array(1) { [0]=> object(stdClass)#14244 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 208

ضرورة إنشاء منصة للتعاون بين المؤسسات الدولية والجهات المانحة والحكومة السورية لإعادة الإعمار

السبت، 29 آذار/مارس 2025

شهد الاقتصاد السوري خلال العقد الماضي تحديات غير مسبوقة نتيجة الحرب التي عصفت بالبلاد، والتي لم تقتصر تداعياتها على الجانب السياسي والاجتماعي فحسب، بل امتدت لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية، مخلّفةً بنية تحتية مدمرة، وموارد مستنزفة، وتراجعًا حادًا في الناتج المحلي الإجمالي. فبعد أن كان اقتصادًا ناميًا نسبيًا، دخل في دوامة من الأزمات والتحديات بفعل الحرب التي طال أمدها، والتي تسببت في تدمير البنية التحتية، وتراجع حاد في الإنتاج والتبادل التجاري. ومع استمرار النزوح والهجرة، فقد الاقتصاد السوري شريحة كبيرة من قواه العاملة وعقوله المبدعة.

ورغم قتامة الواقع، وبعد سنوات من الحرب، تقف سوريا على مفترق طرق اقتصادي. فالواقع الاقتصادي الحالي يحمل في طياته تحديات جمة، من تراجع الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إلى تضخم كبير وتدهور في قيمة الليرة السورية. ومع ذلك، فإن سوريا تمتلك مزايا نسبية يمكن أن تشكل قاعدة صلبة لانطلاقة جديدة، إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية شاملة تدعمها السياسات الاقتصادية الفعالة، وتتكامل فيها الجهود المحلية مع الدعم الدولي. ومع عودة الحديث عن إعادة الإعمار، تبرز تساؤلات جوهرية حول كيفية تجاوز التحديات الراهنة، وإعادة بناء اقتصاد قادر على المنافسة، مع ضمان أن تكون عملية التعافي شاملة وعادلة، تستجيب لحاجات المجتمع السوري بكافة فئاته.

الاقتصاد السوري قبل الحرب: نمو متسارع وهشاشة كامنة

قبل اندلاع الصراع في عام 2011م، كان الاقتصاد السوري يمر بمرحلة من النمو المتسارع، رغم وجود تحديات هيكلية كامنة. فقد بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي أكثر من 5% خلال السنوات الخمس التي سبقت الحرب، مدعومًا بإصلاحات تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز دور القطاع الخاص، سواء في المساهمة بالناتج المحلي أو في زيادة الصادرات وتوفير فرص العمل. لكن هذه المؤشرات الإيجابية أخفت وراءها ضعفًا هيكليًا في القطاعات الحيوية، ما جعل الاقتصاد عرضة للتدهور بمجرد تعرضه لصدمات خارجية أو داخلية.

وبحلول عام 2010م، بلغ الناتج المحلي الصافي نحو 61 مليار دولار بأسعار عام 2000م، مقارنة بـ 31 مليار دولار عام 2000م، ما يمثل زيادة بنسبة 49% خلال عقد واحد، بمعدل نمو سنوي تراكمي بلغ 4.9% (بدون احتساب النمو السكاني). كما ازدادت حصة الفرد من الناتج المحلي الصافي من 2200 دولار عام 2000م، إلى 3000 دولار عام 2010م، بزيادة 24%. وعلى صعيد التنمية البشرية، ارتفع متوسط العمر المتوقع من 61 عامًا في 1970 م، إلى 74 عامًا في 2010م، ما يعكس تحسن الخدمات الصحية والمعيشية. وبرزت حلب كمركز صناعي رئيسي، حيث احتضنت عشرات الآلاف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، ما عزز القاعدة الصناعية. وبفضل هذه المكاسب، بدت سوريا مهيأة لمزيد من التقدم، مع ترسيخ مكانتها كأحد الاقتصادات الواعدة في المنطقة، مستفيدة من قطاع خاص نشط وتطور تدريجي في قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات.

