في العقود الأخيرة، شهد العالم العربي تحوّلاً جذريًا في طبيعة الفاعلين على الساحة السياسية والأمنية، حيث لم تعد الدولة الوطنية وحدها الطرف الرئيسي في معادلات القوة، بل باتت تنازعها كيانات مسلحة غير حكومية، بعضها نشأ بدافع مقاومة الاحتلال أو كردّ فعل على فشل مشاريع الدولة، والبعض الآخر وُلد كأداة ضمن استراتيجية إقليمية عابرة للحدود. هذه الكيانات – التي تتخذ أشكالًا مختلفة بين ميليشيات طائفية وتنظيمات دينية مسلحة وفصائل سياسية ذات ذراع عسكري – فرضت نفسها كقوى أمر واقع في عدة مناطق عربية، مستفيدة من هشاشة الدول المركزية، وتغوّل التدخلات الخارجية، وتراجع المشروعات التنموية.
وتكمن خطورة هذه الجماعات في كونها تتجاوز الأطر التقليدية للمقاومة أو المعارضة، لتتحول إلى بدائل موازية للدولة، قادرة على تقديم الخدمات، وفرض النظام، بل وحتى التفاوض باسم شعوب. تتشابك جذورها مع الموروثات التاريخية لفشل الدولة الحديثة، بدءًا من خيبات ما بعد الاستقلال، مرورًا بانهيارات ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وانتهاءً بالفوضى التي خلّفتها الثورات غير المكتملة في العقد الأخير. ومع أن بعضها – مثل "حزب الله" أو "الحوثيين" – نما في بيئة محلية معينة، إلا أن البُعد الإقليمي والدولي يظل عنصرًا حاسمًا في استمرارها وتوسّع نفوذها.
في ظل هذا المشهد، تصبح دول الخليج العربي، باعتبارها من أكثر دول المنطقة استقرارًا نسبيًا، أمام تحديات حقيقية تتجاوز حدودها الجغرافية، وتشمل الأمن القومي والهوية والثقافة السياسية. فالجماعات المسلحة العابرة للحدود، والمنظومات الأيديولوجية التي ترافقها، لا تكتفي بنقل السلاح أو المال، بل تسعى لفرض نماذج حكم وفكر بديلة، ما يعرض المجتمعات الخليجية لخطر الاختراق الثقافي والسياسي. كما أن دور إيران وتركيا في دعم بعض هذه الجماعات – عبر التمويل والتدريب والتحالفات الظلية – يعمّق أزمات الشرعية الإقليمية، ويعزز الطابع الوظيفي لهذه التنظيمات كأدوات صراع بالوكالة.
ويأتي هذا التحدي في وقت تتعرض فيه الدولة الوطنية العربية لضغوط غير مسبوقة: من الداخل بفعل البطالة والفساد، ومن الخارج بفعل تفكيك السيادة وانتشار الحروب الأهلية. ومن هنا، لا يكفي التركيز على المواجهة العسكرية أو الأمنية فحسب، بل يتطلب الأمر مقاربة متعددة المسارات، تتكامل فيها الأدوات الفكرية، والتربوية، والاقتصادية، إلى جانب العمل الدبلوماسي، لضبط توازن الردع والاستيعاب في آن.
هنا نقدم محاولة لفهم بنية هذه الكيانات المسلحة، وظروف نشأتها، وأدوارها المتحوّلة، وطرق مواجهتها، والآثار المترتبة على استمرارها، لا سيما على الخليج العربي، الذي يقف اليوم في مفترق طرق: فإما أن يقود مشروعًا لإعادة ضبط النظام الإقليمي، أو أن يظل ساحة هشّة لتداعيات التفتت العربي.
1 - الإطار العام وتعريف الظاهرة
تشير الكيانات المسلحة غير الحكومية إلى تشكيلات تمتلك القدرة على التأثير في معادلات القوة الدولية أو الإقليمية من دون أن تستوفي شروط الدولة التقليدية، مثل السيطرة على الأرض، والسلطة السياسية أو الاعتراف الدولي الرسمي. وهي في العموم تمتلك قدرات عسكرية أو شبه عسكرية، وتنتهج سياسات مستقلة عن الدول القائمة، رغم موقعها داخل أراضيها أو ارتباطها بها. في العالم العربي تحديدًا، يندر الحديث عن هذه الكيانات دون التطرق إلى حركات مثل "حماس" في غزة، و"حزب الله" في لبنان، والحوثيين في اليمن، إضافة إلى الإخوان المسلمين وإلى تنظيمات جهادية عابرة للحدود في العراق وسوريا وليبيا. ما يميز الفاعلين المسلحين هو تجاوزهم للمخاطب المحلي: إذ لا يكتفون بتحقيق أهداف داخل حدود دولهم، بل ينتقلون إلى التأثير في صراعات إقليمية وجيوسياسية، سواء عبر الدعم أو المواجهة، ضد أنظمة إقليمية ودول كبرى، أو عبر فرض أجندات تغير موازين القوى الإقليمية. هذا التحول من دور المعارضة المسلحة تحديثية محلية إلى دور مؤثر في المشهد الجيوسياسي يدلّ على تطور نوعي في الاستراتيجيات والصراع السياسي في المنطقة.
