array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 217

دول الخليج من الاعتماد على النفط إلى هندسة التحالفََات والصمود والاستثمارات والنفوذ السياسي

الإثنين، 29 كانون1/ديسمبر 2025

يقف مشهد الطاقة العالمي عند مفترق طرق بين اختبار تقلبات حادة والخضوع لتغييرات جذرية. بعدما تعرضت أسواق الطاقة العالمية لكم غير مسبوق من الضغوط، على خلفية التبعات المستمرة للحرب الأوكرانية، التي تفاقمت جراء التوترات المتصاعدة عبر أنحاء الشرق الأوسط. فضلًا عن، الآثار المتتالية للسياسات الجمركية التي يعتمدها ترامب. أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تذبذب حاد في أسعار النفط عام 2025م، والضغط على سلاسل الإمداد، متأثرة بالضبابية التي خلفتها التطورات الجيوسياسية. وفي خضم هذه التحديات، تسارع التوجه العالمي نحو إنتاج الطاقة النظيفة، مدعومًا باستثمارات غير مسبوقة ومبادرات سياسية.

على الرغم من جسامة هذه التحديات، فقد تبلورت في سياقها فرص استراتيجية واعدة. حيث لم يقتصر دور الدول على تدعيم مرونة إنتاج وتوزيع الوقود الأحفوري فحسب، بل اتجهت بشكل متزايد لدعم الطاقة المتجددة. لم يعد هذا الدعم يعتبر الطاقة المتجددة بديلاً ثانوياً، بل ركيزة جوهرية لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل. ومع بداية عام (2026م)، يقف قطاع الطاقة أمام منعطف حاسم: يتمثل في ضرورة تحقيق استقرار الأسعار، وتنويع سلاسل الإمداد وتأمينها، وكفالة وصول الدول المستهلكة إلى موارد الطاقة آمنة وموثوقة في ظل مناخ تسوده الضبابية والتقلبات الجيوسياسية.

وبإلقاء نظرة على تجارب عام (2024-2025م)، تتكشف التحديات الكامنة والفرص الناشئة، بما يتيح نظرة مستقبلية على قطاع الطاقة. ويبحث هذا المقال التداعيات طويلة الأمد للتحولات في السياسات، والصراعات الإقليمية، والتحالفات الجيوسياسية الجديدة، والمساعي التوسعية لتكتل "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون. وفي قلب هذا المشهد، تبرز دول مجلس التعاون ليس بصفتها كفاعل محوري استراتيجي مستعدًا لإعادة تشكيل تحالفات الطاقة الدولية والتأثير في شكل منظومة الطاقة خلال القرن الــ 21.

تحديات العام الماضي: سوق تحت الحصار

عكس أداء سوق الطاقة خلال (2024-2025م) تأثراً مباشراً بمجموعة من الصدمات، والتي أدّت إلى تفاقم الضعف والهشاشة الكامنة منذ مرحلة التعافي من تداعيات جائحة "كوفيد-19". وقد تأثرت الأسواق بالبؤر الجيوسياسية المتوترة، خاصة الحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي أحدثت اضطراباً في إمدادات الغاز إلى أوروبا، ما دفع القارة للبحث عن مصادر بديلة. ونتج عن ذلك ارتفاع في أسعار الغاز المسال بــ 20% خلال أشهر الشتاء. فيما عانت أوكرانيا من أزمة في الطاقة، بعد أن دمرت الهجمات الروسية 50% من قدراتها الإنتاجية بحلول منتصف 2025م. ونتج عن ذلك انقطاع مستمر في التيار الكهربائي وانخفاض الناتج الصناعي بنسبة 25%. هذه الاضطرابات لم تؤد لتعظيم اعتماد أوروبا على الواردات فحسب، بل خلفت أصداء واسعة في الأسواق العالمية، وعززت دول الخليج صادراتها النفطية لسد فراغ العقوبات المفروضة على صادرات النفط الروسي.

