array(1) { [0]=> object(stdClass)#14195 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 214

بوادر تحالف بين أعضاء اليمين المتشدد واليسار الأمريكي لتقليص دعم الإدارة الأمريكية لإسرائيل

الثلاثاء، 30 أيلول/سبتمبر 2025

في ظل الدمار والخراب اللاحق بقطاع غزة والخطر المُحدق بحل الدولتين كأساس لتسوية القضية الفلسطينية، اجتمع وزراء دول العالم بمقر الأمم المتحدة أواخر يوليو الماضي من أجل حشد الجهود السياسية لإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. حيث حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الأزمة قد بلغت حد الانهيار مُتجهة إلى تقرير أمر واقع يقتصر على قيام دولة واحدة تُمارس سياسات الاحتلال والعنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، وذلك ما لم ينتفض المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات عاجلة لا رجعة فيها من أجل تطبيق حل الدولتين. وخلال انعقاد المؤتمر الدولي للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين في نيويورك، دعت كل من المملكة العربية السعودية وفرنسا بصفتهما رئيسين مشاركين للمؤتمر، كافة الدول الأعضاء بالأمم المتحدة إلى تأييد إعلان أممي يحث على العمل الجماعي لإنهاء الحرب في غزة وتحقيق تسوية عادلة، وسلمية، ودائمة للصراع الفلسطيني -الإسرائيلي. ويُحدد الإعلان الخطوات السياسية، والإنسانية، والأمنية التي يتعين اتخاذها في إطار زمني محدد ولا رجعة فيه.

وعلى مدار ثلاثة أيام، ألقى أكثر من 125 متحدثًا كلماتهم خلال جلسات نقاش عامة، بما في ذلك ممثلين رفيعي المستوى من مختلف المنظمات الدولية والإقليمية الكبرى مثل منظمة التعاون الإسلامي واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وشددت الوفود المجتمعة على الحاجة الملحة لاتخاذ خطوات ملموسة لتحقيق حل الدولتين، وأهمية تمكين السلطة الفلسطينية وإصلاحها، وإعادة إعمار قطاع غزة، وضمان مساءلة المسؤولين عن انتهاك القانون الدولي. كما أبرز وزير خارجية المملكة العربية السعودية فيصل بن فرحان آل سعود معاناة الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني تحت القصف، بينما تواصل إسرائيل توسعها الاستيطاني في مدينتي القدس والضفة الغربية بهدف تغيير الطبيعة الديموغرافية للمنطقة.

الولايات المتحدة:  

على مدار عقود طويلة عملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، على تأكيد دعمها الثابت لحل الدولتين. مع ذلك، غابت الولايات المتحدة وإسرائيل عن حضور المؤتمر. وزعمتا أن المؤتمر سابق لأوانه وأن المعطيات على أرض الواقع لم تسمح بتحقيق سلام دائم أو إقامة دولة فلسطينية. من جانبها، وصفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية تامي بروس، المؤتمر بأنه غير مُثمر وأُجري في توقيت سيء. وزعمت أن المؤتمر قد" يطيل أمد الحرب الدائرة رحاها في قطاع غزة، وتدعيم حركة حماس بل ومكافأتها على تسببُها في عرقلة وتقويِض الجهود الحقيقية المبذولة لتحقيق السلام". فيما جادل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن بلاده ستواصل تزعمها للجهود المبذولة على أرض الواقع لإنهاء القتال وتحقيق سلام دائم، كما ستواصل تركيزها على "الدبلوماسية الجادة" وليست المؤتمرات" المُدارة" والمُصممة لتعكس أهمية مصطنعة.

