- الدولة مصطلح سياسي واجتماعي قديم عرف في أدبيات المجتمعات القديمة، واكب نشأة علم السياسة المكتوب، بدايةً من الحضارة اليونانية القديمة. بل هو كان الموضوع الأساس لدراسة الظاهرة السياسية، في المجتمعات الإنسانية، بالذات ظاهرة السلطة، المتغير الذي يَفرق بين الدولة والتجمعات البشرية الأخرى، مثل العائلة والقبيلة والقرية… كانت أفكار، أفلاطون (٤٢٧-٣٤٧ ق.م) وأرسطو (٣٨٤-٣٢٢ ق.م)، أول من صاغ مصطلح الدولة، بصيغة مكتوبة، تعتمد على أساليب البحث العلمي، المعروفة حينها، التي تحاول تفسير الظواهر الطبيعية، دراسة حركية كمية، تحدد متغيراتها في قوالب يمكن قياسها كمياً، لتفسير سلوكيات حركتها الظاهريّة، تمهيداً لاستشراف حركتها المستقبلية، مثل: علوم الفلك والتاريخ والطب، والهندسة، والفيزياء، والرياضيات. الفلاسفة الإغريق، هم أول من حاول تفسير الظواهر الاجتماعية، وعلى رأسها الدولة، بعيداً عن الأساطير، وتحديدها ضمن متغيرات مادية ممكن تحديدها وقياسها كمياً ووضعها منهجياً ضمن أساليب المناهج العلمية المرعية في دراسة الظواهر الاجتماعية، بالذات ظاهرة السلطة، ممثلة في مجتمع الدولة. تلك كانت أسس الفلسفة السياسية، التي انبثق عنها ما عرف بعد ذلك بعلم السياسة.
الدولة القومية الحديثة في العالم العربي
الدولة القومية الحديثة، مصطلح اجتماعي جيوسياسي، حديث، تطور بفعل مؤتمر صلح وستفاليا ١٦٤٨م، الذي أنهى حروب الثلاثين عاماً الدينية في أوروبا، لتظهر ما عُرف بالدولة القومية الحديثة، على أسس علمانية، بعيداً عن الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية، من حينها ظهرت الدولة القومية الحديثة، بالعناصر المادية الأساسية الثلاث، التي يمكن تحديد خصائصها بمعايير كمية يمكن قياسها، التي لابد من توفرها في أي كيان حتى يطلق عليه مصطلح الدولة. هذه العناصر الثلاث هي: الشعب.. الإقليم، السلطة السياسية أو الحكومة، التي انبثق عنها، فيما بعد متغيرات قانونية وسياسية، مثل السيادة والاعتراف الدولي، ليُفصل تماماً، ما بين الدولة، وما بين التجمعات البشرية، غير السياسية، مثل العائلة، والقبيلة، والطائفة، والعشيرة…..
في العالم العربي، ظهر مصطلح الدولة القومية الحديثة، متأخراً، بعد أكثر من ثلاثمئة عام، بعد المجتمعات الأوروبية. ولد مصطلح الدولة القومية الحديثة، في العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٩م)، عقب مؤتمر باريس للسلام، الذي انبثقت عنه معاهدة (٢٨ يونيو١٩١٩م) التي أنشأت أول كيان أممي، تتمثل العضوية الأممية فيه حصرياً، بالدولة القومية الحديثة، التي من مواصفاتها: مبدأ حق الشعوب في إنشاء كياناتها السياسية المستقلة، ذات السيادة، بعيداً عن وصاية من أي جهة خارجية، غير إرادة تلك الشعوب.
حق إقامة الدولة (الوطنية)، هو، إذن: حق غير قابل للتصرف للشعوب الحرة عن أي شكل من الاحتلال أو الوصاية الدولية. هناك من يجادل بأن ذلك الوصف للدولة الحديثة كان حكراً على الدول الاستعمارية، لكن وصايا الرئيس الأمريكي ويلسون (١٨٥٦-١٩٢٤م) الأربعة عشر، كانت تؤكد أن تقرير المصير، هو حق طبيعي للشعوب، وليس حكراً على دول بعينها. لكن بما أن واقع النظام الدولي حينها، لا يسمح بأن تمنح كل الشعوب هذا الحق، طُوّرَ نظام الانتداب، بزعم تهيئة الشعوب (المستعمرة) لنيل استقلالها، بإقامة دولها المستقلة. لهذا تم تغيير نظام الاستعمار، لمسمى أكثر "لطفاً" (نظام الانتداب)، وإن كان أبقى على نظام الاستعمار، بل بصورة أقسى، وأحياناً أتى بحكومات وطنية، أشد قسوة وأعتى مضاءً، من بطش الاستعمار.
