array(1) { [0]=> object(stdClass)#14195 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 210

ما قدمته دول الخليج لأمريكا ليس هدايا مجانية وعلى الدول العربية تطوير بيئتها الاستثمارية

السبت، 31 أيار 2025

مرت المئة يوم الأولى من ولاية الرئيس الأمريكي ترامب. وقد "وفق الرجل" في أن يدير سياسات بلده في الداخل والخارج بأسلوب صناعة "سينما المفاجآت" التي تجيدها هوليوود، والتي تجعل المشاهد والمتابع يحبس أنفاسه تحسبًا للحركة التالية، ويعد الساعات والدقائق حتى تمر الرواية. وكما يحدث في الامتحانات عندما ينبه المراقبون إلى عدد الساعات والدقائق الباقية، ومن هنا جاء عنوان هذا المقال يعد الأيام والساعات الباقية على انتهاء "الامتحان" الذي فرضه الرئيس. فالرجل "واضع الامتحان" لم يدخر وسعًا ليواصل مفاجأة العالم الصديق والحليف والمنافس.

           وقد أمضى العالم ليلة العشرين من يناير 2025م، يتابع على الشاشات الصغيرة أحداثًا هي أقرب لأفلام المغامرات. ووجد الكثيرون صعوبة بالغة في فهم أو توصيف ما جرى. فالرئيس الأمريكي "الجديد القديم" أبدع في تلك الليلة وقدم عرضًا يتعذر على الخبير أن يستوعبه. فقد واصل الرجل قول الشيء وعكسه، وخرج من الليلة "كاسبًا" عداء أو معارضة الجميع، فقد أصدر "أوامره" التالية من بين طلبات كثيرة:

  • فرض رسوم جمركية جديدة على أقرب حلفائه في الاتحاد الأوروبي، وعلى الصين أكبر مصدر في العالم وبين أكبر شركاء أمريكا في التجارة وأكبر حائز للدولار.
  • الطلب من دول حلف شمال الاطلنطي، زيادة إنفاقها العسكري ليبلغ 2% من نواتجها.
  • ضم كندا لتصبح الولاية الحادية والخمسين في الولايات المتحدة الأمريكية.
  • تحتل الولايات المتحدة قناة بنما مرة أخرى وتضمها لملكيتها. وأتبع ذلك بطلب إعفاء السفن الأمريكية من دفع رسوم العبور في قناة السويس.
  • طلب من المملكة السعودية استثمار تريليون دولار في بلده.  
  • إيقاف مساعدات التنمية الاقتصادية الأمريكية للدول النامية، وتراجع مرتين.
  • طلب من الأردن ومصر استيعاب مليوني مهاجر من سكان غزة.
  • طلب أن تزيد بلدان الأوبك من إنتاج النفط لإضعاف موقف روسيا.
  • تدفع ألمانيا واليابان مقابل وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيهما.
  • انسحاب أمريكا من اتفاقية باريس للبيئة، لأن الصين ليست عضوًا فيها، وتلوث البيئة باستخدامات الفحم. وبهذا يكون من حق أمريكا أيضًا "تلويث البيئة".
  • تحتاج إسرائيل لزيادة مساحتها على حساب فلسطين والدول العربية المجاورة.

      ولعل ما شجع الرئيس ترامب على إصدار هذه "الأوامر" لدول العالم، هو شعوره بأنه رئيس القوة الأعظم. فبدى في لغته قدر من التباهي بالقوة وفرض القرارات على الدول والشعوب دون لباقة، وبصورة ولّدت مشاعر مضادة، ربما تؤدي لنتائج سلبية على الاقتصاد الأمريكي. وما أقلق متابعيه لم يكن فقط التطرف وإنما "غيبة المعرفة". فبدى الرئيس لا يعرف التزامات بلده في منظمة التجارة العالمية WTO / GATT، التي تمنع فرض رسوم جمركية جديدة على الغير، وتجاهل شرط المعاملة المتساوية بين الأعضاء وفقًا لقواعد التجارة العالمية ونوجزها في أهم أربع قواعد:

  1. شرط الدولة الأولى بالرعاية، والمساواة في المعامة بين الدول أعضاء المنظمة.
  2. المعاملة الوطنية للسلع المستوردة، وعدم فرض رسوم داخلية على الواردات بأكثر من تلك المفروضة على السلع المنتجة بالداخل.
  3. تثبيت السقف الجمركي المعلن لكل دولة بالمنظمة ولا تغييره إلا بشروط.
  4. قصر الحماية على الرسوم الجمركية، دون أي معوقات أخرى ضد الواردات.

