النظرية الواقعية، في العلاقات الدولية، التي وصل لها حديثاً عالم السياسة الأمريكي، هانز مورغاننثو (١٩٠٤-١٩٨٠م)، كأول تفسير حديث لعلاقات القوة بين الدول، رداً على المدرسة المثالية، التي كانت تركز اهتمامها على أخلاقيات السلوك الإنساني، إبرازاً لدور القانون الدولي، في تفسير العلاقات الدولية وما يسمى بقواعد التعامل المرعية لفض المنازعات وتسوية الخلافات، بين الدول. النظرية الواقعية تعرضت، بعد ذلك لإضافات متراكمة، في صياغتها الحديثة (الواقعية الجديدة)، على يد كينيث والتز (١٩٢٤-٢٠١٢م)، الذي ركز على سلوك الدول في مجال العلاقات الدولية، باعتبار أن الدول هي العضو الأساس واللاعب الأساس في السياسة الدولية.
الواقعية، كأهم مدارس العلاقات الدولية، تمتد جذورها إلى القرن الخامس عشر، حيث تجسدت في كتاب الأمير للمفكر الإيطالي نقولا مكيافيلية (١٤٦٩-١٥٢٧م)، الذي جرد السلوك السياسي من أخلاقيات القيم الإنسانية، مركزاً على علاقات القدوة بين أطراف الصراع السياسي على السلطة، بإرشاد الأمير، كيف يحصل على السلطة ويبقى فيها، اعتماداً على القوة المجردة وحدها، بعيداً عن مثاليات أخلاقيات العمل السياسي المرعية، خاصة في العلاقات بين الدول، مثل القانون الدولي وقواعد التعامل الدولي، مثل: احترام المعاهدات والاتفاقات واتباع "طقوس" البروتوكول، التي من وجهة نظره لا يجب على الأمير أن يقيم لها وزناً، للمضي في هدفه للوصول إلى السلطة والبقاء فيها، طالما أنه امتلك زمام القوة المجردة. بإمكاننا أن نتتبع ظاهرة القوة في العمل السياسي، في تجربة الإغريق الديمقراطية، حيث كانت الواقعية محور الخطاب والسلوك السياسي عند السفسطائيين، لتفسير حركة الصراع على السلطة، كمصدر رئيس إن لم يكن الوحيد لشرعية النظام السياسي، في مقابل البعد الأخلاقي للسلوك السياسي، الذي سيطر على فكر الفيلسوف الأثيني أفلاطون (٤٢٠ ق.م-٣٤٠ ق.م).
مجتمع بلا حكومة
من أبرز مظاهر مجتمع الدول، في النظام الدولي، بل في مجتمع "الدول"، عبر العصور، عدم وجود حكومة مركزية تستحوذ على عناصر القوة (المادية) وتتحكم فيها، وتجبر أطراف النظام الدولي، على الإذعان لقوانين الحكومة "الدولية المركزية" وإرادتها. لكن هذا لا يعني أن النظام الدولي، في عصر من العصور، فوضى تسرح فيه حركة القوة وتمرح، بلا حسيب ولا رقيب. هناك ضوابط للتحكم في سلوكيات الدول الأعضاء، تحول دون تقويض مجتمع الدول، ليصبح مثل قانون الغاب، يأكل القوي فيه الضعيف.
في كل الأحوال، تتحكم قيمة القوة المادية المجردة، بدرجاتها المتصاعدة من العنف، في الصراع على السلطة، سواء في المجتمعات المحلية، أو المجتمع الدولي، المكون، أساساً، من الدول، كما يجادل أتباع النظرية الواقعية. كما أن هناك ميزة أخرى، لا تقل أهمية عن قيمة القوة المادية في صراع الإرادات بين أعضاء النظام الدولي، ألا وهي: أن عناصر القوة المادية، لم يحدث طوال تاريخ البشرية، أن تحكم فيها كيان دولي، بعينه، ليتمكن من فرض هيمنته على العالم، والبقاء فيها، متعتعاً، بامتيازات مكانتها الرفيعة، دون دفع تكلفتها.
