مما لا شك فيه أن مجتمعات العديد من الدول تتكون من إثنيات مختلفة، إذ قلّ ما نجد دولة يتسم شعبها بالتجانس، فالتعددية العرقية أو القومية أو الدينية هي حالة شائعة في المجتمعات، وهذه التعددية إما تكون نعمة كونها تعكس أبعاداً حضارية وثقافية، وإما تكون نقمة عندما تكون محور استقطاب لأزمات عنوانها الهوية والانتماء. هذه المراوحة بين النعمة والنقمة المنطلقة من دقة وحساسية الأوضاع في المجتمعات المتعددة الإثنية فرضت على علم الاجتماع السياسي البحث عن نظريات توفيقية فبرزت نظرية "إدارة التعددية الدينية والثقافية"، والتي ترمي إلى حماية الاستقرار السياسي والأمن القومي للدولة المكونة من إثنيات وطوائف ومذاهب متعددة.
ومما لا شك فيه أيضًا أن منطقة الشرق الأوسط هي أكثر الأقاليم تعددية في مجتمعاتها، ويمثل لبنان إحدى دولها التي تتميز من حيث بنية نسيجها الاجتماعي بدرجة كبيرة من التنوع والتعدد على الأصعدة الطائفية والمذهبية والهوياتية، وهو الدولة التي شهدت صراعات طائفية حادة جدًا وحروب أهلية دامية نتيجة العجز الوظيفي للدولة في إدارة التعدد الديني والهوياتي.
أولاً- التركيبة الإثنية اللبنانية ببعديها الديمغرافي والجغرافي
يعتبر لبنان أحد أكثر البلدان تنوعًا في الشرق الأوسط حيث يعيش فيه 18 طائفة معترف بها، فعلى صعيد الطوائف الإسلامية هناك السُنّة (شمال لبنان وبيروت وإقليم الخروب والعرقوب بشكل خاص) والشيعة ( ويتركز تواجدهم في جنوب لبنان والمناطق الغربية والشمالية للبقاع وفي الضاحية الجنوبية لبيروت) والدروز (ويسكنون في الشوف وعاليه ووادي التيم) والعلويون (ويتوزعون بين طرابلس وعكار) والاسماعيليون والأحمديون، وعلى صعيد الطوائف المسيحية هناك الموارنة ( في جبل لبنان والشمال خصوصاً) والروم الأرثوذكس ( في الكورة شمال لبنان وشرق بيروت) والروم الكاثوليك (متواجدين في زحلة) والسريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والأرمن الأرثوذكس والكاثوليك (وهم متواجدون في لبنان منذ الحرب العالمية الأولى ويتمركزن في بيروت وجبل لبنان) واللاتين والكلدان والآشوريون والإنجيليون والأقباط الأرثوذكس، فضلًا عن الطائفة اليهودية المعترف بها قانونياً. وتتوزع هذه الطوائف الإسلامية والمسيحية بين أقليات كبرى وأقليات صغرى، فالمسيحيون يشكلون حوالي 31 % من عدد السكان، يمثل الموارنة الكتلة الأكبر منهم بنسبة تتجاوز 55 % من العدد الكلي للمسيحيين و17 % من عدد السكان. وبالنسبة إلى السُنّة والشيعة فأعدادهم متقاربة، بحيث يحجز كل منهما نسبة تصل إلى 30 % من عدد السكان، أما الدروز فيشكلون 5.5 % من عدد سكان لبنان تقريبًا. وهذه الطوائف تتمتع بحقوق دينية ومدنية وسياسية ولها تمثيلها في النظام السياسي اللبناني، خاصة في المناصب العليا.