ورغم أن النفط كان يمثل العمود الفقري لعائدات النقد الأجنبي في سوريا، إلا أن إنتاجه بدأ بالتراجع منذ أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة. بعد أن تضاعف الإنتاج في التسعينيات ليصل إلى ذروته عند 677 ألف برميل يوميًا عام 2002م، لكنه انخفض إلى 327 ألف برميل عام 2011م. ويرجع التراجع لنضوب الحقول الناضجة وضعف قدرات التكرير، ما أدى إلى عجز الميزان النفطي منذ 2008م، حيث تجاوزت قيمة واردات المنتجات النفطية، مثل الديزل، قيمة صادرات الخام. ورغم محاولات الحكومة لتعويض هذا التراجع عبر تعزيز إنتاج الغاز الطبيعي شرق المتوسط، فإن التوترات الأمنية حالت دون تحقيق هذه الطموحات، ما جعل الاقتصاد السوري يفقد أحد مصادره الرئيسية للنقد الأجنبي.

ولطالما شكّل القطاع الزراعي جزءًا أساسيًا من الاقتصاد السوري، حيث ساهم بنحو 23% من الناتج المحلي الإجمالي، مع اعتماد شريحة واسعة من السكان، تجاوزت 40%، على أنشطة زراعية مباشرة أو غير مباشرة. وتمتع هذا القطاع بمزايا نسبية بفضل الأراضي الخصبة في الشمال والغرب، واعتماد الري في المناطق الشرقية من نهر الفرات. ورغم دعم الحكومة للمزارعين عبر تسعير منتجاتهم أعلى من السوق العالمية وتقديم مدخلات إنتاج مدعومة، إلا أن هذه السياسات لم تكن مستدامة. فقد ركزت الزراعة على محاصيل كثيفة استهلاك المياه، مثل القطن والقمح، مما استنزف الموارد المائية بسبب الاعتماد المفرط على ضخ المياه الجوفية واستخدام أنظمة الري بالغمر. وبحلول عام 2010، تراجعت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 17% بعد أن كانت 25% عام 2000م.

كما احتلت الصناعة مكانة مهمة في الاقتصاد السوري، حيث بلغت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي نحو 22% عام 2010م، بعد أن كانت 29% عام 2000. إلا أن الجزء الأكبر من هذه النسبة جاء من الصناعة الاستخراجية (النفط والغاز)، التي تعد قطاعًا ريعيًا محدود القيمة المضافة. في المقابل، تراجعت مساهمة الصناعة التحويلية من 1997 إلى 2008م، وهي القطاعات التي كان يمكن أن تسهم في تعزيز النمو الحقيقي. وبسبب تراجع الاستثمار، أصبحت الصناعات السورية أقل تنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية.

ورغم تراجع أداء بعض القطاعات الإنتاجية، حافظ الاقتصاد السوري على استقرار نسبي في المؤشرات الاقتصادية الكلية. فبلغ متوسط معدل التضخم حوالي 7%، واستقر معدل البطالة عند 8%، بينما ظلت الديون الخارجية عند مستويات يمكن إدارتها.

ومع ذلك، واجهت سوريا تحديات هيكلية في الحوكمة، ما أضعف قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة. فقد صنفت البلاد ضمن أسوأ 12% عالميًا في مكافحة الفساد، وضمن أسوأ 20 % في جودة التنظيم والاستقرار السياسي، وضمن أسوأ 5% في حرية التعبير والمساءلة. كما لم يكن هذا النمو موزعًا بالتساوي بين القطاعات، فقد بلغت مساهمة القطاعات المنتجة للثروة – الزراعة (17%)، والصناعة (22%)، والبناء والتشييد (4%) – نحو 43% من الناتج المحلي الصافي، بينما شكلت بقية القطاعات، مثل الخدمات، المال، التأمين، النقل، والكهرباء، النسبة المتبقية.

ورغم أن سوريا قد بدأت بتنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، شملت تعزيز القطاع الخاص، وفتح الأسواق، وتحديث التشريعات، وبناءً على هذه الخطوات، توقع صندوق النقد الدولي استمرار النمو بمعدل يفوق 5% (2011-2015م)، تزامنًا مع إطلاق خطة التنمية الخمسية لتلك الفترة. لكن هذه التطلعات لم تكتمل، وكانت الاختلالات المؤسسية من بين الأسباب الكامنة التي ساهمت في اندلاع الصراع. ومع بدء الحرب عام 2011م، تعرضت المؤسسات الحكومية لضغوط هائلة، ما أدى إلى تآكل قدرتها على تقديم الخدمات ودعم القطاعات الاقتصادية، لتشكل نقطة تحول حادة أدت إلى انهيار الاقتصاد بشكل سريع.