الترامبية ومشتقاتها ومشاقها على الدول العربية

 من الأمور المقلقة مؤخرًا على مستوى العلاقات الدولية، تأتي التطورات الجارية في فئات الحكام في عدد من الدول، وصعود ما يسمى باليمين المتطرف المعادي لغير البيض. ثم جاءنا الرئيس الأمريكي الذي ظهرت اتجاهاته مبكرًا وبوضوح في مناسبتين. الأولى في خطاب تنصيبه رئيسًا بعد حلف اليمين. والثانية في أول خطاب وجهه للاجتماع المشترك للبرلمان. وقد أمضى العالم ليلتين طويلتين تتجاوزان في انفعالاتهما كل الممكن. وليت العالم كله سمع الخطابين. فالرجل لم يترك صديقًا لبلده أو أقرب المقربين والحلفاء، إلا وناصبه العداء أو استفزه وتحداه.  ومن هنا يزداد القلق، ولا يقتصر على تولي يمينيين أو متطرفين مقاليد الحكم في عدد من الدول الكبرى أو "الجيران" لكن المشكلة تكمن في أن هؤلاء المتطرفين يتحلون بقدر كبير من "الجهل النشيط"، في الوقت الذي تزخر وزارات الخارجية والدفاع في أغلب تلك الدول بالخبرات اللازمة لمعالجة ما يستعصي على الفهم. وعلينا في النهاية أن نتعايش مع هذا "الخلل" بفتح الخاء وضمها.

والأغلب أن الرئيس ترامب لم يكن ليعلن مثل هذا التوجه إلا إذا كان مقتنعًا – عن حق أو خطأ -بأن المهمة ليست صعبة، لأنه دون شك لا يرغب فى الظهور بمظهر من حاول أمراً ثم فشل وانهزم فى مسعاه. لكن السؤال: من أين تأتيه هذه القناعة؟ وهل الأمر انعكاس لاعتقاده أن موقف الدول المعنية يمكن أن يكون مرنًا حيال الموضوع، خاصة إذا تلقت الثمن المناسب؟ والحقيقة أن الأمر غير متصور على هذا النحو.  فموقف مصر والأردن – مثلًا -الرافض لتوطين الفلسطينيين فيهما كان معلنًا ومحسومًا ومبكرًا، وهو موقف تاريخى لا يرجع فقط إلى زمن النكبة، بل يرجع إلى ألفين سنة قبل الميلاد عندما خرج الجيش المصري بقيادة أحمس ليواجه غزو الهكسوس للمنطقة، ومنذ قاد صلاح الدين الأيوبي جيشه لمواجهة الحملة الصليبية، ومنذ فشل نابليون في دخول "عـــكا" فأطلق دعوته للجاليات اليهودية كي تحتل المنطقة لفصل المشرق العربي عن مغربه. لكن يأتي التخوف العربي الأكبر من التهجير، وأن يكون مقدمة لتصفية القضية الفلسطينية. وقد يعني الأمر أن الرئيس الأمريكي يعتقد أن هذه الدول يمكن تطويع إرادتها باستخدام وسائل من بينها وعود مالية، أو ضغوط متزايدة حتى تقبل. وحتى إذا تمسكت تلك الدول بالرفض ودخلت فى مواجهة مع واشنطن، فلن يضير أمريكا الكثير.

شركاء الولايات المتحدة

فرض الرئيس الأمريكي رسومًا جمركية إضافية على كافة شركاء التجارة. يتقدمهم دول الاتحاد الأوروبي والصين. ويُعدّ كلٌّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكبر شريكين تجاريين في العالم في تجارة السلع. ويتمتعان بأكبر علاقات تجارية واستثمارية.  ويمثلان نحو 30 % من التجارة العالمية في السلع والخدمات و43% من إجمالي الناتج المحلي للعالم.  