بموجب هذا المخرج القانوني لظاهرة الاستعمار واستبدالها بالانتداب، تخلت الدول المستعمرة عن شكل ظاهرة الاستعمار، وأبقت على جوهره. مناورة للإبقاء على جوهر الاستعمار، بالتخلي عن شكله، استخدمه نظام الأمم المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥م)، بتطوير نظام الوصاية على الكيانات القومية، للإبقاء على الاستعمار، بتغيير جلدته، مع الإبقاء على جوهره.
لكن، حتى في ظل الانتداب، وبعده الوصاية للعالم العربي، وإن تطور لبعض المجتمعات العربية، بإقامة صيغة الدولة القومية ذات السيادة، بقيت هذه الدول حبيسة لثقافات اجتماعية ودينية وطائفية، تعكس صراعات بينية، وإن كانت نائمة، قبل ظهور الدولة القومية، بعد تطبيق نظامي الانتداب والوصاية الدوليين، بفعل لعب الاستعمار على هذه الجذور الراسخة في التراث التاريخيّ السياسي العربي، مع تغذيتها، بمشاكل الدولة المستجدة، الجيوسياسية والعرقية والطائفية، للإبقاء على جذوة الصراع الإقليمي البينية. من هذه المشاكل التي أوجدها، بداية القرن العشرين، بين دول العالم، مشكلة السيادة والحدود غير المعينة تفصيلاً، والذي ترك الاستعمار فيها بصمته في صيغة "فرق تسد" للإبقاء على نفوذه، حتى بعد أن رحل، لكن ترك في حدود بعض هذه الدول (حية موسى)، لإبقاء الصراعات متقدة.
مشكلة الحدود مازالت قائمة بين بعض الدول، ولم تحل بصورة نهائية. مازالت مشكلة الحدود بين المغرب والجزائر قائمة، وإن كان أقل تأزماً بين مصر والسودان. بل أن بعض الدول حاولت تنهي الصفة الدولية لدول عربية أخرى بغزوها، كما فعلت العراق في الكويت (١٩٩٠-١٩٩١م). أيضاً، بالرغم من تسوية بعض مشاكل الحدود بين بعض الدول، إلا أنها تعود من وقت لآخر، مثل التي بين بعض دول الخليج العربي. حتى أن مشكلة الحدود تسبب صراعاً بين بعض دول المغرب العربي، كما هو الحال بين المغرب و الجزائر فيما يسمى مشكلة الصحراء، بل أن بعض الاتفاقات الحدودية، تهدد وجود بعض مناطق المغرب، مثل ما هو الحال في موريتانيا.. وتظل المشكلة الجيوسياسية، بين الكويت والعراق تهدد العلاقات بين البلدين، بل استقرار المنطقة. حربُ الخليج الأولى (١٩٩١م)، لم تنهِ ادعاءات العراق في الكويت، كما لم تنهِ قلق الكويت.
معضلة الهوية الوطنية
قبل قيام الدولة القومية العربية الحديثة، لم تكن هناك مشكلة في الهوية الوطنية، لرعايا أو مواطني العالم العربي، كما تطور بعد قيام صيغة القومية الحديثة. ولعلْ مصطلح الوطن العربي، ليس غريباً في المنطقة، وإن عُزيَ لبعض القوميين العرب، الذين رفعوا شعار الوحدة العربية، حتى أن بعضهم طالبوا، منذ سقوط "الخلافة" في إسطنبول، عودة الخلافة، ليست لأسباب سياسية أو تاريخية أو دينية، بالضرورة، ولكن لأسباب مجتمعية وإنسانية وثقافية، عبرت عنها المشاعر المبكرة، لدى بعض القوميين والإسلاميين، ضد قيام الدولة القومية العربية الحديثة. كما رافق بعض الأقليات في الدول العربية الفتية، إما بالانفصال أو المطالبة بحقوق سياسية واجتماعية وثقافية، لإضعاف الحكومات الوطنية، في تلك الدول الحديثة النشأة.
قبل قيام الدولة القومية، لم تكن هناك أزمة هوية وطنية، كما يفترض نموذج الدولة الحديثة. بل أن أزمة الهوية الوطنية، واكبت قيام الدولة القومية في العالم. مشكلة الجنسية والتجنس لم يكن لها وجود، قبل ظهور ظاهرة الدولة القومية العربية. كما أن حرية التنقل والعمل والسياحة والعلم والزواج والسكن بين مناطق العالم العربي كانت متاحة للجميع، لا تحول بينها قيود؛ لا السيادة ولا متطلبات الهوية الوطنية.
