على الرغم من التحولات الكبيرة التي طرأت على النظام العالمي منذ مطلع القرن التاسع عشر، فقد حافظ على سمته طوال عقود طويلة كنظام متعدد الأطراف، حيث كانت القوى العالمية تتنافس فيما بينها دون أن تنفرد أي منها بالزعامة. استمر هذا الوضع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945م)، الذي شهد بروز الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين عظميين، مما أدى إلى تحول النظام العالمي من نظام متعدد الأطراف إلى نظام ثنائي القطبية (1945-1990م). خلال هذه الفترة، ظهر نظام رأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، مقابل نظام شيوعي تزعمته روسيا.
لم يلبث هذا الاستقطاب الثنائي أن انتهى بانهيار الاتحاد السوفيتي، مما مهد الطريق أمام واشنطن لتتبوأ مكانة القوة العالمية المهيمنة. بيد أن هذه الهيمنة لم تستمر طويلاً، فمع أواخر التسعينيات وبداية الألفينات، تزايد نفوذ لاعبين آخرين كالمؤسسات متعددة الجنسية، والمنظمات الدولية، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، مما أحدث تحولاً في طبيعة النظام العالمي. وعلى الرغم من احتفاظ الولايات المتحدة بمكانتها كقوة عالمية عظمى، إلا أنها تخوض غمار منافسة محمومة أمام القوى العالمية الأخرى والجهات الفاعلة غير الحكومية.
منذ عام 1945م، قدمت واشنطن إسهامات مالية، ودبلوماسية، وعسكرية جمة لتدعيم ما يعرف بــ “النظام الدولي الليبرالي" القائم على أسس وقوانين دولية وترعاه منظمة الأمم المتحدة وغيرها من الكيانات الدولية. لكنها ظلت المستفيد الأول من المزايا التي يتيحها هذا النظام الدولي الليبرالي. على سبيل المثال، تعد التجارة الحرة والهجرة من أبرز الأسباب الكامنة وراء مستوى العيش المرفه الذي ينعم به غالبية المواطنين الأمريكيين. ولهذا السبب، حرصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة (الجمهورية والديمقراطية على حد سواء) على التعبير عن احترامها للقانون الدولي (ولو على مستوى الخطاب السياسي على الأقل) والانخراط المتواصل مع الحلفاء والشركاء حول العالم. مع ذلك، فمنذ شهر يناير 2025م، ساور العديد من المحللين شكوك حيال التزام إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية بتعزيز القانون الدولي، والحفاظ على الروابط الوثيقة مع حلفاء واشنطن. والسؤال الذي يلوح في الأفق حاليًا هو ما إذا كانت مبادرات ترامب ستفضي لتغييرات دائمة في طبيعة علاقات الولايات المتحدة بالقانون الدولي ومؤسساته، وبالتالي في النظام العالمي الليبرالي برمته.
الهجرة واللاجئين: تتجلى إحدى أبرز سمات السياسة الدولية لإدارة ترامب في موقفها الصارم تجاه الهجرة، والذي تجسد في إصدار قرارات حظر السفر التي استهدفت عدة دول ذات أغلبية مسلمة. يرى بعض الخبراء القانونيين أن هذه السياسة تمثل انتهاكًا صريحًا للقانون المحلي، خاصة في دولة قامت على مبدأ احترام حرية الدين والمعتقد. وأوضحوا أن الدستور الأمريكي لا يتضمن أي نصوص تجيز مثل هذا الحظر الشامل، بل إن قوانين الهجرة تنص صراحةً على منع الإقصاء بناءً على الأصل القومي. وبموجب القانون الدولي أيضًا، فإن القرار الأمريكي يضرب عرض الحائط اثنين من المعاهدات التي انضمت إليهما الولايات المتحدة منذ أمد بعيد: اتفاقية اللاجئين، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. حيث يهدف قرار حظر السفر إلى استبدال عمليات التدقيق التي تتم بشكل فردي وفقًًا لكل حالة، بإقصاءات تصنيفية تتم وفقًا للصور النمطية عن الدين والأصل القومي. مما دفع أعضاء الحزب الديمقراطي والمنتقدين الآخرين لوصف جهود حظر السفر التي تتزعمها الإدارة الأمريكية ضد دول معينة بأنها تنم عن الكراهية للأجانب والتعصب. واستدل هؤلاء المنتقدين بمساعي ترامب خلال ولايته الأولى لفرض قرارات مماثلة على الدول ذات الأغلبية المسلمة، واتساع دائرة الدول المستهدفة خلال الولاية الثانية لتشمل عددًا أكبر من الدول الإفريقية ودول منطقة جزر الكاريبي.
