هناك شبه إجماع بين الدارسين والباحثين على أن من يتحكم بإدارة شؤون منطقة الهلال الخصيب يمتلك مفاتيح الثروات في منطقة حيوية تُعدّ ساحة تقاطع إقليمي وممرًا تجاريًا عالميًا. الهلال الخصيب هو ساحة التقاء جيوسياسي ومعبر تجاري إقليمي ودولي، يشمل مناطق تمتد من الخليج العربي إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وأراضي من العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين وإسرائيل، بالإضافة إلى أجزاء شمالية غربية من إيران وشمال مصر وجنوب تركيا. تضم المنطقة ثروات زراعية ومائية كبيرة، من بينها أنهار دجلة والفرات والنيل والعاصي والأردن والليطاني. كما تحتضن بعضًا من أهم العواصم القديمة في العالم، وتعد خزانًا للطاقة والموارد الطبيعية، وتشكل نقطة التقاء بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، حيث تتشابك المصالح والنفوذ العربي، والتركي والإيراني، والإسرائيلي.
لكن منطقة الهلال الخصيب دفعت، وما تزال، ثمنًا باهظًا على مر العصور، حين سعى البعض لتحويلها إلى ساحة تفتح شهية القوى الكبرى للتدخل والتوغل، وتحويل جزءًا كبيرًا من أراضيها إلى بؤرة نزاعات وحروب داخلية وخارجية، مما حرمها كثيرًا من الفرص التاريخية والجغرافية والاقتصادية.
آخر اللاعبين الذين دخلوا على خط المنطقة كان جماعات مسلحة تتخفّى خلف غطاء ديني متشدد، مثل تنظيمات القاعدة وداعش والنصرة، التي نشطت بطابع محلي وإقليمي، وقلبت موازين التوازنات القائمة بإشعال الاقتتال والحروب والفوضى بأدوات جديدة، من أبرزها الاصطفافات العرقية والمذهبية، التي مهّدت الطريق لتحولات ديمغرافية وأمنية واسعة، نتيجة موجات النزوح واللجوء والهجرة، إضافة إلى الإرهاب وتجارة السلاح والمخدرات.
كان من المفترض أن يدور الحديث حول ساحة ثروات جغرافية وبشرية واجتماعية هائلة، بفضل إرثها التاريخي والحضاري وأهميتها الجيوسياسية الاستثنائية، ومكانتها كمنطقة ولادة للكثير من الحضارات والمراكز الدينية والثقافية والفكرية عبر التاريخ، من بينها البيزنطية والرومانية والعربية والفرعونية والفارسية. وكذلك كمهدٍ لتطور الكتابة والأبجدية والقوانين والفلك والطب والعمارة، وموطن لأهم مواقع الديانات القديمة والإبراهيمية، وساحة انتقال الإنسان من الصيد إلى الزراعة. إلا أن التحديات والمشاكل والأزمات الداخلية والخارجية، التي لم تفارقها عبر العصور، حالت دون ذلك. فتراجع الاستقرار والأمن والازدهار، لصالح التوتر والاقتتال والاصطفافات العرقية والمذهبية، والتدخلات الخارجية.
" داعش": الولادة ـ التمدد ــ والانكسار
رسمت اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية البريطانية، إبان الحرب العالمية الأولى، معالم ساحة جديدة لتقاسم النفوذ الإقليمي، أعادت ترتيب التسميات والجغرافيا والحدود. فتراجع استخدام مصطلح "الهلال الخصيب" لصالح "الشرق الأوسط"، الذي أثار شهية الإمبراطوريات الكبرى للتمدد، لأسباب استراتيجية تتنوع بين الاقتصادية والأمنية والسياسية.
