array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 219

مستقبل الأمن الإفريقي مرهون بتحويل شعارات التضامن إلى ممارسات تحقق الاستقرار والتنمية

السبت، 28 شباط/فبراير 2026

  يعالج هذا البحث إحدى القضايا المتعلقة بالتحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة القرن الإفريقي، في ضوء الاعتراف الإسرائيلي المنفرد بما يُسمّى دولة أرض الصومال، وتكتسب هذه الخطوة أبعادًا استراتيجية عميقة لما تحمله من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على منظومة السلم والأمن الإفريقية، وعلى الأمنين العربي والخليجي، بالنظر إلى الموقع الجغرافي الحيوي للمنطقة المشرفة على البحر الأحمر وخليج عدن، وسنقوم بمعالجة النقاط التالية:

  • قراءة وصفية وتحليلية لمنطقة القرن الإفريقي وأهميتها الاستراتيجية.
  • تأثير الأوضاع في القرن الإفريقي على دول الإقليم.
  • تطوير استراتيجية أمنية متكاملة للأمن الإقليمي الإفريقي.

أولًا: قراءة تحليلية لمنطقة القرن الإفريقي وأهميتها:

  منطقة القرن الإفريقي من أكثر المناطق توترًا في العالم، ويمكن توصيف البيئة الأمنية في المنطقة كالتالي:

  • الصراعات المسلحة: تعيش بعض الدول في المنطقة وضعًا لا أمنيًا خطيرًا، على غرار ما يحدث في الصومال، كما تشهد إثيوبيا توترات داخلية في أقاليم أمهرا وأوروميا بعد حرب تيغراي إضافة لنزاعات عرقية.
  • الصراع على البحر الأحمر: تعتبر المنطقة موقعًا استراتيجيًا عالميًا بحكم قربها من باب المندب لهذا تعرف تنافس قوى دولية كأمريكا، الصين، تركيا وروسيا، بحكم القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي وأرتيريا.
  • سد النهضة: تشهد المنطقة خلافًا حول مياه النيل بين دول المنبع ودول المصب، إضافة إلى أزمات الجفاف والمجاعات وضعف الخدمات، وهي ساحة للتنافس الدولي وأي هشاشة أمنية بها تتحول إلى أزمة دولية، كما أن البحر الأحمر لم يعد فضاءً إقليميًا فقط، بل أصبح ساحة تنافس دولي.

      بالرجوع لإقليم أرض الصومال فهو يحتل موقعًا استراتيجيًا في البحر الأحمر على خليج عدن، حيث يبلغ طول ساحله 460 ميلًا، كما يقع على مدخل مضيق باب المندب الذي يتحكم في 12 % من حجم التجارة الدولية ما قيمته 790 مليار دولار، و40 %من التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، ويعد ميناء بربرة الواقع في العاصمة هرجيسا عصب الاقتصاد باعتباره أكبر الموانئ على خليج عدن.

   إن الدارس لقرار إسرائيل بالاعتراف المنفرد بما يعرف بأرض الصومال يستشف طبيعة المشروع الصهيوني التوسعي والذي يعتقد بأن حدود إسرائيل تمتد ما بين النيل والفرات، كما أن ّهذا المشروع يؤكد بأن إسرائيل ماضية في تنفيذ واحدة من أخطر وثائقها وهي وثيقة كيفونيم التي توثق رؤيتها لتقسيم دول المنطقة.

  

   لقد مكّن التواجد الكبير لجاليات إقليم أرض الصومال في الخارج وبخاصة في أمريكيا، إسرائيل من العمل لأجل نيل الاعتراف، حيث كان ضمن مشروع 2025 م، الذي أعدّته نخبة من الجمهوريين المقربين من ترامب إبّان حملته الانتخابية، وعلى الرغم من إنكاره في ذلك الوقت إلا أن التجربة تثبت كثيرًا ما ورد فيه كونه من تحركات ترامب واهتماماته.

    وتحولت هذه الرؤية إلى مشروع قرار قدمه للكونغرس النائب سكوت بيري يدعو فيه للاعتراف بإقليم أرض الصومال، متحججا بضمان استقرار الإقليم وأهميته الاستراتيجية الأمنية والتزامه بالديمقراطية، وفي هذا الإطار كتب الصحفي الإسرائيلي نادان فيلدمان مقالًا في صحيفة " هآرتس" يقارن فيه بين إسرائيل ودولة أرض الصومال جاء فيه : " كلتاهما ديمقراطيتان صغيرتان ضعيفتان تقعان في مناطق تعج بالأنظمة الاستبدادية والحروب القاتلة، كما تعاني كل منهما من مشاكل السيادة في مواجهة المجتمع الدولي، وكل منهما لديها أعداء يسعون إلى تدميرها.  

