تشهد العلاقات الدولية، ولا سيما منظومة الأمن العالمي، تحديات غير مسبوقة تعاظمت حدتها بفعل أزمة الرسوم الجمركية التي مثلت عاملاً مؤثراً في تفاقمها. بيد أن حقيقة المشهد الدولي تبدو أكثر تعقيداً، إذ يتضح أن النظام العالمي الراهن يرزح تحت هيمنة قوة عظمى منفردة، الأمر الذي يستدعي تساؤلات حول فاعلية المنظومة الدولية في ظل هذا الواقع. وتواجه الولايات المتحدة الأمريكية جملة من التحديات الداخلية المتنامية، من أبرزها الانقسام المجتمعي، واتساع نطاق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن إعادة تقييم للقيم التقليدية التي كانت إلى عهد قريب بمنأى عن النقاش. وإذ نؤكد على أن تقييم النظام السياسي الداخلي لواشنطن ليس من صميم مهمتنا، فإننا بلا شك نلمس ارتداداته التي تثير مشاعر قلق وعدم ارتياح واسعة النطاق على الصعيد العالمي.
ما هي الحقائق الراهنة؟ وكيف يمكن التأقلم معها؟
البداية تكمن في الشعور السائد لدى الإدارة الأمريكية الحالية بأن الولايات المتحدة تتكبد أثمانًا باهظة جراء إسهاماتها في دعم نظام دولي قاصر ومتقادم؛ بينما تجني دول العالم الأخرى من ذلك منافع جمة على شتى الأصعدة والمستويات. وعليه، نلمس نزوعًا لدى واشنطن نحو تعديل ميزان الأعباء والقوى الناجم عن التصور الخاطئ لمفهوم "العولمة"، وذلك بهدف استرداد الموارد والوظائف التي أُهدرت سابقًا. وتُشير أصابع الاتهام إلى الحزب الديمقراطي باعتباره المسؤول عما آلت إليه الأمور في هذا النظام الدولي المتعثر الذي لم يُراعِ المصالح الأمريكية حق رعايتها. وانطلاقًا من هذا التصور، يجري حاليًا ترسيخ نهج يقوم على أساس المعاملات مع مختلف مناطق العالم، وهو ما يقود بلا ريب إلى تساؤلات جوهرية بشأن علاقات واشنطن التاريخية وتحالفاتها التقليدية. وهو ما كان له وقع المفاجأة على حلف شمال الأطلسي “الناتو" والاتحاد الأوروبي الذين لم يخطر بذهنهما أن يتبنى الشريك الأمريكي مثل هذا الموقف الراديكالي منذ الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب.
يمنح الدستور الأمريكي الرئيس صلاحيات واسعة، تُمارس عادة بشكل مدروس، مع مراعاة "معنى" النظام الدستوري. في ولايته الأولى، قام الرئيس ترامب بتغيير مُساعديه المقربين أكثر من مرة، لكنه لم يتجاوز ما نعتبره أفعالًا وقرارات عادية وبعض الاستثناءات التي قد تحدث خلال الفترة الانتقالية للسلطة. ولكن في ظل الظروف الراهنة تتخذ الأحداث طابعًا مختلفًا على الأرجح بسبب العوامل التالية:
بادئ ذي بدء، إن الأسماء المتنافسة على المناصب الرئيسية في انتخابات نوفمبر 2024م، لم تكن وجوهًا مألوفة وليسوا من ذوي الخبرة في أساليب الحكم أو تقلد المناصب الحكومية بشكل عام. الاستثناء الوحيد كان ماركو روبيو، الذي يشغل منصب وزير الخارجية الأمريكي حاليًا، والعضو السابق في مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا، بجانب 5 من أبرز أعضاء الحكومة الحالية. العامل الثاني هو أن هؤلاء المرشحين لم ينحدروُا من صفوف الحزب الجمهوري التقليدية، وفي الأغلب أنهم لم يلتقوا من قبل. وقد تعلمنا من التجارب أن بناء فريق عمل متماسك وحقيقي، يسعى لتحقيق غايات مشتركة، يستلزم وقتاً ليس بالقصير. وهذا ما يبرر عدم اعتبار كل فعل أو تصريح يصدر عن الإدارة الأمريكية جزءًا من استراتيجية مُحكمة. فالوقت كفيل بأن يكشف عن أنماط السياسة الأمريكية. ويُضاف إلى ذلك أن التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الأمريكي تتزامن مع متغيرات عالمية عديدة أخرى.