نجحت بعض القوى المحلية والإقليمية في تحريك ورقة الميليشيات المسلحة، وفي مقدمتها "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، كأداة للضغط والتفكيك واستهداف مباشر لبنية المنطقة وخصوصياتها الاجتماعية والدينية والسياسية، وتحويلها إلى كتلة مشتعلة في الإقليم. وليس هذا جديدًا على دولنا وشعوبنا، لكنه يستدعي قراءة متأنية وتحليلًا عميقًا لهذه الظاهرة وأسبابها: كيف ولماذا نجحت بعض العواصم والأجهزة الأمنية في توظيف هذه الورقة لتحقيق مصالحها؟ وأين تقاطعت مصالح بعض الأطراف وتباعدت في مسألة ولادة التنظيم وانتشاره، ثم في خطط المواجهة المحلية والإقليمية والدولية؟ وما هو موقع تركيا ودورها في كل ذلك؟
ساهمت سياسات الإقصاء والتهميش والفساد في خلق بيئة مثالية لتمدد التنظيم، إلا أن عوامل أخرى كغضّ الطرف، بل أحيانًا التعمد في تجاهل نشاطات وتحركات داعش في مناطق متعددة من سوريا والعراق، كانت مقصودة، بهدف إضعاف الدول والحكومات، وتركها في دوامة من التوتر والفوضى، تمهيدًا لدفعها نحو تغييرات سياسية وأمنية تمنح بعض الأطراف ما تطمح إليه.
لم يكن هذا يعني بالضرورة دعمًا مباشرًا وطويل الأمد، بل كثيرًا ما كان استثمارًا مؤقتًا في وجود هذه العناصر وأفكارها، أو غضّ النظر عن تمددها، رغم حجم الأضرار، بهدف تحقيق أهداف استراتيجية محددة .
المؤسف أن بعض الأنظمة والقيادات، كما فعل نظام بشار الأسد، تجاهلوا عمدًا تمدد وانتشار هذه العناصر في بلادهم، تاركين دول المنطقة والعالم أمام معادلة قاسية: إما دعم النظام أو القبول بانتشار الفوضى التي تسببت بها هذه الجماعات .
صحيح أن التعامل مع هذه الظاهرة تقاطع عند توصيفها كـ "مجموعات إرهابية"، وقدّمت المقاربات الأمنية على غيرها عند مواجهتها، وأن الحرب ضدها توجت بنجاحات رغم الكلفة العالية التي تحملتها العديد من دول المنطقة في العراق وسوريا والخليج وتركيا؛ لكن من الضروري التوقف عند مسألة استغلال بعض الأطراف لهذه المجموعات كفرص لاختراق الإقليم والتوغل فيه والتحكم بجغرافيته.
فهناك من اعتبر نفسه شريكًا في الحرب على داعش لتوسيع نطاق نفوذه، والحصول على دعم إقليمي ودولي، رغم أن العامل المذهبي كان في طليعة أهدافه. وهناك من أعلن عداءه للتنظيم وأفكاره، لكنه تغاضى عن تمدده وانتشاره وتنقل عناصره عبر الحدود، بهدف إضعاف دول أخرى واستهداف أمنها الداخلي ونسيجها الاجتماعي والديني. كما ظهرت فئة ثالثة من خارج الإقليم، كان همها تحويل "ورقة داعش" إلى فزّاعة وذريعة للبقاء سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا في المنطقة، وإبراز حاجة الدول إليها لمواجهة هذا التهديد.
دفعت شعوب المنطقة ثمنًا باهظًا في محاربة هذا الخطر الوجودي، لكنها أيضًا تحملت أعباءً جسيمة نتيجة تأخر التنمية والازدهار، والتخلف عن اللحاق بركب التكنولوجيا وتطوير القوانين وتحديث التشريعات، بسبب الانشغال بمواجهة هذا الخطر، الذي أصبح عبئًا داخليًا، وقد يتحول إلى خطر خارج السيطرة.
