يتفق الغالبية العظمى من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية على أن السياسات الأمريكية تتسم بـاستمرارية وثبات كبيرين تتجاوز الخطاب المعلن. ويعني هذا أنه بالرغم من تباين أساليب الحكم واختلاف ترتيب الأولويات بين الإدارات المتعاقبة، لم تحِد واشنطن عن تحقيق مصالحها القومية والمبادئ الأساسية التي ترعاها على مر العقود. غير أن هذا الإجماع لا ينطبق على فترة رئاسة دونالد ترامب، حيث اعتمدت واشنطن تحت قيادته استراتيجية وسياسات مغايرة جذريًا للتوجهات المعهودة للإدارات السابقة. وقد أثارت هذه التغييرات انقسامًا حادًا في الآراء على الصعيدين الأمريكي والعالمي بخصوص جدواها وفعاليتها.
نظرة المؤيدين: يرتكز الطرح الذي يتبناه الرئيس ترامب وداعموه على مبدأ "السلام من خلال القوة" الذي تسعى واشنطن لتحقيقه. إلا أن هذه الرؤية، المتمحورة حول شعار "أمريكا أولًا"، تتباين بحدة مع الاستراتيجيات الدبلوماسية التي انتهجتها إدارتا الرئيسين السابقين باراك أوباما وجون بايدن، وكذلك مع التوجهات التي دعا إليها الخبراء الاستراتيجيون البارزون في الحزب الديمقراطي خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024م.
بصورة عامة، يرى هؤلاء الخبراء والديمقراطيون أن الزعامة الأمريكية تشهد تراجعًا، الأمر الذي يستوجب إدارة حكيمة للموقف عبر سلسلة من الإجراءات التي تشمل: خفض التسلح من جانب واحد، وتقديم اعتذارات عن التجاوزات والممارسات الأمريكية المزعومة، واسترضاء الأطراف المعارضة، وتبني استجابات جزئية لمطالب خصوم الولايات المتحدة. وقد تجسد هذا النهج الأخير فيما أشار إليه الرئيس السابق جون بايدن بخصوص أن روسيا كانت ستواجه تداعيات أخف لو اقتصرت على توغل محدود في أوكرانيا عوضًا عن الغزو العسكري الشامل.
استنادًا على هذه الرؤية، زعم الرئيس ترامب بأن فوزه في السباق الرئاسي نابع من انحياز أغلبية الشعب الأمريكي للقوة بدلا من التقهقر. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، دأب ترامب على استخدام القوة الاقتصادية، والدبلوماسية، والعسكرية للولايات المتحدة لتحقيق كافة البنود المدرجة على أجندته الخارجية، وإظهار أن السلام والأمن يُولدان في كنف القوة. ومنذ ذلك الحين، شرع الجيش الأمريكي في عملية إعادة بناء لقدراته. كذلك تطمح إدارة ترامب والكونجرس إلى تأمين استثمارات عسكرية تاريخية بقيمة 1 تريليون دولار خلال العام المالي 2026م، بما يمثل زيادة قدرها 13 % عن ميزانية العام السابق 2025م. على أن تُمنح الأولوية لتدعيم القدرات الحيوية مثل الطائرات المسيرة، والدفاعات السيبرانية التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبناء السفن البحرية لمواجهة الصين، والدفاعات ضد الصواريخ الأسرع من الصوت. وقد أقنع ترامب حلفاء واشنطن وشركائها بإلزام أنفسهم بزيادة مستوى الإنفَاق الدفاعي إلى 5 % من إجمالي الناتج المحلي، وتقاسم قدر أكبر من الأعباء الأمنية. وعوضا عن الانسحاب من حلف شمال الأطلسي" ناتو" أو محاولة إضعاف شوكته، كما حذر بعض المنتقدين، يقود ترامب حاليًا أكبر عملية إعادة تسليح أوروبية في عصر ما بعد الحرب. مؤكدا عدم توانيه عن شرط زيادة حلفاء واشنطن إنفاقهم الدفاعي أما المخاطرة بإعادة النظر في التزامات واشنطن تجاه التحالف الغربي. لاقت دعوة سيد البيت الأبيض استجابة سريعة وكبيرة، وذلك بعدما أعلن حلفاء الناتو في يونيو 2025 م، الاتفاق على رفع هدف الإنفاق الدفاعي إلى 5 % من إجمالي الناتج المحلي؛ 3.5% موجهة لتعزيز القدرات الدفاعية الأساسية، و1.5% تُلبي المتطلبات الأمنية والصناعية الأخرى.
