تُشكّل السياسة الخارجية السعودية في السنوات الأخيرة نموذجًا جديدًا في مقاربة أزمات الشرق الأوسط، يقوم على تجاوز منطق التدخلات المباشرة والاصطفافات الحادة، لصالح التهدئة والاستثمار في الاستقرار.
وقد بلغ هذا التوجّه ذروته من خلال ما بات يُعرف بـ “الهجوم السلمي السعودي"، والذي يتجلّى خصوصًا في التعامل مع العديد من الأزمات الإقليمية والدولية وفي مقدمتها الأزمة السورية بعد سقوط النظام السابق.
فما هو منطق هذا الهجوم السلمي؟ وما أهدافه العميقة؟ وكيف تبدو واقعيًا تجلياته في الحالة السورية؟
أولًا: رؤية 2030 كخلفية استراتيجية للهجوم السلمي السعودي
تُعد رؤية السعودية 2030 إحدى أهم الخطط التنموية الطموحة في تاريخ المملكة، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل في أبعادها وتداعياتها الإقليمية والدولية.
جاءت هذه الرؤية تعبيراً عن وعي عميق بالتحولات التي يشهدها العالم، والتحديات التي تواجه المنطقة، واستجابة لحاجة المملكة إلى بناء نموذج تنموي مستدام يُجنّبها تقلبات الاقتصاد الريعي، ويؤهلها لتكون قوة إقليمية فاعلة في ظل بيئة إقليمية متكاملة وسلمية.
تتمثل ركائز هذه الرؤية في ثلاثة محاور رئيسية: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. ويتفرع كل محور منها إلى مشاريع كبرى، بعضها اقتصادي (كخصخصة جزء من أرامكو، وإنشاء مشاريع ضخمة مثل "نيوم")، وبعضها اجتماعي وثقافي (مثل دعم الفنون، والانفتاح الثقافي)، وبعضها يرتبط بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإصلاح القطاع العام.
غير أن ما يهمنا في هذا السياق هو البعد الخارجي للرؤية، أي إدراك صانع القرار السعودي أن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتم في فراغ جيوسياسي مضطرب، وأن الاستقرار الداخلي محكوم بالاستناد لاستقرار إقليمي مستدام.
من هنا، بدأت تتبلور فكرة "الهجوم السلمي"، أي التحرك الخارجي المكثف، سياسيًا واقتصاديًا، لنزع فتيل الأزمات المحيطة، وصياغة أطر جديدة للتعاون بين دول المنطقة.
فإذا كانت الرؤية تهدف إلى جعل المملكة مركزًا عالميًا للاستثمار واللوجستيات والسياحة، فلا بد من محيط إقليمي خالٍ من النزاعات والاضطرابات. فالأمن في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، بل وحتى في السودان، لم يعد يُنظر إليه فقط بوصفه هدفًا إنسانيًا أو سياسيًا، بل أصبح شرطًا لتحقيق الرؤية ذاتها.
من هذا المنطلق، لا تتعامل السعودية مع الملفات الإقليمية بمنطق الخصومة الصفرية أو التحالفات المغلقة، بل انها تتعامل من منطق الرؤية الذكية طويلة الأمد والتي تسعى لتحقيق توازن المصالح وفتح قنوات التواصل مع دول الإقليم.
انعكس هذا التحول بشكل واضح في شكل مبادرات متتالية، سواء في المصالحة الخليجية ثم تجاه إيران، أو السودان واليمن، أو في التعامل مع القوى الدولية في ملفات مثل أوكرانيا وسوريا.
إن رؤية 2030، باختصار، لا تمثل فقط خطة اقتصادية، بل تعبيرًا عن تصور شامل لهوية المملكة ودورها وموقعها في النظام الدولي. وهي الرؤية التي شكلت الخلفية النظرية والعملية للهجوم السلمي السعودي، الذي يسعى إلى إعادة صياغة توازنات المنطقة عبر التنمية، لا عبر المواجهة، وعبر المصالح المشتركة، لا عبر الاصطفافات الأيديولوجية.
