array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 210

النزاع التجاري يحفز أوروبا لإعادة التفكير بتحولها من مشروع للسلام إلى فاعل سياسي لترسيخ سيادته

السبت، 31 أيار 2025

لم يختلف رد الفعل الأوروبي على أحدث الإعلانات المتعلقة بالرسوم الجمركية الأمريكية عن سابقه إبان إقرار الرئيس دونالد ترامب تعريفات مماثلة على واردات الصلب والألمنيوم في مارس 2018م، حينها، اقتصرت استجابة القادة الأوروبيين على التحذير من مغبة اندلاع حرب تجارية، واصفين تلك القرارات بالتعسفية والضارة بالتجارة العالمية، دون أن يتفاقم النزاع بشكل خطير، على الرغم من اعتقاد ترامب بأن العلاقات التجارية مع أوروبا مجحفة بحق الولايات المتحدة.

بيد أن إعلان عام 2025م، عن تطبيق رسوم جمركية أشد وأكبر على الواردات الأوروبية، أثار ردود أفعال فورية وقوية ومتنوعة في شتى الأقطار الأوروبية. فقد أدانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التعريفات الأمريكية، معتبرة إياها تهديدًا جسيمًا للاقتصاد العالمي، ومحذرة من أنها "ستُعزز من تنامي النزعة الحمائية." وستخلف تداعيات وخيمة على الملايين حول العالم. وفي سياق متصل، وصف رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك القرار بأنه "أحمق وعديم الجدوى"، مؤكدًا على ضرورة تفادي اندلاع حرب تجارية. في المقابل، سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تحويل مسار النقاش، حاثًا نظيره الأمريكي على تركيز تدابيره التجارية على مواجهة النفوذ الصيني بدلًا من أوروبا.

استجابة للإعلان الأمريكي، اقترح الاتحاد الأوروبي فرض رسوم مضادة على سلع أمريكية بقيمة تناهز 95 مليار يورو (107 مليار دولار) وتشمل السيارات، والطائرات، والمنتجات الكيميائية، والزراعية. وبشكل عام، شكل هذا النزاع التجاري حافزًا للاتحاد الأوروبي لإعادة التفكير في موقفه الاستراتيجي على صعيد التجارة العالمية وسط مقترحات من قبل العديد من المحللين تشدد على أهمية تحول الكتلة الأوروبية من مشروع يركز على السلام إلى فاعل جيو-سياسي قوي وقادر على التأثير على الديناميات العالمية وترسيخ سيادته. وستعكس الخطوات المتخذة خلال الأشهر المقبلة إذا استمر النزاع بشأن التعريفات الجمركية، مدى حرص الاتحاد الأوروبي على المضي قدمًا في تنفيذ هذه المقترحات.

حتى اللحظة الراهنة، لا يزال هناك اتفاق أوروبي -أمريكي على مهلة تمتد لـ 90 يومًا من أجل تسهيل سبل إجراء المفاوضات. ومع تقدم أمد المفاوضات، أعرب الاتحاد الأوروبي عن استعداده للمشاركة في جلسات حوار مع واشنطن، مؤكدًا في الوقت ذاته استعداده التام لاتخاذ إجراءات انتقامية إذا لزم الأمر. وبالرغم من موافقة الولايات المتحدة على توقيع اتفاق تجاري دائم مع المملكة المتحدة، إلا أنها لم تُجرِ أية مفاوضات رسمية مع الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، لا يزال تجدد الاضطرابات وعواقبها على الاقتصاد العالمي أمرًا واردًا، وستُؤثر النتيجة النهائية بالتأكيد على مستقبل العلاقات التجارية عبر ضفتي المحيط الأطلسي.

التبعات الرئيسية على مسارات التجارة وتدفق السلع

إن تفعيل رسوم ترامب الجمركية بشكل كامل من شأنه أن يُحدث اضطرابًا في مسارات التجارة وتدفق السلع بين أوروبا وبقية دول العالم، مما سيُسفر عن تبعات اقتصادية ولوجستية وجيوسياسية واسعة النطاق. ونظرًا لأن هذه الرسوم تؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع المستوردة، فإن أحد النتائج المباشرة المتوقعة هو انخفاض تدريجي محتمل في الطلب على تلك السلع. كذلك قد نشهد اندلاع حرب تجارية متبادلة في حال قررت الدول الأخرى اتخاذ تدابير مضادة، مما يترتب عليه انكماش سريع في أحجام التجارة العالمية، في حين قد تضطر الشركات متعددة الجنسيات -التي تعتمد على شبكات التوريد العالمية-إلى خفض إنتاجها أو تحويل عملياتها تحت ضغط اضطراب سلاسل الإمداد، بما يزيد من تكاليف المدخلات والتعقيدات اللوجستية. وربما تتضرر أنماط التجارة العالمية جراء تأخر عمليات التسليم وارتفاع تكاليف النقل الناتج عن إعادة توجيه مسار السلع عبر دول العالم الثالث لتجنب الرسوم الجمركية.

