array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

حسم تركيز القوة المشروعة بيد الدولة السورية والتحرير من الأدلجة الفصائليّّة وبناء ثقافة وطنيّّة

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

تتطلّب القراءة النقديّة للموضوع مقاربة الظاهرة انطلاقًا من محاولة تحديد خصائصها الأساسيّة، وذلك وفق منهج موضوعيّ يتجنّب الغرق في الخلفيّات السياسيّة والأيديولوجيّة التي تحكمها.

لا شكّ في أنّ المنهج النقديّ الساعي إلى الكشف عن الجوهر، يبدأ من وضع تعريف لظاهرة الفصائل المسلحة (الميليشيا). فالمعرفة أساسها التعريف.. ولا بدّ للتعريف أن يستند إلى السمات العامّة والجامعة التي تشترك فيها مختلف حالات هذه الظاهرة، على تنوّع أشكالها وتجلياتها التي تلتقي في الجوهر، وإن اختلفت في المظهر.

ويتضمّن المنهج النقديّ العام المنطق الجدلي كواحدٍ من أهمّ أسسه، ذلك لأنَّ الشّكل متغيّر ومتحوّل ضرورة عكس الجوهر. والتحول يتمّ عبر سلسلة: الموضوعة – نفي النفي (التركيب)، وهو ما سأتحدث عنه لاحقاً. ولا بدّ أولاً من الاعتراف بأنّ ظاهرة الميليشيا لا يمكن تعريفها تعريفاً دقيقاً، ذلك لأنّها ظاهرة مجتمعيّة نافرة أو شاذّة أو مرضيَّة في الجسد المجتمعيّ، ومن المعروف أنّ البحث في الظواهر المجتمعيّة جميعها يخضع لمشكلتين:

  • أنّ تعريفها يغوص في وحول (السهل الممتنع)
  • أنّها متنوعة الأشكال والأهداف، متعدّدة الارتباطات الأيديولوجيّة والسياسيّة بل والعاطفيّة أحياناً، عكس الظاهرة ((المخبريّة)) التي يمكن فحصها بدقة علمية كاملة.

إنّ ما يساعدنا على تخطّي المشكلتين أو احتوائهما هو الالتزام الموضوعيّ ببحث ((الجوهر العامّ)) لظاهرة الميليشيا من دون الدخول في تفاصيل التباينات العديدة القائمة وفق الحالات المختلفة، ودون – وهذا هو الأهم - الوقوع في شبكة التقييم السياسيّ والأيديولوجيّ.

في هذا الصدّد، يبدو من المهم اتباع التسلسل المنهجي لدراسة الظاهرة وفق الآتي:

  • التعريف الجوهري الجامع.
  • المحدوديّة التاريخيّة للظاهرة وعلاقتها بمفهوم الثورة.
  • علاقة الميليشيا والثورة بالدولة بعد إسقاط النظام.
  • الحلول الممكنة.
  • التعريف الجوهريّ الجامع:

الميليشيا مجموعة بشريّة أو فصيل مسلّح تطوّعيّ مؤقّّت يستخدم العنف لتحقيق أهداف سياسيّة أو أيديولوجيّة محدّدة، ويخضع لتنظيم وانضباط صارمين.

من الواضح إذاً أنّ هناك أربعة عناصر تحدّد جوهر الميليشيا:

  • الأيديولوجيّة التطوُّع.
  • حمل السلاح والعنف.
  • الطبيعة المؤقتة لها كتنظيم.
  • الهدف السياسيّ أو الأيديولوجيّ لتوجّهاتها.

هذا هو جوهر تشكُّلها، أمّا الأهداف وأشكال التنظيم والأساليب فتختلف من حالة لأخرى حسب الظروف والأيديولوجيا التي تحكمها، وحسب أوضاع كلّ مجتمع بذاته، فتنظيم (الفييتكونغ) في فيتنام يختلف في أساليبه وتنظيمه وأهدافه وخلفيّاته عن تنظيم (بادر ماينهوف) في ألمانيا، أو (الألوية الحمراء) في إيطاليا، أو (الجيش الأحمر) في اليابان، أو (حماس) في فلسطين، أو (جيش التحرير) في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسيّ لها..