الاقتصاد السوري بعد 2011: من الانهيار إلى التحديات المستمرة

منذ اندلاع الصراع عام 2011م، شهد الاقتصاد السوري انهيارًا غير مسبوق. ومع استمرار الحرب لم تقتصر الخسائر على البنية التحتية والموارد الاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل رأس المال البشري والقدرة الإنتاجية، ما أضعف فرص التعافي. وتوقف النمو الاقتصادي وتراجع التقدم التنموي، حيث تم القضاء على المكاسب التي تحققت على مدى عقود في غضون سنوات قليلة.

وتقدر الخسائر التراكمية للناتج المحلي الإجمالي السوري وفقً ا لأحدث تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال الفترة من 2011 إلى 2024 بحوالي 800 مليار دولار (بحسب أسعار عام 2010). وتعكس هذه الخسارة الفرص الاقتصادية الضائعة نتيجة تعطل القطاعات الإنتاجية وتراجع النشاط الاقتصادي بشكل حاد. ولإدراك حجم الكارثة، يكفي مقارنة هذا الرقم بحجم الناتج المحلي الإجمالي الحالي لسوريا، والذي يبلغ حوالي 29 مليار دولار فقط سنويًا. ومن منظور نصيب الفرد، تصل الخسارة إلى 35,000 دولار لكل شخص، وهو ما يعادل 35 عامًا من الناتج المحلي للفرد بمستواه الحالي البالغ 850 دولارًا سنويًا.

واللافت أن هذه التقديرات لا تشمل الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية، والتي تقدر بنحو 123 مليار دولار. ويستند هذا الرقم إلى تقديرات الإسكوا لعام 2020، التي قدرت الخسائر بـ 117.7 مليار دولار، مع إضافة الأضرار الناجمة عن زلزال 2023 شمالي سوريا، والتي قدرها البنك الدولي بنحو 5.1 مليار دولار، فضلًا عن 500 مليون دولار أخرى نتيجة المعارك المحلية في شمال شرق وشمال غرب البلاد.

الشكل (1): انكماش الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بنسبة 54% بين عامي 2010 و2022

بينما أدى انهيار الاقتصاد التقليدي إلى ظهور اقتصاد الحرب، أصبحت الأنشطة الريعية والممارسات غير الرسمية تهيمن على الأسواق. واليوم، وبعد ما يقارب 14 عامًا من الصراع، لم تتجاوز معدلات النمو الاقتصادي 1.1% سنويًا منذ عام 2018م. وكان القطاع الصناعي من بين الأكثر تضررًا، حيث شهدت المدن الصناعية، خاصة في حلب، دمارًا واسعًا وإغلاقًا لمعظم المصانع. وترافق ذلك مع نزوح الشركات إلى الخارج، خصوصًا إلى تركيا ومصر، ما أدى إلى تراجع القدرات الإنتاجية المحلية، وتدهور الصادرات الصناعية.

كما تعطل قطاعا النفط والزراعة، اللذان شكلا العمود الفقري للاقتصاد السوري قبل الحرب. فقد انهارت عائدات النفط بسبب العقوبات وانخفاض الإنتاج إلى 280,000 برميل يوميًا في عام 2011م مقارنة بـ 431,000 برميل يوميًا في عام 2006م، أما القطاع الزراعي، فقد عانى من أضرار جسيمة بسبب النزاع والجفاف، مما أدى إلى انخفاض عدد المزارعين وتضرر أنظمة الري وتراجع الوصول إلى البذور والأسمدة. وقد انعكست هذه العوامل سلبًا على الإنتاج الزراعي، حيث انخفض إلى مستويات قياسية في عامي 2021 و2022م، وكانت سوريا تنتج قبل الحرب نحو 4 ملايين طن من القمح سنويًا، لكنها لم تعد تنتج سوى ربع هذا الرقم في السنوات الأخيرة. وللتعويض عن هذا النقص، اعتمدت سوريا على استيراد نحو مليون طن من الحبوب سنويًا من روسيا، إلا أن هذه التدفقات توقفت بعد تغيير السيطرة على الموانئ. ورغم إبداء أوكرانيا استعدادها لتوريد الحبوب، فإن عدم وضوح كيفية قدرة سوريا على الدفع في ظل العقوبات المالية يبقى عائقًا رئيسيًا أمام تحقيق ذلك.