برزت الصين كقوة عالمية عظمى خرجت من بوتقة الاقتصادات النامية التي ظلت حبيِستها قبل عقد من الزمان. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون قد دعمت انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية، إيمانًا منها بأن ذلك سيُسهم في تحولها التدريجي إلى اقتصاد تحكمه مجموعة من القواعد الليبرالية التي توجّهه نحو مسار السوق الحرة. غير أن هذا الاعتقاد ثبت خطؤه، والنتيجة هي أن احتواء بكين أضحى أكثر صعوبة مما كان عليه في وضعها السابق. ورغم أننا لسنا بصدد معايشة حرب باردة جديدة، إلا أن التوترات آخذة في الاتساع ولن يكون من السهل التنبؤ بردود أفعال البلدان الآسيوية الأخرى وإلى أي جانب ستنحاز في المستقبل. كما أن ما يُعرف بـ "الجنوب العالمي" يشهد صعودًا ملحوظًا في الأهمية والنفوذ. وفي المقابل، فإن طموحات دولٍ مثل البرازيل وجنوب إفريقيا والهند والمكسيك، على سبيل المثال لا الحصر، قد تواجه تحديات جمة إذا ما مضت واشنطن قُدماً في خططها المُزمَعة لفرض قيود والتزامات على دولٍ أخرى.
باعث أخر للقلق ينبغي مخاطبته، وهو تنامي شأن المنظمات متعددة الأطراف التي لم تعد "صيحة جديدة" بل ركائز دعم للنظام العالمي. وحتى وإن اعتبرناها غير مثالية لكنها لعبت دورًا أساسيًا في وضع القواعد المشتركة منذ الحرب العالمية الثانية شئنا أم أبينا. دعونا نتذكر أولى المحاولات لإنشاء شكل من أشكال النظام العالمي ممثلة في "عصبة الأمم" عقب انقضاء غمار الحرب العالمية الأولى، قبل أن تُجهض هذه المحاولة الوليدة نتيجة لإحجام بعض الدول الكبرى عن الانخراط فيها. في المقابل، لعبت المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والمجلس الأوروبي، وغيرها، دورًا كبيرًا في تكريس شعور المجتمع الدولي بتشارك القواعد، والمصالح، والقيم ذاتها. وعلى مدار الثمانين عامًا الماضية، شهدنا تطورًا اقتصاديًا غير مسبوق وتواصلًا معرفيًا بين الأمم. أتى هذا النظام ثماره بشكل جيد، حتى وإن شابه بعض العوار، ولكن تدميره دون وجود بديل استراتيجي للمستقبل سيكون خطأً فادحًا. ربما لم تبلغ الأمور هذا الحد لكننا شاهدنا، على سبيل المثال، القرار غير المسبوق من قبل إسرائيل باعتبار الأمين العام للأمم المتحدة شخص غير مرغوب فيه. الحرية لا تعني إطلاق العنان لصاحب النفوذ الأكبر، شعوبًا كانت أو أمما، لفعل ما يتراءى له من أجل تعظيم مكاسبه أو نفوذه. الحرية تحقق مرادها بشكل أفضل إذا حددت بالقواعد المتفق عليها التي تراعي الحقوق الأساسية لكافة الأشخاص، بالإضافة إلى القاعدة الذهبية بشأن تقاسم السلطات.