ومن المهمّ التّأكيد هنا أنّ كلّ مجموعة مسلّحة تقوم دعوتها على التطوُّع بغية تحقيق أهداف معيّنةٍ وتعتمد القوانين الصارمة والعنف، هي ميليشيا سواء اتّفق الباحث أو اختلف مع أهداف هذه الميليشيا أو تلك، وأساليب العنف لديها. إنّ مفهوم "ميليشيا" مفهوم علميّ تقنيّ محدّد تنطبق عناصره على المجموعات المسلّحة، وهذه العناصر تشكّل جوهر الظاهرة بصرف النظر عن أهدافها ومنطلقاتها السياسيّة والأيديولوجيّة، إنّ ما ينطبق من حيث المفهوم التقنيّ العلميّ، على (الحوثيّين) في اليمن ينطبق على (الفييتكونغ) في فيتنام أو (قسد) في سوريا أو في أيّ أماكن أخرى، إنّ الدبّابة لها تعريف علميّ تقنيّ محدّد بغضّ النظر هل استخدمها جيش وطني للدفاع، أو جيش محتلّ للعدوان، هذا هو لبُّ الموضوع تماماً لأنّ مفهومي "الدفاع" و"العدوان" يخضعان للمعايير السياسيّة والتوجّه الأيديولوجيّ.

يجب التوقّف عند مفهوم "العنف" إذ لا يُعدّ سلبيًّا بالضرورة في علم السياسة. بل هو أداة من أدوات السياسة المعاصرة. فالعنف من حيث المبدأ ليس إيجابيًّا ولا سلبيًّا إلا إذا رُبط بالموقف الأيديولوجيّ.. فحرب التحرير الشعبيّة في الجزائر أو الثورة السورية على المستعمر الفرنسيّ وغيرهما الكثير من الحالات، كلُّها ينطبق عليه مفهوم الفصائل المسلّحة "الميليشيات" التي تستخدم العنف لتحقيق أهدافها، أمّا هل كانت تلك الأهداف “خيرة” أم “شريرة؟ فهذا سؤال تقييميّ، لا يدخل ضمن المفهوم العلمي، بل ضمن المنهج النقدي الذاتيّ، وهذا هو جوهر المسألة.

والتقييم العلمي لمفهوم "الميليشيا" لا يهمّه أنّ بعض العنف يسمّى كفاحاً أو نضالاً أو استشهاداً في سبيل الحقّ بينما الآخر يسمى إرهاباً. وهنا سأورد بعض الأمثلة لتوضيح ذلك: مثلاً (بعض الميليشيات الإسلاميّة) تدفع ببعض أعضائها لتفجير أجسادهم في المواجهة. الأمر نفسه فعله الكاميكاز اليابانيون في مواجهة السفن الأمريكيّة.. والأمر نفسه يفعله بعض الشبان الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ، فكما نرى الأهداف مختلفة لكنّ العنف واحد، وهذه جزئيّة مهمّة في تحديد مفهوم "الميليشيا".

يعدّ مفهوم "العنف" أحد المفاهيم التي يستخدمها علم السياسة، وهو من خصوصيّات السلطة الجبريّة "الدولة"، فهذه السلطة تعاقب بالعنف من يخالفها لكنّها لا تكافئ من يخضع لها طوعاً ويلتزم بالقانون السائد فهو لا يحصل على أيّ مكافأة أمّا من يخالف فالسجن بانتظاره، وهذا "عنف" آخر تقوم به دول العالم جميعها.

ويبدو أنّ اللسان السياسيّ العربي استبدل مصطلح "ميليشيا" بمصطلح "الفصائل المسلّحة" في محاولة لإخفاء نظرته إلى الميليشيا كمفهوم سلبيّ. لكنّ هذا لا يغيّر من الجوهر المفهوميّ للظاهرة.

