array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

مخاوف من تولي الصين تمويل الأمم المتحدة واقتناص المكانة الريادية التي شغلتها أمريكا

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

منذ أكثر من 75 عامًا، وفي أعقاب أحد أشد الصراعات دموية وفتكًا في تاريخ البشرية، اجتمعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى جانب عدد من دول العالم من أجل إنشاء منظمة الأمم المتحدة. حيث تم إسنادها مهمة منع وإحباط التهديدات المحدقة بالأمن والسلام الدوليين، والتشجيع على احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وتسهيل التعاون حول القضايا الدولية الاقتصادية، والاجتماعية، والإنسانية. ومنذ ذلك الحين، غدت الأمم المتحدة مكونًا جوهريًا في النظام الدولي الذي ساهمت الولايات المتحدة في إرسائه ورعايته عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبرغم التغييرات الجمة التي عاصرها العالم منذ عام 1945م، إلا أن دور الأمم المتحدة كآلية رئيسية للدبلوماسية مُتعددة الأطراف للحد من النزاعات، وحشد الموارد اللازمة، والإرادة السياسية لمُعالجة التحديات التي يستعصي على الدول التصدي لها بمفردها، لا يزال حيويًا كما كان دومًا.

    تعد الأمم المتحدة المنظمة الدولية الرئيسية المَنوط بها مناقشة قضايا السلم والأمن، ولكن عملها ينطوي على ما يفوق مهام حفظ السلام ومنع النزاعات. إذ يضم النظام الأممي عشرات الهيئات المتخصصة في معالجة مجالات شتى، أبرزها القطاعات الصحية، والإنسانية، والتنموية بشقيها الثقافي والاقتصادي. وبوصف الولايات المتحدة عضواً مؤسساً ودولة المقر، فقد حافظت على مكانتها كأكبر المانحين للمنظمة منذ نشأتها عام 1945م، في حين يتولى الكونجرس مسؤولية اعتماد المخصصات المالية اللازمة لهذا الدعم.

نفوذ واشنطن المالي

    لاتزال الولايات المتحدة محتفظة بمكانتها كممول رئيسي لمنظمة الأمم المتحدة حتى يومنا هذا، إذ بلغت مساهمتها في الميزانية العامة للمنظمة 22% خلال عام 2025م، لتغطية العمليات التشغيلية والأنشطة الأساسية، إضافة إلى تحملها 26% من ميزانية عمليات حفظ السلام. بيد أن واشنطن أقرت تقليصات حادة في حجم تمويلها ومستوى مشاركتها داخل المنظمة منذ مطلع الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، امتداداً للنهج الذي اتبعه في فترته الأولى. ويأتي هذا التراجع مدفوعاً بما وصفه ترامب بالعجز الأممي عن تسوية النزاعات الدولية، وتبني أجندات تُذكي الانقسامات السياسية، علاوة على ما يراه تفاوتاً غير عادل في نسب المساهمات المالية بين الدول الأكثر ثراءً.

       بموجب الميثاق الأممي، فإن كافة الدول الأعضاء، البالغ عددها 193 دولة، مطالبة بتمويل بعض الأجزاء التابعة للمنظمة كشرط للحفاظ على عضويتها. وقد تتفاوت نسب هذا التمويل الإلزامي سنويًا بشكل كبير بين الدول، ويُحدد وفقًا لمعايير تأخذ بعين الاعتبار إجمالي الدخل القومي، وأعباء الديون، والتعداد السكاني بخلاف عوامل أخرى. تساعد هذه المساهمات الإجبارية في تمويل الميزانية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، التي تُغطي التكاليف الإدارية والتشغيلية الأساسية، بما في ذلك الجمعية العامة، والأمانة العامة، والبعثات السياسية الخاصة. كما تمول أيضًا عمل الهيئات الأممية الخاصة مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة. يُسمح أيضًا للأعضاء بتقديم مُساهمات طوعية، والتي تمثل شريانًا ماليًا رئيسيًا للعديد من الهيئات الأممية؛ مثل صندوق الطفولة، ومكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الغذاء العالمي.

  وبحلول الذكرى الـ 80 لإنشاء الأمم المتحدة، أصبحت المنظمة تواجه تراجعًا غير مسبوق في مستوى الدعم السياسي والمالي من قبل العضو المؤسس لها والمُضيف لمقرَاتها الرئيسية، الولايات المتحدة. ففي 23 من سبتمبر، وجه الرئيس ترامب تساؤلاً في خطابه أمام الجمعية العامة:" ما الغرض من إنشاء الأمم المتحدة. فرغم إمكاناتها الهائلة، يبدو أن كل ما تستطيع القيام به لا يعدو إصدار بيانات شجب وإدانة لا ترقى لمستوى الحدث.. بل مجرد كلمات فارغة لا تُنهي حروبا".