تحمل كافة هذه المعطيات بواعث ركود عالمي محتمل، يعود بشكل كبير إلى تراجع ثقة الشركات وعزوفها عن الاستثمار، أو التوظيف، أو التوسع في أسواق جديدة وسط الضبابية الناتجة عن تغير السياسات التجارية. كذلك قد تقع الصناعات العالمية الرئيسية-مثل السيارات، والتكنولوجيا، والزراعة-في براثن التباطؤ الحاد لاسيما بالمناطق التي تتسم فيها سلاسل القيمة بطابع دولي مترسخ، وذلك نتيجة لتراجع الاستثمارات عبر الحدود، واعتماد الشركات نهج الترقب والانتظار، وتعدد البيئات المحفوفة بالمخاطر بفعل النزعَات الحمائية المتزايدة. ومن المرجح أن تختبر أيضًا الاقتصادات المعتمدة على الصادرات، مثل ألمانيا، وكوريا الجنوبية، والعديد من الأسواق الناشئة، موجات انكماش تؤدي لتراجع الطلب العالمي. تأثر أسواق المال سلباً بالإعلانات المتعلقة بالرسوم الجمركية والضبابية التجارية، مما يقلل من شهية المستثمرين تجاه الأصول الخطرة. وقد تجلى ذلك بوضوح عقب إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية، حيث شهدت أسواق الأسهم العالمية تراجعاً كبيراً في قيمتها السوقية الإجمالية. ونظراً لمحدودية قدرة البنوك المركزية على الاستجابة لهذه الأوضاع، خاصة في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة، فإن القدرة العالمية على تحفيز النمو ستتضاءل، مما يعيد شبح الركود العالمي إلى الواجهة.

إن عدم التخلي عن السياسات الحمائية ينذر بتراجع طويل الأجل في معدلات النمو، وبالارتداد على عقود من التحرر التجاري، متسببًا في تراجع مستوى الكفاءة، والابتكار، وتقويض الإنتاجية. ويأتي أحد آثاره المباشرة في التراجع المحتمل لمستوى التعاون العالمي في مجالات التكنولوجيا، والبحث، والتطوير إذا تم تقييد عمل الشركات داخل صوامع محلية أو إقليمية. يضاف إلى ذلك تباطؤ تعافي قطاع الوظائف من خسائر الاضطرابات التجارية، أو عجزه عن التعافي كليًا، لاسيما في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الصادرات.

وعليه، فإن "الحرب التجارية" التي أطلقها ترامب تهدد بتسريع سلسلة من ردود الأفعال الخطيرة ضمن منظومة الاقتصاد العالمي، في ظل انخفاض التدفقات التجارية وتراجع الاستثمارات والإنتاج. هذا المسار قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الكساد والضغوط الركودية، وبالتالي يؤدي إلى تثبيط معدلات النمو على المدى الطويل.

التبعات على التحالف الأمريكي-الأوروبي

ما الذي قد يعنيه ذلك التصعيد في التدابير الجمركية لأوروبا بشكل خاص؟ بالنسبة للقارة التي تعتمد على كفاءة عمل منظومة التجارة العالمية، وتنصب نفسها كنصير للتجارة الحرة، فإن التدابير الجمركية المتصاعدة تفرض عليها حتمًا ضغوطًا اقتصادية أوسع مدفوعة بالضبابية الغالبة على أسواق العملات والسلع. ويهدد استمرار حالة عدم اليقين بعرقلة القرارات الاستثمارية والتخطيط الاقتصادي للشركات العالمية، مما يؤثر بشكل خاص على الشركات الأوروبية. ولقد أدى قرار الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 20% على كافة الواردات الأوروبية، والتي عُدلت لاحقا إلى 10% مع مهلة 90 يومًا، إلى تصعيد حاد في التوترات التجارية عبر الأطلسي. واعتبر القادة الأوروبيون هذه الخطوة خروجًا عن إطار العلاقات الاقتصادية التعاونية، مما أثار مخاوف بشأن موثوقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي بشكل عام. لذا، يعد ملف الرسوم الجمركية وجهًا واحداً فقط من بين العديد من أوجه التوتر في العلاقات التجارية بين جانبي الأطلسي.

