array(1) { [0]=> object(stdClass)#14245 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 212

3 مسارات أمام تركيا: الالتزام بخطط الناتو وتأسيس محور إقليمي وتحالف مع السعودية والإمارات ومصر

الأربعاء، 30 تموز/يوليو 2025

يخضع منطق وبنية العلاقات الدولية اليوم لأدوات القوة التي تُديرها، مقابل تراجع واضح لصوت وتأثير القانون الدولي. ولم يكن انحسار التوازنات الدولية لصالح "سياسة القوة" بدلاً من "قوة السياسة"، وانسحاب "قوة القانون" لحساب "قانون القوة"، وليد اللحظة، لكنه بات أكثر وضوحًا وتأثيرًا خلال العقود الأخيرة، خاصةً مع تزايد الأزمات وتفاقم النزاعات، وتراجع فاعلية المؤسسات الأممية، وارتفاع منسوب التوترات العسكرية في بؤر دائمة السخونة.

نحن أمام مفارقة حقيقية بين الطرح النظري لدور ومكانة القانون الدولي، وبين التطبيق والممارسات الواقعية التي تتحكم في قواعد تُفرض من خلال القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، على نحو يناقض مقاصد الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن، واحترام سيادة الدول وحقوق الإنسان. المشهد القائم يُظهر بوضوح تقديم مصالح الأقوياء على حساب قواعد القانون، أو تحويل الأخير إلى أداة توفّر الحماية والحصانة عند الحاجة.

تواصل المنظمات الدولية إصدار البيانات والتقارير وإعلان المواقف، لكن القرار الفعلي والمرجعية الحقيقية تبقى بيد الفاعلين النافذين. ولذلك، فإن الإجابة على سؤال: "من يقود من؟" تبدو شبه محسومة. العلاقات الدولية هي التي تُعيد تشكيل أسس ومبادئ القانون الدولي وتوظيفه وفقًا لمعادلات القوة والمصلحة.

تمسّك منطق القوة بالهيمنة على بنية التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية، والإصرار على رسم معالمها وتحديد مسارها ليس بجديد. الجديد هو تضييق الخناق على القانون الدولي لصالح معادلة "قوة السياسة" أم "سياسة القوة"، التي يتقدّم فيها الجانب الثاني من المعادلة بفارق شاسع.

الحصيلة الأولى هنا كانت حسم المعركة لصالح اللاعبين الكبار الجدد، الذين رسموا شكل النظام العالمي الجديد بشقّه السياسي والقانوني والعسكري، وتقاسموا المصالح والنفوذ داخل مؤسسات المنظومة الأممية، دون أي تنازلات أو تراجع، رغم كل التحولات والمتغيرات الجغرافية والسكانية والعسكرية والسياسية منذ عام 1945م، وحتى اليوم.

أما مسألة الإصلاح داخل الأمم المتحدة فهي تُطرح منذ سنوات طويلة، خصوصًا لناحية طريقة عمل مجلس الأمن وشكل صدور قراراته، ومنح الجمعية العامة صلاحيات أوسع في المشاركة واتخاذ القرار. لكن الترجمات العملية لم تظهر إلى العلن. وبذلك، تراجع الرهان على منظومة أممية جديدة تحت مظلة القانون الدولي، كان من المفترض أن تُوفّر العدالة والسلام والأمن للمجتمع الدولي.

وعلى الرغم من أن عالم اليوم يبدو متعدد الأقطاب، ويضم أكثر من دائرة سياسية وجغرافية مؤثرة، إلا أن الأحادية الأمريكية لا تزال تقود المشهد، وتمسك بخيوط اللعبة الدولية منذ سقوط الثنائية القطبية قبل نحو ثلاثين عامًا. عالم اليوم هو عالم متعدد الأقطاب ظاهريًا، لكنه أحادي الإرادة فعليًا، بإجماع الكثير.