أوروبا

       بلغ حجم التجارة عبر الأطلنطي في السلع والخدمات 1.6 تريليون يورو.  أما تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي السلعية مع الولايات المتحدة في عام 2024م، فقد بلغت 865 مليار يورو وهو ضعف حجم التجارة بينهما من عشر سنوات.

  • منها واردات الاتحاد الأوروبي من الولايات المتحدة 4 مليار يورو.
  • وصادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة 6 مليار يورو.
  • والفائض لصالح الاتحاد الأوروبي يبلغ 2 مليار يورو.

 الصين:

  وتأتي الصين تالية كشريك تجاري مهم للولايات المتحدة الأمريكية. ووفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي، فإن حجم التجارة بين الولايات المتحدة والصين بلغ 582.4 مليار دولار في عام 2024. 

  • منها صادرات أمريكية إلى الصين بلغت 143.5 مليار دولار أمريكي.
  • وصادرات الصين 438.9 مليار دولار.
  • وبلغ الفائض لصالح الصين 295.4 مليار دولار.

وأبرز عشرة صادرات صينة لأمريكا تتمثل في:

  1. إلكترونيات استهلاكية: 96 مليار دولار.
  2. منسوجات وملابس: 68 مليار دولار.
  3. مواد كيميائية: 42 مليار دولار.
  4. آلات ومواد البناء: 33 مليار دولار.
  5. معدات كهربائية 30 مليار دولار.
  6. معادن أساسية: 28 مليار دولار.
  7. أجهزة منزلية: 24 مليار دولار.
  8. معدات نقل: 24 مليار دولار.
  9. طاقة نظيفة وبطاريات: 15 مليار دولار.
  10. أجهزة بصرية وطبية: 12 مليار دولار.

وأبرز عشرة صادرات أمريكية للصين: هي كالآتي

  1. الحبوب والبذور الزيتية: 18.5 مليارات دولار.
  2. النفط والغاز: 17.6 مليارات دولار.
  3. التعليم والوسائل التعليمية: 13 مليار دولار.
  4. الأدوية: 11.3 مليارات دولار.
  5. أشباه الموصلات: 6 مليارات دولار.
  6. قطع غيار ومعدات الطيران: 6.8 مليارات دولار.
  7. أدوات الملاحة: 6.8 مليارات دولار.
  8. المركبات الآلية: 6.1 مليارات دولار.
  9. الآلات الصناعية: 5 مليارات دولار.
  10. منتجات اللحوم: 4.5 مليارات دولار.

الدول العربية:

فرض الرئيس الأميركي رسومًا جمركية جديدة على البلدان العربية بنسب متفاوتة كانت أقلها نسبة 10%. وهناك تكاليف فورية على الدول التي ترتبط عملاتها بالدولار. والمرجح أن تؤثر تلك الحرب التجارية سلبًا على الصادرات وعلى النمو الاقتصادي للمنطقة باعتبار التجارة الخارجية ركيزة بين ركائز اقتصاداتها. وقد أعلن ترامب رسومًا جمركية جديدة على الدول العربية بصورة متباينة على النحو التالي:  

سوريا: 41%

العراق: 39%

ليبيا: 31%

الجزائر: 30

تونس: 28

الأردن: 20%

مصر: 10%

دول الخليج: 10%

المغرب: 10%

لبنان: 10%

السودان: 10%

اليمن: 10%

جيبوتي: 10%

 

 

 

 وبلغ إجمالي حجم تجارة السلع الأمريكية مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) عام 2024 م، ما يُقدر بنحو 141.7 مليار دولار وبلغت الصادرات الأمريكية للمنطقة 80.4 مليار دولار، وإجمالي الواردات الأمريكية منها 61.3 مليارات دولار، بفائض لصالح أمريكا يبلغ 19.1 مليارات دولار.  وللولايات المتحدة الأمريكية علاقات تجارية وثيقة مع عدد من الدول العربية، وأبرزها عشرة هم:

  1. الإمارات: وهي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في المنطقة العربية. وبلغ إجمالي تجارة السلع الأميركية مع الإمارات 34.4 مليار دولار في عام 2024، منها صادرات أمريكية بقيمة 27 مليار دولار. وصادرات إماراتية بلغت 7.4 مليارات دولار. وبلغ فائض التجارة السلعية بينهما 19.6 مليارات دولار لصالح أمريكا.
  2. السعودية: ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في المنطقة العربية. وإجمالي تجارة السلع بينهما 25.9 مليارات دولار في عام 2024. والصادرات الأمريكية 13.2 مليارات دولار، ووارداتها من المملكة 12.7 مليارات دولار. وفائض التجارة بينهما نحو 500 مليون دولار، للصالح الأمريكي. وتعد المنتجات المعدنية، والمنتجات الكيميائية العضوية، والأسمدة، والألمنيوم ومصنوعاته واللدائن ومصنوعاتها، من أهم السلع التي تصدرها السعودية إلى أمريكا، فيما تعد السيارات وأجزاؤها، والمركبات الجوية وأجزاؤها، والأجهزة والمعدات الكهربائية، والأجهزة الطبية، من أهم السلع التي تستوردها المملكة من أمريكا. 

وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الـ 17 ضمن كبار حاملي السندات الأمريكية، بقيمة 126.4 مليارات دولار في شهر فبراير 2025، وتتوزع بين سندات طويلة الأجل تمثل 83% من الإجمالي، و21.8 مليارات دولار في سندات قصيرة الأجل تشكل ما نسبته 17%.

           وجاءت بعد ذلك دعوة الرئيس الأمريكي للمملكة، للاستثمار لديها بمبالغ تصل إلى تريليون دولار. واستدعى ذلك قيام الرئيس بأول زيارة له خارج بلده، فذهب إلى دول الخليج في مهمة أنتجت وعودًا بتريليونات الدولارات.  وحقيقة الأمر أن العرب يستثمرون خارج بلدانهم بالفعل عشرات أضعاف استثماراتهم في الداخل. بما يزيد على 1800 مليار دولار في الخارج مقابل 68 مليار فقط في الداخل. ولا يرجع ذلك لقصور في المشاعر. وإنما يرجع لمحدودية "القدرة الاستيعابية" للاقتصادات العربية وهو موضوع قديم يتعلق بمعوقات البيروقراطية، وتخلف النظام المصرفي الذي ما زال لا يقوى على تطبيق معايير الســــلامة المصرفية بالمعايير العالمية فضلًا عن ضعف البنية الأساسية للطرق والكباري والموانئ والمطارات ووسائل المواصلات والاتصالات.

  1. مصر: بلغ إجمالي تجارة أمريكا مع مصر في عام 2024 نحو 8.6 مليارات دولار. تشمل صادرات أميركية 6.1 مليارات دولار. وصادرات مصرية 2.5 مليارات دولار. وفائض التجارة السلعية مع مصر لصالح أمريكا 3.6 مليارات دولار. وتمثل مصر حالة إضافية في إطار "اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة QIZ" المعقودة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتنشأ بمقتضاها مناطق للتجارة الحرة تعفي من الرسوم الجمركية الصادرات التي تنتج في إحدى الدول الثلاث مستخدمة مدخلات من تلك الدول. فماذا سيكون الموقف الأمريكي من صادرات مصر أو إسرائيل في إطار تلك الاتفاقية؟ ومن جانب آخر فإجمالي صادرات أمريكا لمصر يبلغ أكثر من ضعف صادرات مصر إليها.
  2. المغرب: بلغ إجمالي تجارة السلع الأمريكية في عام 2024م، مع المغرب 7.2 مليارات دولار منها صادرات أمريكية قيمتها 5.3 مليارات دولار. وواردات أمريكية من المغرب 1.9 مليارات دولار، وفائض تجارة للصالح الأمريكي 3.4 مليارات دولار.
  3. قطر: بلغت تجارة أمريكا مع قطر 5.6 مليارات دولار في عام 2024م، منها صادرات أمريكية 3.8 مليارات دولار، وصادرات قطر 1.8 مليارات دولار، بفائض لصالح أمريكا مليارَي دولار.
  4. الأردن: حققت تجارة السلع الأمريكية مع الأردن 5.4 مليارات دولار في عام 2024م. منها صادرات أمريكية ملياري دولار. وصادرات أردنية 3.4 مليارات دولار. وهي حالة نادرة تحقق عجزًا لغير صالح الولايات المتحدة ولصالح الأردن بقيمة 1.4 مليار دولار. والأردن من الدول العربية القليلة التي تُصدر للولايات المتحدة أكثر مما تستورد منها.
  5. الكويت: بلغ إجمالي تجارة السلع الأميركية عام 2024م، مع الكويت نحو 4.1 مليارات دولار. منها صادرات أميركية 2.4 مليارات دولار. وصادرات كويتية 1.6 مليارات دولار، بفائض في التجارة لصالح أمريكا قدره 2 مليون دولار.
  6. الجزائر: بلغ حجم تجارة السلع الأمريكية / الجزائرية 3.5 مليارات دولار عام 2024م، منها صادرات أمريكية بمليار دولار. وواردات أمريكية 2.5 مليارات دولار. وعجز في التجارة الأميركية مع الجزائر 1.5 مليارات دولار ،الجزائرالتي تعد من الدول العربية القليلة التي تُصدر لأمريكا بأكثر مما تستورد منها.
  7. سلطنة عمان: بلغ إجمالي تجارة السلع الأميركية في عام 2024 م، مع عُمان 3.3 مليارات دولار. منها صادرات أمريكية ملياري دولار، وواردات أمريكية من عُمان 1.3 مليار دولار. بفائض لأمريكا يبلغ 634.3 مليون دولار.
  8. البحرين: بلغ إجمالي تجارة السلع في عام 2024م، بين أمريكا والبحرين نحو 2.9 مليار دولار. منها صادرات أمريكية قيمتها 1.6 مليارات دولار.  وواردات أمريكية من البحرين 1.2 مليار دولار. وفائض لصالح أمريكا بلغ 441.9 مليون دولار.