إدارة ترامب والأمم المتحدة

    منذ عودته للبيت الأبيض في يناير 2025م، بدأ ترامب سلسلة تخفيضات جذرية على مستوى التمويلات والعضوية الأمريكية داخل العديد من الهيئات الأممية. وفي اليوم الأول من توليه السلطة، أصدر الرئيس الجمهوري مرسومًا رئاسيًا بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية، مُتذرعاً بمواصلة المنظمة مطالبة واشنطن بمدفوعات باهظة غير عادلة. كذلك قضى القرار بتجميد كافة التدفقات المالية المخصصة للمنظمة، في وقتٍ لا تزال فيه الولايات المتحدة تتبوأ صدارة المانحين للمنظمة بصفتها أكبر مساهم منفرد في ميزانيتها. إلى جانب ذلك تم استدعاء كافة مسؤولي الحكومة الأمريكية الذين يعملون مع منظمة الصحة العالمية. وفي فبراير 2025م، كان مجلس حقوق الإنسان الكيان التالي الذي يتم استبعاده من جدول الأعمال الأمريكي. فقد أنهت إدارة ترامب رسميًا مشاركتها داخل المجلس، مشيرة إلى وجود شكاوى، بما في ذلك الادعاء بالتحيز ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وحماية المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، إلى جانب إظهار عدم الكفاءة بشكل عام. كذلك أوقفت إدارة ترامب بشكل دائم تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، التي تعتبر أكبر مزود لخدمات الرعاية الصحية داخل قطاع غزة. وفي يوليو من العام ذاته، أعلنت الإدارة الأمريكية الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتعليم، والعلوم، والثقافة " اليونسكو"، مُتهمة إياها بالترويج إلى قضايا مثيرة للانقسامات.

      بالإضافة إلى الانسحابات المستهدفة، خفضًت إدارة ترامب مستوى المشاركة الأمريكية في المبادرات الأممية. في يناير 2025م، أعلنت انسحابها للمرة الثانية من اتفاقية باريس للمناخ، التي تعتبر صفقة تاريخية في جهود الحد عالميا من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. كما أنهت العشرات من المنح المُوجهة لصندوق الأمم المتحدة للسكان بقيمة إجمالية تقارب 380 مليون دولار، والتي كانت تقدم الرعاية الصحية والدعم في حالات الطوارئ الإنسانية.

    إدارة ترامب ليست الأولى في التشكيك في جدوى المساهمة الأمريكية في تمويل منظمة الأمم المتحدة. فقد سعى رؤساء أمريكيون سابقون ومُشرعون بالكونجرس إلى خفض المدفوعات المخصصة للمنظمة الدولية. وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي، قاد السيناتور الأمريكي جيسي هيلمز جهودًا لإجبار المنظمة على إجراء إصلاحات وسحب التبرعات الأمريكية. كادت الولايات المتحدة أن تخسر تصويتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة بسبب تراكم ملايين الدولارات من المساهمات غير المدفوعة. وانتهى الأمر بتسوية بين الكونجرس والأمم المتحدة في عام 2001م. وبموجب الاتفاق، الذي قاده هيلمز وجو بايدن، الذي كان حينها نائبًا بالحزب الديمقراطي، خُفضت حصة الولايات المتحدة من الميزانية الإدارية للأمم المتحدة من 25% إلى 22%.

الآفاق المستقبلية

   بحلول أواخر عام 2025م، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة تعتزم تقليص مساهمتها المالية المرسلة إلى الأمم المتحدة، مٌشيرة إلى أن الأمر متروك للهيئات والوكالات التابعة للمنظمة، فإما أن "تتكيف، أو تتقلص، أو تندثر نهائياً". ومن ذلك الحين، أكدت إدارة ترامب أن المشاركة الأمريكية المستمرة داخل الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية ستركز على تدعيم المصالح الأمريكية بوضوح وقناعة راسخة. وعليه فقد تراجع التمويل الأمريكي تراجعاً حاداً ليصل إلى ملياري دولار فقط خلال عام 2026م، مقارنة بـ 3.8 مليار دولار في عام 2025م، وبفارق كبير عن مساهمة إدارة الرئيس السابق جون بايدن التي بلغت 17 مليار دولار خلال عام 2022م. وتعتزم إدارة ترامب إنهاء مُساهماتها لدعم أنشطة حفظ السلام الدولية خلال عام 2026م. وتاريخياً، شكلت الحصة الأمريكية نحو 25% من إجمالي ميزانية حفظ السلام البالغة 5.6 مليار دولار؛ وهو ما يعني أن غياب هذا التمويل سيؤدي إلى فجوة مالية تقدر بقيمة 1.4 مليار دولار.