تاريخياً: لم تتوفر عناصر القوة، بكل أوجه ودرجات الصراع على مكانة الهيمنة الكونية، لدولة عظمى، لوحدها، مهما بلغ غناها وتقدمها التكنلوجي وعظم جبروتها المادي والعسكري، أن تتمكن من الاحتفاظ بمكانتها الكونية الرفيعة المهيمنة، في أي نظام دولي، منذ أن أنشئت الأنظمة الدولية الحديثة، نهاية القرن الخامس عشر، مدشنة بالاكتشافات الجغرافية، التي قادت إلى اكتشاف العالم الجديد، بين دفتي المحيطين الأطلسي والهادي.
قد تكون ميزة تعددية عناصر القوة، تصل في أهمية ووزن عنصر القوة المادية، عند قياس عنصر القوة الكامن في كل عضو دولي، مهما بلغت ضآلته، مقابل حقيقة عدم وجود حكومة عالمية، تتحكم في سلوك وتوجه كل عضو في النظام الدولي. هذا يفسره حقيقة أن عناصر القوة المادية، لا تتوفر في دولة معينة .. ولا حتى في مجموعة دول إقليمية. لنأخذ مثلاً مصادر الطاقة، وهي من عناصر القوة المادية، بوصفها المحرك للتقدم الصناعي ومستوى الرفاهية للكثير من المجتمعات. مصدر الطاقة في الطبيعة، شأنه شأن عناصر القوة الصلبة الأخرى، لا يتركز في إقليم دولة بعينها. كما أنه، وإن توفر بكميات ضخمة في دولة معينة، إلا أنه، لا من حيث الإنتاج وتكلفته، ولا من حيث احتياطاته، تتحكم فيه دولة بعينها، مهما كان وضعها في سوق الطاقة العالمية.
الولايات المتحدة، مثلًا: قد تكون أكبر دولة إنتاجاً للنفط، لكنها ليست كذلك من حيث الاحتياطات النفطية، كما أن إنتاجها من النفط يقل كثيراً عن مستويات استهلاكها منه، بينما دول فقيرة وضعيفة نسبياً لكنها ليست كذلك من حيث صناعة النفط إنتاجاً واحتياطات، مثل فنزويلا، الدولة الأولى في العالم باحتياطاتها النفطية المؤكدة، التي تتجاوز ٣٣٠ مليار برميل. هذا يفسر كيف أن سوق النفط العالمية، إلى حدٍ كبير تتحكم فيه، دول إنتاجه، أكثر من دول استهلاكه، مما يحفز الصراع الأممي على مصادر الطاقة الأحفورية. ثم أن النفط كان من أبرز عوامل خسارة دول المحور، في الحرب العالمية الثانية، وانتصار الحلفاء. فما فائدة أن تصنع دولة أفضل دبابة وطائرة ومركبة عسكرية وصواريخ باليستية، ولا تجد وقوداً لتشغيلها؟ هذه الحقيقة الاستراتيجية، جعلت هتلر يخسر الحرب على الجبهة الشرقية مع الاتحاد السوفيتي.
ثم أن هناك متغير، خاص بنموذج الدولة القومية الحديثة، بوصفها العضو الرئيس في مجتمع الدول، كما يجادل أصحاب النظرية الواقعية. الدولة، أي دولة، يتحكم فيها منطق الدولة، لا إرادة نظامها السياسي أو النخبة السياسية بها. الدولة في النهاية هي كيان عقلاني بامتياز، إلى حد ما شبيهاً بالكيان العضوي النابض بالحياة! الدولة مهما قيل عن غيرتها الاستراتيجية، إلا أن غاية عقلانيتها، ليس فقط الحفاظ على سيادتها، بقدر ما هي غريزة البقاء، التي تتحكم في سلوكها، على مستوى النظام الدولي. الواقعية هنا تتجلى في تردد الدولة استخدام عنصر القوة بصورة فجة، وتفضيل عناصر القوة (الناعمة)، الأقل عنفا وتكلفةً لخدمة مصالحها على مستوى النظامين الإقليمي والدولي. الدولة، أي دولة، تتصرف مثل التاجر الحاذق، الذي يفضل أقصر الطرق للربح، على استخدام عنصر القوة، الفجة، في مخاطرة قد تكون غير محسوبة بدقة، لتخسر في النهاية رأس ما لها، دعك من توقعات عائدات ربحها.