تماشيًا مع هذه السياسة، تضاعفت المساهمات الأوروبية العسكرية الموجهة إلى أوكرانيا. حيث قفز إجمالي مخصصات المساعدات الأوروبية من متوسط ربع سنوي بقيمة 12.2 مليار دولار خلال رئاسة بايدن إلى 18.8 مليار دولار في عهد ترامب. ولعل الدافع وراء استجابة أوروبا الفورية يكمن في تهديد ترامب برهن تزويد أوكرانيا بالأسلحة الفتاكة بالتمويل الأوروبي. بالمثل، حثت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" حلفاءها في منطقة المحيطين الهندي والهادي على مواكبة التزامات الناتو الجديدة ورفع مستوى إنفاقهم إلى 5 % أو ما يزيد من إجمالي الناتج المحلي من أجل تطوير قدراتهم الدفاعية. وتحت ضغط من واشنطن، أقرت تايوان زيادة كبيرة في ميزانيتها الدفاعية، وأعلنت عزمها بلوغ هدف 5% بحلول 2030م. على نحو مماثل، توصلت فيتنام لاتفاق شراء طائرات "إف-16 " الأمريكية. وفي أكتوبر 2025م، أعلن ترامب استئناف اختبارات الأسلحة النووية على قدم المساواة مع برامج الدول الأخرى. بما سيجعل خصوم واشنطن يعيدون التفكير مليًا قبل استخدام الأسلحة الفتاكة أو التهديد باستخدامها خشية من رد الفعل الأمريكي.
يجادل أنصار ترامب أيضًا بأن رئيسهم نصب نفسه كرجل دولة وزعيم عالمي يقود جهود إحلال السلام وتسوية النزاعات الممتدة على فترات طويلة، بدعوى أن إدارته لعبت دورًا رئيسيًا في التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار مزعوم بين إسرائيل وحركة حماس، واقتراح خطة للسلام وإعادة إعمار قطاع غزة. فضلًا عن، دور واشنطن في تيسير التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بين الهند وباكستان، وكمبوديا وتايلاند، بالإضافة إلى اتفاق السلام الموقع بين رواندا والحزب الجمهوري الكونغو، وكذلك دورها في إنجاز الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان. فيما شكل الضغط الاقتصادي أحد أهم الكروت التي عولت عليها إدارة ترامب بعد تلويحه بتطبيق تعريفات جمركية وعقوبات على الأطراف المتمردة، مبرهنا على أن القوة الاقتصادية للولايات المتحدة تضاهي نفوذها العسكري تأثيرًا وفعالية في إنهاء النزاعات الشائكة.
نظرة المنتقدين: على الجانب الآخر، يزعم منتقدو إدارة ترامب بأن الرئيس الجمهوري تسبب في هدم الأعراف والمؤسسات الممتدة عبر عقود من الزمان، وأن نظامه الجمركي وجه ضربة قاسمة لمنظومة التجارة الدولية متعددة الأطراف. حيث تضررت آلية الدبلوماسية الدولية، بدءًا من منظمة الأمم المتحدة إلى برامج المساعدات الخارجية، جراء قرارات خفض التمويل الأمريكي. فيما أُعيد تشكيل التحالفات الأمنية الراسخة لتتحول إلى علاقات براغماتية قائمة أكثر على المقايضات مُستغلة الثقل العسكري والاقتصادي الذي تنعم به الولايات المتحدة. في الداخل الأمريكي، أطلق ترامب العنان لأكبر حملة موسعة للاستحواذ على السلطة التنفيذية منذ نحو قرن. حيث تم نشر قوات الحرس الوطني داخل المدن الخاضعة لسيطرة الديمقراطيين، وإجبار الجامعات على الامتثال للتعليمات من خلال التهديدات ووقف التمويلات، فضلًا عن، مهاجمة استقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ونشر الأذرع الحكومية لملاحقة خصوم الرئيس.
على صعيد الجبهة الخارجية، كان هناك إخفاقات واضحة. فإن قرارات مثل فرض تعريفات عقابية على الهند بسبب شرائها النفط من روسيا أو على البرازيل بسبب محاكمة رئيسها السابق لم تكن منطقية. بل وقد تقود كلا الدولتين لمزيد من التقارب مع الصين. وبالأخص أن ترامب لم يحرز تقدما يذكر مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ولم يتغلب على الزعيم الصيني تشي جين بينغ أيضًا. فقد خرجت الصين منتصرة بشكل واضح في معركة التجارة خلال عام 2025م. ولحسن الحظ، أن نظام ترامب الجمركي لم يدفع الاقتصاد العالمي لحافة الهاوية، بعد أن جاءت ردود الفعل المضادة محدودة واكتفاء العديد من الدول بإبرام بعض الصفقات.