الشكل (2): نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الصراع في سوريا 2010-2024 (بأسعار 2000 الثابتة)

وخلال الفترة التي سبقت الحرب، شهدت الصادرات السورية نموًا مطردًا، حيث ارتفعت من حوالي 6 مليارات دولار في أواخر التسعينيات إلى ما يقارب 8.8 مليار دولار في عام 2010م، مع بلوغ الذروة عند 16 مليار دولار في عام 2008م، وكان هذا النمو مدفوعًا بقطاع صناعي قوي، لا سيما في مدن مثل حلب ودمشق، إلى جانب الإنتاج الزراعي الغني. وكانت الصادرات السورية تتسم بالتنوع، إذ شكلت المنسوجات والزراعة جزءًا كبيرًا من الصادرات، إلى جانب المعادن، والمواد الكيميائية، والمنتجات الصناعية الخفيفة. كما لعبت المعادن، خاصة الفوسفات، دورًا مهمًا في تعزيز عائدات التصدير. وقد استفادت سوريا من موقعها الجغرافي كنقطة عبور تجارية بين آسيا وأوروبا، مما عزز من قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية.

 

 

 

 

الشكل (3): تطور وهيكل الصادرات السورية خلال الفترة 1996-2022

ومع اندلاع النزاع في عام 2011م، شهدت الصادرات السورية انخفاضًا حادًا، حيث تراجعت من 8.8 مليار دولار في 2010 م، إلى حوالي 1 مليار دولار فقط بحلول عام 2014م. وبعد عام 2016، دخلت الصادرات السورية في حالة من الركود، حيث استقرت عند مستوى يقارب 1 مليار دولار سنويًا، مع تقلبات طفيفة تعكس التغيرات في الظروف المحلية والدولية. ويعكس هذا التدهور الحاد حجم الدمار الذي طال البنية التحتية الصناعية والزراعية في البلاد.

وساهمت عدة عوامل في هذا الانهيار، أبرزها الدمار الذي لحق بالمناطق الصناعية، لا سيما في حلب، التي كانت تعتبر المركز الصناعي الأول في سوريا. كما أدت العقوبات إلى تقليص القدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية، ما أعاق التجارة بشكل كبير. كما أدى تراجع الإنتاج الزراعي إلى مزيد من الانخفاض في حجم الصادرات.

من حيث الهيكل، تراجعت صادرات المنسوجات، إلى جانب انخفاض حاد في صادرات المعادن والمواد الكيميائية. حتى المنتجات الزراعية، التي كانت تُعد أقل تأثرًا مقارنة بالصناعة، شهدت تراجعًا نتيجة تدهور البنية التحتية الزراعية وصعوبة النقل. ولم يقتصر الانهيار على المنتجات الصناعية والزراعية، بل امتد ليشمل قطاع النفط، الذي كان يمثل مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة.

وشهد سوق العمل اضطرابات كبيرة، حيث قُدّر عدد الوظائف المفقودة بنحو 500,000 إلى 600,000 وظيفة سنويًا خلال ذروة الصراع بين 2011 و2016م، ما أسفر عن فقدان أكثر من 3 ملايين وظيفة في غضون خمس سنوات فقط.