على صعيد الشرق الأوسط، تحول الصراع المحتدم بين إسرائيل وحماس لمناوشات إقليمية أوسع نطاقًا بلغت ذروتها بشن هجمات على المنشآت الإيرانية في يونيو 2025م. ما ترتب عليه ارتفاع مؤقت في أسعار برنت مسجلا 85 دولار للبرميل، قبل معاودته الانخفاض بدعم وفرة المعروض. مع ذلك، ثبُت أن الضغوط غير العسكرية لها نفس قدر التأثير على الأسواق. فقد أبرز التقرير الشهري الصادر عن منظمة " أوبك" تباطؤ نمو الطلب العالمي ليصل إلى 680 ألف برميل يوميًا، نزولا عن التقديرات السابقة. وذلك نتيجة تأثر النشاط الصناعي سلبًا بالتباطؤ الاقتصادي في الصين وارتفاع معدلات الفائدة. ما وجد صدى له أيضًا ضمن تقرير "وكالة الطاقة الدولية"، الذي توقع تحقيق فائض في المعروض قدره 400 ألف برميل يوميًا بحلول نهاية العام، بفعل زيادة الإنتاج من خارج "أوبك": أمريكا والبرازيل.

لم تسلم أسواق النفط من سهام ترامب الجمركية بعد أن تسببت التعريفات المفروضة منذ شهر يناير 2025م، (ما بين 25% إلى 50%) على منتجات الحديد، والنحاس، والطاقة الشمسية في رفع تكاليف معدات النفط والغاز بنسب ما بين 15 % إلى 20 %. إلى جانب الضغط على استثمارات التنقيب وتعطيل المشروعات في حوض "برميَان" أمريكا. وعالميًا، أدت هذه الإجراءات إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف نقل الطاقة جراء التعريفات المضادة من الصين والاتحاد الأوروبي. فيما قفزت أسعار المعادن الحيوية التي تُستخدم في تشغيل البطاريات بمقدار 30 %، بما كان له أثر على إنتاج التقنيات المتجددة. وتضررت الدول المستهلكة مثل الهند واليابان نتيجة لتقلبات الأسعار بما أدى لتآكل القوى الشرائية لديها، وارتفاع معدلات فقر الطاقة العالمية بواقع 2 %. جاءت هذه العوامل المعاكسة لتؤكد واقعًا مريرًا؛ إلا أنه في ظل عصر التشرذم الجيوسياسي، بات أمن الطاقة يتصل بالدبلوماسية اتصالًا وثيقًا يضاهي ارتباطه بعمليات التنقيب والاستخراج.

بارقة أمل وسط العاصفة: تقارب بين الطاقة الأحفورية والمتجددة

على الرغم من الاضطرابات، شهد عام 2024-2025م، ميلاد فرص واعدة من شأنها مد الجسور بين قطاعي الطاقة الأحفورية والمتجددة. على صعيد الوقود الأحفوري، استطاعت الدول المنتجة للنفط التكيف بمهارة شديدة. وساهمت حصص مجموعة "أوبك بلس" الإنتاجية في دعم استقرار المعروض، مما مكن المملكة العربية السعودية والإمارات من الاستحواذ على حصة في السوق من خلال تصدير النفط الخام بأسعار مُخفضة إلى آسيا، حيث ارتفع الطلب بمقدار 1.2 مليون برميل يوميًا رغم التوترات الاقتصادية. كما برز الغاز الطبيعي المسال كوقود انتقالي؛ مع تحقيق الصادرات الأمريكية مستويات مرتفعة قياسية، لتخفف من وطأة أزمة نقص الغاز الروسي وفتح الأبواب أمام المصدرين الخليجيين مثل دولة قطر، التي أضاف توسع حقل الشمال لديها 32 مليون طن سنويًا بحلول أواخر 2025م، تُرجمت هذه المرونة والصلابة إلى طفرة ملحوظة في الاستثمارات: حيث ضخت صناديق الثروات السيادية الخليجية 50 مليون دولار للاستثمار في أصول قطاع المنبع داخل إفريقيا، بما يضمن تأمين احتياطيات طويلة المدى وسط التوسعات التي يقودها تكتل "بريكس".

