بعد 14 سنة من اندلاعها، انتصرت الثورة السورية أخيراً على نظام بشار الأسد الذي حكم سوريا باسم الحزب الواحد (حزب البعث العربي الاشتراكي)، والعائلة الواحدة (الأسد). وقد اُعلن يوم 8 ديسمبر 2024م، نهاية النظام بدخول قوات المعارضة السورية دمشق. ومن حيث المبدأ أصبحت إدارة هيئة تحرير الشام التي يقودها أحمد الشرع الذي عُرف خلال فترة المعارضة باسم (أبو محمد الجولاني) هي التي تدير البلد، بقيادة الشرع نفسه. وقد أقرت الإدارة السورية الجديدة عدداً من الإجراءات وهي:
- إلغاء العمل بدستور سنة 2012م، وإيقاف العمل بجميع القوانين الاستثنائية.
- حل البرلمان (مجلس الشعب) واللجان المنبثقة منه.
- حل الجيش وإعادة بناء (جيش سوري) على أسس وطنية.
- حل جميع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق بفروعها وتسمياتها المختلفة، وجميع الميليشيات التي أنشأها، وتأسيس مؤسسة أمنية جديدة.
- حل حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، ويحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، على أن تعود جميع أصولها إلى الدولة السورية.
- حل جميع الفصائل العسكرية والأجسام الثورية السياسية والمدنية، وتدمج في مؤسسات الدولة.
- تولي أحمد الشرع رئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية، ويقوم بمهام رئاسة الجمهورية العربية السورية، ويمثلها في المحافل الدولية.
- تفويض رئيس الجمهورية بتشكيل مجلس تشريع مؤقت للمرحلة الانتقالية، يتولى مهامه إلى حين إقرار دستور دائم للبلاد ودخوله حيز التنفيذ.
واجهت ولازالت حكومة الإدارة الجديدة صعوبات كبيرة تتعلق بوحدة البلد وبناء مؤسسات الدولة الأمنية، والإدارية، وإعادة بناء المباني المدمرة، وتأمين رواتب موظفي الدولة، وتوفير الغذاء، وطمأنة المجتمع الدولي، ودول الجوار خاصة حول مواقفها السياسية، واستراتيجيتها في قيام سوريا جديدة. لكن يبقى التحدي الأكبر الذي يواجهها هو موقفها من إسرائيل خصوصاً في ظل قيام الأخيرة بتوجيه ضربات قوية أجهضت الإمكانيات المتبقية للجيش السوري من مخازن سلاح وقواعد جوية بما فيها من طائرات، وقواعد عسكرية. والموقف المؤلم لإدارة الجديدة هو اختبار توجهها العقائدي كونها تمثل توجهًا راديكالياً باعتبار الخلفية الآيديولوجية لرئيس الإدارة المؤقتة (أحمد الشرع) والتنظيمات التي انتمى لها وعمل معها طيلة مسيرته في المعارضة.
ثانياً: مستقبل سوريا:
كان لاختيار الجامع الأموي في دمشق ميداناً لإلقاء بيان إعلان انتصار الثورة من قبل الناطق باسم إدارة العمليات العسكرية (حسين عبد الغني) رمزية كبيرة، وإيذاناً بانتقالها من معسكر إلى آخر بالفعل. إن رمزية هذا الاختيار تعني الابتعاد عن المحور الإيراني، وما يرتبط به بضمنه الروسي والعراقي (بطرفه الحكومي خاصة، والفصائل العراقية المسلحة المتحالفة مع إيران والتي تنشط على الساحة السورية على مدار سنوات الثورة السورية السابقة). وبالتالي، فإن سوريا الجديدة ستكون بثوب مغاير إلى حد كبير. يأتي ذلك رغم تفاهم الحكومة الجديدة فيها مع الحكومة الروسية على إبقاء وجودها في قاعدة احميميم. إن التغيير الجديد في سوريا قد وضع الحكومة العراقية في موقف مترقب ومتحفظ لما ستؤول إليه الأوضاع فيها، وموقف حكومتها الجديدة من بعض الأمور، وفي مقدمتها، المزارات الشيعية في سوريا، خصوصاً مزار السيدة زينب في العاصمة دمشق، والمخاوف التي كانت تحملها الأحزاب الشيعية في الحكومة العراقية خاصة، وقيادات الفصائل المسلحة. وقد بدت هذه القضية قبل غيرها من الأمور الأخرى التي تعتبر من أولويات الموقف الآيديولوجي لتلك الأطراف العراقية سيما المنضوية في (محور المقاومة) مثل الموقف من إسرائيل، ودعم غزة وحزب الله اللبناني، ولعل آخرها دعم الحليف بشار الأسد.
