تشهد القضية الفلسطينية واحدة من أخطر مراحلها السياسية، وسط مساعٍ دولية متجددة لإعادة إحياء "حل الدولتين" كخيار استراتيجي لإنهاء النزاع. وفي قلب هذا التحرك، يبرز "إعلان نيويورك" الصادر في يوليو 2025م، كمنصة دبلوماسية غير مسبوقة بقيادة سعودية – فرنسية وبدعم عربي، وإسلامي، ودولي، واسع. إلا أن هذا الزخم يواجه تحديات حادة، على رأسها التصعيد الإسرائيلي المتعمد، والانحياز الأمريكي الصريح، الذي يضع المجتمع الدولي أمام اختبار قانوني وأخلاقي غير قابل للتأجيل.
في هذا السياق، تتبلور أدوار إقليمية فاعلة تتجاوز حدود البيانات السياسية، وأهمها الدور التركي الذي بدأ يأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا وتنسيقًا مع القوى الداعمة للمبادرة. فكيف ستحدد تركيا مواقفها وترسم سياساتها؟ وتختار أدواتها على طريق دعم مسار حل الدولتين، في ظل اصطفاف دولي جديد يعيد تشكيل موازين التعامل مع القضية الفلسطينية؟
العرقلة الإسرائيلية و"إعلان نيويورك "
تبذل إسرائيل جهدًا مضاعفًا لقطع الطريق على الجهود السعودية – الفرنسية بدعم إقليمي ودولي متزايد لخارطة طريق حل الدولتين. فرغم الحروب المدمرة التي تواصل حكومة بنيامين نتنياهو توسيع رقعتها في المنطقة، والانحياز الأمريكي العلني للجانب الإسرائيلي، وبعد سنوات طويلة من الجمود في التعامل مع الملف الفلسطيني، نجحت الرياض وباريس في تحريك فاعلي المجتمع الدولي والقوى الإقليمية المؤثرة لدعم " إعلان نيويورك " المعلن في أواخر شهر يوليو 2025م.
بدلًا من استغلال إسرائيل لمثل هذه الفرصة التي قد لا تعوض بالنسبة لها، اختارت الذهاب في الاتجاه المعاكس. المزيد من الاعتداءات والخروقات على الجبهات الواقعة في الدائرة الجغرافية الأولى المحيطة بها، ولكن التمدد باتجاه الدوائر الثانية والثالثة البعيدة عنها لإيصالها إلى منطقة الخليج من خلال استهداف العاصمة القطرية الدوحة. الهدف الإسرائيلي الأهم والغير معلن هنا هو عرقلة مسار سلمي إقليمي وعادل، في التعامل مع مسألة مزمنة يتطلع أصحاب الحقوق فيها نحو تطبيق القوانين الدولية الداعية لاسترداد حقوقهم وبناء دولتهم.
الملفت هنا هو الدعم الأمريكي العلني السياسي والعسكري الذي تقدمه إدارة الرئيس دونالد ترامب لتل أبيب، ومحاولة عرقلة المبادرة السعودية في أروقة الأمم المتحدة خلال الأسابيع المقبلة وتجاهل حجم الاصطفاف العربي والإسلامي والغربي وراء هذا الحراك.
بين ما فعلته تل أبيب وإدارة ترامب بعد " إعلان نيويورك " في أواخر شهر يوليو المنصرم ومنتصف شهر سبتمبر 2025م، يمكن اختصاره على النحو التالي:
- زيادة التصعيد العسكري ضد المدنيين في غزة ومواصلة عمليات تدمير القطاع.
- التمسك بخطط التهجير القسري كبديل إسرائيلي لحل القضية الفلسطينية.
- إفشال كافة العروض والجهود المبذولة لوقف إطلاق النار وإفساح المجال أمام التفاوض.
- الاستقواء بتصريحات المبعوث الأمريكي طوم باراك الذي يقول " إن إسرائيل لم تعد تعترف بالحدود التقليدية التي رسمتها معاهدة " سايكس – بيكو " وأنها ستعتمد إجراءات تراها ضرورية لحماية أمنها، بينها الذهاب إلى أي مكان وفي أي وقت ".
- المزيد من التوغل في الأراضي السورية وتحريض مكونات الداخل السوري.
لتقرر إسرائيل تحريك حجرًا جديدًا يوسع دائرة العرقلة والاستهداف، ولإبعاد الأنظار عن الجهود السعودية المبذولة ولعرقلة المسار القائم في الملف الفلسطيني، من خلال الاعتداء على قلب العاصمة القطرية الدوحة في هجوم غير مسبوق في التاسع من سبتمبر المنصرم.