من هذه الزاوية، نطرح بعض التساؤلات ونحاول تفكيك الإجابات عليها:

ماذا بعد تراجع قوة القانون لصالح قانون القوة؟ وما هي البدائل لضبط إيقاع العلاقات الدولية من جديد؟ وهل سيظل الأقوياء هم من يرسمون لعبة التوازنات على حساب بقية اللاعبين؟ ألن تكن هناك فرص وخيارات بديلة تُلزم البعض بقبول التعددية القطبية التي تحمي مصالحهم أيضًا، وليس انطلاقًا من تعددية قطبية يريد البعض فرضها على دول العالم؟ وكيف ينعكس هذا التحول على التوازنات الإقليمية الجديدة، خصوصًا في الحالة التركية، بصفتها فاعلًا محوريًا بين الشرق والغرب، ولاعبًا إقليميًا قادرًا على التأثير في رسم سياسات المنطقة وتوازناتها؟ وكيف سيتم تجاوز العقبة الإسرائيلية في الإقليم بالنسبة لأنقرة، بعدما كان الهاجس الأول هو التوتر التركي–اليوناني أو التركي–الروسي؟ وأين تقف تركيا من هذه التحولات؟ وكيف ستتعامل مع السياسات الأمريكية، وهي شريك في حلف الناتو؟ وما هي فرص بناء ثقل تركي–عربي–إسلامي في الإقليم يحمي مصالح وأمن هذه الدول؟

تأثير السياسات الأمريكية في التأسيس لنظام عالمي جديد

كان من المفترض أن يصبح العالم أكثر استقرارًا وأمنًا وسلامًا، بعد إعلان ولادة نظام عالمي جديد خلال أكثر من حقبة زمنية، غير أن الأمور لم تسر على هذا النحو بسبب بروز أكثر من عقبة سياسية وأمنية واقتصادية عرقلت الهدف الأمريكي.

الصادم أكثر هو أن واشنطن لم تعد تسعى إلى تقوية بنية النظام الدولي، بل إلى إعادة تشكيله وفق أولوياتها الخاصة، ومصالحها القومية، وأدواتها الأحادية. وأن الهدف الأمريكي لم يعد دعم تعزيز الشرعية الأممية أو تحقيق التوازن، بل فرض معادلات جديدة على الأرض، حتى وإن تم ذلك على حساب حلفاء تقليديين، أو من خلال تقويض هياكل أساسية في بنية النظام الدولي.

 ها هي الأمم المتحدة تُواجه في عامها الثمانين، أزمة العلاقة بين تطبيق أسس ومبادئ القانون الدولي، وإصرار بعض القوى الدولية على فرض قواعد اللعبة وفق موازين القوة والمصالح السياسية والاقتصادية.

في الوقت نفسه، تواجه أسس ومبادئ القانون الدولي، التي اعتمدتها المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، تحديات متزايدة في فرض القواعد، وسط تصاعد سياسات القوة الأحادية وتغليب مصالح الدول الكبرى في التوازنات السياسية والعسكرية.

 

الرأي السائد هو أن انعدام الإرادة الجماعية الحقيقية في مواجهة منطق القوة، خاصة مع تزايد النزاعات الإقليمية، هو ما يحول دون فتح الطريق أمام فرص إعادة بناء قواعد القانون الدولي، وإحياء المؤسسات الدولية، وتفعيل دورها. وأن هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة نظرية في بنية العلاقات الدولية، بل يعكس تحولًا هيكليًا في دور المؤسسات الأممية، وتآكل فعالية القانون الدولي، وانكشاف محدودية الشرعية الدولية في ظل صعود الواقعية السياسية، بحسب الكثيرين.

التحولات في منطق القوة الأمريكي: غاية أم وسيلة؟

تبنّت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خطابًا يقوم على أن القوة عنصر ضروري لحماية التوازنات السياسية والعسكرية والاقتصادية. لكنها حوّلت هذا الخطاب تدريجيًا إلى أداة لإلزام الآخرين بما تقول وتريد. وبذلك، تحوّل منطق "القوة من أجل الاستقرار" إلى غطاء مرن للتدخل والتأثير، تحت شعار بديل: "لا استقرار دون القوة الأمريكية"، بحسب قناعة الخبراء والدارسين.