مع تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض فرص العمل، أصبح الفقر منتشرًا بين جميع شرائح المجتمع والمناطق، حيث انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي من 3,000 دولار سنويًا في عام 2010 إلى حوالي 850 دولارًا سنويًا حاليًا، ما يعكس انخفاضًا بنسبة %70. ونتيجة لذلك، باتت نسبة كبيرة من السوريين تعيش تحت خط الفقر، الذي يقدر بحوالي 800 دولار سنويًا (2.15 دولار يوميًا). حيث كان %33 من السكان يعيشون تحت خط الفقر قبل اندلاع الحرب، إلا أن هذه النسبة ارتفعت بشكل حاد لتصل إلى %90 اليوم. أما الفقر المدقع فقد ارتفع بمقدار 6 أضعاف، من %11 إلى %66. ويعود ذلك إلى فقدان مصادر الدخل، وتدهور القطاعات الإنتاجية، وارتفاع تكلفة المعيشة في ظل التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية. وأدى الصراع إلى تراجع حاد في مؤشر التنمية البشرية (HDI) في سوريا. فبين عامي 1975 و2010م، سجلت البلاد تقدمًا ثابتًا، حيث احتلت المرتبة 115 عالميًا في عام 2010م، وهو ترتيب مماثل لدول ذات الدخل المتوسط. لكن بحلول عام 2024، تدهور ترتيب سوريا إلى المرتبة 157، مع عودة مؤشر التنمية البشرية إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ 40 عامًا. ويعكس هذا الانحدار تدهور مستويات التعليم، الصحة، والدخل، وهي المكونات الأساسية للمؤشر.

بعض مؤشرات التنمية البشرية الرئيسية لسوريا بين 2010 و2024 (أفضل التقديرات)

(إلا إذا ذكر خلاف ذلك) 2024  

2010

مؤشرات التنمية البشرية

0.557 (المرتبة 157)

0.661 (المرتبة 117)

مؤشر التنمية البشرية (HDI)

90% (≈20,7 مليون شخص)

33% (≈7 ملايين شخص)

نسبة الفقر بالدخل

66% (≈15,8 مليون شخص)

11% (≈2,3 مليون شخص)

نسبة الفقر المدقع بالدخل

89% (≈(20,5 مليون شخص

-

انعدام الأمن الغذائي

60% (≈13,8 مليون شخص)

1% (≈0,2 مليون شخص)

انعدام الأمن الغذائي الحاد

 6,000,000 شخص

غير متوفر

عدد اللاجئين

7,200,000 شخص

غير متوفر

عدد النازحين داخليًا

24%

8%

معدل البطالة

850 دولار أمريكي

  2,970 دولار أمريكي

نصيب الفرد من الناتج المحلي

41

33

مؤشر عدم المساواة (جيني)

ليرة سورية 2,719,358

ليرة سورية 10,000

سلة الإنفاق السنوية الدنيا

المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2025).

 

إلى جانب الخسائر الاقتصادية، كانت التداعيات الاجتماعية والإنسانية للصراع هائلة. فقد خلفت الحرب 618,000 وفاة، بالإضافة إلى 113,000 حالة اختفاء قسري. وتضرر القطاع الصحي بشكل كبير، حيث تعرض ثلث المراكز الصحية للتدمير، وتعطلت نصف خدمات الإسعاف تقريبًا، ما زاد من صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية.

أما قطاع التعليم، فقد شهد تدهورًا كبيرًا، حيث أن %40 إلى 50% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و15 عامًا لم يعودوا منتظمين في المدارس، مما يهدد جيلاً كاملًا بفقدان فرص التعليم والمهارات اللازمة لدخول سوق العمل مستقبلاً. وألحقت الحرب دمارًا واسعًا بالبنية التحتية، حيث تم تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بنحو ثلث الوحدات السكنية، ما ترك 5.7 مليون شخص بحاجة إلى دعم في مجال الإسكان. وتضررت أكثر من نصف محطات معالجة المياه وشبكات الصرف الصحي، ما أدى إلى حرمان 14 مليون شخص—أي نصف السكان—من المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي. أما قطاع الطاقة، فقد شهد انهيارًا كبيرًا، حيث انخفض إنتاج الطاقة بنسبة 80%، مع تضرر %70 من محطات توليد الكهرباء وخطوط النقل، مما خفض قدرة الشبكة الوطنية بأكثر من %75.