التغير المناخي: في عام 2015م، أعلن الرئيس دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، وهو اتفاق تاريخي يهدف إلى ترسيخ الأهداف الوطنية للدول الأعضاء البالغ عددها 196 دولة بشأن خفض انبعاثات الغازات الدفيئة. برر ترامب قراره بأنه يعيد بذلك تأكيد السيادة الأمريكية. وزعمت إدارته في البداية وجود خطط لإعادة التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أفضل، على الرغم من عدم وجود أي دافع لدى الدول الأعضاء الـ 195 الأخرى لإعادة التفاوض على اتفاق قد يكون أقل طموحًا. وعلى النقيض من موقف الإدارة الأمريكية آنذاك، فقد تبلور على مدار العقود الماضية إجماع دولي واسع بشأن العواقب البيئية الخطيرة للاحتباس الحراري وضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجتها. ورغم انسحاب ترامب، لم تحذُ الدول الأخرى حذو الولايات المتحدة، بل حافظت على التزاماتها بالعمل على إبطاء وتيرة الاحتباس الحراري.
المحكمة الجنائية الدولية: في شهر يونيو، أعلن وزير الخارجية الأمريكي عن فرض عقوبات جديدة طالت أربعة من قضاة المحكمة الجنائية الدولية. اثنان من هؤلاء القضاة كانا قد أيدا فتح تحقيق في العمليات العسكرية الأمريكية بأفغانستان، بينما سمح القاضيان الآخران بإصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. صدرت هذه العقوبات، التي سيتم بمقتضاها تجميد كافة الممتلكات والأصول المملوكة للقضاة الأربعة الواقعة تحت تصرف الولايات المتحدة، بموجب أمر رئاسي صدر في شهر فبراير من قبل الرئيس ترامب الذي اتهم المحكمة" بالانخراط في أعمال غير مشروعة ولا أساس لها تستهدف أمريكا وحليفتها الوثيقة إسرائيل". من جانبها، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بيانًا تستنكر فيه العقوبات الأمريكية، وتصفها بأنها "محاولة واضحة لتقويض استقلالية المحكمة والسلطة المفوضة للدول الأعضاء البالغ عددها 125 دولة". يشار إلى أنه تم إنشاء المحكمة في عام 2002م، بهدف التحقيق في جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان.