  • المحدوديّة التاريخيّة لظاهرة الميليشيا وعلاقتها بمفهوم الثورة:

المقصود بالمحدودية التاريخيّة أمران:

  • أنّ الميليشيا تنظيم مؤقّت ينتهي بانتهاء ضرورته، أيّ بانتهاء حالة عدم الاستقرار السائدة في مجتمع ما.
  • أنّ ظاهرة الحاجة إلى ظهور ميليشيا هنا أو هناك ستنتهي مع التقدّم في تنظيم المجتمعات على أسس ديمقراطيّة صحيحة، مع السيطرة التامّة للقانون الدوليّ ولعلاقات الأمن والسلام في العالم، فبالرغم من عيوب الديموقراطيّة المعاصرة في الغرب إلا أنّ المجتمعات هناك استطاعت الاستغناء عن الميليشيات والثورات المسلّحة، ذلك لأنّ النظام السياسيّ يمتصّ الاحتجاجات بطرق سلميّة مثل تحديد فترة الرؤساء والحكومات.

من هنا تبدو الميليشيا (شرّاً لا بدّ منه) كما يُقال وفق الظروف التي تمرّ بها المجتمعات حالياً، بصرف النظر عن ماهيّة الأهداف التي تسعى الميليشيات إلى تحقيقها، وعندما يقوم تنظيم ميليشياويّ في مجتمع ما، يكون من أهمّ صفاتِه أنّه مؤقّت، وسينتهي مع انتهاء مهامه رغم ما يرافق تلاشيه و "موته" من صعوبات وإشكاليّات في هذا المجتمع.

ولعلّ من أبرز ما تعتمد عليه الميليشيا لإطالة عمرها هو التلوّن بمفهوم الثورة. إذ غالبًا ما تُبرّر الميليشيات وجودها بثورةٍ على نظامٍ سياسيّ يُوصَف بالديكتاتوريّة والظلم. لكنّ هذا الاستخدام للمفهوم يُثير عدّة إشكاليّات، أبرزها:

  1. أنّ مفهوم الثورة ليس تقنيًّا فحسب، بل يشمل مضمونًا سياسيًّا وأيديولوجيًّا، دون أن يُغفل عنفَه كوسيلة، فجهةٌ ما ترى في التمرّد على النظام ثورة، بينما يراها النظام حدثًا تخريبيًّا ويُطلق عليها تسميات سلبيّة مثل "فتنة" أو "ثورة مضادّة". خذ على سبيل المثال اجتياح الباستيل الفرنسي عام 1789م: المهاجمون عدّوه ثورة، فيما رأت فيه أسرة بوربون مجرّد هيجان رعاعٍ غوغائيّ يهدّد الملكيّة. وهكذا يمكن الحديث عن الثورات جميعِها.
  • أنّ مفهوم الثورة إيجابيّ بينما يحمل مفهوم الميليشيا إجمالاً معانيَ سلبيّة، فالثورة تصبح ضرورة وظاهرة مستحبّة عندما يصل وضع النظام السياسيّ السائد إلى حالة من العبث غير محتملة، عندها تتفاقم التناقضات في الحياة العامّة، ويتعطّل التقدّم وينعدم الاستقرار، في هذا الوضع تصبح الثورة لبوساً مزركشاً وأمراً مطلوباً تتّخذه الميليشيات مسوّغاً إيجابيّاً لوجودها.
  • مفهوم الثورة لا يقتصر على العنف، ولا ينتهي بالوصول إلى السلطة بعد القضاء على النظام السياسيّ السائد، بل يتحوّل مفهومها من مجرّد العمل للوصول إلى السلطة، إلى عمليّة التحويل التغييريّ المستمرّ نحو الأفضل في مجمل تفاصيل البنية المجتمعيّة ومستوياتها العامّة والخاصّة. وهنا تؤكّد الميليشيات أنّ وجودها ضروريّ بعد إسقاط النظام، لأنّها قامت بالثورة والثورة يجب أن تتمدّد في حالة الاستقرار أيضاً من أجل إحداث التغيير الاجتماعيّ (الثورة المستمرة) بعيداً من العنف.
  • كما أنّ هناك ثورات تحقّق أهدافها، في التوصّل إلى تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة مهمّة دون استخدام العنف، أي دون أن يكون الثائرون أعضاء في "ميليشيا". مثل هذه الثورات السلميّة أدت فعلاً إلى تحوّل مهمّ في أوضاع المجتمع العامّة، أذكر على سبيل المثال ثورة مايو 1968م، في فرنسا، وهي ثورة طلابيّة وعماليّة على نظام الرئيس شارل ديغول، وقد نجحت في التوصّل إلى إصلاحات نوعيّة، المثير هنا أنّ العنف جاء من طرف النظام وليس من طرف "الثائرين" الذين اكتفوا بتنظيم المظاهرات والاحتجاجات الضخمة في مواجهته.
  • أنّ مفهوم الثورة يحرّر مفهوم الميليشيا من قيدها التقنيّ وقيدها المؤقّّت ويعطيها صفة إيجابيّة، فالميليشيا نوعان: نوع يدافع عن النظام السياسيّ السائد، ونوع يواجه النظام ويسمّي نفسه "ثورة" ويرفض إعطاء الاسم نفسه للميليشيا الموالية للنظام، بالمقابل تسمّي الميليشيات التابعة للنظام الميليشيات الثائرة "ثورة مضادّة".