إذا عدنا بالأذهان لعقود سابقة سنرى مراحل تطور النظام الدولي. بداية من الحرب الباردة التي شكلت مواجهة مطولة بين الديمقراطيات الأوروبية-الأطلسية والكتلة السوفيتية. ثم نشأة النظام العالمي أحادي القطب في كنف الزعامة الأمريكية العالمية، بعد انهيار الشيوعية، والذي لم يدم أكثر من عقد من الزمان. فقد تبدلت الأشياء بطبيعة الحال كما هو موضح بشكل جيد في الكتاب الصادر بعنوان " العالم لا ينتمي لأحد"؛ وبينما لم يعد النظام العالمي حكرًا على قوة عالمية منفردة، فيصح القول أيضًا بأنه ملكٌ للجميع. في السابق، بالفعل، كان يُنظر إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية في الماضي على أنه مجرد تكتل لدول نامية ورثت تركة استعمارية ونفوذًا محدودًا على الصعيد الدولي. أما اليوم، فقد تبدّل المشهد جذريًا، حيث اكتسب هذا الجنوب قوة متزايدة، مدعومًا بطموح عارم لتغيير موازين القوى. وعلى النقيض من ذلك، يبدو "الشمال" متفككاً ويزداد طابعه الدفاعي عاماً بعد عام.
الانطباع الذي يلوح في الأفق حول النزعة التصادمية للسياسة الأمريكية قد ينبع من إحساس واشنطن بالوهن وتراجع نفوذها تدريجيًا. وفي الحقيقة، يمكن الاستدلال من التصريحات الأخيرة المتعلقة بجزر جرينلاند وكندا وتغيير اسم خليج المكسيك على أنها بمثابة تذكير بضرورة استعادة واشنطن لمكانتها العالمية الرائدة.
وغالباً ما يُلقى باللوم على الإدارة الديمقراطية السابقة فيما آلت إليه الأوضاع، لكن هذا ليس صلب حديثنا الآن. ما نود التركيز عليه هو تحليل مسار السياسات الجديدة وتقييم التطورات والنتائج المحتملة في ضوء التساؤلات المطروحة حول طبيعة النظام العالمي القادم والنمط الذي سيتخذه.
ثمة مقترحات بأن النموذج الذي يتبناه دونالد ترامب أشبه بتحالف الأمم التي حكمت أوروبا في النصف الأول من القرن الـ 19 عقب سقوط نابليون بونابرت ولكنه يبدو نموذجًا عفا عليه الزمن. فنحن نتحدث عن مجموعة تتألف من 5 أو 6 دول، جميعها من الأنظمة الملكية وكان يحركها الدافع نفسه بعد مؤتمر فيينا في 1815م، وهو ترسيخ النظام الدولي الذي تمثله بحيث لا يكون موضع نقاش قط، مثلما كان في عهد الثورة الفرنسية وحكم نابليون. تحمل هذه الصورة النمطية عن الماضي قدرا من الصواب حيث كانت الانتفاضات الليبرالية في إيطاليا وإسبانيا تُقمع بواسطة القوة العسكرية. إن الحالة التي يمكن فيها لنموذج "تحالف الأمم" أن يصبح واقعًا قابلاً للتطبيق هي عندما يشترك أعضاؤه في القيم والأنماط عينها. بعبارة أخرى، يتطلب الأمر تقاسمهم للنظام المجتمعي السياسي ذاته، وهو أمر يكتنفه صعوبة جمة في عالمنا المعاصر الذي تتجه فيه القوى العالمية نحو التنافس بدلًا من الانسجام. وقد تجلى هذا الأمر بوضوح من خلال حملة الرسوم الجمركية التي أطلقتها واشنطن، والتي اتسمت بتوجه شامل دون أي تمييز بين الحلفاء التقليديين والخصوم المفترضين على حد سواء.