كانت "فرصة داعش" مغرية لكثيرين، لكن قرار الاصطفاف ضده ومحاربته نبع أولًا من خوف تحوّله إلى "بومرنغ" يرتد على صانعيه ويصعب التصدي له. إذ اقتنع الكثيرون أنه ليس مجرد حالة انتشار أيديولوجي، بل سرطان يتسلل بسرعة، ويصعب احتواؤه.
" داعش ": جنة الوهم
يعتبر تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) من أبرز الجماعات المتشددة التي سعت بشكل مباشر إلى السيطرة على منطقة الهلال الخصيب، واعتبارها جزءًا أساسيًا من مشروع "الخلافة الإسلامية" الذي أعلن عنه.
نشر داعش خرائط تروّج لدولة تمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، وكانت خطته التوسعية تشمل العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وهي كلها تقع ضمن منطقة الهلال الخصيب. ساهم انهيار الجيوش في العراق وسوريا، وضعف الدول، واستغلال التنظيم لحالة القمع المذهبي، في تسهيل سيطرته على مساحات شاسعة نسبيًا. خطط داعش دائمًا لإشعال الفتن المذهبية والعرقية، من خلال استهدافه المتعمد لدور العبادة. وقاتل بشراسة للسيطرة على هذه المنطقة، مبررًا العنف والقتل بأدبيات دينية، حتى تراجع نفوذه بفعل التدخلات الدولية وتبدّل خارطة التحالفات المحلية.
اعتبر تنظيم داعش منطقة الهلال الخصيب نقطة انطلاق أساسية لإقامة مشروع "الخلافة الإسلامية" والسيطرة على المنطقة، وذلك لأسباب عقائدية واستراتيجية، ولرمزية المكان الدينية والتاريخية، حيث تحتضن القدس الشريف، وكربلاء، والنجف، وبلاد الشام.
كما أن جماعات مثل داعش والقاعدة رأت في هذه المنطقة ميدانًا مناسبًا لتحقيق أهدافها، فالسيطرة على الهلال الخصيب تعني التمركز في العمق العربي، والاقتراب من تركيا وإيران وإسرائيل، بما يعزز الخطاب المعادي، ويفتح المجال للتحكم بطرق التجارة القديمة والحديثة.
استغلت الجماعات المتشددة هذا الفراغ لتوسيع نفوذها وفرض سيطرتها بعد غزو العراق عام 2003م، وما تبعه من ثورات وحروب في سوريا ولبنان، وضعف السلطة في بعض المناطق. كما أن وجود مظالم سياسية واقتصادية ومذهبية، خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق، سهّل على هذه الجماعات تجنيد السكان، عبر خطاب ممزوج بالطائفية والعنصرية. يُضاف إلى ذلك أن الهلال الخصيب غني بالمياه والزراعة والنفط، وهي عناصر أساسية لتمويل نشاطات تلك الجماعات. دون إغفال أن التنوع العرقي والمذهبي في المنطقة مكّنها من استغلال التناقضات لبناء قاعدة شعبية أو خلق بيئة فوضوية مناسبة.
من هنا يمكننا الحديث عن الكثير من الأسباب الدينية والسياسية والأمنية التي تدفع الدول الإسلامية لمعارضة تنظيم داعش، واعتباره جماعة إرهابية متطرفة لا علاقة لها بالإسلام، بل تسيء إليه وتشوّه صورته.
على الصعيد العقائدي، تبنّى تنظيم داعش تفسيرًا متطرفًا للإسلام، يتنافى مع تعاليم الدين الحقيقية التي تقوم على التسامح والاعتدال. هذا النهج العنيف لا يعكس جوهر الإسلام، بل يشوّهه ويؤذي صورته عالميًا، وهو ما دفع الغالبية الساحقة من العلماء المسلمين إلى رفضه واعتباره انحرافًا عن الفهم السليم للنصوص الشرعية. كما أن التنظيم يهدد أمن الدول واستقرارها، ويستخدم الدين كأداة لتحقيق أهداف سياسية لا تعترف بحدود الدول، وتدعو لإسقاط الحكومات، وتتبع أساليب نشر الفوضى والإرهاب العابر للحدود. وقد نفذ التنظيم بالفعل العديد من الهجمات الإرهابية في دول مثل تركيا والسعودية ومصر وتونس وإندونيسيا والعراق وسوريا.