ثانيًا: الدور السعودي في التوسط لفض النزاعات في الإقليم
برزت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة كفاعل محوري في فض النزاعات في الإقليم والعالم، من خلال اعتماد نهج جديد يقوم على الوساطة والتسويات السياسية بدلاً من الانخراط العسكري المباشر أو التموضع ضمن محاور صلبة.
ظهرت معالم هذا الدور بشكل واضح في عدد من الملفات الساخنة.
في مقدمة هذه الملفات، كانت المصالحة الخليجية التي تُوجت بقمة العلا في يناير 2021م، التي أعادت اللُحمة بين دول مجلس التعاون الخليجي بعد سنوات من القطيعة. ثم جاء الاتفاق التاريخي مع إيران في مارس 2023م، بوساطة صينية، ليؤكد أن السعودية باتت تؤمن بجدوى الحوار حتى مع الخصوم التقليديين.
كما استضافت جدة سلسلة من المفاوضات بشأن الأزمة السودانية بين عامي 2023 و2024م، وسعت المملكة خلالها إلى التوفيق بين الفرقاء السودانيين، ودعمت المسار السياسي بالمساعدات الإنسانية.
على الصعيد الدولي، شاركت المملكة بفعالية في جهود إنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية من خلال استضافة قمة جدة للسلام في أغسطس 2023 معززة بذلك دورها كوسيط سلام وكدولة اعتدال وتوافق دولي.
تشير كل هذه الجهود إلى أن السعودية تبني دبلوماسية مؤسساتية نشطة تهدف إلى جعل المملكة محورًا للحلول لا للصراعات، وتؤسس لنموذج جديد من العلاقات العربية-العربية والعربية-الدولية.
ثالثًا: الوساطة السعودية في الشأن السوري بعد سقوط نظام الأسد:
مع سقوط النظام السوري السابق في ديسمبر 2024م، تحركت المملكة سريعًا لتأكيد حضورها في الملف السوري، ليس باعتبارها خصمًا سياسيًا لأي طرف، بل بوصفها راعية محتملة لاستقرار سوريا وإعادة تأهيلها.
ففي 8 ديسمبر، أعلنت وزارة الخارجية السعودية وقوف المملكة إلى جانب الشعب السوري، مؤكدة على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة وتجنب الفوضى. وتبع ذلك زيارة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان إلى دمشق (يناير 2025م)، ثم زيارة وفد سوري رفيع إلى الرياض (فبراير 2025م) لمناقشة الملفات الحيوية بين البلدين.
كما دعمت المملكة عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي عبر تسهيل مشاركة دمشق في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وصولًا إلى توقيع اتفاقات مع منظمة الصحة العالمية (سبتمبر 2025م) وتفعيل برامج الإغاثة في عدة محافظات.
وشملت المقاربة السعودية مكافحة شبكات تهريب المخدرات، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، وإعادة تنشيط القطاع الصحي، بما يجعل من الدور السعودي دعامة أساسية في إعادة بناء الدولة السورية.
رابعًا: السياق الجيوسياسي والصراع على سوريا
مع سقوط النظام السابق لم تنكفئ التدخلات الأجنبية، بل تصاعدت لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع غير المباشر على سوريا وعلى النفوذ فيها.
وتظهر مطالب إسرائيل في المفوضات حول الاتفاق الأمين الهادف للانسحاب من المواقع التي احتلها من جديد بعد سقوط النظام السابق، وأن إسرائيل تريد فرض شروط أمنية وسيادية واستراتيجية تجعل من سوريا عمليًا دولة هشة تابعة تحت المطرقة الإسرائيلية، بل إنها تريد ترسيخ وجود أمني دائم يسمح لها بالتدخل ليس فقط في الوضع الأمني السوري، بل وفي التعدي على سيادة البلاد. ولا يقتصر الأمر على الجنوب السوري فحسب، بل تمتد المطالب الإسرائيلية إلى فرض أنواع السلاح وكمياتها المتاحة على كل الأراضي السورية، وتسمح لإسرائيل بأن تطالب بإبعاد أشخاص معينين من البلاد بناء على تقارير أجهزتها الأمنية.