ثانياً- التعددية الدينية في لبنان وجدليّة التحول من التعايش إلى التناحر
يجمع السواد الأعظم من المؤرخين والخبراء في لبنان على أنه قبل منتصف القرن التاسع عشر لم يعرف اللبنانيون صراعات على أسس دينية، ففي نظام الإمارة، (1516-1842م)، كانت الاقطاعية والحزبية سائدتين في المجتمع، وكان اللبناني، بالرغم من أنه عضو في جماعة دينية معيّنة، إلا أنه كان يتبع لإقطاعية يرأسها "مقاطعجي". لم يكن ولاؤه يرتبط أساساً بالدين، بل بالمصالح المشتركة للعائلات الإقطاعية. وأن النزاعات في تلك الحقبة، غَلب عليها الطابع المدني، إذ كثيراً ما دارت هذه النزاعات بين الأحزاب أو بين الإقطاعيين، بغضّ النظر عن الطائفة. ويعلمنا التاريخ، أن بعض الأمراء قد غيروا من انتمائهم الديني الإسلامي السني، باعتناق المذهب الماروني المسيحي، كالأمير بشير الشهابي الثاني الكبير، ولم يؤد ذلك حينها، إلى مشكلة طائفية.
وقد شكل دخول جيوش الزعيم المصري محمد علي بقيادة ابنه إبراهيم باشا بلاد الشام ومنها لبنان عام 1831م، انعطافة كبيرة، فحدث الانقسام الكبير بين الدروز والموارنة في جبل لبنان، فالموارنة وقفوا إلى جانب إبراهيم باشا على عكس الدروز الذين اختاروا المعسكر العثماني الذي قرر محمد علي الخروج منه وبناء امبراطوريته الخاصة. أما الموارنة فوقفوا في صف إبراهيم باشا ليس حبًا له وإنما كرهًا للعثمانيين فقد عانوا مما اعتبروه تمييزًا ضدهم فوجدوا في إبراهيم باشا محرراً، فضلًا عن أن البطريرك الماروني يوسف حبيش وجد في الأمر فرصة لتحسين وضع الموارنة. وفي نفس السياق، فالموارنة وجدوا في الفتح المصري الجديد مساحة تسمح بإنجاز توازن مع الإقطاعية الدرزية القوية، فجبل لبنان في تلك الحقبة ارتكز على معادلة الإقطاعية الدرزية مقابل الفلاحية المارونية. أما الدروز، فرفضهم لإبراهيم باشا انطلق من تأثير الوجود المصري الجديد على قيادتهم لجبل لبنان، ومن تحريض السلطنة العثمانية وقوى أوروبية لهم خوفًا من فقدان النفوذ.
وعند خروج إبراهيم باشا من لبنان عام 1840م، كانت الأرضية مهيأة لاندلاع الصراع بين الموارنة والدروز في الجبل، فالدروز الذين عمل المصري على تحجيمهم قرروا استعادة المبادرة، والموارنة تضاعفت أعدادهم وازدادت قوتهم فقرروا قلب الطاولة على الدروز، وهي الطاولة التي تكسرت بحربين كبيرتين بين عامي 1840 و1860م، إنهما الحربان اللتين ضاعف لظاهما التدخلات الدولية، ففرنسا رعت الموارنة ودعمتهم، وبريطانيا رعت الدروز.