دولة داخل الدولة: وهم الخلافة وجغرافيا السيطرة
بدأ داعش كفرع من تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي عام 2003م، بعد الغزو الأمريكي للبلاد.
بايع الزرقاوي زعيم القاعدة أسامة بن لادن، وأصبح الاسم عام 2004م " تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ".
بقيادة أبو عمر البغدادي. "دولة العراق الإسلامية" بعد مقتل الزرقاوي عام 2006م، أُعلن عن التشكيل وبعد التوسع باتجاه سوريا، أعلن البغدادي تأسيس دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام "، (داعش) عام 2014م، ورفض تبعيته لتنظيم القاعدة ونصّب نفسه خليفة للمسلمين.
أما أبرز الظروف والأجواء التي ساعدت على نشوء داعش فبينها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، وما أعقبه من تطورات سياسية وأمنية داخلية، بينها تفكك الجيش العراقي المركزي، وحالة التمييز المذهبي التي انتشرت واتسعت هناك على حساب سنة العراق، ومحاولة داعش استغلال ذلك.
سيطرة مجموعات التنظيم على الموصل، والأنبار، وصلاح الدين في العراق، ثم على الرقة، ودير الزور، وتدمر في سوريا. واكبها إعلان بعض المناطق في مصر وليبيا وأفغانستان وباكستان ونيجيريا والفلبين، إلى جانب بعض العشائر السنية، الولاء له انتقامًا من ممارسات بعض الجهات في الطائفة الشيعية العراقية. كما أن التنظيم، من الناحية الاقتصادية والمالية، نجح في تمويل عناصره لسنوات بعد سيطرته على العديد من حقول النفط العراقية والسورية، وفرض الجزية على السكان، وجمع أموال الفدية، وبيع الآثار.
أمام مشهد من هذا النوع، تحركت العواصم العربية والإسلامية الفاعلة بالتنسيق مع الكثير من العواصم الغربية، لوضع خطط مواجهة داعش عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، اعتبارًا من العام 2014م، عبر شن العمليات العسكرية، وتدريب السكان المحليين على المقاومة والقتال ضده في العراق وسوريا، وانطلاق عمليات تحرير المدن من يده، واعتقال الآلاف من عناصره وسجنهم. صحيح أن التنظيم خسر بعد ذلك معظم قدراته العسكرية والقتالية والمالية، لكنه ما زال ينشط في بعض الأماكن عبر خلايا نائمة.
تركيا وداعش: بين التحديات الأمنية والتوازنات الإقليمية
حظي موضوع نظرة تركيا لهذا التنظيم وطريقة تصديها لخلاياه وعناصره بأهمية كبيرة في صفوف الباحثين والخبراء، خصوصًا بعد العديد من التقارير الإعلامية الغربية التي نشرت حول تغاضي انقرة عن تحركات عناصر التنظيم وتجاهل تنقلاتهم الحدودية باتجاه سوريا.
تصنف تركيا رسميًا داعش كجماعة إرهابية وتحاربها، وتشارك في التحالف الدولي ضدها. هي شعرت باكرًا بخطورة تحركات هذا التنظيم، لذلك اعتبرت عناصره كأحد مصادر الخطر على أمنها القومي ومصالحها الإقليمية. دفعت تركيا نتيجة مواقفها الثمن المكلف، خصوصًا بعد العشرات من الهجمات الإرهابية داخل مدنها، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. لذلك هي التحقت بالتحالف الدولي في الحرب ضد التنظيم، وشنت لأسباب أمنية وسياسية العديد من العمليات العسكرية ضد عناصره في شمال سوريا، أبرزها "عملية درع الفرات" عام 2016م.