التوازن لا عدم الاستقرار
مجتمع الدول، بطبيعة عقلانية الدولة الغريزية، يميل إلى سيادة حالة من التوازن في البيئتين الإقليمية والدولية، حيث ينفر أعضاءه من الدول، بغريزة البقاء عندهم، عن المجازفة باستخدام عناصر القوة الصلبة، التي تمتلكها. مهما بلغت قوة الدولة (المادية) إلا أنها تتردد ملياً في الاندفاع نحو مجهول الحرب، وإن كان خيار الحرب يبدو أحياناً أكثر جاذبية لرموز ومؤسسات نظامها السياسي.
في النهاية: مهما بلغت إغراءات استخدامات القوة .. ومهما بلغ غنى الدولة من مصادر القوة، بوجهيها (الخشن والناعم)، فإن الإقدام على اللجوء إلى عنصر القوة المباشر، لتسوية حساباتها في مجال حركة سياستها الخارجية، عاقبته ليست مضمونة، في كل الأحوال. هتلر في بداية الحرب الكونية الثانية، اقتحم كل أوروبا الوسطى والغربية في لا زمن، إلا أن شتاءً غير عاديٍ (١٩٤١م) على الجبهة الشرقية، عجل بهزيمته، بعد أن وصل الجيش النازي لمشارف موسكو وعلى أبواب ستالين غراد، بعد أن استولى هتلر على أراضٍ شاسعة في شرق وجنوب شرق الاتحاد السوفيتي، لينتهي الجيش النازي عند مشارف عرين الدب الروسي، شرق جبال الأورال، لتفنى جحافل كاملة من خيرة جيش هتلر، من قسوة الطقس، دون أن تطلق رصاصة واحدة.
الحرب، في كل الأحوال خيار خاسر، خاصةً عندما تتوفر للدولة خيارات أقل عنفاً وأمضى نفعاً وأقل تكلفة لخدمة أهداف سياستها الخارجية، الأداة الدبلوماسية على سبيل المثال. الولايات المتحدة، بعد فشل وارتفاع تكلفة لجوئها إلى ما تمتلكه من قوة عسكرية ضاربة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية أضحت تتردد كثيراً في إرسال جنودها خارج حدودها لخدمة أهداف سياستها الخارجية، لتستبدلها بسلاح المقاطعة الاقتصادية، الأقل تكلفةً والأنجع سبيلا.. هذا التفكير العقلاني، يتماهى مع هدف كل نظام دولي، يهدف لإطالة فترة بقائه، على سدة المكانة الرفيعة للهيمنة الكونية.
الاستقرار الذي يسود النظام الدولي، خاصةً بعد أن قادت حرب كونية حاسمة لهزيمة نظام دولي قائم ليفسح المجال لنظام دولي جديد، هو في حقيقة الأمر راجع لخاصية الاستقرار الكامنة في أي نظام دولي، نتيجةً لسيادة وضعية التوازن في الطبيعة نفسها، التي تحكم أشكال الحياة على الأرض، منذ أن ظهرت الحياة عليها منذ مليارات السنين من عمر كوكب الأرض. الحياة، بكل أشكالها وتنوع صورها، على كوكب الأرض.
الأصل، إذن: في أي نظام دولي هو الاستقرار، القائم على توازنات أشكال الحياة نفسها، بما فيها استقرار كوكب الأرض، نفسه. حركة عدم الاستقرار (الدياليكتية)، التي تحكم حركة التاريخ نفسه، إنما هي حركة طبيعية، رغم درجة عنفها، التي ينجم عنها زوال نظام دولي، ليأتي بعده نظام دولي جديد، يمكث فترة من تاريخ البشرية حتى يطاله الفساد والعطب، فتنضج تفاعلات التغيير تمهيداً لثوران بركان التغيير، بإرهاصات عنف شديدة، مؤذنة ببزوغ نظام دولي جديد.