ظهر هذا النمط من الحركة المسلحة غير الحكومية منذ عقود، في سياق نشوء حركات التحرر الوطني المناهضة للاستعمار، لكن مع الوقت تحولت إلى أدوات نفوذ تدعمها دول إقليمية لتحقيق مصالح تتجاوز حدودها. فعلى سبيل المثال، تطوّر دور "حزب الله" في لبنان و"الحوثيين" في اليمن بفعل الدعم الإيراني المستمر، حتى بات لهما تأثير شبه مكاني، حيث اختلط أداء الإمكانية العسكرية بمهام إدارة ورعاية مجتمعية في مناطق معينة، ما يسمح بوجود شبه دولة موازية للدولة الرسمية. غير أن سجل هذه الكيانات شهد مؤخرًا تراجعًا – كما في خسارة حزب الله لبعض قدراته بعد 2024م، وأيضًا هشاشتها في أوقات الصراع – مما أطلق نقاشًا حول سبب هذا التراجع، وهل هو مرده لعوامل تكتيكية مؤقتة أم تحوّل استراتيجي عميق؟ الأرجح أن استمرار هذه الظاهرة مرتبط بشكل وثيق بغياب تسويات عادلة ومستدامة للصراعات الكبرى في المنطقة، على رأسها الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، الذي يظل أبرز سبب غذى بقاء ودعم هذه الكيانات، حيث توفر البيئة السياسية والأيديولوجية لهذه الحركات مأوى ومنصة لاستمرار النشاط.
2 --- نشوء هذه الجماعات وتطورها
تعود جذور ظهور جماعات الإسلام السياسي والميليشيات المسلحة في منطقة الهلال الخصيب – مثل سوريا، العراق، لبنان، فلسطين – وشمال إفريقيا واليمن، إلى مزيج من العوامل التاريخية والتصعيد السياسي الداخلي والخارجي. بداية، أدى تفكك الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وما تبعها من اتفاقية سايكس–بيكو عام ١٩١٦م، إلى تمزيق النسيج السياسي للمنطقة وإنشاء حدود اصطناعية فصلت بين المناطق وأوجدت هويات جديدة. لعب هذا إعادة تشكيل الأرضية الاجتماعية دورًا كبيرًا في ولادة الحركات التي رفضت هذه الحدود، وأعادت الاستلهام من فكرة الخلافة كمشروع بديل لشرعية ما بعد الدولة العثمانية.
في منتصف القرن العشرين، شجّعت انتكاسات المشاريع القومية، مثل هزيمة ١٩٦٧م، والانكسار الكبير بعد تلك الهزيمة، نشوء تيارات جهادية جديدة اتخذت خطابها الديني كبديل للخيبة السياسية، فظهرت "حماس" عام ١٩٨٧م، كامتداد عملي للفكر الإسلامي السياسي الاخواني، وليس فقط كحركة مقاومة للاحتلال. فيما بعد، أدت الغزوتان الأمريكية للأراضي الإسلامية – الأولى العراق 2003 والثانية في ليبيا 2011 – إلى تفكيك أجهزة الدولة وإشاعة الفراغ الأمني، ما مكن تنظيمات مثل القاعدة، وظهور تنظيمات متطرفة جديدة مثل داعش في بيئة يسرتها الفوضى.
أمكن تقسيم هذه الجماعات في 3 مسارات: أولها السلفية الجهادية (مثل داعش والقاعدة وجبهة النصرة) التي تركز على إقامة الدولة الإسلامية عبر العنف. ثانياً، مكونات الإخوان المسلمين، تشمل "حماس" وبعض الفصائل الليبية والتونسية، التي تمزج النشاط السياسي والعسكري ضمن إطار تنظيم ديني سياسي. ثالثاً، الميليشيات الطائفية المرتبطة بدول أو دويلات طائفية إقليمية، مثل "حزب الله" و"الحشد الشعبي" المدعومين إيرانياً، ورابعاً الحوثيون، وهم أتباع الزيدية في اليمن، مدعومون أيضًا من طهران.