بسبب إشراك "قوات سوريا الديمقراطية" التي تعتبرها تركيا امتدادية لحزب العمال الكردستاني في العمليات القتالية بقرار أمريكي، رجحت أنقرة التحرك بشكل منفرد ضد هذه المجموعات، رغم مشاركتها في الجهود الدبلوماسية، والأمنية والاستخباراتية الإقليمية والدولية لمكافحة التنظيم. بالإضافة إلى السماح باستخدام قواعدها الجوية مثل قاعدة "إنجيرليك" التي تنسق مع حلف شمال الأطلسي في العمليات العسكرية ضد هذه المجموعات.
كان موضوع "هيئة تحرير الشام" التي قادها أحمد الشرع وتعتبر حركة انشقاقية عن مجموعات النصرة والقاعدة، ووضعتها تركيا أيضًا مثل الكثير من الدول على لوائح الإرهاب، في مقدمة المسائل التي تباعد بين أنقرة والعديد من العواصم. لكن بعد الإطاحة بنظام حكم بشار الأسد في سوريا، بات موضوع وجود خلايا نائمة لداعش في مناطق متفرقة من سوريا في طليعة ملفات التنسيق بين أنقرة وواشنطن.
واضح تمامًا أن توتر العلاقة التركية الأمريكية بسبب مصير " قوات سوريا الديمقراطية" في شرق الفرات وإدارتها لسجون داعش بالتنسيق مع التحالف الدولي، هو بين أبرز ما يؤثر اليوم على العلاقات بين الطرفين. لا بل إن تحولات المشهد السوري السياسية منذ نهاية العام المنصرم، فتحت الأبواب أمام احتمال بروز تفاهمات تركية ـ أمريكية جديدة تقود إلى تسليم السلطة السياسية السورية الجديدة الملف بدعم أمني تركي. لا مصلحة لأنقرة في دعم داعش كما يزعم البعض، فهو كتنظيم إرهابي معروف عالميًا، يشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا لتركيا نفسها فلماذا تتغاضى عن تحركاته ونشاطاته.
كثيرًا ما تكون هناك صراعات مصالح وتعقيدات سياسية في واقع النزاعات الإقليمية، وحيث تلعب كل دولة أوراقها وفق أولوياتها. توازنات المشهد الأمني المحلي في إدلب ساهمت بالنسبة لتركيا في إيصال الوضع السياسي إلى ما هو عليه اليوم في سوريا. كما أن تواجد تركيا أمام حدود استراتيجية طويلة مع سوريا والعراق، حيث نشأ داعش وانتشر، جعلها بوابة حيوية في مواجهة عناصر التنظيم. من هنا تدرك تركيا أن مشاركتها في خطط الحرب ضد داعش عززت مكانتها كدولة إقليمية مهمة، وشريك استراتيجي في الحرب ضد الإرهاب. لكن أنقرة لم تتخل يومًا عن قرار دعم المعارضة السورية أولًا، والتمسك بحماية حدودها الجنوبية والشرقية مع سوريا والعراق ثانيًا. التوازن بين الأمن والمصالح الإقليمية لتركيا، لم يكن يوما على حساب تمسكها بخطط الحرب على داعش وإبعاد الإرهاب عن حدودها. نظرة على حجم التنسيق التركي الأوروبي في مكافحة الموجات الإرهابية والهجرة غير الشرعية، تعكس حجم التوازن السياسي والأمني الحساس في سياسة تركيا الإقليمية. لذلك نرى الإعلام الإسرائيلي والإيراني اليوم يلتقيان عند انتقاد سياسة تركيا السورية حيال دعم الشرع، ومحاولة لعب أوراق الأقليات وتوسيع النفوذ في الهلال الخصيب تحت مسميات إقليمية جديدة.