كان الفرد العربي ينتقل بين ربوع دولة الخلافة العثمانية، حتى بعد أن لم يبقَ لها من معنى سوى الاسم. بل إن الشخص كان يعرف مكان وجوده أو عمله بذكر المدن أو الأقاليم، وليس بأي معنىً سياسي محدد، كمصطلح الدولة. فيكون من الحجاز أو نجد، ويقول ذاهبٌ للدراسة في الأزهر الشريف، أو جامعة القرويين.. أو ذاهبٌ لزيارة أقربائي في القاهرة.. أو ذاهبٌ للسياحة إلى إسطنبول أو بيروت أو الإسكندرية… ولا يقول أنا ذاهبٌ، إلى سوريا، أو العراق، أو مصر، أو لليمن، أو للمغرب، أو لبنان للسكن، أو العمل، أو للدراسة أو من أجل الزواج…. أو يقول: أنه قد رُفض إعطائي سمة دخول لدولة ما…
مشكلة الهوية الوطنية في الدولة القومية، بدل أن ترسخ للانتماء الوطني لكيان الدولة، نراها أحياناً، تتطور إلى خيلاء أو نفور يعكس "شيفونية" لهوية قطرية ضيقة، أتت على أي شكل من أشكال الشعور القومي، عابر للحدود.. وطريق شائك من تضاريس المنافذ الجيوسياسية، التي هي غالباً ما تكون في حالة انغلاق، بدعوى سيادة الدولة، ينظر من خلالها لاعتبارات أمنية قطرية ضيقة، قبل أن ينظر إليها من منظور تكاملي متسامح، يعكس جوهر الدولة الإيجابي.
وإن أحدثت الدولة القومية العربية، مفهوم المواطنة، مقابل ما كان سائداً، كمفهوم الرعوية للباب العالي، إلا أن مفهوم المواطنة بظهور الدولة القومية، ارتبط بمفهوم الاستقلال، لينتقل من خلاله الولاء للدولة، وأحياناً لنظامها السياسي، عوضاً عن الولاء للأمة، بمعناها الواسع. أضحت المواطنة مرتبطة بالدولة، بكل ما تعنيه من قطرية ضيقة، متخليةً عن الرحابة الأممية، بدلًا من دعم خيار الدولة القومية الحديثة لقضايا الأمة الاستراتيجية، نراه ينحدر إلى المساومة على قضايا الأمة، بكل ما تعنيه من استدامة وأمن استراتيجي، يتمتع بقوة ردع حاسمة. في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (١٨٤٢-١٩١٨م)، والإمبراطور العثمانية، في أحطّ فترات تاريخها السياسي، وليس بالضرورة تاريخها القومي والأخلاقي والديني، على سبيل المثال: رفض السلطان العثماني عرضاً مغرياً، من زعيم الحركة الصهيونية هرتزل (١٨٦٠- ١٩٠٤م)، بأن يسدد اليهود كل ديون الخلافة العثمانية، ويوفرون له العلاج من مرضه العضال، إلا أن السلطان عبد الحميد رفض، مضحياً بعرشه ومصير إمبراطوريته.
لنقارن هذا الموقف التاريخي بما انتهت إليه الدولة القومية في العالم العربي من تفريط بقضايا وجودية خطيرة تنال أمن العرب، بل وجودهم. ما يحدث للقضية الفلسطينية، ووجود إسرائيل في قلب العالم العربي كالخنجر في خاصرة "النظام الرسمي العربي"، كما جاء في بيت من قصيدة الشاعر السوري فخري البارودي، ويحدد فيها مساحة الوطن العربي الممتدة بتواصل جغرافي وثقافي ولغوي فريد متواصل، حيث قال واصفاً الوطن العربي الكبير: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد.. ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصرَ فتطوان. لقد حددت فكرة وواقع الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، علامة فارقة ومفصلية في تاريخ العرب، ورهنت وساومت، حتى على وجودهم فيها.