 يمكن تحليل دوافع إسرائيل المحتملة للاعتراف كالتالي:

  • الأهداف الاستراتيجية والجيوسياسية
  • موقع أرض الصومال قرب مضيق باب المندب والبحر الأحمر وهو ممر حيوي للتجارة والنفط.
  • خلق موطئ قدم عسكري أو مراقبة بحرية في منطقة قريبة من خليج عدن.
  • توسيع النفوذ الدبلوماسي: تبحث إسرائيل عن حلفاء جدد في إفريقيا لتعزيز علاقاتها القارية بعد اتفاقيات التطبيع إبراهام الأخيرة.
  • تحقيق مصالح اقتصادية: من خلال الاستثمار في الموانئ، البنية التحتية، والطاقة البحرية.
  • الالتفاف على الاتحاد الإفريقي الذي يتمسك بمبدأ حل النزاعات داخلياً واحترام الحدود.
  • الاستفادة من دعم الإدارة الأمريكية الحالية، واستغلال الانقسام العربي الذي بلغ مرحلة تمكنها من اتخاذ أصعب القرارات دون أن تخشى ردود الفعل.
  • تكمن النوايا الإسرائيلية كذلك من واقع ما أفرزته تجربة حرب 7 أكتوبر من حقائق مؤلمة، حيث شكلت صواريخ الحوثيين مصدر قلق كبير لإسرائيل، وبالتالي تسعى حكومة نتنياهو لتغيير المعادلة في المنطقة عبر تغيير النظام في إيران وتطويق الحدود العربية بالمخاطر الأمنية.
  • تطوير بنية استخباراتية تمكنها من مراقبة الممرات المائية في المنطقة والتحكم فيها، خاصة إذا اكتمل بناء القاعدة العسكرية التي سبق وتحدثت عنها صحيفة معاريف، وصرحت أنها ستبنى بدعم من أطراف إقليمية.

أمام هذا الوضع لا بد من إدراك أن الاعتراف ليس رمزيا فقط وإنما من الناحية العملية يتبعه تعاون أمني، وجود استخباراتي، دعم تقني ولوجستي واحتمال استخدام موانئ ومرافق حيوية، وهكذا تصبح إسرائيل فاعلًا مباشرًا على الضفة المقابلة للجزيرة العربية.

ثانيًا: تأثير الأوضاع في القرن الإفريقي على دول الإقليم

من خلال هذا المحور نحاول الإشارة إلى جملة من المشاكل تشهدها منطقة القرن الإفريقي ولها علاقة مباشرة بموضوع الدراسة وخاصة جملة التحديات الحقيقية للأمن الإفريقي وما يميزها، يمكن رصد المشاكل التالية:

  • الاعتماد على التمويل الخارجي (كالعمليات في الصومال التي تمول جزئيًا من الاتحاد الأوروبي).
  • بطء التدخل العسكري الإفريقي.
  • التدخلات الدولية (القواعد العسكرية الأجنبية تقلل من استقلال القرار الإفريقي)
  • ضعف الدولة الوطنية (حيث انهيار مؤسسات بعض الدول يجعل الأمن الإقليمي هشًا).

يمكن رصد التدخل الإثيوبي في الصومال بصيغ عدة تستخدم لتفادي الاعتراف الرسمي بإقليم أرض الصومال ولكنها تمنح نفوذا فعليا عبر أدوات سياسية، اقتصادية وأمنية رغم أن المجتمع الدولي يعترف بالصومال دولة موحدة وهذا من خلال:

  • الاتفاقيات المباشرة مع سلطات هرجيسيا، حيث تتعامل مع إدارة أرض الصومال كسلطة أمر واقع عبر مذكرات تفاهم، اتفاقيات اقتصادية وتفاوض حول موانئ وقواعد لوجيستية.
  • البحث عن منفذ بحري لإثيوبيا الدولة الحبيسة.
  • النفوذ الاقتصادي بدل الاعتراف السياسي عبر الاستثمار والتجارة البينية والطرق البرية.
  • تفعيل البعد الأمني حيث تنظر إثيوبيا للمنطقة كحاجز أمني ضد تمدد حركة الشباب والفوضى في جنوب الصومال وبالتالي وجود علاقات قوية مع أرض الصومال يعطيها عمقًا أمنيًا وقدرة على مراقبة الحدود.
  • استغلال غموض الوضع القانوني، حيث إنه بالرغم من امتلاك أرض الصومال لمؤسسات إلا أنه غير معترف بها، وهي تستغل هذا الفراغ القانوني الذي يسمح للدول التعامل معها دون المرور بالعاصمة مقديشو، الشيء الذي ترفضه الصومال حيث ترى بأن هناك انتهاك لسيادتها، وتهديدًا لوحدتها، كما ترى بأنها خطوة تشجع على الانفصال، وتعتبر أي اتفاق دون موافقتها باطلًا قانونيًا.

  في الخلاصة إذا ما قلنا كيف تحاول إثيوبيا إيجاد نفوذ في إقليم أرض الصومال سنقول بأنها لا تتحرك عبر الاعتراف الرسمي بل عبر سياسة النفوذ الواقعي بالتركيز على الاقتصاد والموانئ ومطالب تحقيق الأمن في شكل اتفاقيات مباشرة.

إن ما تغفله إثيوبيا وهي تندفع للوصول إلى المنافذ البحرية هو أن شأنها هو شأن السودان وكينيا ودول أخرى تعاني من انقسامات داخلية ويمكن أن تشجع هذه الخطوة أطرافًا داخلية عندها للمطالبة بالانفصال أو تقرير المصير.

   ليس هذا فحسب بل سيؤسس هذا الاعتراف لسابقة خطيرة في هذه المنطقة التي تعرف جملة من الصراعات الإثنية وطبيعة الدول الهشة في بنيانها الاجتماعي وتماسكها الوطني كالسودان، اليمن، كينيا إلى جانب إثيوبيا.

بالحديث عن التأثير على أمن المملكة العربية السعودية فيمكن حصر النقاط التالية:

  • عسكرة الضفة المقابلة: من المحتمل أن وجود النفوذ الإسرائيلي من خلال الاعتراف المنفرد قرب باب المندب قد يؤدي إلى:
  • زيادة النشاط العسكري والاستخباراتي.
  • حساسية أمنية عالية للمملكة العربية السعودية.
  • يمكن استخدام المنطقة في صراعات غير مباشرة.
  • تهديد غير مباشر لخطوط الطاقة: أي توتر سياسي أو صراع في المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع المخاطر البحرية، زيادة تكاليف التأمين والشحن وتهديد سلاسل الإمداد.
  • تدويل البحر الأحمر: الاعتراف المنفرد قد يفتح الباب لسباق القواعد العسكرية، دخول قوى جديدة وتراجع قدرة الدول الإقليمية على التحكم بأمن محيطها.

نخلص إلى أن المنطقة ونظرًا لحساسيتها فإن القضايا التي تشغلها نابعة من الفراغ القانوني للإقليم وكذا الأهمية الاستراتيجية للمنطقة إضافة إلى التنافس الدولي على النفوذ البحري والإقليمي، ويظهر كيف أن تدخل دولة خارج القارة قد يخلق أزمات متشابكة بين القانون الدولي، الأمن القاري والسياسية الإقليمية، ما يلزم ضرورة إيجاد استراتيجية شاملة ومتكاملة لتحقيق الأمن الإقليمي الإفريقي وهذا ما سنتناوله من خلال المحور التالي.

ثالثًا: تطوير استراتيجية أمنية متكاملة للأمن الإقليمي الإفريقي

  السؤال الجوهري الذي يطرح هنا هو لماذا استقرار القرن الإفريقي مهم للأمن الإفريقي وما هي الاستراتيجية المنوطة بتحقيق ذلك؟

إن استقرار الأمن الإفريقي من شأنه أن يحقق ما يلي:

  • يحمي طرق التجارة في البحر الأحمر، ويقلل الهجرة غير النظامية، ويحد من حركة الإرهاب نحو وسط وغرب إفريقيا، ويمنع تدويل الصراعات الإفريقية.