في خضم تداعي النظام العالمي القائم، تبدأ ملامح النظام الجديد في التبلور بوضوح أكبر خلال العام الجديد على صعيد ثلاث جبهات رئيسية. تتمثل الأولى في مستقبل الديمقراطيات الغربية الليبرالية، الذي سيتوقف بشكل كبير على نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في نوفمبر 2026م، والتي ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة تواجه خطر التحول إلى نظام شبه استبدادي. إن سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب كفيلة بفرض قيود على ممارسات ترامب. وإذا ما تم استقراء التاريخ، فإن فوز الديمقراطيين يكاد يكون مؤكداً، على الرغم من أن شعبيتهم تبدو أقل حتى من الرئيس الحالي.
أما الجبهة الثانية، فهي السياسة الخارجية؛ حيث من المرجح أن تسعى إدارة ترامب إلى استعراض قوتها العسكرية في الفضاء الحيوي للولايات المتحدة وإبرام صفقات انتهازية بشأن سلاسل الإمداد الحيوية. وبينما لا تزال عينا ترامب على جائزة نوبل للسلام، فإن ذلك سيبقيه منخرطاً في قضايا الشرق الأوسط، بما في ذلك منع إسرائيل من استئناف حربها الشاملة على قطاع غزة، والدفع نحو عفو عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد يسعى الرئيس الأمريكي أيضاً للقيام بدور صانع السلام في مناطق أخرى، لا سيما تلك التي قد تشهد توقيع صفقات مرتبطة بالمعادن النفيسة. وفي ظل تعنت الرئيس بوتين، من المرجح أن تترك واشنطن تقرير مصير أوكرانيا للأوروبيين. آسيوياً، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تقليص الدعم المقدم لتايوان نزولاً عند رغبة ترامب في عقد صفقات مع الجانب الصيني. أخيراً، ربما يسعى ترامب إلى تغيير الأنظمة داخل بعض دول أمريكا اللاتينية مثل فنزويلا.
الآفاق المستقبلية:
تعهد الرئيس ترامب في بيانات رسمية عدة بخفض العجز الفيدرالي وتحسين عائد الاستثمار للشعب الأمريكي. ويهدف طلب الميزانية الذي قدمته إدارة ترامب للسنة المالية (2026)، البالغ 28.5 مليار دولار، إلى تعزيز مفهوم "أمريكا أولًا". حيث اقترح وزير الخارجية ماركو روبيو إنشاء "صندوق فرص أمريكا أولا"، بما يُتيح للوزارة إمكانية الاستجابة سريعًا وبشكل أكثر مرونة للفرص والتحديات غير المتوقعة فور ظهورها. كما سيَسعى الصندوق الجديد إلى توحيد برامج المساعدة الإنسانية المُجزأة، والتركيز على الأزمات التي ترتبط فيها المصالح الوطنية الأمريكية ارتباطًا مباشرًا وواضحًا، مع السعي في الوقت ذاته إلى تقاسم أكثر عدلا للأعباء مع الجهات المانحة الأخرى.
من المتوقع أن تواصل إدارة ترامب بقوة اعتماد النهج القائم على المقايضات في علاقاتها الخارجية خلال ما تبقى لها من فترتها الثانية. بما يعني أن دور واشنطن في الأزمات الخارجية سيكون مدفوعًا إلى حد كبير بالعائد أو المردود الاقتصادي المحتمل للشعب الأمريكي. وسواء التقى نهج "أمريكا أولًا " مع مصالح الدول الأخرى أم لم يلتق، فإن الريادة الاقتصادية للولايات المتحدة، مقترنة بقدراتها العسكرية الهائلة، وقوتها الناعمة، تضمن لها الاحتفاظ بدورها الرئيسي داخل المنظومة الدولية. ولكن ذلك لا يعني أن القوى العالمية الأخرى لا تمتلك نفوذًا. فإن دولًا مثل الصين، وروسيا، أوروبا، واليابان، والهند، وغيرها من الأقطاب العالمية ستواصل دورها في تشكيل النظام الدولي والاضطلاع بدور مهم في الصراعات الإقليمية.
من جانبها، ستحرص دول منطقة الشرق الأوسط على إبقاء عين يقظة على التغيرات التي قد تشهدها واشنطن في 2026 م، وما بعده. ولكن الأهم، أن الشعوب العربية وحكامها باتوا هم أسياد قرارهم وقادرين على رسم مستقبلهم بأيديهم. حيث تعكف دول مجلس التعاون الخليجي على تنفيذ رؤى إصلاحية طموحة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، والتي تشمل: الانتقال الطاقي، والاستثمار في الرأسمال البشري، والتقنيات الناشئة، والمساواة بين الجنسين، وغيرها. ومن المتوقع أن تكون هذه التغييرات الإيجابية صاحبة التأثير الأكبر في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط مقارنة بما يحدث داخل واشنطن.