كان هدف أمريكا، وما زال، منذ لحظة سقوط نظام الثنائية القطبية في أواخر الثمانينيات وحتى اليوم، بناء نظام عالمي تكون هي اللاعب الأكثر تأثيرًا في تحديد معالمه. عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أعادت معها رؤيته الخاصة لشكل السياسة الخارجية الأمريكية، وكيف ينبغي أن تكون، ثم "خيارات" البقية في قبول أو رفض هذا الواقع الجديد.

تبلور هذا الواقع في انسحاب الولايات المتحدة من عدة اتفاقيات دولية، وتجاهل دور الأمم المتحدة ومؤسساتها، والدخول في صدام مباشر مع المحكمة الجنائية الدولية، والتلويح المستمر بعدم الالتزام بالقرارات أو العقود الدولية التي لا تصب في المصلحة الأمريكية المباشرة، بإجماع الكثيرين. الحرب التجارية التي شنّها ترامب على الصين، والضغوط التي مارسها على شركاء وحلفاء، والمواجهة العلنية مع إيران، جميعها نماذج لتهميش الشرعية القانونية لصالح منطق القوة.

يريد ترامب إعادة صياغة المعادلة الدولية على أساس ميزان القوة العسكرية والاقتصادية، ومبدأ "صفقات المصالح" بدل الالتزامات الدولية الدائمة. والمفارقة أن هذه الرؤية لم يفرضها فقط على الخصوم، بل واجه بها أيضًا الحلفاء، وهدد بإعادة النظر في التزامات أمنية راسخة إن لم تتطابق مع المصالح الأمريكية.

في المحصلة، القناعة العامة هي أن أمريكا لن تسمح، ضمن لعبة التوازنات الدولية الحالية، ببناء نظام دولي يسير نحو تعددية مستقرة، بل نحو نظام تعددي متوتر تُحدَّد فيه ملامح القوة وفق الوقائع والأهداف الأمريكية.

تركيا ودول الناتو: القوة العسكرية كلمة السر؟

يُعدّ تشكيل حلف شمال الأطلسي أحد أبرز إنجازات الدبلوماسية الأمريكية، على طريق دمج العواصم الغربية والشرقية في تكتل عسكري واحد، لا وجود لمنافس إقليمي أو دولي له حتى اليوم. يضم الحلف 32 دولة تحت مظلة منظومة دفاعية أُنشئت لمواجهة النفوذ الروسي في أواخر الأربعينيات، لكنها اليوم تُوسّع من أهدافها وخططها الاستراتيجية، رغم انهيار التكتل العسكري السوفياتي وغياب منافس حقيقي لها.

في المقابل، يشدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الالتزام بالأمن الجماعي لحلفاء بلاده، لكنه لا يُهمل العلاقة الاستراتيجية البعيدة المدى مع العديد من الشركاء والحلفاء المتواجدين خارج المنظومة الأطلسية. من هنا، تتجه العديد من المؤشرات نحو رغبة واشنطن في مراجعة سياساتها الدفاعية في أوروبا، مما قد يقود إلى خفض فعلي للوجود الأمريكي في القارة، لصالح تموضع عسكري جديد في أماكن تحتاجها للدفاع عن سياساتها الإقليمية والدولية الجديدة، في آسيا وأفريقيا والبحر الأسود وحوض قزوين.