الأرباح والخسائر

السؤال هو: من سيكون الرابح النهائي إذا استخدمت مختلف الدول حق المعاملة بالمثل وفرضت رسومًا جمركية إضافية على الصادرات الأمريكية إليها تماثل ما تعتزم الولايات المتحدة فرضه على وارداتها من تلك الدول؟  والحقيقة أن خطاب الرئيس في البرلمان، لقي معارضة من الحضور رفعوا لافتات تقول [هذا كذب]. فضلًا عن المظاهرات التي اندلعت في بلده وفي بلدان أغلب حلفائه، تندد بسياسته. وفي النهاية فالعالم يواجه معركة شديدة الحساسية. ويبقى الرهان في النهاية على أن الرئيس الأمريكي سوف يتراجع كالعادة عندما يتوقف قليلًا عن الكلام، ويبدأ في الاستماع لمن حوله من مستشاريه وما أكثرهم.

القضايا العربية في ملفات الرئيس الأمريكي

هناك تداخل بين المصالح السياسية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وبين الموقف من فلسطين. وليس من المتصور أن دول الخليج قدمت الدعم السخي للرئيس الأمريكي دون أن تسمع منه -ولو همسًا -عزمه على اتخاذ موقفًا أكثر إيجابية من العدوان على غزة، ومن الحق الفلسطيني في قيام دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. فقد سبق وأن لفت الرئيس الأمريكي بآرائه أنظار الرأي العام والإعلام العربي، ولقي الكثير من التعليقات. وجاء رد الدول العربية قويًا وواضحًا. وقالت له القمة العربية بالقاهرة يوم 4 مارس 2025 "لا بالثلث" والأكثر أهمية أن تدفق الأموال من الدول العربية إلى أمريكا وأوروبا أكبر كثيرًا مما تتلقاه منهما بنحو 70 مرة الى 100 مرة باحتساب حجم صادرات كل من الطرفين إلى الطرف الآخر، إضافة لحجم الاستثمارات العربية في السوقين الأمريكي والأوروبي. الأمر الذي ينطبق على أغلب البلدان العربية. ولهذا فالتهديد بقطع المساعدات أو بفرض مزيد من الرسوم سيكون ضارًا بالمانح أكثر من إضراره بالمتلقي. وفي هذا كان موفقًا كل التوفيق إعلان وزارات الخارجية والقمة العربية رفض التهجير القسري للفلسطينيين، بل واعتباره عند البعض من قبيل إعلان للحرب. وذلك بوضوح تام ودبلوماسية هادئة.