الحرب، إذن: إحدى أدوات حركة التاريخ، بل أمضاها، على الإطلاق، للانتقال من نظام دولي قائم إلى نظام دولي آتِ، بحثاً عن الاستقرار، الذي لن يسود أو يستمر، إلا بالتوازن بين قوى الطبيعة، بحثاً عن السلام.
الحفاظ على التوازن، لإرساء الاستقرار وسيادة السلام
في غياب حكومة عالمية تحكم حالة الاستقرار بين أعضاء نظام دولي قائم، يجري البحث عن أدوات تحفظ للنظام القائم استقراره، بأدوات فعالة تتجاوز تحديات استقراره، في غياب حكومة عالمية فاعلة ونافذة تتمتع بقدرة وإرادة ماضية، حفاظاً على مستوى مقبول للاستقرار، والأهم: مستوى متوازن بفاعلية، يتحكم على سلوكيات أعضائه ويحفزهم على التعاون، لخدمة مصالحهم، بعيداً عن إغراءات حركة الصراع.
صحيح: أي نظام دولي، في داخله عوامل عدم استقراره، بحقيقة عدم وجود سلطة دولية نافذة تجبر أعضائه الامتثال لقوانينه والاحتكام للتعاون المشترك، كما هو الحال في المجتمعات المحلية، خدمةً للسلام العالمي. إلا أنه، في المقابل: هناك "بروتوكولات" وآليات، شبه فعالة، تعلي من شأن وضعية التعاون بين أعضاء النظام الدولي، لتسوية الخلافات بينهم، بالوسائل السلمية .. وتحري خدمة مصالح الدول البينية، بطرق أكثر عملية، وأقل تكلفة، عوضاً عن الاستسلام لإغراءات القوة.
لكن، في النهاية ما يردع الدول الأعضاء عن تعكير مياه العلاقات البينية، المصالح المتشابكة بينهم، هو الاحتفاظ، بميزان فعال للقوى بينهم، تردع كل عضو عن القيام بأي عمل من شأنه أن يعكر صفو العلاقة بينهم، وإلا ستكون هناك عواقب وخيمة من جراء الإخلال بميزان القوى، هذا. أي اختراق لقواعد ميزان القوة بين الدول الأعضاء، من شأنه زيادة الاحتقان على مستوى النظام الدولي القائم، مما يحفز اللجوء إلى خيار الحرب سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
الحرب، في كل الأحوال، لها إغراءاتها، متى تملكت هذه الإغراءات من أي طرف دولي، بأن يظن أن الوقت مناسب لاستخدام القوة، لتسوية خلافاته مع جيرانه، فإن هذا الشعور الخادع باستخدام القوة، في كل الأحوال، يظهر أنه وليد حسابات خاطئة أكثر منه نتاج لتقدير عقلاني لقوة الطرف البادئ بالحرب، تماماً كما هو تقديره الخاطئ بقوة خصمه. عندها يختل التوازن .. وتنشب الحروب. حينها قد يكون النظام الدولي نضج، لتغييره، إلى نظام دولي آخر، لتستمر حركة الصراع "الدياليكتية"، في مسيرة الألف ميل، لحركة التاريخ.
القوة وموضعها في حركة التاريخ
القوة، هي مصدر الطاقة الرئيس للتغيير. لن يحدث أي تغيير جذري، على المستويين المحلي والخارجي، إلا باستخدام القوة أو التهديد باستخدامها. في أثناء حركة الصراع المحتدم بين أطراف النظام الدولي، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، قد يحدث أن أحد الأطراف تعييه حالة اللا سلم واللا حرب، لدرجة الانهيار من الداخلي، وإحداث تغيير في النظام الدولي، بدون إطلاق رصاصة واحدة، وهذا ما قاد إلى سقوط الاتحاد السوفييتي، نهاية ثمانيات، القرن المضي.