البُعد الاقتصادي في متغيرات من هذا النوع له الأولوية، خصوصًا بعد انخراط الإدارة الأمريكية الجديدة في لعبة توازنات تجارية، ودعم خطوط نقل بديلة بطابع تنافسي دولي، يتقدمها "الخط الهندي" في مواجهة "الخط الصيني". فـرغم تعهد العديد من الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها العسكري، فإن السؤال المطروح اليوم هو: هل ينبغي الاستثمار في الرهان على الناتو، أم التوجه نحو بناء ركيزة أوروبية مستقلة؟

التحقت تركيا بحلف الناتو عام 1952م، في توقيت واحد مع دخول اليونان، وسط لعبة توازنات غربية دقيقة تمسك العصا من المنتصف، وتبقى على مسافة واحدة من حليفين في نزاع دائم، لأسباب ثنائية وإقليمية. الناتو لا يرغب في الاستغناء عن موقعهما ودورهما الجيوسياسي، خاصة في مواجهة النفوذ الروسي، وتمركزهما أمام أربعة بحار استراتيجية تحتاجها الولايات المتحدة.

التحاق تركيا بحلف شمال الأطلسي في مطلع الخمسينيات شكّل لحظة محورية في تحوّلها إلى لاعب مركزي في التوازنات العسكرية الغربية، وفي لعبها دور "بوابة الحلف" العسكرية نحو المنطقة لسنوات طويلة. استثمرت تركيا في هذا الدور، من خلال موقعها الجغرافي وثقلها العسكري، الذي جعل منها شريكًا لا غنى عنه في زمن الحرب الباردة، لا سيما في وجه التمدد الروسي.

بعد سبعة عقود من هذه العلاقة الاستراتيجية، تبرز اليوم قناعات جديدة، منها تراجع التوازن العسكري التقليدي، وتصرف تركيا أحيانًا كعضو "متمرّد" يُفاوض من الداخل، خصوصًا بعد توتر علاقاتها مع واشنطن خلال العقد الأخير في قضايا تمسّ أمنها القومي، مثل علاقاتها مع روسيا، والتي أدت إلى استبعادها من برنامج المقاتلة أف-35 .

ولكنه ورغم فترات التوتر، فإن تركيا لم تبتعد عن قواعد الانضباط المؤسسي للحلف، ودعمت توسيع الناتو بضم السويد وفنلندا، وكانت من أبرز الداعمين لمطلب زيادة نسب التسلّح العسكري على المستوى الوطني في موازنات الدول الأعضاء.

ترى تركيا في الناتو مظلة أمنية ضرورية، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى إعادة تعريف دورها داخل الحلف من موقع قوة. وهو ما يخلق توازنًا دقيقًا بين الولاء للتحالف، والبحث عن هامش استقلالية.

في أوروبا، تتصاعد الدعوات لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على واشنطن، وهو ما يجعل العلاقة مع أنقرة أكثر أهمية. فالخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة، والتي تُهدّد تماسك الحلف، وسط تراجع الثقة وتباين الأولويات الاستراتيجية، تمنح أنقرة فرصة لموازنة علاقاتها مع الطرفين، والحصول على الكثير مما تريده، كلاعب لا يمكن الاستغناء عنه أو التفريط فيه.

تقف تركيا اليوم في علاقاتها مع الناتو أمام ثلاثة مسارات استراتيجية متباينة: تعزيز الالتزام بقرارات وخطط الناتو، ما يمنحها الغطاء الأمني الدولي وعلاقات قوية مع الغرب الانفتاح على تحالفات بديلة، من خلال التقارب مع روسيا والصين، والسعي لتأسيس محور إقليمي خاص. بناء تحالفات إقليمية عربية–إسلامية، من خلال الحوار مع دول مثل السعودية والإمارات ومصر، لتحقيق توازن إقليمي جديد أكثر استقرارًا. هذا المسار قد يكون واعدًا، بناءً على المواقف وحجم التنسيق السياسي بين الأطراف.

أنقرة، باختصار، ستحاول لعب أوراق الفرص المتاحة كافة، وإدارة توازن دقيق يُبقيها داخل المنظومة الغربية، دون أن يمنعها من توسيع مجالات التعاون الإقليمي مع اللاعب العربي والإسلامي، الذي تلتقي مصالحها معه.

