي مظلم إلا في حال تخلت عن استراتيجية العنف التي تتبناها، وأهمية قيامها بمراجعات مفصلية في تطوير فكرها فيما يتعلق بقضايا أساسية كالديمقراطية والعلمانية والعقلانية والتنوع الاجتماعي. فلا يمكن للحركة الإسلامية وذراعها السياسي المؤتمر الوطني ان ينخرطوا في مستقبل السودان السياسي بعد الحرب إلا إذا وافقت بحل كتائبها وميليشياتها المسلحة، وقبلت بإصلاحات هيكلية للمنظومة الأمنية والعسكرية التي تهدف إلى تفكيك التمكين الإسلاموي داخلها، وأهمية أن تدفع بخطاب بناء ومقنع تجاه التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية. إن الحركة ليس لها أي رغبة في الوقت الراهن للاستماع لهذا النوع من الحديث وقانعة تماماً باستمرارية استخدام العنف وتقويض القوى المدنية. إن طرفي الحرب ينظرون إلى الثورة السودانية وقواها المدنية على أنها العدو الرئيس لمصالح منظومة الفساد الاقتصادي الضخمة لكلا الطرفين، ومن ثم أهمية استمرارية التنكيل والاستبداد لديمومة هذه الشبكات.