في المقابل، اكتسب قطاع الطاقة المتجددة زخمًا غير مسبوق. حيث حققت الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة طفرة في النصف الأول من عام 2025 م، فقط، تصل إلى 386 مليار دولار، بما يعادل نموا بنسبة 17% على أساس سنوي. وذلك بدعم من تراجع تكاليف إنتاج الطاقة الشمسية (12%) ومبادرات السياسة التحفيزية مثل صفقة الصناعة الخضراء الأوروبية. وللمرة الأولى على مستوى العالم، يفوق حجم الطاقة الكهربائية المولَدة من المصادر المتجددة ما ينتجه الفحم خلال عام 2025م، تزامنا مع نمو الطلب على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بنحو 15%. وقد أثبتت أكثر من 91 % من مشروعات الطاقة المتجددة أنها أقل تكلفة عن البدائل الأحفورية، بعد توفير 57 مليار دولار من تكاليف الوقود المتجنبة. 

يُعدّ الجنوب العالمي مصدرًا غنيًا بالفرص الواعدة في قطاع الطاقة. ويتجسد ذلك، على سبيل المثال، في المزاد الهندي للطاقة الشمسية الذي خُصص لتوليد 50 جيجاوات، حيث استقطب عروضًا تنافسية من دول مجلس التعاون. كما أسهمت الطفرة في مشاريع الشبكات الصغيرة في إفريقيا، والتي دُعمت بتمويل مختلط بلغ 20 مليار دولار، في تزويد 100 مليون مستخدم كانوا خارج نطاق الشبكة بالكهرباء. تشير هذه التطورات إلى ملامح مستقبل هجين للطاقة، يتم فيه استخدام التمويل الناتج عن الطاقة الأحفورية لدعم وتمويل التحول نحو الطاقة الخضراء، مما يوفر بالتالي شريان حياة جديدًا للمنتجين الكبار من خلال تنويع قواعدهم الاقتصادية.

تقديرات عام 2026: دروس مستفادة من أجل تحقيق الأمن والاستقرار

مع العام جديد، تستعد أسواق الطاقة لأداء مستقر مشوبا بالحذر في مواجهة المخاطر المحدقة. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى نمو الطلب على النفط بواقع 700 ألف برميل يوميا ليصل إلى 104.4 مليون برميل. ولكن ضغوط الفائض في المعروض قد تدفع مزيج برنت للتراجع إلى 60 دولارًا للبرميل-مسجلًا أدنى مستوياته في 5 سنوات. فيما يواصل النفط الصخري الأمريكي أداءه القوي، بينما بدأ تحالف "أوبك بلس" إلغاء التخفيضات الطوعية في الإنتاج، بما يُضفي مزيدًا من التعقيد على ديناميات أسواق المعدن الأسود. وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، فإن الرواية تبدو مختلفة: حيث تشير التقديرات لارتفاع الأسعار بنسبة 16% مسجلة 4.00 دولار لكل مليون وحدة، بفضل نمو صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا وآسيا بفضل معدلات الطلب القوية في ظل عمليات إزالة الكربون المستمرة. في أثناء ذلك، يُرجح ارتفاع تكاليف نقل الطاقة ما بين 5 إلى 10% جراء اضطراب سلاسل الإمداد، الناتج عن التعريفات التجارية واعتماد مسارات جديدة للشحن بمنطقة البحر الأحمر. في حين تظل النقاط الجيوسياسية الساخنة لاسيما داخل منطقة الشرق الأوسط بالقرب من إيران عاملًا مُزعزعًا.

تقدم مسيرة الطاقة عام 2024-2025م، دروسًا يمكن الاسترشاد بها. فقد ثبُتت أهمية تنويع المصادر: بعد أن ساعد تحول أوروبا إلى صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية والنفط الخام الأمريكي في الحد من تأثير العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية. كما برهن على قيمة الاحتياطيات الاستراتيجية وتنويع صفقات الطاقة. على نحو مماثل، برزت أهمية التنسيق الدولي في دعم استقرار الأسعار: ساهم اتفاق "أوبك بلس" بإقرار تخفيضات طوعية في الإنتاج عام 2025م، في درء تفاقم أزمة فائض المعروض، وقدم نموذجا يحتذى لمنتديات الطاقة في العام جديد مثل منتدى الطاقة الدولية. الابتكار التكنولوجي برز دوره أيضا كقوة داعمة للاستقرار. فقد حققت مشروعات شبكات الطاقة الصغيرة في أوكرانيا، التي استفادت من التوائم الرقمية والتنبؤات المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، موثوقية بنسبة 30%. بما يُبرز إمكانية الاستفادة من الأدوات المتقدمة في منع انقطاع التيار الكهربائي وتحسين التدفقات عبر الحدود. ومن خلال الدمج بين هذه الدروس وآليات منظمة التجارة العالمية المُعززة لفض المنازعات، ومشروعات ممرات الطاقة التابعة لتكتل "بريكس" ومنظمة" شنغهاي للتعاون"، يتسنى حينها للدول المعتمدة على الواردات مثل باكستان وبنجلاديش تأمين الوصول لمصادر الطاقة وسط الضبابية المستمرة.