يتباين التمويل بين محلي (كالزكاة، حماية الطرق، تهريب النفط)، وإقليمي (مثل دعم مالي من إيران أو تركيا أو الخليج)، وكذلك دولي عبر شبكات التبرعات والهجرة. التنظيم الداخلي يتراوح بين قيادة مركزية (كمؤسسة)، وخلية تحليلية لعمليات عابرة الحدود (كالدولة الإسلامية). ولكن رغم افتقار جميعها لشرعية دولية أو سيادة مشتركة، فقد دفعتهم الظروف لتنفيذ وظائف شبه حكومية وتوفير خدمات للسكان، ضمن محفظة الأدوار التي تبقت للدولة في ظل انهيار مؤسساتها.
3 - أدوات المواجهة التصدي المباشر والمستدام
لمعالجة تحدي ظاهرة الجماعات المسلحة والإسلام السياسي، تبدو الاستراتيجيات متعددة الأبعاد ضرورية، وتجمع بين الأمن والسياسة والتنمية والتعاون الدولي. أولاً، يتعيّن تعزيز الدولة الوطنية، ولا سيما عبر إصلاح بنيتها السياسية والمؤسساتية، كما حدث خلال جهود إعادة تشكيل الحكومة اللبنانية بعد وقف إطلاق النار نوفمبر 2024م، والتي هدفت إلى تثبيت سلطة الدولة ومنع كل من يتقوى خارجها. في السياق اليمني، يظهر دعم الشرعية في صنعاء والمناطق الجنوبية كطريق لمواجهة الفاعلين غير الشرعيين، بدءًا بذبح الهيمنة للحوثيين عبر كسر البيئة المواتية لهم.
ثانيًا، تحرير الفاعلين من الدعم الإقليمي. الجماعات المسلحة تعتمد بشكل كبير على تمويل، وتسليح، وتدريب تأتي غالبًا من دول بعينها. لذلك، تشديد العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، وقطع خطوط الإمداد – كما حصل مع حزب الله بعد سقوط الأسد في سوريا نهاية 2024 م– يظهر فعاليته في تقييد الأنشطة المسلحة. وتجاوز الجانب الأمني، بات التنسيق مع حلفاء خارجيين جزءًا مهمًا من هذا المسار، حيث يحتاج إضعاف ميليشيا ما إلى تعاون شامل يتضمن تبادل المعلومات والضغط السياسي.
ثالثًا، تطبيق برامج الديراديكالية، التي تحوّل الأفراد من مسارين عسكريين إلى منصات مدنية. تجربة نظام المناصحة السعودي و "مركز هداية" في الإمارات مثال على نجاح إعادة التأهيل الفكري والاجتماعي. كما تظهر تجربة الجماعة الإسلامية في مصر، إبان التسعينيات، نموذجًا متوازنًا بين القمع والإصغاء والمكافآت الاجتماعية. يكمن تناسق الاستراتيجية في الجمع بين إجراءات أمنية محسوبة وبرامج لبناء مستقبل بديل للفرد المنخرط في التطرف.
رابعًا، إجراء حرب على الأيديولوجيا المهيمنة عبر الإعلام والمناهج الدراسية. مواجهة تراث مثل سيد قطب وخطاب الخلافة تتطلب إنشاء نُسخ دينية وسطية، وتقديم سرديات مضادة تشجع على التعددية والتسامح. على سبيل المثال، ما تقدمه جماعة القبيسيات في سوريا من خطاب ديني معتدل يعزز الأمن الاجتماعي كبديل للأشكال الجهادية.
خامساً، التضمين السياسي: مثل دمج فصائل النهضة التونسية في العملية السياسية دون استتباع عسكري، واعترافها بخسارة السلطة طواعية عام 2014م. رغم أن هذا لم يُطبّق بنجاح في ليبيا نتيجة فراغ ما بعد القذافي، لكنه نموذج يحتذى به لخفض الحوافز العنيفة عبر الشرعية السياسية. بيد أنّ هذا المسار مرهون بقبول الجماعات بالدخول في العملية السياسية بشكل حقيقي.
4- الهجرة غير الشرعية وتأثيرها
تنتج ظاهرة الهجرة غير الشرعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من عدة عوامل مترابطة تشمل الصراعات المزمنة، الفقر، التفاوت الاجتماعي، واستغلال المجتمعات من قبل شبكات التهريب. في ظل الصراعات في سوريا، اليمن، ليبيا، ترى أسر تبحث عن الأمان تغادر باتجاه أوروبا والخليج. معالجة الأسباب الجذرية، كالاستثمار في إعادة الإعمار وتحقيق التنمية المستدامة في المناطق المتضررة، كجزء من برامج البنك الدولي في اليمن، قد يحد من حركة الهجرة ويطلق نموًا محليًا.