لدينا أمثلة عديدة في أماكن مختلفة من العالم، مثلاً ميليشيا (الفييتكونغ) كانت تدعم نظام فيتنام الشمالية، وميليشيا (الدفاع الوطنيّ) كانت تدعم نظام الأسد.

  • علاقة الميليشيا بالدولة بعد إسقاط النظام:

الحديث هنا يقتصر على الميليشيا الثائرة على النظام السياسي فقط، لأنّ الميليشيا الموالية للنظام تسقط بسقوطه، ولعلّ علاقة الميليشيا أو الثورة بالدولة تشكّل واحدة من أهمّ الإشكاليات في مسار هذه العمليّة السياسيّة المعقّدة.

الإشكال المنهجيّ هنا واضح.. فالثورة تعني نفي الدولة السيّئة التي خرجت عن دورها البنّاء، وتكون الدولة الجديدة بمنزلة نفي نفي الثورة، على الرغم من أنّها ابنتها.

سأحاول توضيح ذلك بمثال بسيط، في المرحلة الثانويّة يكون الصف الحادي عشر نفياً للصف العاشر لكنّه في الوقت نفسه نتاج له، ثم يأتي الصفّ الثاني عشر نفياً للنفي (الحادي عشر) لكنه في الوقت نفسه نتاج للصفّين السابقين.. وهكذا في سلسلة لا تنتهي.

المشكلة أنّ السياسة ترفض المنطق لأنّ الحادي عشر سيحاول فرض نفسه على الثاني عشر بذريعة أنه هو الذي أوجده وخلّصه من العاشر. أيّ أنّ الثورة تحاول فرض نفسها على الدولة الجديدة بذريعة أنّها قضت على الدولة القديمة، وولّدت الدولة الجديدة.

في إطار هذه العقدة المنطقيّة يفرض الواقع السياسيّ صراعاً خطراً بين ميليشيات (ثورة) ترفض أن تحلّ نفسها، لأنّها حقّقت هدفها (لنتذكّر المضمون المؤقّت للميليشيا) ودولة جديدة ترفض بطبيعة دورها الوضعَ الميليشياويّ (الثوريّ).

الإشكاليّات في إطار علاقة (ميليشيا "ثورة" – دولة جديدة) إشكاليّات صعبة، وهذه الإشكاليّات تظهر منذ الساعات الأولى لإسقاط الدولة السابقة (النظام) حيث تظهر للعلن تناقضات كانت نائمة في فترة مواجهة النظام.