فالتغيير، قد يحدث بزخم حركة التاريخ، بعيداً عن عنصر القوة، لكن القوة نفسها، هي في الأساس عنصر أساس للتغيير، سواء جرى استخدامها، أم فقط التهديد باستخدامها، أو الخوف من استخدامها. في مستوى الصراع الداخلي على السلطة، تختلف عملية التغيير من نظام سياسي لآخر، إما باستخدام مباشر للقوة، أو التهديد باستخدامها عن بعد أو عدم الثقة من نجاح استخدامها، ليحدث خطأ في حساب القوة، بصورة عكسية، فيحدث عندها التغيير، في غياب الاستخدام المباشر للقوة. أحياناً يحدث التغيير في المجتمعات الداخلية، بدون استخدام أدوات القوة فيقال: حدث انقلاب أبيض، في بلدٍ ما.. أو الإشارة بوقوع انقلاب في القصر، بمعنى: حدث تغيير في النخبة السياسية، من داخلها، دون ما حاجة لاستخدام مباشر للقوة، من قبل قوىً معارضة، أو قوىً متربصة عن بعد.
لكن، في كل الأحوال: القوة دوماً حاضرة في أي صراع سياسي على السلطة، سواء على المستوى المحلي، أو على المستوى الإقليمي أو الدولي، سواء جرى استخدام مباشر للقوة، بعنفها المعهود أم أن الصراع قد وصل إلى حده الأقصى، بحيث لا يمكن حسمه إلا باستخدام القوة، أو التخفي خلف فزاعاتها. لكن في كل الأحوال: القوة هناك في الخلفية، إما لإذكاء الصراع أم حسمه.
الخاتمة:
القوة عنصر أساس للتغير، في حلبة الصراع على السلطة، محلياً وأمنياً. كل صراع على السلطة أو على موارد البيئتين الإقليمية أو الدولية، هناك دوماً حضور لعنصر القوة، ولو من طرفٍ خفي. لكن السؤال هنا: هل القوة غاية في حد ذاتها أم وسيلة لتحقيق غاية، بعينها. في أدبيات علم السياسة، خلاف بين من يرى أن القوة غاية في حد ذاتها، حيث لا يمكن تحقيق أي غاية أخرى، إلا عن طريق التمكن من القوة، لتصبح القوة هنا، غاية في حد ذاتها، بدايةً. وهناك من يرى أن القوة وسيلة لتحقيق غاية، لا فرق أن تكون هذه الغاية نبيلة أم شريرة. فأي هدف سياسي لتحقيقه، لابد من توفر عنصر القوة، لأن عنصر القوة هنا محوري لحسم أي صراع سياسي، سواء كانت هناك حاجة لعنصر القوة أم لا. حتى أن الجدل هذا يصل لأن يكون جدلاً سفسطائياً، حول أيهما خُلق أولاً: الدجاجة أم البيضة!؟
لكن، في كل الأحوال: القوة ليست كائناً حياً يتحرك من تلقاء نفسه، وبإرادته الخاصة، بل هي أداة، لحسم أي شكل من أشكال الصراع السياسي، تحتاج إلى إرادة سياسية ماضية، لاستخدامها وتقدير مدى نجاعتها وفاعليتها في حسم أي صراع سياسي، سواء على مستوى المجتمعات المحلية أم مجتمع الدول، الإقليمي أو الدولي. فالإرادة السياسية لاستخدام القوة في أي صراع سياسي على السلطة محلياً أو على مستوى الصراع بين الدول في أبعاده الإقليمية أو الدولية، ضروري لإحداث التغيير المطلوب. ثم أن أي حراك سياسي، سواء كان محلياً أم أممياً، ليس بالضرورة أن يكون هناك تقنيناً ماضياً، يخضع لمؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، في شكل حكومة مركزية فاعلة، كما هو الحال في حكومات المجتمعات المحلية. أيضاً: الناس على المستوى المحلي، لا يمتثلون دوماً للقانون، خوفاً من ردع القوة الماضية واللازمة لإنفاذه، بقدر ما هو تقديرهم أن الامتثال للقانون يتماهى مع مصالحهم ونظام القيم، الذي يتحكم في سلوكهم. وإلا كان القانون نجح في القضاء على الجريمة في المجتمعات المحلية، التي تحكمها حكومات مركزية، بمؤسسات سياسية كافية وفعالة.