تركيا والتوازنات الإقليمية ومستقبل الشرق الأوسط

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة تعيد تشكيل خريطة التوازنات الإقليمية، في ظل تزايد نفوذ قوى جديدة مثل تركيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، وقطر. هذه الديناميات تفتح الأبواب أمام آفاق تعاون غير مسبوقة، بناءً على تجارب وساحات اختبار عاشتها هذه الدول في العقدين الأخيرين.

فما هي الخيارات المتاحة لتركيا؟ وأين تقف اليوم من التوازنات الجديدة؟

تبرز تركيا كلاعب مستقل يسعى إلى التمسك بموقعه ودوره، وفق المعادلات الدولية والإقليمية الجديدة. هي لا تستفيد فقط من موقعها الجيوسياسي الحيوي، بل أيضًا من منظومة علاقات واسعة بنتها مع دول المنطقة.

لكن ما يُقلق تركيا اليوم هو التنسيق الاستراتيجي الأمريكي–الإسرائيلي في المنطقة. فهناك رغبة إسرائيلية واضحة في الدخول على خط المواجهات الإقليمية، بعدما رفضت العديد من العواصم الأوروبية القيام بهذه المهمة.

تتجه القناعة التركية أيضًا نحو أن إسرائيل تُعدّ من أكبر المستفيدين من خطط الولايات المتحدة لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي والدولي، دون الخضوع لأي قيد. وما تقوم به إسرائيل اليوم يُعدّ محاولة لفرض توازنات إقليمية جديدة، برعاية أمريكية، تشمل إعادة تعريف مفاهيم الأمن والسلام، بما يخدم نظام القوة الجديد الذي يجمع واشنطن وتل أبيب.

في المقابل، صعّدت القيادة التركية نبرتها ضد إسرائيل بعد العدوان الأخير على إيران، لكنها لم تعتمد الأسلوب نفسه تجاه الولايات المتحدة، التي كانت طرفًا مباشرًا في الهجوم. أولويات أنقرة لا تتجه نحو مواجهة واشنطن، بل نحو دفعها إلى قراءة إقليمية جديدة تُفعّل جهود التهدئة، خاصة في الملفين الفلسطيني والسوري.

تظهر تركيا اليوم كلاعب إقليمي رئيس، يضع بعين الاعتبار ضرورات ومتطلبات التوازنات التي لم تعد تُبنى فقط على القوى الكبرى، بل على فاعلين إقليميين لديهم إرادة واضحة لإعادة تشكيل المشهد داخل بلدانهم. هذا التطور يشير إلى احتمالات لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، عبر توازنات أكثر ليونة وشفافية وانفتاحًا، تُسهّل فرص التعاون.

قناعة الكثيرين في الداخل التركي تلتقي مع التشخيص القائل إن مستقبل الشرق الأوسط يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الفاعلين على إدارة هذه التوازنات بعقلانية، وتفعيل قنوات الحوار والتعاون الإقليمي والدولي، بما يخفف من آثار الاستقطاب، ويمنح المنطقة فرصة لتحقيق استقرار طويل الأمد.

يفرض النظام الدولي القائم على تركيا والدول العربية والإسلامية الفاعلة والمؤثرة، إعادة تقييم تحالفاتها واستراتيجياتها. فالتقارب بين هذه الأطراف، على أساس مصالح مشتركة في الأمن والاقتصاد، قد يشكل قوة ردع فعالة ضد محاولات الاستقطاب الإقليمي والدولي، مصحوبا بفرص مناورة أوسع، تسهم في تخفيف حدّة الاستقطاب الدولي، وإحداث توازن إقليمي جديد.