ويمكن تصنيف هذه التناقضات ضمن إطارين واسعين:

1- التناقضات الأيديولوجيّة والسياسيّة بين الميليشيات:

ما يجمع الميليشيات اتّحادها لتحقيق هدف مشترك هو إسقاط النظام والوصول إلى السلطة، وعندما يتحقّق هذا الهدف يظهر الخلاف والتنافس حول طبيعة الدولة الجديدة انطلاقاً من الاختلافات الأيديولوجيّة والمفاهيميّة بين الفرقاء.. أهمّ مثال على هذه الإشكالية هو الثورة الشعبيّة الفرنسيّة عام 1789م، صحيح أنّ الثوار لم يشكّلوا ميليشيات بالمفهوم الحديث، لكنّ المسألة واحدة وهي تمرّد شعب على حكّامه بسبب ظلمهم واستخدام العنف في هذا التمرّد. عاشت الثورة الفرنسية بعد وصولها للسلطة أحداثاً مأساويّة في صراع عنيف بين فصائلها، وتوالت أنظمة حكم متصارعة حسب انتصار هذا التيّار أو ذاك من الثائرين، وكلّنا يعرف المقولة المعبرة التي أعلنها الثائر المفكّر جورج دانتون وهو أمام المقصلة عندما أعدمه رفاقه الثائرون: ((الثورة تأكل أبناءها)).

وفي سورية تلا وصول البعث للسلطة عام 1963م، صراعاتٌ ودماء وتدمير وقتل حتى عام 1970م، حيث سقط عشرات الضحايا في معركة 18 يوليو 1963م،’ بين الميليشيات البعثيّة نفسها. ومئات الضحايا عام 1965م، بين ما يسمى اليمين واليسار. وكذلك سقطت ضحايا عام 1968م، فيما يسمى حركة سليم حاطوم، ثم سقط ضحايا 1970م، فيما يسمى بالحركة التصحيحيّة. كلّ هذه الصراعات المسلحة كانت بين البعثيّين أنفسهم.

هناك أيضاً حركة "الضبّاط الأحرار" في مصر عام 1952م، والصراع بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر والإخوان المسلمين، وهي صراعات عنيفة جرت فيها محاولة اغتيال عبد الناصر. كلّها حدثت في إطار المجموعة ذاتها التي واجهت نظام الملك فاروق، وفي روسيا أيضاً هناك الصراع الشهير بين ستالين ورفيقه تروتسكي بعد موت لينين.

 

2- التناقض الجوهري بين منطق الثورة ومنطق الدولة:

 

الثورة حالة هيجان تغييري، تهدف إلى كسر الواقع القائم غالبًا باستخدام العنف. أدواتها الأساسية: التحشيد والصراع. أمّا الدولة فهي نقيض هذا الهيجان، فهي تستند إلى القانون والمواطنة، وتسعى لترويض التناقضات ضمن إطار تكامليّ.

 

هنا يمكن استعارة صورة الإله “جانوس” من الميثولوجيا الرومانيّة، ذي الوجهين:

وجه عابس ينظر إلى الماضي وهو رمز الثورة.

وجه ضاحك ينظر إلى المستقبل وهو رمز الدولة.

الدولة تعمل على تهذيب وجه جانوس العابس (الثورة)، لصالح وجهه الضاحك (الاستقرار)، أي على تحويل الغضب إلى منظومة قانونية والعنف إلى مؤسسات.

إلى جانب ذلك:

الثورة مشبعة بالأيديولوجيا ما يقود غالبًا إلى الإقصاء ورفض الآخر.

والدولة تؤسَّس على مبدأ التعدّديّة وقبول الاختلاف، من خلال مفهوم المواطنة المتساوية.

لكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ الدولة بدورها، قد تنزلق نحو الاستبداد وتتخلّى عن طبيعتها الجامعة.. عندها تعود الثورة كـ (شرٍّ لا بدّ منه)، لتذكّر بضرورة إعادة بناء الدولة كـ (خيرٍ لا غنى عنه).