في الوقت ذاته، تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأييد سياسات بلاده طويلة الأمد الداعمة لحل الدولتين من أجل تسوية الصراع الفلسطيني-الإٍسرائيلي، والذي يهدُف إلى إقامة دولة فلسطينية مع الحفاظ على أمن إسرائيل. ورغم انحياز ترامب أغلب الأوقات إلى إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، إلا أنه دأب على إظهار تصرفه بشكل مستقل على صعيد السياسات التي يراها تصب في خدمة مصالحه. كما أبدى رغبة في أن يُنسب إليه الفضل في تأسيس علاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية في الوقت الذي تٌصر فيه المملكة على أنه لا تطبيع مع إسرائيل في غياب دولة فلسطينية. وبينما تُحمِل إدارة ترامب حركة حماس مسؤولية عرقلة السلام، أدى الغضب الدولي العارم حيال تدمير قطاع غزة والأزمة الإنسانية المروعة التي يعيشها الفلسطينيون إلى عزلة تل أبيب وواشنطن على الساحة الدولية.

منذ أكتوبر 2023م، زادت الضغوط من القادة العرب والأوروبيين على نتنياهو لإنهاء حربه الكارثية على قطاع غزة. وعوضًا عن ذلك، فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي الجميع بخطته الجديدة المُعلنة في أوائل أغسطس بشأن قطاع غزة مما يُنذر بمزيد من أعمال القتل والخراب لأكثر من 2 مليون مواطن فلسطيني داخل القطاع المُحاصر. في أثناء ذلك، يعد الرئيس ترامب الوحيد الذي يمتلك نفوذًا سياسيًا يخوله مُساءلة نتنياهو. وعلى الرغم من أنه يبدو أنه استوعب أخيرًا حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون بسبب استخدام إسرائيل للمساعدات سلاحًا للضغط والتجويع، إلا أنه ليس لديه القدرة أو الرغبة على إرغام نتنياهو على إنهاء الحرب.

وبعيدًا عن الخطابات والتصريحات، لا يختلف موقف إدارة ترامب بشأن حل الدولتين كثيرًا عن سلفه جون بايدن. فقد سبق وأن صرح وزير خارجية إدارة بايدن أنتوني بلينكن بأن التركيز على الاعتراف بدولة فلسطينية "يبدو بعيدًا كل البعد عن الحقائق الأكثر إلحاحًا"، ورأى أن الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب قد يساعد على إنهاء الحرب في قطاع غزة وتسريع وتيرة التطبيع بين إسرائيل والبلدان العربية. بعبارة أخرى، فإن وجهة النظر السائدة لدى واشنطن هي أن الوقت الراهن ليس التوقيت الملائم للاعتراف بدولة فلسطينية وحل الدولتين.

سائر دول العالم

حظي الإعلان بفلسطين كدولة مستقلة باعتراف أكثر من 145 دولة حول العالم، فيما ساهم المؤتمر الذي تشاركت كل من المملكة العربية السعودية وفرنسا رئاسته في انتزاع وعود جديدة بـ الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل ما بين 3 إلى 7 من أعضاء مجموعة السبع الكبار بما في ذلك -فرنسا، والمملكة المتحدة، وكندا، إلى جانب جزيرة مالطا، وأستراليا. في حين أعربت سبع دول أخرى من بينها: نيوزيلندا، وفنلندا، والبرتغال بالتفكير جديًا في أن تحذو حذو سالفتها. وترقى هذه الخطوات لأن تكون بمثابة إعلان للاستقلال عن إدارة ترامب بشأن قضية استراتيجية كبرى لطالما سعى الأوروبيون والأستراليون لمُعالجتها جنبًا إلى جنب. ولكنهم خلصوا إلى أنهم لم يعد بوسعهم البقاء في انتظار الولايات المتحدة طويلًا كي تقودهم أو تحد من الممارسات الإسرائيلية. إن هذا الزخم السياسي مدفوعٌ كذلك بأدلةٍ موثقةٍ على انتشار سوء التغذية والمجاعة في قطاع غزة، وبمطالبَ متزايدةٍ من الأوساط الدبلوماسية للتحرك. وقد ترسّخ لدى الكثيرين شعورٌ بأن الولايات المتحدة قد تخلت عن مساعيها، سواء لتحقيق السلام أو لتقييد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