وبما أن الحكومة الجديدة في سوريا تصرفت بمسؤولية وحمت المقامات الشيعية في بلدها، فقد بعث ذلك رسائل تطمين للجانبين العراقي والإيراني على السواء. وقد تمثلت أولى إشارات ذلك بإرسال وفد من قبل الحكومة العراقية، يقوده رئيس جهاز المخابرات العراقي (حميد الشطري). وقد استقبله أحمد الشرع نفسه. في حين أن الحكومة العراقية تنتظر أيضاً تطمينات أخرى تتعلق بالموقف من الأقليات في سوريا خصوصاً العلويين للصلات العقائدية القريبة ومدى مستوى (التطرف الطائفي) المحتمل لدى الحكومة السورية الجديدة. بينما يوجد سبب آخر للتخوف العراقي، وهو ذلك المتعلق بمصير المعتقلين من تنظيم داعش وبضمنهم عراقيون يصل عددهم إلى حوالي 2000 شخص، بضمنهم نساء وأطفال، والخشية من أن يتم إطلاقهم عبر الحدود أو تجنيدهم ضد العراق.
في النهاية فإن الاستقرار في سوريا مسألة تهم الأطراف الداعمة للاستقرار في البلد، وخاصة حلفاء الإدارة الجديدة. ورغم دعمهم لها، ورسائل التطمين التي تم تقديمها بداية انتصار الثورة السورية،
ثالثاً: شرارة الطائفية:
بالرغم من إجراءات حكومة الإدارة السورية، إلا أن هناك بوادر صراع داخلي مبني على أسس طائفية، ما ينذر بعدم استقرار في البلد قد يطول على ما يبدو. حيث شهدت مدينة جرمانة ذات الأغلبية الدرزية في ريف دمشق بداية شهر فبراير/ شباط 2025م، صدامات مع قوات حكومية، وفي أعقاب ذلك وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس تهديدات مباشرة إلى دمشق، مؤكدين استعداد الجيش الإسرائيلي "لحماية دروز جرمانا". فيما شهدت ساحة الكرامة في مدينة السويداء يوم الخميس (6 مارس 2025م) مظاهرة معارضة للإدارة الجديدة في سوريا. وقد جاءت هذه المظاهرة استجابة لدعوات انتشرت على مواقع التواصل ضد سياسات الإدارة الجديدة في البلد.
وفي نفس ذلك اليوم حدثت هجمات من قبل جماعات مسلحة ضد القوات الحكومية السورية في ريف اللاذقية على الساحل الغربي السوري الذي يعتبر معقل الأقلية العلوية التي ينتمي لها الرئيس السابق بشار الأسد. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل أكثر من 30 عنصرًا من قوات الأمن العام السورية. وقد قالت المصادر الرسمية السورية أن من يقوم بتلك العمليات هم (فلول النظام السابق)، ويتلقون دعماً خارجياً. فيما بينت الإدارة السورية أن ما يسمى بـ (المجلس العسكري لتحرير سوريا) هو المسؤول عن هذه الهجمات، حيث ظهر في بيان انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد ساعات من الكشف عن الهجمات المتزامنة التي استهدفت قوات "الأمن العام" في الساحل السوري. والبيان ممهور باسم غياث دلا، وهو قيادي عسكري سابق في الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد (شقيق بشار الأسد).