4- الحلول الممكنة:

كما سبق أن أشرت.. تمرّ جميع الثورات بتجربة (الثورة تأكل أبناءها). ويكمن جوهر الصراع في التباينات الأيديولوجيّة العميقة، بل والمتعارضة أحيانًا بين الفصائل الثوريّة المختلفة. هذه التناقضات تظلّ كامنةً تحت سطح الصراع مع الدولة المستبدّة، لكنّها ما إن تنتصر الثورة حتى تبدأ في الظهور على شكل صداماتٍ دامية بين الفصائل نفسها.

كيف يمكن تحكيم العقل والمنطق؟ تقولون: وهل في السياسة عقل ومنطق؟ لا أدري.. من المهمّ هنا إبراز نقطتين يفرضهما العقل ودافع البقاء:

  • لا بدّ من بناء وعي جديد، نفياً للوعي الذي كان سائداً في فترة المواجهة والثورة، الوعي أثناء الثورة يتضمّن هدم الموجود، الوعي هنا يتضمّن بناء الدولة.
  • لا بدّ من اتّخاذ إجراءات محدّدة تسهم في تعزيز الوحدة الوطنيّة استناداً إلى الوعي الجديد.

المهّم أوّلاً.. أن يعمل العقلاء من الثائرين على البدء بتدريب أنفسهم على قبول الآخر، خاصّة أنه كان رفيقهم في الثورة، هل هذا ممكن؟ سؤال نترك إجابته للتجربة العينيّة.

الأمر الثاني.. على الجميع الاعتراف بأنّ الثورة انتهت، أيّ أنّ الإقصاء والعنف أصبح مضرّاً وأنّه لا بدّ من بناء الدولة الجديدة وبمحتوى يختلف تماماً عن محتوى الثورة.  

لا بدّ هنا من ترسيخ الاعتقاد عند الجميع بأنّ هذا هو خيارهم الوحيد، سواء أعجبهم ذلك أم لم يعجبهم، وأنّ الجميع سيخسرون إن لم يعترفوا بهذه الحقيقة.

هنا يمكن إثارة (دوافع البقاء) عند الجميع وهي من أقوى الدوافع عند الفرد والمجتمع، فينبغي توجيه وسائل الإعلام للتركيز على هذا الدافع كي يصبح جليّاً في أذهان الجميع وراسخاً في وعيهم باستمرار.

الأمر الثالث.. هو تقييم انعكاسات ما يسمّى بـ ((العوامل الخارجيّة)) على الحالة المحدّدة، هل هي سلبيّة أم إيجابيّة، إجمالاً كانت العوامل الخارجيّة سلبيّة أو غير مهتمّة، في حالة الثورة الفرنسية 1789م، والرّوسية 1917م، وغيرها، لكن الحالة السورية اليوم فإنّ (العامل الخارجيّ) إيجابيّ وضاغط باتجاه التقدّم نحو بناء الدولة والخلاص من مرحلة الثورة بعد أن أتت أُكلها..

ومن المثير أنّ العوامل الخارجيّة، على اختلافها، إيجابية للحالة السوريّة، ذلك لأنّ الحالة وصلت فعلاً أمام جدار مسدود في عهد النظام السابق، أضف إلى ذلك أهميّة سوريا الجيوإستراتيجيّة في إطار أهميّة الشرق الأوسط بكامله للسياسة الدوليّة. ومن المهمّ الاستفادة القصوى من الاهتمام العربيّ والإقليميّ والدوليّ بسوريا. هنا يمكن استخدام الضغوط الخارجيّة الإيجابيّة وسيلةً فعّالة للضّغط على من لا يزال يفكّر بطريقة الميليشيا الإقصائيّة.

ولعلّ الأمر الرابع.. يُعدُّ من أصعب الأمور ويتعلّق بتحويل هذا الوعي، الذي تمّ ذكره في الأمور الثلاثة السابقة، إلى عمليّاتٍ وإجراءات محدّدة وملموسة، من أهمّ هذه الإجراءات والآليّات حلّ الفصائل جميعها حلاًّ كاملاً وسريعاً، ومركزة المجال العسكري المسلح والأمن تحت سيطرة الدولة دون أيّ استثناء أو مساومة.