تعطي المسارات الإقليمية الجديدة إشارات واضحة باتجاه بروز نمط مختلف من العلاقات، يقوم على البراغماتية السياسية، والشراكات المرنة، وإدارة التناقضات، وخلق مساحات للحوار والتفاهم، وسط مشهد دولي مشحون بالمنافسة. وتدفع توازنات النظام الدولي القائم باتجاه تشكيل فرصة للتقارب بين تركيا وجيرانها من الدول العربية والإسلامية، لمواجهة الاستقطاب الحاصل.

إن التوجه الأمريكي الجديد، والممارسات الإسرائيلية في المنطقة، يضعان تركيا والدول العربية والإسلامية أمام استحقاق مراجعة استراتيجياتهم وتحالفاتهم، على أرضية تجمع الكثير من القواسم المشتركة، وتُثبّت دورهم كقوة توازن إقليمي قادرة على طرح البدائل، وامتلاك الفرص والخيارات المتنوعة لحماية المصالح.

الخاتمة

لم تفلح جهود ترميم الخلل السياسي والقانوني والاقتصادي الذي أصاب المؤسسات الدولية، منذ تأسيسها بموجب ميثاق منظمة الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم. وبذلك، يبقى مستقبل العلاقات الدولية بين القوة والقانون مفتوحًا على الكثير من الاحتمالات.

من جانب آخر، تشهد العلاقات الدولية اليوم تصعيدًا ملحوظًا في النزاعات المسلحة، يعكس بوضوح صراعًا بين منطق القوة وسيادة القانون الدولي، كما ظهر منذ بداية الحرب الأوكرانية عام 2022م، وتصاعدها خلال عام 2024م.

تُقدّم تركيا نموذجًا لتوازن دقيق بين العمل ضمن الأطر الدولية مثل حلف الناتو، والأمم المتحدة، والمجلس الأوروبي، وبين وجودها الفاعل في منظمات إقليمية تسعى للعب دور في إعادة رسم التوازنات على أسس قانونية وإنسانية وأخلاقية تُقرّب الدول والشعوب من بعضها البعض. لكن مشكلتها الأكبر تبقى في تنظيم علاقتها بحليف أمريكي متقلّب المزاج، يبدّل أولوياته بين ليلة وضحاها.

كشفت الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة وجنوب لبنان، والهجمات التي نُفذت ضد الداخل الإيراني، وما تبعها من تدخل أمريكي مباشر، عن هشاشة السلم والأمن الدوليين، لكنها كشفت أيضًا عن المنطق الأمريكي الجديد في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية. واشنطن تُقدّم مصالحها ومصالح حليفها الإسرائيلي، وتضع أولوياتهما فوق المواثيق والتعهدات، وقواعد القانون الدولي.

أمام إصرار إدارة ترامب على تقديم نفسها كقوة منفردة تُعيد رسم السياسات الدولية، وتسعى إلى فرض توازنات جديدة تخدم تصوراتها، تبرز كتلة من الفاعلين الإقليميين ترى أن مصالحها لم تعد في الحياد، بل تتطلب إعادة ترتيب علاقاتها لمواجهة سياسة تتمسك بتقديم معيار القوة كمقياس وحيد للعلاقات الدولية.

قد تبدو القوى الأوروبية مرتبكة وعاجزة عن تقديم رد جماعي متماسك، سواء في مواجهة السياسات الأمريكية، أو في بناء بدائل ذات استقلال استراتيجي فعلي. في المقابل، تواصل الصين تعزيز موقعها العالمي اقتصاديًا وتكنولوجيًا، وتطرح نماذج بديلة للتعاون الدولي، مثل "مبادرة الحزام والطريق"، بينما تزداد روسيا حضورًا عسكريًا ودبلوماسيًا في مناطق النزاع والنفوذ، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا.

وإلى جانب ذلك، تتحرك العديد من الدول الإسلامية لتوسيع رقعة تعاونها السياسي والاقتصادي والأمني، في إطار مبادرات تعاون وتنسيق إقليمي تركي–سعودي ظهر إلى العلن في السنوات الأخيرة.

مقالات لنفس الكاتب