وتتمتع روسيا بدورها بموطئ قدم معتبر في الساحل وفي شرق الفرات، فيما تراقب الولايات المتحدة التحولات بحذر، وتحافظ على وجود عسكري محدود جنوب وشرق البلاد. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تسعى السعودية إلى تخفيض مستوى الصراعات بين الفرقاء الإقليميين، من خلال مبادرة تستند إلى دعم الدولة الوطنية، ومنع تفككها.
خامسًا: التحديات التي تواجه المبادرة السعودية
مما لا شك فيه أن جهود الدعم والتوسط السعودي تجد صعوبات كبيرة في الإحاطة بعوامل الاضطرابات الداخلية في البلاد. وتعيق هشاشة الوضع بشكل كبير قدرة المملكة على دعم عملية التعافي السوري، سياسيًا ومجتمعيًا.
لا شك بالمقابل أن ثمة قوى إقليمية لا مصلحة لها في نجاح هذا الدور التوفيقي والسلمي السعودي، بل تسعى لعرقلته وإفشاله. كما يشكل الخلاف الدولي حول العقوبات على سوريا كمصدر قلق وإعاقة لجهود التعاف المدعومة من قبل المملكة.
وفيما لا تزال الموارد المالية المطلوبة لإعادة الإعمار محدودة للغاية، بالنسبة لإلحاح الحاجات الضرورية للتعافي الاقتصادي بحده الأدنى.
بدورها تشكل الحاجة لمرجعية وطنية سورية جامعة عائقًا جوهريًا ازداد هذا التعافي.
غير أن المقاربة السعودية تتعامل مع هذه التحديات بمنهج التدرج، وتراكم الثقة، وربط الإعمار بالمصالحة الوطنية، بما يُعيد إنتاج الدولة السورية التي يملكها كل السوريين بشكل تدريجي ومتزن.
سادسًا: الفرص والانعكاسات الإقليمية للمقاربة السعودية
من أبرز ما تتيحه المبادرة السعودية هو استعادة استقطاب الدور العربي للنهوض بمجمل بلاد الشام، وتعزيز دور المملكة كقوة ناعمة حاسمة فيها.
كما تسمح هذه السياسة بإعادة دمج سوريا في محيطها العربي والدولي، وخلق بيئة تنموية جديدة في المشرق العربي. مما يعني أيضًا محاصرة مشاريع الهيمنة الأيديولوجية، ولجم الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، مقابل توسيع الشراكات الإقليمية والدولية على قاعدة المصالح المتبادلة.
بذلك تتيح المبادرة السعودية مشروعًا استراتيجيًا يتجاوز الملف السوري، بل يحمل رؤية لعمارة استراتيجية بديلة في الإقليم ورسم ملامح جديدة للمنطقة.
تشكل الساحة السورية مثالًا واضحًا على منهج المبادرة السعودية وترسم ملامح التحول النوعي في فهم المملكة وإدارتها لدورها الإقليمي. فلسيت المبادرة تجاه سوريا مشروعًا لإنقاذ سوريا فحسب، بل إنها مدخل لإعادة بناء النظام الإقليمي على أسس التعاون لا التنافس، وعلى منطق علاقات الدول لا علاقات الميليشيات، وعلى أولوية التنمية لا الصراع.
ليصبح نجاح هذا المسار، قاطرة حيوية تعزز دور المملكة ليس بحكم كونها كدولة نفطية وحسب، بل كدولة استقرار، وصاحبة مشروع حقيقي في بناء مستقبل جديد للمنطقة.