التقارب مع روسيا: منذ عودة الرئيس ترامب مجددًا إلى البيت الأبيض في يناير 2025م، شهدت سياساته حيال روسيا تحولًا جذريًا. حيث حرصت إدارته على فك العزلة الغربية المفروضة على موسكو، آملا في أن يثمر عن ذلك اتفاقًا لوقف النار داخل أوكرانيا، وأن يمهد الطريق أمام تحسين مستوى العلاقات بين واشنطن وموسكو. على هذا النحو، تبنت إدارة ترامب نهجًا تعسفيًا تساوميًا إزاء كييف مما أثار الشكوك بشأن مستقبل الدعم الأمريكي لأمن أوكرانيا. كما عكس في الوقت ذاته تباعدًا أمريكيًا متزايدًا عن الفلك الأوروبي. وهو ما يُنذر بَدفع الشراكة عبر ضفتي الأطلسي -التي لطالما شكلت حجر أساس للاستراتيجية الأمريكية تجاه روسيا وسلفها السوفيتي على مدى الثمانين عاما الماضية-لمستويات متدنية غير معهودة. من جانبها، تشعر موسكو بالاستياء حيال احتفاظ الولايات المتحدة بدورها المُهيمن على منظومة الأمن الأوروبي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، ولكنها ترى أن الصدمات الجيوسياسية المُتعاقبة على أوروبا جراء سياسات ترامب، قد تجعل الفرصة سانحة أمامها. وقد بدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين آمال البيت الأبيض المبكرة بشأن تطبيق اتفاق سريع لوقف إطلاق النار في أوكرانيا رغم التنازلات الكبيرة من قبل الجانب الأمريكي. حيث يرغب في إقناع نظيره الأمريكي بأن السلام هدف لن يتحقق سوى من خلال القبول بكافة المطالب الروسية والتي قد تصل إلى حد المطالبة بنزع السلاح عن أوكرانيا وإعلانها دولة محايدة، بحيث تصبح فريسة للنفوذ والهيمنة الروسيين. كما يود بوتين إقناع ترامب بأن تحقيق السلام مرهون بتقديم أوكرانيا وأوروبا تنازلات حاسمة، وذلك بهدف تأجيج التوتر بين واشنطن وشركائها.
من منظور روسيا، تحمل المفاوضات، حتى وإن لم تكلل بالنجاح، قيمة كبيرة إذا تمكنت من إقناع واشنطن بالنأي بنفسها عن الصراع، إذ سيعتبر ذلك بمثابة اعتراف أمريكي بأن أوكرانيا تقع ضمن نطاق النفوذ الروسي، مما يعزز ثقة الكرملين في تحقيق نصر نهائي. كذلك يرى بوتين أن الفرصة متاحة لاستقطاب الولايات المتحدة بعيدًا عن شريكها الأوروبي، وقد يتحقق جزئيًا من خلال اغتنام حماس واشنطن لتحسين العلاقات الأمريكية-الروسية.
وقد أدت التكهنات الأولية حول تقارب أمريكي ــ روسي إلى تفاقم التوترات داخل حلف شمال الأطلسي. ينبع هذا التصعيد من أن أي دفء في العلاقات بين واشنطن وموسكو قد يتعارض مع الإجماع الأوروبي المتزايد على أن روسيا تشكل تهديدًا أمنيًا كبيرًا. فمن جهته، يسعى الكرملين بوضوح إلى استغلال أي حوار مع الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب استراتيجية وتعميق الانقسام بين الحليفين الأمريكي والأوروبي. وتشهد الأروقة الأوروبية حاليًا نقاشات مستجدة، على وقع التوقعات الآنية بشأن التقهقر الأمريكي، حول كيفية اضطلاع أوروبا بدور أمني أكبر، فضلًا عن الأحاديث المتواترة داخل ألمانيا وبولندا بشأن إمكانية امتلاك أسلحة نووية.
التهديدات المحيطة بكندا، وبنما، وغرينلاند: كرر الرئيس دونالد ترامب في مناسبات متعددة الإشارة إلى كندا بوصفها "الولاية الأمريكية الحادية والخمسين". وفي خطاب "حالة الاتحاد"، زعم ترامب أن الولايات المتحدة تعتزم ضم غرينلاند بطريقة أو بأخرى، كما أكد أن قناة بنما لا تزال تحت السيادة الأمريكية. تبدو هذه التصريحات انتهاكًا صريحًا للقوانين الدولية التي تحظر العدوان، ولميثاق الأمم المتحدة الذي ينص بوضوح على التزام "كافة الدول الأعضاء بالامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستخدام القوة العسكرية أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية لأي دولة أو استقلالها السياسي، أو بأي وسيلة أخرى قد تتعارض مع أهداف الأمم المتحدة".