ثالثًا- تصاعد الصراع الطائفي وتداعياته متعددة المستويات:
قبل إنشاء دولة لبنان الكبير، كانت نسبة المسلمين من عدد السكان حوالي 20 %، حيث كان التوزيع السكاني لعام 1919م، يعتمد على المسيحيين والدروز وبعض الأقليات الأخرى، لكن مع عام 1920م، تحول الموارنة إلى الطائفة الثانية في لبنان الجديد، وذلك بسبب ضم أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا. إنها المرحلة التي انتقل فيها لبنان من العصر العثماني إلى العصر الفرنسي بعد أن ورثت فرنسا المنتدبة أراضي السلطنة العثمانية المنهزمة في الحرب. مع الاستعمار الفرنسي الذي عمل على توسيع الطائفية في لبنان، وعلى تقسيم اللبنانيين إلى طوائف دينية، ومع حماية المستعمر للموارنة وتمييزهم عن باقي المسيحيين وعن المسلمين، ازدادت مطالب المسلمين بالارتباط بالأمة العربية متهمين المسيحيين بأنهم عقبة في وجه هذا الارتباط، وقد أدى ذلك مع عوامل أخرى - أهمها الإحصاء السكاني لعام 1932م، والذي أعطى المسيحيين الأغلبية - إلى تجذر الطائفية في لبنان، وولادة مصطلح جديد في الحياة اللبنانية وهو الطائفية السياسية، أي تقسيم المناصب السياسية على أساس طائفي، وكان ذلك جليًا بالميثاق الوطني بين بشارة الخوري ورياض الصلح، والذي بموجبه أعطي الموارنة رئاسة الجمهورية والسُنّة رئاسة الحكومة والشيعة رئاسة مجلس النواب، والذي شكّل اعترافًا بالقيادة السياسية للموارنة على لبنان. لم يحسم الميثاق الوطني أزمة الهوية، فهو أكد على ضمانات وحقوق المسيحيين مقابل وعود سياسية واجتماعية للمسلمين، وظهر انحياز واضح للموارنة لحيازتهم رئاسة الجمهورية، وبالتالي أيد الميثاق عدم الانضمام للعرب أو الغرب، فبقي اللبنانيون بين أنصار للعرب ومخلصين للغرب، فأفضى ذلك الخلاف مع عوامل أخرى إلى حرب أهلية وصراعات داخلية.
عوامل داخلية ودولية أدت إلى انهيار الميثاق الوطني وهو الانهيار الذي رسم ملامح الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975م. إن منح رئيس الجمهورية الصلاحيات الفعلية والحقيقية وسيطرته الكاملة على البلاد وإحساس المسلمين بأنهم غرباء، وانفتاح لبنان على دول معينة دون أخرى، على خلفية النظام الطائفي، وإحساس اللبناني بأن نيله حقوقه مبني على انتمائه الطائفي، والتعاطي معه على أساس طائفي صرف، وسعي كل طائفة إلى إبراز هويتها وتحقيق مصالحها واضمحلال فكرة الوطن الواحد، كلها عوامل عجلت في اندلاع الحرب الأهلية التي نسفت التعايش والاستقرار والوطن.
رابعًا- التركيبة الطائفية والمذهبية للبنان كأداة للاستقطاب والتدخل الخارجي
هناك عبارة يتكرر ذكرها في الإعلام اللبناني وعلى ألسنة المحللين ويقر بها سياسيو لبنان وأحزابه وهي أنه كلما وقعت أزمة بين المكونات اللبنانية على اللبنانيين ان ينتظروا تدخل الخارج لحلها. فاللبنانيون يفجرون أزماتهم فيما بينهم لكنهم غير قادرين على حلها، وكل ذلك سببه التركيبة الطائفية والمذهبية التي تجذرت في النفوس قبل النصوص. هذا التدخل تارة كان يحصل من محبي لبنان لأن لبنان المستقر هو مصلحة عربية جامعة، وتارة كان يحصل من الطامعين في لبنان لبناء رأس جسر له لتحقيق تطلعات لا مصلحة للبنان بها.
في الاتجاه الإيجابي للبنان لا ينكر اللبنانيون بكل طوائفهم ومشاربهم الفضل السعودي في إنقاذ لبنان من الحرب الأهلية الضروس لعام 1975م، والتي اقتدرت السعودية على إنهائها في مدينة الطائف، عندما جمعت ممثلي اللبنانيين ومن كل الطوائف لتعيد رسم خارطة السلطة بما يضمن الاستقرار. إنه الاتفاق الذي أنجز التوازن الذي عملت القوى الأوروبية على خلخلته منذ أربعينات القرن التاسع عشر، فالطائف أنجز التوازن ببعديه العمودي والأفقي، ونقل السلطة التنفيذية من رئاسة الجمهورية إلى مؤسسة مجلس الوزراء، الذي تشاركت فيه كل الطوائف اللبنانية بصورة مُرضية. وفرض الطائف بند إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة تبناها الدستور في المادة 95، لكن مرة أخرى فشل اللبنانيون في تطبيق هذا البند الذي وحده من ينقذ لبنان من تداعيات تركيبته الإثنية والطائفية المعقدة.