إعادة بناء الاقتصاد السوري: خارطة طريق للتعافي الاقتصادي والاجتماعي برعاية دولية

لتحقيق إعادة إعمار فعالة وشاملة في سوريا، لا بد من وضع استراتيجية واضحة المعالم ترتب الأولويات وفقًا للاحتياجات العاجلة وطويلة الأمد. هذه الاستراتيجية يجب أن تركز على عدة محاور أساسية، تشمل:

أولًا، تحقيق الاستقرار السياسي والوفاق الوطني

يشكل الاستقرار السياسي حجر الزاوية في أي عملية إعادة إعمار ناجحة. حيث لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في ظل حالة عدم اليقين السياسي والصراعات المستمرة. لذلك، يجب أن تتصدر جهود تحقيق الاستقرار السياسي والوفاق الوطني سلم الأولويات.

ثانيًا، إعادة بناء الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل

يعاني الاقتصاد السوري من دمار هائل وتراجع كبير في كافة المؤشرات الاقتصادية. ولتحقيق التعافي الاقتصادي المنشود، يجب تحفيز النمو من خلال إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية المتضررة، وعلى رأسها الزراعة والصناعة والطاقة. هذه القطاعات تشكل أساسًا للاقتصاد السوري، ويمكنها أن تساهم بشكل كبير في خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الصادرات، وتحسين مستوى المعيشة. حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري، إذا استمر في النمو بالمعدل الحالي البالغ 1.3% سنويًا، لن يعود إلى مستواه عام 2010 قبل عام 2080م، ويعني هذا أن سوريا بحاجة إلى تحقيق نمو سنوي يتراوح بين 10.3% و21.6% لاستعادة إمكاناتها الاقتصادية في غضون 10 إلى 20 عامًا. مما يتطلب جهودًا مضاعفة لتحفيز الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وتوفير الدعم اللازم للقطاعات الإنتاجية.

ثالثًا، دعم العودة الطوعية للاجئين والنازحين

يشكل اللاجئون والنازحون السوريون جزءًا هامًا من النسيج الاجتماعي السوري. وستساهم عودتهم الطوعية إلى الوطن في تعزيز الطلب المحلي على السلع والخدمات، وتنشيط سوق العمل، وإعادة بناء المجتمع. ومن المتوقع أن يعود نحو ستة ملايين لاجئ إلى سوريا، مما يستدعي توفير مساعدات مالية مؤقتة لهم لمساعدتهم على إعادة بناء منازلهم وتحقيق سبل عيش مستدامة. كما يجب أن تترافق هذه الجهود مع توفير الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة، في المناطق التي يعود إليها اللاجئون والنازحون.

رابعًا، إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية

تعرضت البنية التحتية السورية لدمار واسع النطاق، مما يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة بنائها وتطويرها. يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار تحت إشراف الأمم المتحدة، لضمان الشفافية والمساءلة في إدارة هذه الأموال. كما يجب أن تركز هذه الجهود على إعادة بناء المرافق الأساسية، مثل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، والمدارس والمستشفيات، والطرق والجسور.

خامسًا، تعزيز القطاع الخاص ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة

يلعب القطاع الخاص، وخاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، دورًا محوريًا في عملية التعافي الاقتصادي. هذه المشروعات تتميز بقدرتها على خلق فرص عمل بسرعة، والمساهمة في تنشيط الاقتصاد المحلي. ولتحقيق ذلك، يجب تسهيل وصول هذه المشروعات إلى التمويل، وتقليل البيروقراطية، ومكافحة الفساد. ومن شأن هذه التدابير أن تعزز خلق فرص العمل، وتحفز النمو الاقتصادي، وتساهم في تحقيق التنمية المستدامة.

سادسًا، تحقيق العدالة الاجتماعية وتطوير الخدمات العامة

يجب أن يترافق التعافي الاقتصادي مع تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير الخدمات العامة الأساسية لجميع المواطنين. ويشمل ذلك توفير خدمات الصحة والتعليم بجودة عالية، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية لضمان حصول الفئات الأكثر تضررًا على الدعم اللازم. كما يجب أن تضمن هذه البرامج التوزيع العادل للموارد، وتوفير فرص متكافئة لجميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم أو خلفياتهم.