وفقاً لهذا، فإن المعطيات تؤذن باندلاع شرارة صراع طائفي حقيقي. حيث كان رد فعل قوات الأمن العام السورية التابعة للحكومة المؤقتة إعدام 90 مدنياً علوياً يوم الجمعة (7 مارس 2025م) في معقل هذه الطائفة المنتمي إليها الرئيس المخلوع بشار الأسد، وذلك خلال عملية تمشيط واسعة النطاق في غرب البلاد، حسبما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي أكد أيضاً أن حصيلة القتلى منذ الخميس قد بلغت 124 شخصاً على الأقل لغاية الجمعة السابع من شهر مارس.
إن هذا التوتر الطائفي سوف يؤدي حتماً إلى عرقلة الاستقرار في سورياً واحتمال حصول التصعيد أكثر فيها، وهو ما يعني تعقُد حتى مسألة الثقة في الحكومة الجديدة، وحل الملفات الشائكة مثل رفع الحظر المفروض على البلد، وبناء علاقات دولية وارسال بعثات دبلوماسية، وإعادة إعمار البلد وما شابه. وبالنتيجة فإن المرحلة الانتقالية حتماً ستطول، نتيجة التركة الثقيلة للنظام الدكتاتوري السابق.
رابعاً: الموقف الغربي والبريطاني من الوضع الجديد في سوريا:
أبدت البلدان الغربية ترحيبها بالتغيير الذي حصل في سوريا، مع حذر وترقب لما ستؤول إليه الأمور. وقد كانت وزيرة خارجية ألمانيا أول وزير من دول الإتحاد الأوروبي يزور سوريا العهد الجديد، وذلك بعد حوالي شهر من التغيير، تبعها وزير خارجية فرنسا. ويمكن تلخيص الموقف الغربي عامة في تصريح رئيس الوزراء البريطاني (كير ستارمر) الذي قال: "سوريا بحاجة لحكم موثوق، يمثل كل شعبها وغير طائفي، وإن سقوط نظام بشار الأسد يستحق الترحيب لكن بحذر". بمعنى أنهم فرحوا بسقوط نظام بشار الأسد لأنه لم يكن على توافق معهم، وحيث كان ضمن المحور الروسي الإيراني، وضمن التهديد المستمر لحليفة بريطانيا والغرب إسرائيل. بينما يبدي الغرب تخوفاً تجاه موضوع الأقليات، وحرية المرأة بالدرجة الأولى فيما يخص الشأن الداخلي لسوريا. وحتى يثبت النظام الجديد فيها ما يُطَمْئن الغرب، ساعتها يتم النظر في قضية رفع العقوبات ودعم النظام السوري الجديد. وبالتأكيد في حال إعادة النظر في العقوبات المفروضة على سوريا، فإن الموقف من دول الجوار ومدى التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن السوري، ستكون من ضمن معايير رفع العقوبات.
وفق التصريح الخطي لوزير في وزارة الخارجية البريطانية (ستيفن داوت) الذي قدمه لمجلس العموم البريطاني بتاريخ 13 فبراير/شباط 2025م، بشأن تعديل نظام العقوبات البريطانية المفروضة على سورية في أعقاب سقوط نظام الأسد الدكتاتوري في السنة الماضية، فإن مجلس العموم البريطاني قد أُطلع على خطة مستقبل نظام العقوبات التي تفرضها المملكة المتحدة على سورية، بعد سقوط نظام الأسد الديكتاتوري في أواخر العام الماضي، وهو أمر نرحب به، فقد رأى أن العقوبات تظل أداة قوية من أدوات السياسات الخارجية والأمنية، وأن الحكومة ملتزمة بأن يكون لها أكبر أثر ممكن، بما في ذلك مراجعة جدوى استخدامها في ضوء الظروف المتغيرة. وأضاف تصريح الوزير "لذلك يسرني أن أبلغ المجلس أن الحكومة ستتخذ في الأشهر المقبلة مجموعة تدابير لمواءمة نظام العقوبات على سورية، ومن ضمنها إدخال تعديلات على الإجراءات المتخذة بحق سورية، التي ستتاح لأعضاء البرلمان الفرصة لمناقشتها." من ضمن ما احتواه التصريح أن الحكومة البريطانية تجري هذه التعديلات (المزمع إجراؤها) لمساعدة الشعب السوري في إعادة بناء بلده، وتعزيز الأمن والاستقرار فيه. هذه التغييرات ستشمل تخفيفاً للقيود المفروضة على قطاعات الطاقة والنقل والمعاملات المالية، إلى جانب إجراءات لزيادة الدعم لإيصال المساعدات الإنسانية. كذلك أكد التصريح الخطي "أن الحكومة تظل عازمة على محاسبة بشار الأسد وأعوانه على ما ارتكبوه بحق الشعب السوري. كما أنها ستضمن استمرار تجميد أرصدة أعضاء النظام السابق وحظر سفرهم إلى المملكة المتحدة".