أولًا وقبل أي شيء، تؤثر التعريفات الجمركية سلبًا على أداء الاقتصادات الأوروبية. فقد حذر وزير المالية الإيرلندي من أن نحو 75 ألف وظيفة مهددة نتيجة الرسوم الجديدة، لاسيما في قطاعات مثل الصناعات الدوائية والزراعة. كما أعرب البنك المركزي الأوروبي عن مخاوفه من أن يترتب على ذلك زيادة في معدلات التضخم والحد من قدرة البنك على تقرير مزيد من الخفض في أسعار الفائدة. وأشار الاتحاد الأوروبي إلى أنه يواجه خفضًا مُقدرًا في إجمالي الناتج المحلي بقيمة 0.4% نتيجة للرسوم الجمركية المفروضة. وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد الصادرات الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي انخفاضًا ما بين 8 % إلى 66 % ما لم يتم التوصل إلى اتفاق، مقابل انخفاض تتراوح نسبته ما بين 0.6% إلى 1.1% للصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة. في أثناء ذلك، حققت العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" قفزة بأكثر من 9 % أمام الدولار في عام 2025م، مسجلة أعلى مستوياتها في 3 أعوام. وهو ما يُضاعف من حجم التحديات الناجمة بالأساس عن الرسوم الجمركية الأمريكية، ويرفع أسعار السلع الأوروبية داخل السوق الأمريكية ويؤثر على العائدات المُحصلة عند تحويلها من الدولار إلى اليورو.

في المقابل، تُشير التقديرات إلى تراجع إجمالي الناتج المحلي الأمريكي بنحو 1% على المدى الطويل، إلى جانب انتكاسات مالية كبيرة مٌنيت بها كبريات الشركات الأمريكية، لا سيما تلك العاملة في قطاعي السيارات والتصنيع. كما أدى الإعلان عن الرسوم الجمركية إلى تقلبات سوقية كبيرة، حيث خسرت الأسهم الأمريكية 6.6 تريليون دولار من قيمتها بين 3 و4 أبريل 2025، مُسجلة أكبر خسارة في يومين على الإطلاق.

في سياق هذه التداعيات، اتخذت الاستجابة الأوروبية أبعادًا متعددة. فعلى صعيد التدابير المضادة المقترحة، أقر الاتحاد الأوروبي خطة من مرحلتين تستهدف واردات أمريكية بقيمة 26 مليار يورو، تشمل منتجات صناعية وزراعية. بالتوازي، تعمل الشركات الأوروبية على إعادة تقييم سلاسل الإمداد لديها. وتُعد قطاعات مثل صناعة السيارات والمستحضرات الطبية، التي تعتمد على شبكات إمداد عالمية معقدة، الأكثر تأثرًا، مما دفع بعضها إلى دراسة نقل مرافق الإنتاج أو البحث عن موردين غير أمريكيين للتخفيف من تأثيرات التعريفات الجمركية.

وتعد الرؤى التنموية طويلة الأجل أحد المحاور الأشمل قيد الدراسة حاليًا. فإن العنصر الأساسي يكمن في عزم الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء على تحقيق قدر أعظم من الاستقلال الاستراتيجي في قطاعات حيوية. ويتم النظر حاليًا في اتخاذ خطوات لتنمية الصناعات الرئيسية المحلية والإقليمية في مجالات أشباه الموصلات، والأدوية، والصناعات الدفاعية لتقليص الاعتماد على أطراف خارجية. إلى جانب المقترح المطروح بشأن إنشاء صندوق سيادي أوروبي للاستثمار في التقنيات الحيوية، والبنية التحتية، والطاقة النظيفة.