من جهة أخرى، يُعد تعزيز أمن الحدود أداة مهمة، حيث يمكن استخدام تقنيات متقدمة مثل الرادارات والطائرات المسيّرة – وهو خبر استخدمته الهند بالتعاون مع إسرائيل؛ لكن المهم هنا هو أن تكون هذه الجهود مرهونة بالمعايير الإنسانية. في الخليج، قد يكون لابد من توازن بين الجهد الأمني وحماية اللاجئين قانونيًا.
مكافحة تهريب البشر عبر التعاون الدولي تشكل أيضًا دعامة حيوية. مثال الاتفاقية الإيطالية في ليبيا التي دعمت وحدات محلية لحصر التهريب، وأدت إلى تنقل هيكلي أكثر نحو الأطر القانونية، رغم ضرورة ضمان ألا تتحوّل هذه الوحدات إلى تشكيلات غير حكومية تستغل للفساد.
العامل الرابع هو الاتفاقيات الدولية المنظمة للهجرة، كنموذج اتفاق تركيا–الاتحاد الأوروبي لعام 2016م: تضمن المساواة في توزيع اللاجئين ودعم الدول المستقبلة، وتقليص الحوافز للإبحار غير القانوني. بالإضافة، يتمثل التدخل في تحسين ظروف اللاجئين عبر تخفيف قيود المخيمات، وتقديم الغذاء والرعاية الصحية، كما في الأردن ولبنان. ذلك يدعم استقرار المجتمعات المضيفة ويحمي اللاجئين من استغلال شبكات التهريب.
_5-تداعيات وتأثيرات على الخليج والخروج باتجاه موحد
تمثّل جماعات الإسلام السياسي والميليشيات المسلحة تهديدًا ملموسًا لدول مجلس التعاون الخليجي على المستويات الأمنية، السياسية، والاقتصادية. وأبرز نقاط الخطر تشمل ما يلي:
- 1. زعزعة الاستقرار السياسي والأمني: هذه الجماعات تحمل أجندات تغيير جذري ولا يُستبعد معها الخيار العسكري لتغيير الأنظمة، ما يشكّل قلقًا على الحركات الداخلية في دول الخليج، التي تعتمد على تماسك الدولة كخط دفاع أول.
- 2. التدخلات الخارجية: بعض هذه الميليشيات تعمل كأذرع لإيران – أو دول أخرى – وتستخدمها للضغط على الخليج عبر استهداف المصالح الحيوية مثل خطوط الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق هرمز.
- 3. ترفُّع الفكر المتطرف: انتشار الأيدولوجية المتطرفة بين الشباب يزيد و يرفع مستويات الهجرة والتجنيد للجماعات المسلحة.
- 4. التأثير الاقتصادي: انعدام الأمن يقلل من الاستثمار الأجنبي، ويزيد من إنفاق الدول الخليجية على الجوانب الأمنية، وهو ما يجعل التنمية الاقتصادية هدفًا تحت الضغط الأمني.
- 5. استغلال الأزمات الإقليمية: مثل الصراعات في اليمن وسوريا التي تمكّن هذه الجماعات من تأسيس قواعد قوية على الحدود الجغرافية، لتنفّذ نشاطها تجاه دول الخليج.
- 6. تقويض الهوية الوطنية: تصاعد خطاب الجماعات الدينية السياسية يمكن أن يؤسس لانقسامات داخل النسيج المجتمعي الخليجي.
- 7. تحديات قانونية ودبلوماسية: يصعب مقاربات مكافحة هذه الجماعات من دون تعاون إقليمي، فضلًا عن قضايا لجوء وجنسية تتحكم في الصلاحيات القانونية لملاحقة المتطرّفين.
من حيث الأثر الاقتصادي، تشمل تداعياتها:
- 1. غياب الاستثمارات الأجنبية، جراء الضبابية الأمنية، فتتراجع خزائن التنمية.
- 2. تكاليف إنفاق مرتفعة على الأمن الداخلي، ما يقلص العائدات على القطاعات التعليمية والصحية.
- 3. هجوم على السياحة، والتي تعد ركيزة لبعض دول الخليج كالإمارات.
- 4. تهريب مالي عبر المؤسسات المصرفية والتبرعات الخيرية، ما يضطر الدول إلى فرض قواعد وضوابط مشدَّدة على المعاملات المالية الدولية.
- 5. هروب الكفاءات إذا ما توقفت الثقة الأمنية في الأسواق الخليجية.