بهذه الطريقة، ستواصل وزارة الخارجية والتنمية الدولية البريطانية استخدام عقوبات موجهة، ومتناسبة، وقوية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الفظيعة التي ارتكبت خلال عهد الأسد، والعمل على دعم ما يؤمل أنه سيكون عملية انتقال سورية نحو مستقبل أكثر أمنًا وازدهاراً واستقراراً.
إن للنفوذ البريطاني في المنطقة، سواء ما يتعلق بعلاقاتها مع البلدان العربية سيما دول الخليج العربي التي رحبت بالتغيير، أو نفوذها على إسرائيل في وقف اعتداءاتها، أو نفوذها على المجتمع الدولي عموماً له أهمية كبيرة في تقرير مصير هذه الملفات المتعلقة واستقرار سوريا عموماً.
خامساً: مخاوف التغيير:
تبدي الأطراف الخارجية عدة مخاوف من التغيير الذي حصل في سوريا. وتتعلق هذه المخاوف بالوضع الداخلي في البلد ذاته من جهة وبعلاقاته وارتدادات الوضع على الإقليم عامة والعالم، سيما البلدان الأوروبية خاصة. ويمكن تقسيم هذه المخاوف وفق التالي:
I. مخاوف التطرف:
لعل من أهم المخاوف الناجمة عن التغيير في سوريا، هي خشية الغرب من أن يكون بؤرة للتطرف. وما يزيد المخاوف أن المعارضة المسلحة التي أسقطت النظام السابق، تتصدرها جماعات دينية متشددة. كذلك فإن رأس القيادة السورية الجديدة السيد أحمد الشرع (عُرف باسم أبو محمد الجولاني خلال المرحلة السابقة)، كان قد شارك في نشاطات تنظيم القاعدة المسلحة في العراق، وتم سجنه لسنوات، حتى أُطلق سراحه عشية اندلاع الثورة السورية عام 2011م. يأتي ذلك رغم أنه قد بعث رسائل تطمين للجميع في الداخل والخارج، وحاول أن يُظهر وجهاً مغايراً لما كان يعتقد حوله.
II. مصير الأسلحة البيولوجية والكيميائية:
معروف أن النظام السوري السابق كان يتوفر لديه كميات من الأسلحة المحرمة دولياً كالأسلحة البايلوجية والكيميائية. والمخاوف هنا أن تقع هذه الأسلحة بأيدي الجماعات المتطرفة مثل داعش أو غيرها من الفصائل المسلحة إذا لم يتم تأمينها على الفور. وفي هذا الصدد أشار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى أن التدابير تتخذ بالفعل لمعالجة هذا الخطر من خلال الضربات الدقيقة التي تهدف إلى منع مثل هذا الاحتمال. وهذا يعني أن الضربات الإسرائيلية للمواقع العسكرية السورية تأتي بتنسيق مع الجانب الأميركي. وعلى أية حال، يوجد إجماع بين المعلقين الغربيين على أن التحرك العاجل ضروري لمنع المزيد من التدهور في الوضع السوري عموماً.