الباحث التركي المعروف أحمد داوود أوغلو وضع دراسة شائقة حول هذا الموضوع تحت عنوان: ((إعادة بناء سوريا من الثورة إلى التّجديد)) في 18 فبراير من هذا العام، أكّد فيه أهميّة الشرعيّة الدستوريّة كإجراء قاعديّ، وكذلك التماسك المؤسسيّ وإعادة التأهيل الاجتماعي، والشروع فوراً في المصالحة الوطنيّة على أساس الشعور المشترك بالهُويّة الوطنيّة، والتخلّي عن نزعة الانتقام، والتمعّن فيما خلّفه أنموذج الانقسام الطائفيّ في لبنان والعراق من سلبيّات على حساب وحدة الهُويّة الوطنيّة، والإبقاء على استمراريّة السلك الديبلوماسيّ والتمثيل الخارجيّ القويّ.. إلخ.

 

الخاتمة

- لا بدّ من دراسة ظاهرة الميليشيا، كظاهرة تابعة لعلم الاجتماع السياسيّ، عبر منهج نقديّ ومنطق جدلي مثل الظواهر الاجتماعيّة والسياسيّة الأخرى. وفي هذا المجال يركز التعريف على اكتشاف جوهر الظاهرة ومسارات تحولها في علاقتها مع الثورة والدولة.

 

- هناك أربعة عناصر تحدّد جوهر ظاهرة الميليشيا، هي أنّها منظومة تطوعيّة – مؤقّتة – تستخدم العنف المسلّح – وذات أهداف سياسيّة وأيديولوجيّة.

هذا التعريف يفتح الباب لفهم تنوّع الميليشيات: فبعضها يعمل لإسقاط النظام، وبعضها الآخر لحمايته، إلّا أنّ البنية العامّة تكاد تكون واحدة.

فما أن يتحقّق الهدف المباشر للميليشيا (كإسقاط النظام)، حتّى تسعى غالبًا إلى تمديد وجودها وشرعيّتها عبر التلويح بمفهوم الثورة، وتبدأ بمحاولة فرض تحوّلات أيديولوجيّة في المجتمع باسم “استكمال الثورة”، ما يؤدي إلى إطالة أمد العنف خارج وظيفته التاريخيّة.

الخطورة القصوى تظهر عند لحظة التحوّل من الثورة إلى الدولة، حيث تبدأ الميليشيات المختلفة بالصدام فيما بينها نتيجة التباين الفكريّ والأيديولوجيّ الذي لم يكن ظاهرًا في فترة الصراع مع النظام.. وهنا يتكرّر مشهد “الثورة التي تأكل أبناءها”، كما حدث في تجارب كبرى كالثورة الفرنسيّة.

ولا يمكن تجاوز هذه الإشكاليّة إلّا من خلال تفكيك البنى الميليشياويّة، ليس فقط على المستوى العسكريّ، بل من حيث الوعي والممارسة. فالثورة لا تكتمل بانتصارها على النظام المستبدّ، بل بنجاحها في بناء الدولة التي تتجاوز منطق الغلبة والإقصاء، وترسّخ بدلاً عنه أسسَ المواطنة وسيادةَ القانون وتعدّديّة التمثيل.

إنّ الخطوة الحاسمة تكمن في مركزة العنف المشروع بيد الدولة الجديدة، وفي تحرير الحقل العامّ من الأدلجة الفصائليّة، وبناء ثقافة وطنيّة مشتركة، قوامها الهويّة السوريّة الجامعة، لا الانتماءات الفرعيّة الضيّقة.

عندها فقط يمكن للسوريّين أن ينتقلوا من مرحلة الاحتراب إلى مرحلة التأسيس، ومن منطق الثورة إلى عقل الدولة.

ففي غياب هذا القرار المفصليّ، سيُعاد إنتاج الصراع، وتتعذّر أيّ إمكانية حقيقيّة لبناء الدولة المنشودة.

مقالات لنفس الكاتب