تذكير نتنياهو في منتصف شهر أغسطس الماضي بمشروع “إسرائيل الكبرى” والذي يشمل ضمّ كامل أرض فلسطين التاريخية وأجزاء من دول الجوار. واستهداف دوريّة من الكتيبة الفرنسية العاملة تحت سقف الأمم المتحدة في جنوب لبنان. ثم إعلان القيادات الإسرائيلية أن الهجمات قد تتكرر وأن الرسالة تعني كل دول الشرق الأوسط. وإقناع واشنطن بمنع دخول وفد الرئاسة الفلسطينية إلى الأراضي الأمريكية للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يترك المجتمع الدولي مرة أخرى أمام امتحان سياسي قانوني أخلاقي وإنساني مع اقتراب موعد استحقاق الدورة الجديدة لأعمال الجمعية العموميّة للأمم المتّحدة.
تركيا وحل الدولتين: القدرات والفرص
وبينما تحاول إسرائيل تقويض هذا المسار، تتحرك دول مثل تركيا لدعم المبادرة في اتجاه مغاير تمامًا. بموازات التحشيد الدولي الذي تساهم السعوديّة في تشكيله بمواجهة التصعيد الإسرائيلي، بهدف إستراتيجي أول هو فتح الطريق أمام الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتبني قرارات مؤتمر نيويورك، يبرز دور تركيا إحدى أهم الدول الإسلامية والإقليمية التي أعلنت باكرًا وقوفها بجانب الحراك السعودي – الفرنسي.
تستطيع انقرة بحكم موقعها الجغرافي ومنظومة العلاقات التي بنتها مع الدول العربية والخليجية تحديدًا، وكونها إحدى الدول الفاعلة في حلف الأطلسي، وباعتبارها من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية ونتيجة علاقاتها بمختلف القوى والفصائل الفلسطينية، رفع مستوى التنسيق مع السعودية لدعم هذا المسار وهي بدأت في فعل ذلك منذ أكثر من عامين.
الترجمة العملية للجهود التركية بالتعاون المباشر مع باريس والرياض لدعم التحرك الذي تقوده الأخيرة قابل للتفعيل على عدة محاور:
- علاقات تركيا مع حماس والسلطة الفلسطينية من جهة، ومع حماس والمجتمع الدولي من جهة أخرى.
- فرص تأمين الدعم القانوني والحقوقي داخل أجهزة الأمم المتحدة. وتحريك ملفات جرائم الحرب الإسرائيلية في المؤسسات الدولية.
- إلى جانب حشد وتعبئة الجمهوريات التركية للوقوف بجانب الحراك السعودي – الفرنسي.
- استغلال علاقاتها وشراكاتها مع العواصم الغربية وروسيا والصين ودول آسيا الفاعلة للوقوف بجانب هذه الفرصة التي قد لا تعوض.
كل ذلك يأتي وسط تزايد المطالبات في الداخل التركي بموقف سياسي أكثر فعالية في مواجهة التصعيد والتحدي الإسرائيلي في فلسطين وسوريا ولبنان ثم في قطر.
غير أن هذا الدور يتطلب توجيهًا وتنسيقًا مع السعودية ومصر، باتجاه دعوة الدول الراغبة في السلام إلى الانضمام إلى مبادرة التحالف الدولي من أجل حلّ الدولتين.
العقبة الأمريكية وسياسات التعطيل:
من بين ما تستطيع تركيا فعله أيضًا بعد قرار الولايات المتحدة إلغاء تأشيرات دخول الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد الفلسطيني المرافق له، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك تحت ذرائع غير مقبولة أو مقنعة، هو توسيع رقعة التحرك السياسي والدبلوماسي بالتنسيق مع الرياض وباريس لتوحيد الجهود على المستويات العربية والإسلامية والغربية، باتجاه دفع الإدارة الأمريكية لتبديل مواقفها المنحازة لإسرائيل، والتي تعرقل المسار الدولي الجديد نحو حل القضية الفلسطينية. فالرؤية التركية التي ظهرت إلى العلن في الأسابيع الأخيرة وعلى ضوء "مؤتمر حلّ الدولتين"، تعكس رغبة أنقرة الواضحة في دعم هذا المسار وضرورة وضع رؤية واضحة وخطة عملية للاعتراف بدولة فلسطين كونه الحل الوحيد للمشكلة من جذورها.
تعول تركيا على نتائج اجتماعات نيويورك حتى بغياب الوفد الرئاسي الفلسطيني. وخطط العمل والتحرك السياسي مع الرياض بشكل متناغم. فإلى جانب الجهود التي سيبذلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقاءاته الجانبية وإعلانه في طريق عودته من الصين قبل أسابيع أن "صوت فلسطين سيتردد في الجمعية العامة للأمم المتحدة "، يظهر مجددًا أهمية التنسيق التركي مع الجانب السعودي، لدفع خارطة الطريق الجديدة في التعامل مع القضية الفلسطينية رغم العرقلة الإسرائيلية – الأمريكية. ينبغي الإشارة هنا إلى أن مسألة زيادة عدد الدول التي ستعترف بدولة فلسطين، هو بين أولويات أهداف هذا التحرك. فإلى جانب بذل المزيد من جهود تغيير توجهات العديد من الدول والتكتلات السياسية باتجاه إعادة تموضعها في التعامل مع الموضوع الفلسطيني ودعم الاعتراف بدولة فلسطين، ورفع مستوى مشاركتها في أعمال الجمعية العامة، سيتم تذكير تل أبيب أن الامتحان الأصعب الذي ينتظرها تحت سقف هيئات الأمم المتحدة، سواء في الجمعية العامة، أو محكمة العدل الدولية، أو مجلس الأمن لا مفر منه.