على صعيد أهداف الاكتفاء الذاتي في مجالي الطاقة والأمن، تُسرِع أوروبا من خططها الاستثمارية في الطاقة المتجددة مع التركيز بشكل أكبر على إنتاج الطاقة الشمسية، والرياح، والهيدروجين الأخضر. بالإضافة إلى الاستثمارات المرتقبة في مشروعات الربط الكهربائي وتخزين الطاقة لتعزيز استقرار الشبكة والتعاون عبر الحدود. يتضمن ذلك أيضًا العمل على تطوير منصات مشتركة لشراء الغاز داخل الاتحاد الأوروبي لتجنب المنافسة الداخلية واستقرار الأسعار. وتشمل البنود الأخرى تطوير الموانئ، والسكك الحديدية، وشبكات الخدمات اللوجستية لدعم تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق مثل قناة السويس، بالإضافة إلى تعزيز اتفاقيات التجارة الرقمية وضمان اتفاقيات تدفق البيانات مع الحلفاء لدعم مرونة قطاع التكنولوجيا.

التنويع التجاري الاستراتيجي

ونظرًا لتأثير الرسوم الجمركية الأمريكية في زيادة تكاليف التجارة عبر الأطلسي وإضفاء حالة من عدم اليقين عليها، أصبح لدى الاتحاد الأوروبي دافع قوي لتنويع جعبته من الشركاء التجاريين مقابل تقليص الاعتماد على السوق الأمريكية. ويمتلك الاتحاد الأوروبي بالفعل أطرًا تجارية إقليمية وثنائية راسخة، مثل تلك القائمة مع اليابان وكوريا الجنوبية. ونظرًا للمكانة المرموقة التي تحتلها اقتصادات شرق آسيا كقوى عالمية رائدة في مجالي التكنولوجيا والتصنيع، فإنها تلبي الاحتياجات الصناعية الأوروبية على نطاق واسع.

في سياق هذا التوجه، أبرم الاتحاد الأوروبي مؤخرًا اتفاقية تجارية متعددة الأطراف مع دول السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية "ميركوسور". كما يسعى إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية التجارة الحرة مع الهند بحلول نهاية عام 2025م، بهدف تعزيز التعاون في قطاعات التجارة، والتكنولوجيا، والاتصالات، والدفاع، وذلك في أعقاب قمة سنوية جمعت قادة الاتحاد الأوروبي ونظراءهم الهنود. كما يدرس الاتحاد الأوروبي حاليًا إبرام اتفاقيات مماثلة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

تُعد منطقة الخليج والشرق الأوسط محط اهتمام أوروبي متجدد، حيث تتيح دول مجلس التعاون الخليجي لأوروبا سهولة النفاذ إلى إمدادات مستقرة من الطاقة (بالأخص الغاز الطبيعي المسال) والتدفقات الاستثمارية. وهكذا، فإن خطة الرسوم الجمركية الجديدة قد تسرع وتيرة التعاون بين الخليج وأوروبا في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، وقطاعات التكنولوجيا الفائقة. فيما يتجدد الحديث أيضًا بشأن اتفاق للتجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي مع الإعلان من قبل دولة الإمارات وبروكسل عن بدء محادثات ثنائية، وإبداء سائر أعضاء المجلس الخليجي اهتمام مماثل.

وبعيدًا عن الفلك الخليجي، ثمة جهد مشهود لإعادة إحياء الشراكة الأورو-متوسطية بدعم القرب الجغرافي لدول جنوب البحر المتوسط مثل مصر، والمغرب، وتونس من الحدود الأوروبية، فهي تتيح لأوروبا عمالة منخفضة التكلفة وإمكانية الوصول للأسواق الإفريقية. ومما لا شك فيه أن بناء سلاسل القيمة الإقليمية داخل إطار منطقة اليورو -متوسط سُيساعد الشركات الأوروبية في التحوط ضد الصدمات في سلاسل الإمداد العالمي الناتجة عن الرسوم الجمركية.

يبقى التساؤل المحوري بشأن الصين، التي لا تزال تمثل شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي. فقد وصل حجم التبادل التجاري للسلع بين الجانبين إلى 739 مليار دولار، مما يجعل بكين ثاني أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة. وعلى الرغم من العجز في الميزان التجاري البالغ 292 مليار يورو لصالح الصين، إلا أن كلا الكيانين أبدى حرصًا مشتركًا على تعزيز تعاونهما الاقتصادي. وفي إبريل 2025م، انخرطت بكين وبروكسل في محادثات لتوطيد أواصر التعاون الاقتصادي التجاري المشترك استجابة للتعريفات الأمريكية. كما أكد رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز -خلال لقاء جمعه مع الزعيم الصيني تشي جين بينغ في العاصمة بكين -أهمية الحفاظ على علاقات إيجابية بين الجانبين، منتقدًا سياسات الرسوم الجمركية الأمريكية. وتضمنت آفاق التعاون المشترك مجالات مثل التكنولوجيا الخضراء، والبنية التحتية، والتمويل.