وفي الاتجاه السلبي، فابتداء من ستينات القرن العشرين أخذ البعد الطائفي في لبنان شكلًا آخر، فالشيعة وجدوا أنفسهم خارج المعادلة التي أرساها الميثاق الوطني، فادعوا الحرمان وغياب التنمية عن مناطقهم في الجنوب والبقاع، فبدؤوا يعملون على تعزيز وجودهم بداية مع الإمام موسى الصدر الذي أسس في عام 1967م، أول كيان مذهبي للشيعة وهو المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. وقد تزامن الحق الشيعي المشروع في تثبيت الشيعة في المعادلة الطائفية في لبنان مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران في سبعينات القرن العشرين، والتي نتج عنها تأسيس حزب الله التابع إيديولوجيا لولاية الفقيه. إزاء ذلك وجدت إيران ضالتها في المعادلة اللبنانية فتحت شعار دعم المقاومة التي أخذت شكلها المذهبي تمّ أسر لبنان من تحالف إقليمي ادعى مقاومته لإسرائيل، لكن المسألة برزت مع الأيام على أنها استقطاب إيراني لجزء كبير من شيعة لبنان، فانزلق لبنان أكثر وأكثر نحو الطائفية والمذهبية. ودخل في حروب عسكرية مع إسرائيل وسياسية بين مكوناته، ودائمًا كان العنصر المركزي واضح بطابعه الطائفي، فانعدم الاستقرار في لبنان الذي دخل في متاهات النزاعات ليس للتحرير من الاحتلال وإنما لجعلها ورقة رابحة في المشروع الإيراني الذي خلق دولة داخل الدولة. إنها دولة حزب الله التي تتحرك وفق المصلحة الإيرانية وهي المصلحة التي أنتجت تمزقات أخرى في سوريا والعراق واليمن، لدرجة وصل فيها قادة إيران لقول أنهم يسيطرون على أربعة عواصم عربية.
وها هو لبنان اليوم ونتيجة سياسات الاستقطاب ورهن الداخل للخارج، وبيد أبنائه قبل غيرهم، وبعد حرب مدمرة ردت فيها إسرائيل على حزب الله الذي تدخل في الحرب لمساندة غزة، ها هو يغرق في مستنقعين: مستنقع المتطلبات الإسرائيلية بنزع سلاح حزب الله، ومستنقع البحث عن إطار عبقري يجمع ولا يفرق، إطار يصبح فيه الانتماء للدولة وحدها وليس للطائفة. لكن هل سيتحقق ذلك؟
خامساً- لبنان وفرصة بناء الوطن التعددي الحضاري
إن قراءة النزاعات في المجتمعات المتعددة الإثنية توصلنا إلى حقيقة أن المستحيل غير موجود، فالإرادات إن اتحدت لبناء دولة وطنية تنصهر فيها كل البوتقات، لا يمكن إلا أن تنتج دولة حضارية، التعددية فيها نعمة لا نقمة، وها هي رواندا التي عاشت نزاعًا قبليًا داميًا في تسعينيات القرن العشرين، حيث أدى الصراع القبلي بين الهوتو والتوسي أكثر من مليون روانديًا في شهر واحدة، طوت صفحة الحرب وبنت دولة مدنية عصرية تنعم بالتطور والازدهار. على اللبنانيين أن يدركوا جيدًا أن الخارج لا يمكنه أن يستقطب طرفًا داخليًا إلا بسبب رغبة هذا الطرف.