وبالنظر إلى المستقبل، من المتوقع زيادة اعتماد استراتيجيات الاستثمار في الطاقة على معطيات الجغرافيا السياسية والتحول الأخضر. ومن جانبها، تعمل البلدان الخليجية، التي ظلت طويلا معتمدة على العائدات النفطية، على الموازنة بين التوسع في إنتاجها من النفط والغاز والمضي قدما في مشروعات الطاقة المتجددة؛ بدءًا من محطات الطاقة الشمسية التي باتت تغزو صحراء المملكة العربية السعودية وصولًا إلى حقول إنتاج طاقة الرياح داخل سلطنة عمان. في الوقت ذاته، أدت المناوشات التجارية بين الاقتصَادين الأكبر عالميًا (أمريكا والصين)، والصراعات المستمرة داخل المنطقة، بجانب حرب أوكرانيا، في تسريع وتيرة إعادة تقييم التحالفات الدولية مع نمو تأثير التكتلات الصاعدة مثل "بريكس" و"شنغهاي" على آليات النفاذ إلى الأسواق والتسعير.

مسيرة الطاقة طويلة الأجل: السياسات والحروب وحتمية التحول الأخضر

من المتوقع أن يتشكل مستقبل الطاقة خلال العقد المقبل وفقا لقوى وعوامل متداخلة. رسوم ترامب الجمركية ستدر عائدات بقيمة 158 مليار دولار بحلول عام 2026م، مع تقليص إجمالي الناتج المحلي العالمي بنسبة 0.5% مما يُعزز هيمنة الوقود الأحفوري الأمريكي. في ظل تباطؤ واردات التكنولوجيا النظيفة، وتعطيل استخدام السيارات الكهربائية بنحو عامين إلى 3 أعوام. بينما لا تزال الحرب الأوكرانية تشكل محركًا لمساعي التنويع الأوروبية؛ ومن شأن حدوث أي نوع من أنواع التصعيد، لاسيما مع تعمق مشاركة حلف الناتو في الحرب، أن يصعد بأسعار الغاز بنحو 50%.

مع ذلك، في خضم هذا الكم من التحديات، يتيح التحول العالمي إلى الطاقة النظيفة مسارًا للمضي قدمًا. إذ تشير توقعات شركة " دي إن في" النرويجية -الرائدة في مجال إدارة المخاطر وضمان الجودة- إلى تحول جذري في مزيج الطاقة بحلول عام 2050م، حيث ينقسم معدل الطلب على الطاقة الأحفورية وغير الأحفورية بنسبة 50/50، فيما تُلبي المصادر المتجددة 70 % من احتياجات الطاقة الكهربائية بحلول 2030م، ما يترك منتجي الطاقة التقليدية أمام خيارات محورية: إذ تقوم شركة " أرامكو"، عملاق النفط السعودي، باستثمار 100 مليار دولار في الهيدروجين الأخضر، بينما تسعى النرويج إلى تحول شامل للطاقة المتجددة. وسوف يعتمد نجاح هذه الخطوات على الاستراتيجيات الهجينة.

الاستثمارات الخليجية والتحالفات المتغيرة

سطع نجم مجلس التعاون الخليجي كمركز عالمي لإعادة الابتكار الاستراتيجي، مُستفيداً من الموارد المالية، والرؤى التنموية طويلة الأجل للتغلب على مشهد الطاقة المضطرب. فقد بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المنطقة مستويات قياسية عام 2025م، مدفوعة بالجهود المبذولة للتنويع بعيدًا عن المواد الهيدروكربونية. وبالتطلع لعام 2026م، تبدو الآفاق واعدة، حيث تضخ كلا من السعودية ودولة الإمارات استثمارات بقيمة 30 مليار دولار في مشروعات صينية لإنتاج الطاقة المتجددة ومشروعات تعدينية داخل إفريقيا- والتي من المتوقع لها تحقيق عائدات تتراوح ما بين 8 إلى 10% وفقًا لتقديرات شركة "إي واي". هذه الاستثمارات لن تعزز الصلابة الاقتصادية فحسب، بل تجعل منطقة الخليج ركيزة أساسية داخل منظومة مزيج الطاقة العالمي سريع التغير.