III. تهديد إسرائيل الحليفة للغرب:
هناك خشية كبيرة في الغرب سيما حلفاء إسرائيل التقليديين مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، من أن تشكل السلطة الجديدة في سوريا عداءً أو تهديداً لإسرائيل. فوجود نظام راديكالي، متوقع أن تحمل عقيدته الكراهية لإسرائيل، ما يعني بصورة أو أخرى وجود تهديد لها ولاستقرارها. فالآيديولوجيات المتطرفة في الشرق الأوسط لطالما شكلت عداءً مستديماً لإسرائيل والغرب، ومثال ذلك النظام الإسلامي في إيران، نظام طالبان في أفغانستان، والحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق. ولهذا فإن الغرب حريصٌ على عدم تكرار النموذج في سوريا المجاورة لإسرائيل.
أية حال، فإن آخر مستجدات الموقف الإسرائيلي من الإدارة الجديدة في سوريا، تمثلت بتصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي قال: "إن إسرائيل لا تثق بالرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، مشيرًا إلى استمرار السيطرة الإسرائيلية على المنطقة العازلة مع سوريا. كاتس اعتبر خلال مؤتمر لقادة المجالس الإقليمية في إسرائيل أن "الجولاني (أحمد الشرع) تولى الحكم في سوريا، واستبدل الجلابية بالبدلة ويتحدث بلغة دبلوماسية، لكننا لا نثق به". الوزير أضاف: "نحن نثق فقط بالجيش الإسرائيلي. كان واضحاً لي ولرئيس الوزراء أنه يجب السيطرة على المنطقة العازلة، وسياستنا هي البقاء هناك، في قمة جبل الشيخ وفي المواقع الاستراتيجية، إلى أجل غير مسمى".
IV. تدفق الهجرة:
من المعروف أن كل حرب أو أزمة سواء كانت بين دولتين أو أكثر، أو حتى داخلية سوف تدفع حتماً بموجات من النزوح الداخلي، والهجرة الخارجية طلباً للأمان وبحثاً عن حياة أفضل وأكثر استقراراً. ويُظهر لنا التاريخ المعاصر أن كل أزمات الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا قد دفعت بموجات كبيرة من المهاجرين واللاجئين صوب البلدان الأوروبية، سيما أوروبا الغربية. في حين أن هناك سجالٌ كبيرٌ في داخل تلكم البلدان حول استقبال المهاجرين واللاجئين مهما كانت ظروفهم. ويقود المعارضة بهذا الصدد اليمين المتطرف عادة والأحزاب القومية التي ترى في قبول مهاجرين على أراضيها تهديداً لأمنها الداخلي واستنزافاً لثرواتها، بل حتى تهديداً لثقافاتها على أساس أن القادمين يمثلون ثقافات مغايرة و(متطرفة) سيما المسلمين.
. Vحقوق الأقليات والمرأة:
من ضمن المخاوف التي يبديها الغرب حول مستقبل سوريا، هو حقوق الأقليات بما تحتويه سوريا من تنوع اثني (عرب، وأكراد، وآشوريين، وأرمن)، وديني (مسلمين، ومسيحيين)، ومذهبي (سنة، وشيعة علويين، ودروز). وإن هذا الموزاييك يتطلب الحفاظ على حقوقه الثقافية والعقائدية. كذلك هناك حذر وترقب من اندلاع حرب أهلية أو عمليات انتقامية تطال أبناء الأقليات التي كانت تُحسبُ على النظام السابق. وبالنظر إلى سيرة قائد التغيير الحالي في سوريا (أحمد الشرع)، وانخراطه في تنظيمات سابقة مثل القاعدة وجبهة النصرة وأخيراً جبهة تحرير الشام، فإن الصورة النمطية عليها أنها تنظيمات متطرفة، تمارس إقصاءً للأقليات، وتقويضاً لدور المرأة وحقوقها.