التعددية المجتمعية مقابل التعددية السياسية
رغم حدة الصراعات في تاريخ العرب، منذ فجر الإسلام أو قبل ذلك، لم تتفجر صراعات ذات بعد جهوي وطائفي ومجتمعي وثقافي، كما حدث في عهد الدولة القومية الحديثة. تاريخياً: ظل العرب عرباً، يتكلمون العربية، بلهجات جهوية مشتقة من اللسان العربي. وجاء الإسلام وعزز الرابطة اللغوية للعرب، بنزول القرآن، بلسانٍ عربي مبين. لا يُنكر أحدٌ أن الدولة القومية الحديثة، عززت من مكانة اللغة العربية بين الشعوب، حتى أنها أضحت من أهم السمات الوطنية للبلدان العربية، وكانت استعادة التواصل بها من أهم وقود مقاومة الاستعمار، حيث كانت نارها تستعر لمواجهة السيطرة الثقافية للاستعمار، خاصةً في بلدان المغرب العربي.
لكن فاق انتشار اللغة العربية أخذ البلدان العربية بنموذج الدولة القومية الحديثة، بخلفيته الغربية (العلمانية) "المتسامحة" مجتمعياً والمعادية للدين، بإقصائه تماماً عن السياسة، بدعوى فصل الدين عن السياسة، مما يُصّعِبُ، بل يجعل من المستحيل، تطبيق هذا الشرط لقيام الدولة العربية القومية الحديثة. في حقيقة الأمر.
من أهم معالم سيادة الدولة القومية، في المجتمعات السباقة لها في الغرب العلماني، تطور صيغة التعددية السياسية، بدل التعددية المجتمعية والثقافية والدينية، التي كانت سائدة في المجتمعات الأوروبية، التي استبدلت المتغيرات الدينية، بمتغيرات علمانية ليبرالية، تقصي الدين عن الحياة السياسية.. وتجعل المنافسة على الموارد السياسية حكراً على متغيرات أيدلوجية ترتبط مباشرة بحاجات الناس المادية بعيداً عن أية تحيزات ثقافية، أو عرقية، أو دينية، أو طائفية. نظرة رومانسية للطبيعة البشرية، ظن الكثيرون أنها الوصفة السحرية لسيادة السلام بين بني البشر، بعيداً عن الدين.
لكن الحقيقة، أن الخلافات الدينية والثقافية والعرقية بين مجتمعات الغرب الليبرالية التي لجأت إلى خيار الدولة القومية الحديثة لمجتمعاتها، لم تنهِ تماماً الصراع بينها، ولم تأتِ على جذور الانقسامات داخل مجتمعاتها، وظلت هذه الصراعات تعتمل تحت الرماد، حتى تفجرت، في أتون أعنف وأكبر وأعتى الحروب الكونية، والتي تفوق بمراحل الحرب التي استمرت ثلاثين عاماً في أوروبا، وانتهت بتوقيع عهد وستفاليا ١٦٤٨م، الذي بشر بقيام نموذج الدولة القومية الحديثة.
في العالم العربي، أخذ العربُ بنموذج الدولة القومية الحديثة، لكنهم لم يأخذوا بقيمها، بالذات فكرة العلمانية. بل أن الدولة القومية العربية الحديثة، عززت الانقسامات الدينية والعرقية والطائفية، بظهور موجات عنيفة من الصراع، بدلاً عن الأخذ بصيغة التعددية السياسية، التي تطورت في المجتمعات الغربية. فبدلاً أن تتطور ممارسة ديمقراطية "متسامحة"، بعيداً عن التحيزات الدينية والطائفية والعرقية، كانت الدولة القومية العربية الحديثة، بتمسّكها بإرث التعددية المجتمعية، من أهم عوامل عدم الاستقرار. ظهرت وتفاقمت مشكلة الأقليات في مجتمعات الدول، بما لم يكن معروفاً، بهذه الحدة، في تاريخ ما قبل الدولة القومية الحديثة، في العالم العربي.
لقد عاشت مجتمعات البلدان العربية قبل الأخذ بنموذج الدولة القومية، في سلام مجتمعي، مع وجود، بل وأحياناً تعصب الخلفيات المجتمعية بها، في حضن كيان أممي أوسع، يعطي الحرية ويتسامح مع الخلفيات الدينية والعرقية والثقافية السائدة في مجتمعات ما قبل الدولة القومية الحديثة. يمكن القول، بثقة: أن مجتمعات ما قبل الأخذ بنموذج الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، مجتمعات متماسكة بقوة، خالية من مشكلة الأقليات، السائدة هذه الأيام، في كثيرٍ من الدول العربية.