   هذا من شأنه كشف مكمن الضعف وعدم الوصول للأمن الإفريقي حيث يقدم مجموعة من الدروس منها:

  • الأمن العسكري وحده لا يكفي إذا ما لم يقترن بالأمن الاقتصادي وبالتالي ضرورة تطوير تنمية اقتصادية بدل المقاربة العسكرية فقط.
  • الاتحاد الإفريقي يحتاج إلى استقلال مالي عبر آليات تمويل ذاتي حتى تكون قراراته ملزمة، والعمل على تعزيز دوره من خلال الوساطات الإفريقية والدولية.
  • تطوير استراتيجية أمنية متكاملة للأمن الإقليمي الإفريقي قوامها تحديث استراتيجية وطنية موحدة للدفاع الشرعي الديمقراطي وتوفير الأمن NSS وهي التي تبين كيف تحدد الدولة مفهوم الأمن والسلامة وكيف تنوي تحقيق ذلك.
  • تطوير القدرات العسكرية، دعم الحكم الرشيد، تحسين التنسيق الإقليمي.

   في كل الحالات ومهما كانت السياسات المنتهجة لتحقيق الأمن في المنطقة فإنه لا يمكن إنكار دخول إثيوبيا كلاعب مؤثر والذي سيزيد من التوتر الحادث بينها وبين مصر فيما يتعلق بملف مياه النيل ومحاولة الوصول إلى الهيمنة المائية، مستعملة أسس القوة الذكية (الصلبة والناعمة) وربطها للموضوع بالتنمية وتوفير الطاقة الكهربائية النظيفة والرخيصة التي تحتاج إليها دول حوض النيل وتقديمها فكرة الاقتصاد الأخضر صديق البيئة.

  • أمن القرن الإفريقي مرتبط مباشرة بالأمن الدولي حيث أن أي تغيير سياسي في القرن الإفريقي ينعكس مباشرة على أمن الخليج والملاحة البحرية، حيث لا نغفل بأن دولة جيبوتي من أكثر الدول في العالم استضافة للقواعد العسكرية بسبب موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب.(أكبر قاعدة أمريكية دائمة في إفريقيا- قاعدة كامب ليمونييه ، كما تمثل فرنسا أكبر وجود عسكري أوروبي في إفريقيا والصين بقاعدتها اللوجستية لدعم مهام حفظ السلام وتركيا التي تحتفظ بقواعد عسكرية وعلاقات متينة مع الصومال الأم- أكبر قاعدة تدريب عسكري لتركيا خارج البلاد في مقديشو.

    هذا الوضع من شأنه خلق أجواء مواتية لتحالفات قوية يمكن بروزها في المدى القريب لمواجهة هذا التهديد في ظل بروز تفاهمات إقليمية أطرافها تركيا، المملكة العربية السعودية ومصر في ملفات مهمة كملف غزة، السودان واليمن.

 في حالة قيام هذا التحالف وتوسيعه فقد تنقلب المعادلة في أكثر من دولة مثل السودان، اليمن وليبيا، خاصة وأن هناك أكثر من عشرين دولة عربية وإسلامية أصدرت بيانًا ترفض فيه الخطوة الإسرائيلية.

إذن صاحبة التأثير في هذه الأزمة هي الدول العربية وهي مدعوة لبذل جهد كبير لمد الجسور مع الصومال الأم ومساعدته.         

   الخاتمة:

    رغم التقدم المؤسسي الذي حققته إفريقيا في بناء منظومة أمن جماعي، إلا أن هذه المنظومة ما تزال في طور التأسيس والتطوير، فالتحديات متعددة الأبعاد وتتطلب مقاربة شاملة تقوم على الإرادة السياسية، الاستقلال المالي، وبناء القدرات الذاتية وعليه فإن مستقبل الأمن الإفريقي مرهون بقدرة الدول الإفريقية على تحويل شعارات التضامن إلى ممارسات فعلية، بما يحقق الاستقرار ويهيئ بيئة ملائمة للتنمية، ويُعد الاعتراف المنفرد سابقة قد تعيد فتح ملف إعادة رسم الحدود في إفريقيا، وهو من أخطر السيناريوهات على الأمن الإفريقي والأمن الدولي بصفة عامة، لهذا وجب إعادة النظر في مقاربة الأمن الجماعي من خلال منظومة السلم والأمن الإفريقية، التي تهدف إلى الوقاية من النزاعات، إدارتها، وتسوية الأزمات وبناء السلام، دون إهمال تفعيل دور الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء والشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا مع تخصيص حصص أكبر للتنمية في الدول الهشة والتي تعرف توترات من شأنها أن تمس القارة ككل والأمن الدولي نظرًا لتداخل العوامل التي تم دراستها وتحليلها.

مجلة آراء حول الخليج