سادساً: الضمانات والتطمينات:
بمقابل المخاوف ظهرت عددٌ من التطمينات والضمانات التي يمكن أن يركن إليها الغرب في تعامله مع الوضع الجديد في سوريا، ويمكن إيجازها وفق التالي:
I. ضمانات الحلفاء الداعمين:
توجد عدة دول أظهرت دعمها للمعارضة السورية، ورحبت بالتغيير الذي حصل في البلد. فضلاً عن إبدائها دعماً غير محدود للحكومة الجديدة من أجل استقرار الوضع في سوريا. وهذه الدول هي ذاتها حليفة للغرب. وتعتبر تركيا الحليف والداعم الأول للإدارة السورية الجديدة. وتركيا نفسها تبدو أنها الضامن الأول لهذه الإدارة. فقد تم توجيه دعوة لرئيس الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع لزيارة تركيا ولقاء رئيسها طيب رجب اردوغان. وعلى مستوى مقارب، كانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول التي رحبت بالتغيير في سوريا، وبعثت برسالة تهنئة إلى القيادة الجديدة فيها. علاوة على أن المملكة كانت أول بلد يزوره الرئيس السوري الجديد، وينال الدعم السعودي لإدارته ولسوريا الجديدة. كذلك كان أمير دولة قطر، أول قائد لدولة يزور سوريا بعد التغيير.
II. تدمير أسلحة ومعدات الجيش السوري:
بمجرد أن سقط نظام بشار الأسد، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى توجيه ضربات إلى مخازن ومصانع السلاح السورية، والمواقع الحيوية العائدة للجيش والمطارات، بحيث قضت تلك الضربات على ما يمكن اعتباره العمود الفقري للجيش، وهو ما من شأنه أن يعطل أية قوة أو نهضة سريعة للجيش السوري الجديد. فضلاً عن ذلك، فإن أكثر الأسلحة والمصانع المستهدفة هي تلك المتعلقة بالأسلحة البايلوجية والكيمياوية.
III. تأمين الحدودية للبنان:
من ضمن التطمينات التي تجعل من الوضع السوري الجديد غير مقلق لإسرائيل والغرب، هو تأمين المنافذ الحدودية اللبنانية بما فيها المطار، وقطع أية إمدادات يمكن أن تصل إلى حزب الله اللبناني خصوصاً من طرف إيران. ومعروف أن هذه الإمدادات كانت تصل عبر سوريا من خلال الحدود البرية. ورغم أن الوضع قد تغير بحكومة ليست على وفاق مع إيران، إلا أن إسرائيل لم تكتف بذلك، بل عمدت إلى احتلال مواقع في المثلث الحدودي لها مع سوريا ولبنان، خصوصاً على قمة جبل الشيخ، وبالتالي السيطرة على المنافذ التقليدية البرية التي كانت تمد حزب الله من جهة سوريا. فضلاً عن ذلك فإن تغيّر الوضع في لبنان بمجئ رئيس جمهورية ورئيس وزراء وحكومة جديدة، فقد تم فرض إجراءات شديدة حتى في مطار لبنان من شأنها أن توقف أية شبهة تهريب أموال نقدية إلى الحزب سواء من إيران أو حلفائها من الأحزاب والفصائل المسلحة في العراق.
سابعاً: الخاتمة:
بشكل عام يمكن تقييم الموقف الغربي من التغيير في سوريا على أنه يتسم بالحذر الشديد رغم الترحيب الذي أبدته أغلبية تلك الدول. وهذا الحذر نابعٌ من التهديدات المحتملة لبلدان الجوار بضمنها إسرائيل حليفة الغرب، والبلدان الأخرى التي لديها مصالح متشابكة مع الغرب بضمنها العراق والأردن. وبالدرجة الأولى يتحدد موقف الدول الغربية بضمنها المملكة المتحدة، على طبيعة قراءة إسرائيل للموقف السوري ومدى اطمئنانها منه.
وفق ذلك، ستكون سياسة الدول الغربية بضمنها بريطانيا هي الحذر والترقب من الموقف السوري، وإن أبدت خطوات فهي وقائية تجنب أن يرتمي النظام الجديد في أحضان قوى راديكالية مثل إيران أو معادية لحلف الناتو كروسيا. ناهيك طبعاً عن تجب تبعات ذلك التردي أو أي صراع ممكن أن ينشب سواء داخل سوريا ذاتها من قبيل الانتقامات الطائفية، أو قيام نظام حكم متطرف. أو في احتمالات أخرى قيام جماعات متطرفة داخل سوريا بأية نشاطات عدائية ضد دول الجوار أو تستهدف الغرب.