ففي أوقات التطورات التي تهدد كيان المجتمعات العربية، في المنطقة، كان الكل يصطف ضد أي خطر خارجي يهدد الكيان المجتمعي العربي الكبير. رأينا ذلك في الحروب الصليبية، ومقاومة الاستعمار الأوروبي… بل إن هذا التضامن العربي، بكل طوائفه وأعراقه ونحله ودياناته وثقافاته، كان يقف وقفة رجل واحد، في مواجهة أي تهديد خارجي يتعرض له. بل هذا التضامن العربي الصلب والقوي، كان من أهم مرتكزات قيام الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، فيما بعد. في المقابل: مشكلة الأقليات اليوم، من أهم المخاطر التي تواجه الدولة القومية الحديثة، في كثيرٍ من الدول العربية. نظرة لخريطة العالم العربي، تظهر خطورة الأقليات على استقرار السلم المجتمعي، في كثير من الدول العربية اليوم. انظر ما يحدثه من صراع الأقليات مع الحكومات المركزية، في العراق والسودان ولبنان وبعض دول الخليج وبلاد المغرب العربي واليمن والصومال، وغيرها من الدول العربية، التي تتقد فيها نار صراع الأقليات تحت الرماد، انتظاراً للحظة الانفجار.. ينفخ في مرجلها أعداء العرب، وفي مقدمتهم إسرائيل، ودول الغرب.
خاتمة
ليس وضع العرب اليوم، بأفضل، عند أخذهم بنموذج الدولة القومية الحديثة. منذ البداية، صياغة الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، لم ترتقِ لمستوى التوقعات منها، لإحداث التجانس بين عناصر الدولة القومية الحديثة. الشعوب العربية لم تنل حريتها للتحكم في مؤسسات ورموز الدولة. الدولة القومية الحديثة، في مجتمعات العالم العربي أنتجت ٢٢ دولة "عربية"، لم تنجح في تحقيق التكامل بينها، بل غذت المشاكل والصراعات البينية بينها، ضمن تصنيفات اعتباطية، من دول تقدمية وأخرى رجعية.. ودول إسلامية وأخرى قومية، ضمن عقلية قطرية ضيقة.
كما أن نموذج الدولة القومية الحديثة، في كثير من الدول العربية، قسمت العالم العربي، ليس سياسياً فحسب، بل جيوسياسيًا أيضاً، تجلى ذلك في مشاكل الحدود المزمنة بين بعض الدول العربية، إما بحثاً عن الحدود الآمنة، أم طمعاً في الموارد الطبيعية، أم زعماً بالحقوق التاريخية. مجتمعياً: الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، أذكت مشكلة الأقليات، بما لم يسبق لمجتمعاتها أن تخبره، من قبل في تاريخها. كما أن صيغة الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، لم تنتج حكومات تعكس إرادة شعوبها، بقدر ما كانت تخدم مصالح نخبها السياسية. الأقليات في مجتمعات بعض الدول العربية، لم تجد الأمان إلا في سيطرتها على السلطة، بالعنف والقوة، كما هو الحال في اليمن وكان لوقت قريب في لبنان وسوريا، ثم ليبيا والسودان والصومال. كما أن وصفة الديمقراطية لم تنجح في العالم العربي، لأن من كتبها لها المستعمر الأجنبي قديمه وحديثه. نظام المحاصصة الطائفية في العراق ولبنان، لم ينتج عنه ممارسة سياسية ديمقراطية حقيقية، بقدر ما يعكس خلفية طائفية غير متسامحة.
نموذج الدولة القومية الحديثة، في العالم العربي، زاد من مشاكل المجتمعات العربية الهيكلية، ولم يحدث ديمقراطية حقيقية أبداً، كما لم يحقق الوحدة العربية المتوفرة لها كل مقوماتها، الإقليمية والثقافية والاقتصادية، بالإضافة لفشل ذريع في الذود عن الأمن القومي للعرب، والفشل في تحقيق تنمية سياسية ومجتمعية واقتصادية مستدامة، بل وحتى سيادة واستقلال حقيقي للدول العربية، التي أكثرها تحولت إلى دول وظيفية، تخدم مصالح المستعمر، قديمه وحديثه… بل وأحياناً عدو العرب الاستراتيجي الأخطر (إسرائيل).
الدولة القومية الحديثة في العالم العربي فاقمت من المشاكل الموجودة في العالم العربي، التي تعاني منها الشعوب العربية، كما أضرت بتاريخ العرب، وقيمهم الدينية والثقافية والحضارية، وأحدثت عدم استقرار إقليمي مزمن، أضر بالأمن القومي العربي. كما لم تُحدث الدولة القومية الحديثة التقدم المنشود للمجتمعات العربية، ولم تحقق التنمية المستدامة، ولا المشاركة السياسية الفعالة… بل كثيراً ما أنتجت أنظمة سياسية سلطوية وأحدثت دولًا وظيفية، تحكمها نخب سياسية فاسدة.