ولقد اعتمدت القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025م، خطة لإعادة إعمار غزة باعتبارها خطة عربية جامعة. وأكد بيان القمة بشكل قاطع على رفض كل أشكال تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه. وقد أعدت الخطة بالتنسيق مع الفلسطينيين وبين الدول العربية، واستندت إلى دراسات البنك الدولي والصندوق الإنمائي للأمم المتحدة، بشأن التعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، وتقديم الدعم المالي والمادي والسياسي اللازم. وحث البيان المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل الدولية والإقليمية على دعم الخطة، والتأكيد على أن هذه الجهود تسير بالتوازي مع تدشين رؤية للحل الدائم والعادل، وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني. ورحب البيان بعقد "مؤتمر دولي للتعافي وإعمار قطاع غزة" بأقرب وقت. 

وحذر البيان من أن أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني، أو لضم أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة. "سيكون من شأنها إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من الصراعات، وتقويض فرص الاستقرار، وتوسيع رقعة الصراع ليمتد إلى دول أخرى، كما يعد تهديدًا لأسس السلام في الشرق الأوسط". وطالب البيان بوقف العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية، ووقف الاستيطان والفصل العنصري وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والاقتحامات العسكرية للمدن الفلسطينية.

           ويشعر المتابع للموقف براحة -نسبية -لأداء الدبلوماسية العربية بمستوياتها المختلفة، من القمم النشطة التي تجري اتصالات ساعة بساعة بكل الأقران، ومن المستوى الوزاري شديد الحرفية، حتى مستوى البعثات التي شاركت في عملية التعبئة والحشد العالمي لتأييد الموقف الفلسطيني والعربي. فشهدنا 154 دولة تصوت لصالح القضية الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحاصر أمريكا وإسرائيل كصوتين فريدين ضد العدالة. وشهدنا إجماع 14 دولة عضو في مجلس الأمن على قرار عادل ضد صوت نشاز واحد استخدم حق النقض. وشهدنا سكرتير عام الأمم المتحدة "أنطونيو جوتيرش" يخرج عن الحياد السلبي المفترض في وظيفته ويحضر للمنطقة مساندًا لأهل غزة عند معبر رفح. وأيضًا إدانة وكالة غوث اللاجئين (اونروا) لسلوك العدوان، بل وسقوط ضحايا من أعضائها وموظفيها. ثم الأحكام الفريدة لمحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية اللتان أدانتا العدوان من الدولة المعتدية ومن رئيس وزرائها. لكن يحد من التفاؤل شعور الرأي العام العربي بعدم كفاية ما تقوم به الحكومات. ويلقي ذلك بمسؤًولية على وسائل الإعلام كي تفسر وتوضح ما لا تريد الحكومات الإفصاح عنه. ومثلا فقد كشفت مصادر إسرائيلية مؤخرا عن تصعيد دبلوماسي حدث في صمت عندما "لم ترد القاهرة" على طلب الموافقة على ترشيح السفير الإسرائيلي الجديد ولم تُعلّق السلطات المصرية على الموضوع. كما أن السفير المصري لدى تل أبيب كان قد نقل منذ أكتوبر 2024م، ولم ترشح مصر خلفًا له.

بدائل الاختيارات العربية

ليس أمام العرب أي بديل عن تأكيد موقفهم الرافض لتهجير الفلسطينيين، واستعدادهم لتحمل تكلفة موقفهم، وإيصال رسالة واضحة بأن التوجه الأمريكى يهدد أسس العلاقات العربية الأمريكية، أخذًا فى الاعتبار أن ترامب لا يتحدث لغة دبلوماسية أو لغة هادئة.  فتواصلت الجهود لتكوين رأي عربى موحد ومعلن، وتعبئة أكبر لدعم ومساندة دولية في الأمم المتحدة، وإقليمية عربيًا وإفريقيًا وإسلاميًا ومع دول عدم الانحياز ومع دول أمريكا اللاتينية المتعاطفة، وحتى دول الاتحاد الأوروبي المتفهمة للموقف العربي والمتعاطفة مع الحق الفلسطيني. ومن هنا لدينا الفرصة لنستعرض البدائل التالية للموقف العربي:

  1. علينا أن نسلم أن ما قدمته دول الخليج للرئيس الأمريكي ليس على إطلاقه هدايا مجانية. فالعرب لديهم فواض مالية من مصلحتهم استثمارها خارج المنطقة العربية محدودة الاستيعاب. والمطلوب في هذا الشأن التزام عربي على مستوى القمة بألا تقل قيمة الاستثمارات العربية داخل المنطقة عن 10% من قيمتها في الخارج. بمعني أن الاستثمارات العربية في الخارج والتي تبلغ 1800 مليار دولار، لابد وأن يقابلها استثمار في الداخل لا يقل عن 180 مليار، بدلا من الستين مليار الحالية.
  2. اتصالا بذلك يتعين توسيع كل السبل أمام زيادة حجم ونسبة التجارة البينية العربية. وذلك عن طريق التوسع "الاستثمار البيني العربي". في قطاعات تمثل 70% من الواردات العربية التي لا تنتج محليًا مثل:
  • صناعة الآلات كآلات النسيج وأجزاء السيارات والكهرباء والري.
  • صناعة وسائل النقل، بدءًا من ناقلات البترول بحكم أن المنطقة أكبر مصدر للبترول والغاز. وكذلك الشاحنات الثقيلة والسيارات وغيرها.
  • الزراعة لتقليل فجوة واردات الغذاء والتي تزيد وارداتها في الدول العربية عن خمسين مليار دولار، رغم وجود إمكانيات كبيرة في العراق بلاد النهرين، ومصر والسودان بلاد النيل، وإمكانيات في سوريا والمغرب.
  • الاستثمار في التنمية البشرية وفي مجالات التعليم الصناعي والتدريب.
  • دعم الحرية الرابعة (حرية انتقال الأفراد) وحركة المواطنين العرب في وطنهم العربي وإلغاء التأشيرات. وفي هذا قال رئيس وزراء أسبانيا مرة، إن من يقود سيارته من مدريد في أقصى الغرب حتى بوخارست في أقصى الشرق من الاتحاد الأوروبي، فإنه لن يقابل شرطي حدود واحد.
  • توفر الدول العربية الخليجية والعراق وليبيا أكبر سوق لعمالة الدول العربية. وهناك حاجة لتفعيل قرارات تعريب الوظائف العربية. حتى لا تطغي أعداد العمالة الآسيوية على عدد المواطنين في بعض دول الخليج.
  1. دعم الصمود الفلسطيني على أرضه واستغلال الفارق في نسبة نمو السكان الفلسطينيين مقارنة بنمو السكان من الإسرائيليين. أخذا في الاعتبار ظاهرة جدت مؤخرًا وهي "الهجرة العكسية اليهودية" فقد غادر إسرائيل مؤخرًا نحو نصف مليون عادوا إلى بلدانهم بعد اكتشافهم أنها ليست أرض الميعاد. وفي هذا لاحظت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية أن أغلب ما تبنيه إسرائيل من مستعمرات، هو من قبيل "بيوت الأشباح" التي لا تجد من يسكنها.
  2. يقودنا ذلك إلى أحد أهم الموضوعات المثارة. وهو الطمع في أن تكون سيناء هي "الحل السحري" لإنهاء القضية الفلسطينية بتهجير أهل فلسطين إليها. بينما تمثل سيناء ركنا بالغ الأهمية في تاريخ مصر وورد ذكرها في القرآن الكريم مرات. وفي قوله تعالي في سورة طه )بسم الله الرحمن الرحيم -يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى – صدق الله العظيم). وقد ذكرت سيناء في القرآن صراحة 29 مرة بخلاف الإشارات لها كمجمع البحرين. وهي البقعة الوحيدة في الكون التي تجلى وكلم فيها الله عز وجل نبيه موسى عليه السلام دون أن يبعث رسولا من السماء وبالتحديد في بقعة الطور من سيناء، التي وصفها سبحانه وتعالى بالوادي المقدس. وهي البقعة الوحيدة التي جاءها أنبياء الله يوسف وموسى وعيسى وأمه مريم، وسيدنا محمد ليلة الإسراء حينما مر بالبراق وقال رأيت موسى يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر بين مصر وفلسطين.

وإنـــــا بإذن الله وبالصمود العربي لمنتصرون.

مقالات لنفس الكاتب