وعلى الرغم من وضوح الأولويات الاستراتيجية للتعافي الاقتصادي في سوريا، فإن عملية إعادة الإعمار تواجه العديد من التحديات الصعبة، التي تتطلب حلولًا مبتكرة وجهودًا مشتركة من مختلف الأطراف المعنية. حيث تعاني سوريا من نقص حاد في الاحتياطات النقدية، إذ تشير مصادر حكومية إلى أن خزائن البنك المركزي السوري لم يتبق بها سوى 200 مليون دولار، بالإضافة إلى 26 طنًا من الذهب بقيمة 2.2 مليار دولار. وهذا الرقم أقل بكثير من 18.5 مليار دولار التي كانت موجودة في الاحتياطات عام 2010م، قبل اندلاع الحرب. ويضعف هذا النقص الحاد في الموارد المالية قدرة الحكومة على تمويل مشاريع إعادة الإعمار، ويجعلها تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية والقروض الدولية.

كما تشكل العقوبات الدولية المفروضة على سوريا تحديًا كبيرًا أمام عملية إعادة الإعمار. هذه العقوبات، التي فرضتها الدول الغربية، تقيد التجارة مع سوريا، وتحد من وصولها إلى التمويل الدولي. ورغم أنه تم السماح باستخدام بعض الأصول السورية المجمدة لأغراض إنسانية، مثل شراء الأدوية والمواد الغذائية، فإن تأثير العقوبات على الاقتصاد السوري لا يزال كبيرًا. وتشير تقديرات إلى وجود 205.76 مليون دولار من الأصول السورية المجمدة في المملكة المتحدة، و112 مليون دولار في سويسرا.

ويُعدّ تعافي الاقتصاد السوري وإعادة بنائه عملية معقدة وطويلة الأمد، تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها المجتمع الدولي. حيث تلعب المؤسسات الدولية، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)  ، والبنك الدولي، والدول العربية خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، دورًا حيويًا في دعم هذه العملية من خلال تقديم المساعدة المالية والفنية، والمساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. إذ تعتبر المساعدات المالية ضرورية لتلبية الاحتياجات العاجلة لإعادة الإعمار، وتمويل المشاريع التنموية طويلة الأجل. ويمكن للمؤسسات الدولية تقديم منح وقروض ميسرة للحكومة السورية، أو من خلال المنظمات غير الحكومية، لدعم المشاريع ذات الأولوية، مثل إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

بالإضافة إلى الدعم المالي، تحتاج سوريا إلى المساعدة الفنية لبناء قدراتها المؤسسية، وتطوير قطاعاتها الإنتاجية، وتحسين إدارة الموارد. ويمكن للمؤسسات الدولية توفير الخبرات اللازمة لتطوير القطاعات الإنتاجية، وتقديم برامج تدريبية للعاملين في القطاعين العام والخاص، وتوفير المساعدة الفنية في مجالات مختلفة، مثل السياسات الاقتصادية، وإدارة المشاريع، والتكنولوجيا.

كما يُعدّ الأمن الغذائي من أهم التحديات التي تواجه سوريا، حيث تضرر القطاع الزراعي بشكل كبير خلال الحرب. ويمكن للمجتمع الدولي أن يلعب دورًا هامًا في تعزيز الأمن الغذائي من خلال ضمان إمدادات القمح والحبوب من خلال اتفاقيات مع الدول المصدرة، وتقديم الدعم للمزارعين لإعادة تأهيل أراضيهم الزراعية، وتوفير البذور والأسمدة والمعدات الزراعية.

ولضمان فعالية المساعدات الدولية، يجب على المؤسسات الدولية والجهات المانحة تنسيق جهودها، وتطوير إطار عمل مشترك لإعادة الإعمار في سوريا. يمكن إنشاء منصة للتعاون بين المؤسسات الدولية والجهات المانحة والحكومة السورية والقطاع الخاص، لتبادل المعلومات والخبرات، وتنسيق الجهود، وتعبئة الموارد.

وبين الواقع المليء بالصعوبات، والأمل في مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لسوريا، يظل نجاح هذه الجهود مرهونًا بمدى القدرة على تجاوز الانقسامات، وحشد الطاقات الوطنية، وإرساء دعائم اقتصاد حديث ومستدام.

مقالات لنفس الكاتب