يلعب دور دول الجوار دورًا مزدوجًا: فهي بوابات إلى دول تحتضن كيانات مسلحة، أو منصات ممنوحة لهذه الجماعات للوصول إلى الخليج. فبعد الحرب الأمريكية في العراق 2003م، أصبح العراق ساحة لصراعات بالوكالة بين إيران، والولايات المتحدة، والخليج، ما منح الهياكل المسلحة مجالًا للعمل، كما يمكن ملاحظة في اليمن مع الحوثيين، وتهديد الجنوب السعودي في السنوات الماضية.
كما تمارس إيران استراتيجية "عبر الأذرع" على دول الجوار، بدعمها التنظيمات الطائفية وميليشيات مثل الحوثيين – عبر تمويل يقدر بالمليارات سنويًا – وتزويدها بالأسلحة والنظام الاستخباراتي، لضبط المنطقة ضد نفوذ الخليج عبر الضغط غير المباشر، خصوصًا تجاه مضيق هرمز والبحر الأحمر.
أخيرًا، غياب الأمن الجماعي الخليجي – نتيجة عوامل مثل الخلافات السياسية الداخلية بين دول المجلس – يضعف القدرة على مواجهة مشتركة. تبني كل دولة مسارات منفردة يعزز هشاشة الاستجابة، وتبني سياسات الأمن الذاتي، دون تنسيق واضح على مستوى الجغرافيا الإقليمية.
6 - خاتمة وتوصيات
أثبتت التجربة السياسية والأمنية في المنطقة العربية أن فراغ السلطة، وتغوّل الطائفية، وتدخل القوى الخارجية تشكّل البيئة الخصبة لنشوء جماعات الإسلام السياسي والميليشيات المسلحة. ورغم التراجع النسبي لبعض هذه الجماعات، مثل تنظيم داعش، وانكفاء الإخوان، إلا أن استمرار النزاعات، وتفاقم الفقر، واستمرار الاحتلال في بعض المناطق، يعيق القضاء التام على هذه الظاهرة. فهذه المجموعات لا تنمو فقط في ظل السلاح، بل أيضًا في ظل التهميش السياسي والاجتماعي، وغياب الأفق التنموي.
ولمواجهة هذا الواقع المعقد، لا بد من تبني مقاربة استراتيجية شاملة تمزج بين أدوات القوة الناعمة – كالتعليم، والإعلام، والحوار الفكري – وأدوات القوة الصلبة، بما فيها الإجراءات الأمنية، والعقوبات، والردع. وقد أثبتت بعض التجارب الحديثة، مثل اتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان واليمن (2024–2025)، أن الضغط العسكري والدبلوماسي قادر على إنتاج نتائج فورية، إلا أن هذه النتائج تبقى هشة إن لم تُدعّم بحلول سياسية واقتصادية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الدول الخليجية بوصفها الأكثر استقرارًا في الإقليم، والأقدر على لعب دور محوري في مواجهة هذه التحديات. ويُستحسن أن تتجه هذه الدول نحو تنسيق أمني وسياسي أعمق، من خلال إنشاء آلية خليجية مشتركة تُعنى بمكافحة الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة. يمكن أن تشمل هذه الآلية التعاون الاستخباراتي، ومراقبة الحدود، وتجفيف مصادر التمويل، إلى جانب تطوير برامج لإعادة تأهيل الأفراد العائدين من بؤر التطرف، ودمجهم مجددًا في المجتمع.
كما ينبغي ألّا تُعزل الجهود الأمنية عن المسارات السياسية والتنموية الأوسع. فإحلال السلام في ملفات مزمنة مثل النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي على أساس قضايا العدالة، والكرامة الوطنية، وحق الدولة، سيساهم في تقويض الخطاب المتطرف، ويحرج الجماعات التي تعيش على شعارات المقاومة الشكلية. كما أن دعم مشاريع التنمية المستدامة – مثل "رؤية السعودية 2030" – والاستثمار في التعليم، وبناء الفرص الاقتصادية أمام الشباب، من شأنه أن يعيد تشكيل البيئة الحاضنة لهذه الجماعات.
إن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق فقط عبر البنادق، بل أيضًا عبر بناء دولة القانون، وتعزيز المواطنة، ومأسسة العدالة الاجتماعية. لذا، فإن المعركة ضد الإسلام السياسي والميليشيات المسلحة لا بد أن تُخاض في العقول كما تُخاض في الميدان. وهي معركة تتطلب نفسًا طويلًا، وتنسيقًا عربيًا عميقًا، وإرادة سياسية لا تساوم على استقرار الشعوب أو وحدة الأوطان.