   على امتداد عقود طويلة، أثار بعض صناع السياسة نقاشات حول التمويل الأمريكي للأمم المتحدة. وقد أعرب البعض عن مخاوفه إزاء التفاوت بين نسبة المساهمة الأمريكية التي تعد الأعلى بين الدول الأخرى، وبين التأثير الضئيل الذي تحظى به واشنطن في عملية وضع الميزانية. فيما أكد آخرون أن هذه الإسهامات إنما تعكس التزامًا أمريكيًا راسخًا حيال المنظمة الأممية، وتؤكد على الزعامة الأمريكية العالمية، وتشجع الدول الأخرى لتقديم مُساهماتها. ويرى خبراء أن خفض المساعدات الأمريكية يُقوض نفوذ واشنطن الاستراتيجي داخل النظام الأممي ويخلف تبعات جيوسياسية. تراجع التمويل الأمريكي سيحد أيضًا من قدرة الولايات المتحدة على تشكيل نظام الأمم المتحدة، والاحتفاظ بزعامتها للهيئات الأممية، واستخدام الأدوات التي توفرها المنظمة، لاسيما فيما يتعلق بقضايا صنع السلام.

   ربما ينظر الكونغرس في التداعيات المترتبة على جعل التمويل الأمريكي للهيئات والمنظمات الأممية مشروطًا أو سحبه نهائيًا. على سبيل المثال، يزعم البعض أن مثل هذه القرارات قد يتيح الفرصة لدول أخرى، وبالأخص الصين، لتولي دور تمويل نظام الأمم المتحدة واقتناص المكانة الريادية التي لطالما شغلها الغريم الأمريكي. كذلك من الممكن أن يؤثر وقف التمويل الأمريكي على العمليات التي تديرها الأمم المتحدة بما في ذلك (المدفوعات المخصصة لقوات حفظ السلام) ويلقي بظلال سلبية على الاستقرار المالي الأوسع لمنظومة الأمم المتحدة. على النقيض، يقترح البعض الآخر ضرورة أن تغتنم الولايات المتحدة مكانتها كمساهم مالي رئيسي للدفع صوب إصلاحات محددة تُحسن أداء المنظمة، ومواصلة تمويل بعض من الكيانات والأنشطة الأممية التي تمثل أولوية للمصالح الأمريكية، مقابل إمكانية وقف التمويل عن تلك التي قد تتعارض مع المصالح الأمريكية.

     في المقابل، سلط خصوم الولايات المتحدة الضوء على عدم موثوقية الأمريكيين وتخلي الغرب عن التزاماته. فقد برزت الصين كإحدى الدول التي عززت التزاماتها المالية تجاه الأمم المتحدة. حيث قارب إجمالي مساهمتها خلال عام 2025م، نحو 20 % من الميزانية العامة للأمم المتحدة، بما يمثل طفرة كبيرة عن 0.77 % التي قدمتها في عام 1994م، كما وفرت ما يناهز 23 % من ميزانية حفظ السلام، لتصبح ثاني أكبر ممول عالمي بعد الولايات المتحدة، يتبعها كل من اليابان وألمانيا على التوالي.

    حتى بعد خفض دعمها المالي، من المتوقع أن تحتفظ الولايات المتحدة بمكانتها في عام 2026م، كأكبر مانح عالمي للأمم المتحدة، بما يبطل حجة الدول الأخرى للتذمر من التخفيضات الأمريكية. وقد وجه الأمين العام للأمم المتحدة الوكالات العاملة تحت مظلته بوضع خطط من أجل تقليص العمالة لديها بنسبة 20%. وحذر من أن المنظمة في طريقها نحو "الإفلاس". ورغم الانتقادات الأمريكية الشديدة للمنظمة، إلا أن واشنطن تواصل حتى الآن المشاركة بفعالية في مجلس الأمن التابع للمنظمة، والجمعية العامة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والعديد من الهيئات الفنية والتعليمية، والمجلس التنفيذي لصناديق وبرامج التمويل.

    منذ نشأتها عام 1945م، لم تكن منظمة الأمم المتحدة بمنأى عن الانتقادات اللاذعة من قِبل الولايات المتحدة ودولٍ عدة، إذ بات من الجليّ حاجة المنظمة إلى إصلاحات جذرية، لا سيما في آليات فض النزاعات. وهو ما تجسد في عجزها عن وقف فتيل الحروب في قطاع غزة ولبنان وأوكرانيا وغيرها من بؤر التوتر. ورغم تلك الإخفاقات السياسية، تضطلع المنظمة بدورٍ محوري في النهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لمئات الملايين حول العالم. ومع التسليم بضرورة التطوير المستمر، تظل الأمم المتحدة كياناً وُجد ليبقى، مما يحتم على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مواصلة توفير الدعم المالي والسياسي اللازم لاستدامة رسالتها.

مقالات لنفس الكاتب