كذلك، فإن إعادة تشكيل التحالفات الدولية يُعظم من أهمية دور هذه الاستثمارات. حيث ينبئ مشروع التوسع، الذي يقوده تكتل بريكس، بعد ضمه لمصر وأثيوبيا، باحتمالية إعادة توجيه تدفقات الطاقة. ومن المتوقع أن تُعيد الصفقات الموقعة بين دول الخليج وبريكس تحريك 20 % من صادرات النفط باتجاه الشرق بحلول 2030م. يمثل هذا التحول تحديًا للنفوذ الأمريكي-الأوروبي التقليدي على أسواق الطاقة، ويتيح مجالا أمام دول الخليج للتفاوض على قدم المساواة وتشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

كما تعزز العلاقات التكاملية مع منظمة شنغهاي للتعاون، التي تركز على شبكات الغاز الأوراسية، ومشروعات الربط الإقليمي، دور مجلس التعاون الخليجي في تنمية وتطوير تكتلات الطاقة داخل "الجنوب العالمي". كما تولي هذه الشراكات الأولوية لأمن الإمداد المتبادل، والتعاون في الاستثمارات، والصمود أمام العقوبات الغربية مُشكلة تحولًا جذريًا عن المعطيات الجيوسياسية السائدة على مدار العقدين الماضيين.

تأتي عملية إعادة التقييم الاستراتيجي التي يُجريها مجلس التعاون لدول الخليج العربية متسقةً مع التوقعات العالمية الأوسع نطاقاً. فبحلول عام 2030م، تلوح في الأفق ثلاثة مسارات محتملة ومتباينة: الأول، تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي يصل إلى 3%. الثاني، الوقوع في ركود اقتصادي ناجم عن فرض رسوم جمركية قد تُقلِّص التجارة العالمية بنسبة 15%. الثالث، حدوث طفرة عالمية في تحول الطاقة، تتفوق فيها مصادر الطاقة المتجددة على الانبعاثات الكربونية بنسبة 40%.

تبرز قدرة دول مجلس التعاون على الصمود وتحقيق الازدهار. وتُشير التوقعات إلى نمو بنسبة 4.5% عام 2026م، مدعوماً بـ صناديق الثروة السيادية التي تجاوزت 3 تريليونات دولار. ولا تقتصر وظيفتها على كونها حاجزاً ضد التقلبات فحسب، بل أيضاً داعم أساسي لمشروعات الطاقة والبنية التحتية طويلة الأجل. كما أن ممرات الطاقة الناشئة بين الهند ودول المجلس تُعزز من دور المنطقة كجسر استراتيجي يربط بين المنتجين والمستهلكين، مما يساهم في ترسيخ الاستقرار في ظل الاقتصاد العالمي متعدد الأقطاب.

تؤكد مسيرة الطاقة على مدار العام الماضي حقيقة: أن التحلي بالمرونة والمهارة من الضرورات. فقد تحولت دول مجلس التعاون من منطقة لطالما اعتمدت على العائدات النفطية إلى مهندس للتحالفَات الاستراتيجية ومساعي التنويع الاقتصادي. وترجمت صدمات الأسواق والأزمات الجيوسياسية السابقة إلى سياسات متبصرة تركز على القدرة على الصمود أمام الصدمات، والاستثمارات الحكيمة، والنفوذ السياسي. وكلما ازداد نظام الطاقة العالمي تشرذمًا، كلما ترسخت مكانة دول الخليج كمرشد للطريق لغيرها من الاقتصادات الغنية بالموارد، وإظهار أن الريادة في مجال الطاقة في القرن 21 تقاس ليس فقط بعدد البراميل، بل بالبصيرة الاستراتيجية، والشراكات الدولية، والقدرة على الإبحار وسط نظام متعدد الأقطاب سريع التطور.

مقالات لنفس الكاتب