الهلال الخصيب من جديد: درس من الماضي أم فرصة للمستقبل؟
يتصدر موضوع الحرب على الجماعات الإسلامية المتشددة وامتداداتها وفروعها في العديد من مناطق العالم، لائحة اهتمامات العديد من الدول والأجهزة الأمنية والاستخباراتية. مواجهة هذه الجماعات استدعت التعاون والتنسيق الإقليمي والدولي على أكثر من صعيد بسبب التهديدات المباشرة التي تشكلها على أمن واستقرار الكثير من الدول في الإقليم، ونتيجة الأعمال الإرهابية التي نفذتها وكلفت دول المنطقة وشعوبها الكثير من الخسائر والأضرار البشرية والمادية والسياسية. عناصر تحمل أفكاراً متطرفة ومتشددة تسببت لسنوات طويلة في حرمان منطقة الهلال الخصيب من استغلال ثرواته والاستفادة من خصائصه وفرصه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
لم تعد الإجابة على سؤال هل ينبعث التنظيم من جديد مهمة، لأن فرصه سقطت من المشهد حتى ولو نشطت بعض خلاياه النائمة. والإجابة على سؤال هل استفادت الدول والقيادات مما جرى مع التنظيم قبل عقد أم لا أهم بكثير من ذلك. فداعش لم يعد يشكل تلك الورقة الرابحة لبعض القوى المحلية والإقليمية. أما مسألة لماذا ظهر داعش في الهلال الخصيب وحاول الهيمنة على الثروات والتسبب بمزيد من الخراب والدمار فهي درس سياسي وديني واجتماعي لا يمكن تجاهله في الحقبة القادمة.
لفهم مسار الأحداث التي شهدتها منطقة الهلال الخصيب، يمكن العودة إلى الخطاب السياسي الذي رافق غزو العراق عام 2003م، حين تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش عن ضرورة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. ذلك التصور، الذي بدا حينها مثاليًا، ارتبط لاحقًا بسلسلة تحولات سياسية واجتماعية، تَمثّلت فيما أُطلق عليه "الربيع العربي". في المقابل، شدد الرئيس باراك أوباما لاحقًا، على أهمية التعايش بين شعوب المنطقة بدلًا من الانزلاق إلى صراعات دينية وعرقية. هذه الخطابات تكشف حجم التداخل بين الرؤية الغربية لمستقبل المنطقة، والواقع المعقد الذي تعيشه، حيث تحوّل الهلال الخصيب من مهد حضارات إلى ساحة تجاذب مشاريع كبرى .
كان وما زال الهلال الخصيب هدفًا للعديد من القوى المحلية والخارجية، باتجاه استغلال موقعه وخيراته وثرواته والتعددية الاجتماعية والدينية والثقافية التي يتمتع بها، لصالح زرع الانقسامات والشرذمة بين مكوناته وتحويلها إلى عناصر سلبية في العلاقة بين شرائح هذه البقعة الجغرافية، وتعميق الانقسامات والخلافات بينها ، وصولًا إلى بناء كيانات هزيلة مفككة تنهار عند أول عاصفة تستهدفها. محاولة إعادة عناصر داعش في سوريا والعراق هدفها تنفيذ هذا المخطط.
لا يوجد أي تباين إقليمي ودولي حول محاربة داعش، لكن الخلاف قد يطول حول دور التنظيم ومهامه في الحقبة القادمة وتحت أي غطاء قد يتحرك. قد تكون مسألة الشد والجذب حول عناصر التنظيم وامتداداتها لم تحسم بعد، لكن احتمالات ولادة لاعب آخر بلباس جديد قد لا تطول في الهلال المعطاء والخصيب.
النهاية المؤلمة التي شهدناها مع داعش ليست مصيرًا، بل تحذيرًا وإشعارًا بأن القادم لن يكون كذلك عندما ندرك القيمة الحقيقية لما بين أيدينا من ثروات وفرص. الخطر الحقيقي ليس في التنظيمات العابرة، بل في الانقسامات التي تسمح لها بالظهور والتمدد وإلحاق الضرر.