تقليديًا، لطالما جادلت البلدان الغربية بأن الاعتراف بدولة فلسطينية يجب أن يكون بمثابة مكافأة لتوقيع اتفاق سلام شامل مع إسرائيل. مع ذلك رفضت ألمانيا، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة، الاعتراف بفلسطين كدولة قبل قيامها. مُعربة عن اعتقادها بأن مثل هذه الخطوة لن تسهم سوى في تأجيج المقاومة الإسرائيلية لفكرة الدولتين. وهو ما يتعارض مع وجهات النظر الفرنسية والبريطانية التي تعتقد بأن هذه الخطوة تعزز فرص تطبيق حل الدولتين. ونظرًا إلى الإرث النازي الثقيل الذي تحمله ألمانيا على عاتقها، فقد جعلت برلين من بقاء إسرائيل أحد مبادئها الجوهرية. وفي أوائل أغسطس، اكتفى المستشار فريدريش ميرز بإعلان عدم إصدار تراخيص بيع أية معدات عسكرية يمكن استخدامها في غزة، لتلحق به كل من بريطانيا، وإيطاليا، وسلوفينيا.

من جانبها، اتفقت الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية، البالغ عددها 22 دولة، على ضرورة إنهاء حماس حكمها في قطاع غزة وتسليم أَسلحتها إلى السلطة الفلسطينية. ووضعت جامعة الدول العربية خطة للانتقال إلى دولة فلسطينية مستقلة منزوعة السلاح، تتضمن نشر "بعثة استقرار دولية مؤقتة" بتفويض من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبدعم من السلطة الفلسطينية. وذلك على أن تتولى البعثة حماية المدنيين، والمساعدة في حشد الدعم للدولة الفلسطينية وقواتها الأمنية، وتوفير ضمانات أمنية لكل من فلسطين وإسرائيل.

الآفاق المستقبلية

مُنذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948م، ارتكز الدعم الدولي الذي حظيت به، إلى حد بعيد، على الاعتراف بأن اليهود هم ضحايا واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت في التاريخ. مع ذلك، تواجه إسرائيل حاليًا موجة عاتية من الإدانات الدولية لارتكابها فظائع ضد المدنيين ومجازر ترقى إلى مستوى جرائم إبادة جماعية في حق أبناء الشعب الفلسطيني. وبدأت العديد من الدول الغربية بالفعل باتخاذ خطوات لمعاقبة إسرائيل، بما في ذلك الانضمام إلى ركب العديد من دول العالم في الاعتراف رسميا بدولة فلسطينية، في خطوة من شأنها أن تؤدي إلى تدخل إنساني واسع النطاق في قطاع غزة وفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.

 وبينما من المستبعد أن تتبع الولايات المتحدة هذا المسار، لا ينفي ذلك أن الرئيس ترامب متقلب المزاج. فقد تعارضت آراؤه بالفعل مع بعض مواقف نتنياهو وأصر على ضرورة إنهاء المجاعة في قطاع غزة. فضلاً عن، اتساع دائرة الخلافات والانقسامات داخل القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب حول إسرائيل. حيث أعلن كبار مؤيديه من تيار اليمين المتشدد داخل الحزب الجمهوري أن إسرائيل ترتكب جرائم إبادة جماعية في غزة. وقد تشهد الفترة المقبلة قيام تحالف بين بعض أعضاء اليمين المتشدد واليسار الذين يسعون إلى تقليص حجم الدعم الأمريكي الموجه لإسرائيل. في ضوء هذا، تعتبر الولايات المتحدة متخلفة بشوط كبير عن الركب العالمي في الاعتراف بالدولة الفلسطينية ودعم حل الدولتين، بما يُحتم عليها سرعة اتخاذ هذه الخطوة وتقبُل هذا الواقع.

مقالات لنفس الكاتب