خاتمة: فرص النجاح والتحديات القائمة
يشكل "إعلان نيويورك" منعطفًا سياسيًا نادرًا في مسار القضية الفلسطينية، يضع الفاعلين الدوليين والإقليميين أمام فرصة حقيقية – وربما أخيرة – لترجمة الشعارات إلى قرارات ملزمة. وبينما تسعى إسرائيل، بدعم أمريكي واضح، إلى تقويض هذه المبادرة، تظهر تركيا كقوة إقليمية داعمة للجهود السعودية والفرنسية في ترسيخ هذا المسار بدبلوماسية نشطة وشراكات استراتيجية. التحديات جسيمة، لا سيما في ظل الانقسام الدولي، وتصاعد مشاريع التوسع الإسرائيلي، لكن ما يحسم النتيجة هو مدى قدرة القوى الداعمة للمبادرة على تحويل الزخم السياسي إلى خطوات تنفيذية.
في ضوء ما سبق، فإن الرهان لا يجب أن يكون فقط على مخرجات اجتماعات نيويورك، بل على بناء تكتل دولي متماسك يفرض معادلة جديدة قوامها: الاعتراف بدولة فلسطين، والالتزام بمبادئ القانون الدولي، ومواجهة سياسة الإفلات من العقاب. ويبقى على الأطراف الفاعلة، أن تمضي بثبات نحو تحقيق هذا الهدف، دون تراجع، رغم كل الضغوط.
إن مؤتمر نيويورك، بمضامينه السياسية والأمنية والقانونية، بات يشكل فرصة استراتيجية غير مسبوقة لإعادة تدويل القضية الفلسطينية على أسس عادلة. ومع اتساع رقعة الدول الداعمة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، تظهر الحاجة إلى تفعيل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مثل القرار 181، وقراري مجلس الأمن 242 و338، وقرار الجمعية العامة 1967، وهي كلها قرارات بقيت لعقود دون تنفيذ.
الرهان الحقيقي الآن يكمن في استثمار الزخم العربي والإسلامي والدولي، وإعادة تموضع دبلوماسي متقدم تقوده الرياض، لمواجهة المشروع الإسرائيلي التوسعي المدعوم من واشنطن. وإذا كانت إسرائيل تراهن على إفشال صوت الفلسطينيين في الجمعية العامة، فإن الرد المناسب قد يكون عبر تكرار النموذج الذي حدث مع الرئيس الراحل ياسر عرفات: بأن تذهب الأمم المتحدة إلى من لا يُسمح له بالوصول إليها.
قد تستطيع واشنطن دعم إسرائيل سياسيًا، لكنها لن تستطيع طويلاً مقاومة عزلة دولية متزايدة، سببها الرئيس رفض إسرائيل الصريح لخيار السلام. والسؤال المطروح هو: هل تستطيع الولايات المتحدة بالفعل تحمل كلفة هذا الانحياز في ظل تغير التوازنات الدولية؟
الجهود التي تبذلها الرياض تهدف لزيادة عدد الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية، ومحاولة الحصول على توصية أممية تتبنى إعلان نيويورك. وتفعيل دور مجلس الأمن الدولي من جديد عبر تجاوز العقبة الأمريكية، لناحية إشراك المجتمع الدولي في تنفيذ القرارات والتعهدات الأممية المقدمة للجانب الفلسطيني.
الحراك السعودي – الفرنسي بدعم عربي وإسلامي وغربي، وفرص النجاح أكبر هذه المرة بعد " إعلان نيويورك " وتبنيه خطة تنفيذية، تستند إلى ضغط دولي منسق، وتحرك قانوني وسياسي على أكثر من جبهة. وتركيا بحكم موقعها الإقليمي وعلاقاتها المتوازنة ستساهم في هذا الإنجاز، الذي قد لا تتكرر فرصته مرة أخرى. الثمن الواجب دفعه قد يكون باهظًا، فمسألة محاصرة التوغل الإسرائيلي الإقليمي لن تكون سهلة. لكن لغة الدبلوماسية والقانون والحكمة المعتمدة في التعامل مع الموضوع في الأشهر الأخيرة، تقول إن هذه الجهود ستصل إلى مرادها، في فتح بوابة جديدة تقود إلى الحل السلمي والعادل الذي يعطي الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.