غزة: تتوالى انتهاكات ترامب لمواثيق الأمم المتحدة من خلال تهديده بالاستيلاء على قطاع غزة الذي يجحف حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ناهيك عن أن مثل هذه الممارسات قد ترقى إلى مستوى جرائم تطهير عرقي أو حتى إبادة جماعية بموجب القانون الجنائي الدولي، وذلك وفقًا للسياق والآلية التي ستنفذ بها. بشكل عام، يحظى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم باعتراف واسع النطاق في القانون الدولي، بما يشمل ذلك العديد من القرارات الأممية والأحكام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. وتعتبر العمليات التي يشنها الكيان الإسرائيلي من قتل جماعي للمدنيين والدمار المروع غير المسبوق انتهاكًا واضحًا للقوانين، والمعايير واللوائح الدولية، بما يحتم ضرورة الوقف الفوري لآلة الحرب. فإن عمليات القتال المستمرة إنما تؤكد أن المنطقة لن تنعم بالسلام والاستقرار دون التوصل لتسوية عادلة للصراع العربي-الإسرائيلي ممثلة في إقامة حل الدولتين الذي يحظى بدعم غالبية دول العالم منذ أمد بعيد.
وقبل عقدين من الآن-وبالتحديد في عام 2002م-طرح ولي العهد السعودي في ذلك الوقت الأمير عبد الله بن عبد العزيز مبادرة السلام العربية والتي حظيت بتأييد القمة العربية التي عقدت في بيروت فيما بعد. تقترح المبادرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس تعيش إلى جانب إسرائيل، وتعد حتى الآن الصيغة الأكثر فعالية لإنهاء الصراع وتحقيق السلام والازدهار للشعب الفلسطيني والإٍسرائيلي والعالم أجمع.
الرسوم الجمركية على واردات الصين وهونج كونج: تشكل الرسوم الجمركية الأمريكية التي تستهدف السلع القادمة من الصين وإقليم هونج كونج تصعيدًا خطيرًا في التوترات التجارية وتثير تساؤلات جادة بموجب اللوائح المنصوص عليها في بنود منظمة التجارة العالمية. فقد قضت المنظمة في عام 2020م، بأن التعريفات الأمريكية السابقة المماثلة تعد انتهاكًا لقواعد التجارة العالمية التي تقوم على أساس خلق بيئات تجارية تنعم بالاستقرار ويمكن التنبؤ بها. وفي عام 2022م، شددت الولايات المتحدة أن التعريفات الجمركية التي لا يمكن التنبؤ بها تفرض حالة من الضبابية على الأسواق وهو ما يضر في حد ذاته بالمنظومة التجارية. وفي يونيو 2015م، أشارت تقديرات البنك الدولي إلى تراجع النمو الاقتصادي الأمريكي بمقدار النصف في عام 2025م، نتيجة سياسات ترامب الجمركية. ووفقًا للتقرير الصادر عن البنك، فمن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأمريكي بنحو 1.4% فقط ما يمثل نزولًا حادًا عن التوسع المسجل في عام 2024م، بنسبة 2.8%. فيما ترجح التقديرات تباطؤ معدل النمو العالمي بسبب الارتفاع الكبير في الحواجز التجارية والتبعات الواسعة الناتجة عن عدم اليقين الذي يكتنف بيئة السياسات العالمية.
وقد أدى التصعيد المفاجئ في فرض الحواجز التجارية إلى توقف حركة التجارة العالمية خلال النصف الثاني من هذا العام (2025م)، تزامنًا مع انهيار واسع النطاق في ثقة مناخ الأعمال، وتزايد الضبابية، والاضطرابات العاصفة بأسواق المال. بالتالي، يكمن السبيل لتقليص حالة عدم اليقين السائدة والحواجز التجارية المتزايدة في توصل الاقتصادات الكبرى إلى اتفاقات مستدامة فيما بينها تُعالج بواعث التوترات التجارية. كما تتطلب الانتكاسات العالمية المستمرة بذل جهود مضنية متعددة الأطراف على صعيد السياسات العامة لتعزيز بيئة تتسم بالشفافية والقابلية للتنبؤ من أجل تسوية النزاعات التجارية.