كذلك: على المستوى الدولي: لا ينفي عدم وجود حكومة عالمية تتحكم في سلوك أعضاء النظام الدولي أن البيئتين الإقليمية والدولية تسودهما الفوضى أو شريعة الغاب، وإلا ما شهدنا فترات من تاريخ البشرية، يسود فيها الاستقرار والسلام، خارج وجود حكومة عالمية كفء وفاعلة. بالتأكيد: هناك تناقض في تكوين عضوية النظام الدولي من دول مستقلة وذات سيادة هي أقرب لتعظيم مصالحها الوطنية، على التزامات العضوية في مؤسسات المنتظم الدولي، في مقدمتها الأمم المتحدة. في حقيقة الأمر ما يحكم سلوك الدول، حتى العظمى منها، الامتثال لما يطلق عليه القانون الدولي .. أو قواعد التعامل الدولية، التي تدعو لرعاية السلام ومراعاة قواعد التعامل المشترك مع الدول الأعضاء.
ما يدفع الدول الأعضاء للالتزام بما يسمى القانون الدولي، بصورة انتقائية، يرجع لاعتراف مؤسسات النظام الدولي، بحقيقة أن أعضاءها هم (دول مستقلة، ذات سيادة)، يحترم المجتمع الدولي بحقيقة خلفيتها القانونية والسياسية الخاصة، بنفس قوة مطالبتها التمسك واحترام عضويتها في مؤسسات النظام الدولي، لدرجة أن هناك التزامات من قِبَل مؤسسات النظام الدولي، بالدفاع عن استقلال الدول وسيادتها، إذا ما تعرضت لاعتداء خارجي.
باختصار: عدم وجود حكومة عالمية، تفرض قانونها، بالقوة اللازمة، مثل ما هو الحال في المجتمعات المحلية للدول، لا يعني أن المجتمع الدولي تسوده قوانين الغابة، حيث يأكل كبيرها صغيرها. حتى قانون الغاب هذا تحكمه قوانين الطبيعة، تحافظ على توازنه وتنوع مخلوقاته، قيم طبيعية، تحفظ للعالم توازنه وتحترم سلامه. الكبير لا يأكل الصغير في قانون الغاب إلا إذا كان الكبير جائعاً وكان الصغير مريضاً أو بعيداً عن حماية مجموعته. قوانين لا تحكمها القوة المجردة، بل تحكمها قيم مرعية، في ظل قانون أعلى يقوم أساساً على توازن الطبيعة والحفاظ على حماية الأنواع على الأرض.
في النهاية: القوة لا نأخذها بصورتها المجردة بما فيها من عنف، وما يعتري أحياناً استخدامها من ظلم. فالقوة ليست في حد ذاتها غايةً مُكّلِفٌ الحفاظ عليها وتنميتها والمبالغة في منفعتها الحدية. كما أن القوة ليست وسيلة فعالة وكفء وحدها للذود عن حياض وحمى الدول، دون النظر في جانبها الناعم، بنفس التقدير والاحترام لجانبها الخشن الصلب. سباق التسلح المُكْلِفُ والمبالغٌ في تقدير الحاجة إليه واستراتيجيته، قاد إلى انهيار عهد الحرب الباردة، بانهيار أحد أطرافه من الداخل، كما حدث للاتحاد السوفيتي. لماذا نذهب بعيداً: إسرائيل فشلت لما يقرب من سنتين في حسم حربها على غَزّةَ، في مساحة لا تتجاوز ٣٦٠ كلم مربع، مع فارق القوة الكبير جداً بين جيشها وعناصر المقاومة الفلسطينية، التي تقاتل، حتى بعد أن حال الجيش الإسرائيلي القطاع إلى كومة من الرماد، لم يبق فيه حجرّ على حجر، وفي ظل حصارٍ شاملٍ وقاسٍ للقطاع، يقترب ليكون من أقسى جرائم الحرب، تصل لمستوى إبادة شعب وتصفية عرقه، من بين أعراق الجنس البشري، قاطبةً