 

حصة دول الاتحاد الأوروبي من التجارة الخارجية الأوروبية مع الصين في عام 2021

 

حجم التبادل التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي في عام 2021، موزّعًا حسب فئات المنتجات

لقد دفعت البيئة المتغيرة للتجارة العالمية الصين إلى إعادة توجيه صادراتها من الولايات المتحدة نحو الأسواق الأوروبية، وغالبًا ما يكون ذلك بأسعار مخفضة. غير أن تدفق هذه السلع يُشكل تحديًا للمنتجين الأوروبيين، الذين يواجهون منافسة متزايدة واحتمال تشبع السوق. وتجدر الإشارة إلى أن أوروبا لم تُراجع بعد شراكاتها التجارية التقليدية بجدية، ولم تستكشف بعد علاقات اقتصادية أعمق مع دول البريكس وأعضاء منظمة شنغهاي للتعاون، لا سيما الصين، وكذلك روسيا، ولكن بدرجة أقل. ولا تزال جميع التدابير المقترحة قيد الدراسة.

وبينما لاتزال أوروبا تستكشف آفاق تحالفات تجارية جديدة، تظل القارة العجوز حذرة في نهجها بشكل عام. فمن ناحية، تهدف الكتلة الأوروبية إلى تقليص الاعتماد المفرط على شريك بعينه، وتحقيق توازن بين التزاماتها مع الحلفاء التقليديين والاقتصادات الناشئة. ومن ناحية أخرى، تُقيّم بروكسل تعاونها مع تكتلات مثل مجموعة "البريكس" في سياق الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع، والتي تشمل اعتبارات حقوق الإنسان والمسائل المتعلقة بالأمن الإقليمي.

إن الاستجابة الأوروبية للسياسات التجارية الأمريكية تنطوي على إعادة تقييم استراتيجي لـ علاقاتها الاقتصادية الدولية. ومع التحول بعيدًا عن الولايات المتحدة، ستكتسب أوروبا قدرًا أكبر من الاستقلالية في صياغة سياساتها الجيوسياسية والاقتصادية دون ضغوط أمريكية. بما يضعها في مكان أفضل داخل عالم متعدد الأقطاب، حيث يوفر الاصطفاف مع قوى إقليمية متعددة (بما في ذلك تلك الموجودة في آسيا والشرق الأوسط) مزيدًا من النفوذ في المفاوضات العالمية.

إلى جانب تأثيراتها الاقتصادية، تتجاوز الرسوم الجمركية ذلك لتشمل أبعادًا أوسع، قد تدفع الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم شامل لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، بما في ذلك الروابط الأمنية والدفاعية. ويلاحظ المحللون الأمريكيون أن حالة عدم اليقين الاقتصادي الناتجة عن هذه التعريفات قد سرّعت وتيرة المباحثات الأوروبية المتعلقة بتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على الحليف الأمريكي.

ختامًا

إن إعلان ترامب بشأن التعريفات الجمركية الشاملة سيُخلّف أثراً دائماً يتجاوز مجرد اضطراب تجاري عابر بين أوروبا وبقية دول العالم، بغض النظر عما إذا مضى في تطبيق خطته أو تم التوصل إلى حل تفاوضي. ويؤكد حجم التحديات الاقتصادية واللوجستية المترتبة على ذلك الطبيعة المترابطة لنظام التجارة العالمي والآثار بعيدة المدى للسياسات الحمائية. فضلاً عن ذلك، فقد أحدث هذا الإعلان شرخاً في بنية التحالف الأمريكي-الأوروبي، لم تقتصر تبعاته على الخسائر الاقتصادية للجانبين فحسب، بل شجّع أيضاً على إعادة اصطفاف استراتيجي. ومن المرجح أن تؤثر هذه التبعات طويلة الأجل بشكل كبير في تشكيل العلاقات عبر الأطلسي وديناميكيات التجارة العالمية.

مقالات لنفس الكاتب