من جانبها، تسعى الدول المستهدفة إلى المقاومة وحماية مصالحها القومية في أغلب الأحيان بشكل منفرد، أو حتى عندما يتفاوض الاتحاد الأوروبي بموجب تفويض جماعي صريح. أما فيما يخص العلاقات السياسية، فيوحي الوضع الراهن بأن كل طرف من الأطراف الفاعلة على الساحة العالمية يتألف من عضو واحد فحسب، مع استثناءات قليلة في حالة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
يعكس كل ذلك بيئة عالمية محفوفة بالمخاطر لم تقتصر فقط على زعزعة استقرار القواعد التقليدية السائدة، بل وتنامي وتيرة النزاعات المسلحة والمواجهات التي تهز بنية النظام العالمي بطرق مختلفة، في مقدمتها: الصراع الروسي-العسكري، والدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة؛ والنهاية المقلقة للحرب السورية؛ وهشاشة الأوضاع في اليمن في ظل استمرار أزمة النووي الإيراني؛ بالإضافة إلى الحروب الأهلية المنسية في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ والتصعيد الخطير للغاية بين الهند وباكستان (وكلاهما قوتان نوويتان)؛ والتهديدات المتجددة من الصين لتايوان؛ ولا ننسى الجمود في شبه الجزيرة الكورية الأشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة؛ فضلًا عن الصراع الناشئ بين المكسيك والولايات المتحدة، والذي لا يقتصر على ملف المهاجرين فحسب، بل يشمل أيضًا العصابات الإجرامية الخطيرة، هذا فقط على سبيل المثال لا الحصر .
كيف لنا أن نتصدى لتلك السيناريوهات؟ وهل آن الأوان لنُمعن النظر في إمكانية الاستعانة بجهات أمنية داعمة؟
منذ نشأته في عام 1949م، أثبت حلف الناتو قدرته على الصمود والتحلي بالمرونة في العديد من العمليات، وأظهر قدرة غير متوقعة على التكيف مع الحقائق المتباينة. ويتمتع التحالف الغربي بقدرة فريدة على قابلية التشغيل البيني الكامل بين أعضائه المؤلفين من 32 دولة بالإضافة إلى 40 شريكًا دوليًا، بالإضافة إلى العلاقة المدنية العسكرية الفريدة، حيث يتولى المدنيون الإمساك بزمام الأمور ويلقون الدعم والمشورة غير المقيدة من قبل المؤسسة العسكرية. الحديث الراهن يدور حول التحول المحتمل في حلف الناتو في ظل المشاركة الأمريكية المحدودة نتيجة تضاؤل اهتمام واشنطن بالشأن الأوروبي والتركيز عوضًا عن ذلك على آليات ردع النفوذ الصيني. وتتداول أنباء مفادها أن واشنطن تدرس جدياً التخلي عن موقعها القيادي العسكري في حلف شمال الأطلسي، والمتمثل بمنصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا. وعلى الرغم من عدم صدور قرار رسمي بهذا الشأن حتى الآن، فإنه يصعب تصور كيف يمكن لهذا الانسحاب من موقع نفوذ استراتيجي وملموس أن يخدم المصالح الأمريكية. ويرى كاتب هذه السطور أن الرئيس ترامب سيؤكد، خلال قمة حلف الناتو المقبلة في لاهاي، على أهمية احتفاظ واشنطن بدورها داخل الحلف، معللاً ذلك بضرورة زيادة الدول الأوروبية الحليفة لمستوى إنفاقها الدفاعي، سعياً نحو تحقيق إدارة أكثر توازناً وتقاسم أعباء المسؤولية تحت مظلة التحالف الغربي. ومن المحتمل أيضًا الإعلان عن مراجعة حجم الإنفاق بحيث قد تدعو واشنطن لمزيد من الإصلاحات لتحسين أداء المنظمة.
باستعراض مستقبل حلف شمال الأطلسي، يجدر بنا أن نضع في الحسبان ميل الرأي العام الأمريكي عمومًا نحو البقاء في إطار الحلف. يضاف إلى ذلك ارتياح النخب السياسية والدبلوماسية والعسكرية إزاء استمرار التفاعل التقليدي مع بروكسل، وهو تفاعل ترسخ على مدى عقود من الخبرة، ولا تبدو هنالك أسباب جوهرية تدعو إلى التخلي عن هذا الدور المؤثر. أما على الجانب الأوروبي، فقد تجلى بوضوح حجم الاستغراب والصدمة إزاء الإعلان المفاجئ من واشنطن بفرض رسوم جمركية باهظة، وبشكل أعم، إزاء النهج الذي اتخذه الرئيس الجديد تجاه المؤسسات الأوروبية والذي يمثل، على أقل تقدير، انعكاسًا خطيرًا للعلاقات التاريخية الوطيدة بين ضفتي الأطلسي. ولعلنا نتذكر أنه حتى عهد قريب، كان مصطلح "المؤسسات الأوروبية الأطلسية" يُستخدم كوصف اعتيادي وبديهي.
جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، هو من استخدم التعبير الشهير " التحول صوب آسيا" عقب توليه فترته الرئاسية الأولى، تعزيزا لتصريحات وزيرة خارجيته في ذلك الحين هيلاري كلينتون بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن" أمريكا المحيط الهادئ". الهدف كان الإشارة إلى استحواذ البلدان الآسيوية على مكانة أكبر وأكثر أهمية في الرؤى السياسية الأمريكية. في الواقع، شهدت آراء أوباما تغييرا تدريجيا ومع مرور الوقت اتجه إلى الحلفاء الأوروبيين التقليدين، منهيًا سنواته الثمانية في الحكم بزيارة إلى برلين، التقى خلالها المستشار الألماني في ذلك الوقت أنجيلا ميركل وسط إلحاح للبقاء فترة أطول في الحكم نظرًا لقدوم إدارة دونالد ترامب خلفًا له.
هل يمكن أن يحدث ذلك مجددًا؟ في هذه المرة تتخذ الأيديولوجيات على ما يبدو مسارًا مغايرًا، ويتجلى ذلك في رد الفعل الأوروبي الواضح والملموس. إذ تستعرض المفوضية الأوروبية جملة من المقترحات الرامية إلى تحقيق "استقلال استراتيجي"، بدءًا من القرار الذي حظي بتأييد واسع النطاق والقاضي بزيادة الإنفاق الدفاعي ليبلغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي سعيًا نحو تحقيق قدر أوسع من الاستقلالية في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية. ويُضاف إلى ذلك النقاش الدائر حول إمكانية إنشاء هيكل دفاعي مستقل، مع ميل الرأي العام في غالبيته إلى الإبقاء على حلف الناتو باعتباره الإطار الأساسي الداعم لنوع من الركيزة الأوروبية. وجدير بالذكر أنه لم يتبلور بعد تصور جليّ لتصميم هذا الهيكل الدفاعي، كما لا يوجد إجماع حول تداعياته الملموسة، الأمر الذي يستدعي إلى الأذهان الصيغة التي انبثقت عن قمة حلف الناتو في برلين في يوليو 2000م، والتي نصت على أن "قوات الناتو ليست منفصلة، ولكنها قابلة للفصل".
وختاماً، فبالنظر إلى طبيعة الأحداث الراهنة وتشابكها، يتعذر علينا تقديم تحليل شامل لآثارها المحتملة على منطقة الشرق الأوسط. وتكتسب المنطقة العربية أهمية استراتيجية جوهرية بالنسبة لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، حيث يمثل الأمن والاستقرار أبرز سماتها. وفي اعتقادنا، يمثل كلا الكيانين شريكين مثاليين للمنطقة، وذلك بعد فترة طويلة من الإهمال، لما يمتلكانه من قيم مضافة في شتى المجالات. ويُعد الأمن التعاوني، في جوهره، السبيل الأمثل لمواجهة التشرذم والعداوات وتعزيز الأمن والتعاون الإقليميين، وهو ما يستلزم من جميع الأطراف المعنية العمل الجاد وإظهار النوايا الحسنة، وإن استغرق ذلك بعض الوقت. علاوة على ذلك، فإن الحفاظ على تعاون مستدام بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي يشكل قيمة مضافة بحد ذاته لإرساء عالم أكثر أمانًا. بيد أن تحقيق هذا الهدف لن يتأتى بصورة تلقائية، بل يتطلب من جميع الأطراف الفاعلة تبني نهج دبلوماسي إيجابي في ظل الواقع الراهن الذي لا يبعث على الرضا.