الناتو: وفقًا للمادة الثالثة من المعاهدة التأسيسية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، يلتزم الأعضاء "بالحفاظ على قدراتهم الفردية والجماعية وتطويرها لمقاومة الهجوم المسلح من خلال الدعم الذاتي المستمر والدعم المتبادل الفعال". يعد التعاون الاستخباراتي عنصرًا حيويًا لتعزيز هذه القدرة الجماعية، وعليه فإن التهديد بإقصاء الناتو من القنوات الاستخباراتية الراسخة من شأنه تقويض الالتزامات المنصوص عليها في المعاهدة.
تأسس حلف الناتو في أبريل عام 1949م، وقد أثبت على مدار أكثر من سبعة عقود متتالية دوره المحوري في الحفاظ على مصالح الأمن القومي الأوروبية والأمريكية. تاريخيًا، قادت الولايات المتحدة جهود دعم الحلف ماليًا ولوجستيًا. وقد نجح الرئيس ترامب في تحفيز أعضاء آخرين في التحالف الغربي على زيادة مساهماتهم، حيث قام العديد منهم برفع إنفاقهم العسكري للوفاء بالتزاماتهم. كما قادت فرنسا وألمانيا جهود التفاوض مع دول أوروبية أخرى حول كيفية تخفيف عبء الأمن الأوروبي عن كاهل الولايات المتحدة.
الآفاق المستقبلية: إن تكرار الانتهاكات الأمريكية الصارخة للقانون الدولي يستدعي قلقًا بالغًا لدى جميع المهتمين بصون النظام الدولي القائم على القواعد. وبغض النظر عن ادعاءات إدارة ترامب بتحقيق بعض وعودها الانتخابية، يظل التساؤل الحقيقي حول مدى التزام هذه الإدارة بأي مبادرات سياسية مطروحة. إن التزام الولايات المتحدة بالقانون الدولي والدستوري لا يقتصر على السلطات السياسية الفيدرالية، أو الرؤساء باختلاف انتماءاتهم الحزبية، بل يتجلى أيضًا من خلال عملية قانونية مستمرة وعابرة للحدود الوطنية، مدعومة بسيادة القانون الدولي، واللوائح، والمنظمات الدولية. فمنذ تأسيسها قبل أكثر من قرنين، رسخت الولايات المتحدة مشاركتها في العديد من الكيانات متعددة الأطراف، مما يجعل أي محاولة للانشقاق عنها أمرًا غير ممكنًا بين عشيةٍ وضحاها.
يواجه النظامان السياسي والاقتصادي الدوليان تحديات كبيرة نتيجة تنامي التيار القومي في الولايات المتحدة والعديد من دول العالم، بيد أنه يجب عدم المبالغة في تقدير حجم هذه التحديات. تقتضي مصالح الدول الالتزام بالقواعد الدولية والقانون الدولي، واحترام الاتفاقيات البيئية والتجارية، وتسوية النزاعات عبر الدبلوماسية لا القوة العسكرية. والولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى، تعد جزءًا لا يتجزأ من هذا النظام. لذا، وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية مع الحلفاء والخصوم، يُدرك الرئيس ترامب وكبار مسؤوليه ضرورة التعاون الدولي لتحقيق المصالح المشتركة ومواجهة التهديدات العالمية.
وتمتد الأزمات لتطال أيضًا الحوكمة العالمية. فقد تسببت الحروب التي تُعايشها أوروبا والشرق الأوسط، والصدام بين القوى الاستبدادية، وتنامي احتمالات انتشار السلاح النووي في آسيا والمنطقة، في انقسام بين أعضاء مجلس الأمن الدولي، مما أفقده فعاليته بعدما كان يومًا كيانًا ذا دور نشط. مع ذلك، فإن التقدم المحرز على صعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي، وعلم البيولوجيا التركيبية يستلزم وضع معايير وأسس جديدة. كذلك هي الحاجة إلى تطوير سلاسل توريد قادرة على تحمل الصدمات، والجاهزية لمكافحة الأوبئة، والتحول في مجال الطاقة، والتنمية الاقتصادية والتي جميعها تتطلب تعاونًا دوليًا لمعالجة الأزمات-ولكن أيًا من ذلك لن يتحقق في ظل النظام العالمي القائم. حيث ينبغي أن يتألف النظام العالمي المنوط به العمل على تطوير الحلول للأزمات العالمية الراهنة من حكومات تنعم بثقة متبادلة، وتتشارك القيم ذاتها، وتمتلك قوة اقتصادية وسياسية، والتمتع بسجل زاخر بالتعاون والعمل سويًا. وينبغي في هذا السياق أن يتم تنمية دور القوى العالمية الناشئة، والقوى الإقليمية في الشرق الأوسط والجنوب العالمي في المشاركة في إعادة تشكيل النظام العالمي.
يرى بعض المحللين الأمريكيين وآخرون أن إدارة ترامب لم تولِ اهتمامًا كافيًا لتعزيز الإجراءات القانونية الفعالة، وآليات المساءلة، والحكم الرشيد القائم على التمثيل، وتدفقات رأس المال، أو سياسات التجارة الحرة. يذهب هؤلاء المحللون إلى أن الكونغرس قد منح الرئاسة، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، صلاحيات متزايدة في الشؤون الخارجية، دون أن يسحب أيًا منها لاحقًا. بالتوازي، امتنعت المحكمة العليا عن فرض قيود جوهرية على هذه الصلاحيات. نتيجة لذلك، سمح كل من الكونغرس والمحكمة العليا للسلطة التنفيذية بتعظيم نفوذها منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. ورغم هذه التغييرات الجذرية في السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية، إلا أن النظام العالمي بعيد حتى الآن عن حافة الانهيار. صحيح أن الولايات المتحدة تعد الاقتصاد الأكبر عالميًا، والدولة صاحبة القوة العسكرية العملاقة، والقدرات التقنية المبهرة، لكن لا يعني ذلك أيضًا أنها وحدها من يشكل النظام العالمي دون تعاون مع القوى الإقليمية والعالمية الأخرى. فإن دول مثل الصين، والهند، واليابان، وروسيا، إضافة لدول أوروبا تلعب بالفعل دورًا كبيرًا في تطوير الأعراف، والقوانين، واللوائح العالمية. وسيظل التعاون والتنافس السمتين المحددتين لشكل العلاقات والتفاعلات بين هذه القوى العالمية.
خلال الأعوام القليلة الماضية، كانت منطقة الشرق الأوسط على موعد مع موجة غير مسبوقة من الاضطرابات وانعدام الاستقرار السياسي. حيث شكل العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة ولبنان، وحربها على إيران ضربة قاسمة للازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي للمنطقة بأسرها وما بعدها. وهو ما ألقى بظلال سلبية على المبادرات التنموية الخليجية المطروحة على مدار السنوات الماضية. حيث تسببت الاضطرابات الجارية في تعقيد تنفيذ الخطط الاجتماعية والاقتصادية الخليجية التي تستهدف تنويع مصادر الدخل، والرقمنة، وتمكين النساء، والتخفيف من آثار أزمة التغير المناخي. بالتالي، أخذت الحكومات الخليجية على عاتقها تولي زمام المبادرة في الدعوة لمفاوضات دبلوماسية لإنهاء هذه الصراعات العسكرية. كما يواصل القادة الخليجيون العمل مع الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي لإنهاء هذه الصراعات، واستعادة السلام القائم على القانون الدولي وإعادة المصداقية للنظام الدولي الذي يخدم مصالح كافة دول العالم.






