باتت الأزمات المتلاحقة في منطقتي الشرق الأوسط والقرن الإفريقي تضع استراتيجية الهند القائمة على الحياد الدبلوماسي والنأي بالنفس قيد الاختبار، وهو ما أثار تساؤلات ملحة حول نوايا نيودلهي ومدى قدرتها على الاضطلاع بدور فاعل في تسوية النزاعات. ويأتي ذلك في ظل قناعة متزايدة بأن الهند – ومعها العديد من دول عدم الانحياز – قد آثرت تغليب مصالحها الذاتية على حساب دورها التقليدي في تعزيز الاستقرار العالمي.
في الواقع، تنعدم الرغبة لدى الدولة الهندية، باعتبارها دولة ناشئة تشق طريقها نحو مصاف القوى العالمية، في التورط داخل أي من النزاعات المشتعلة، شأنها في ذلك شأن العديد من القوى الوسطية الأخرى. وتحت وطأة الأهمية البالغة للديناميات الاقتصادية في صياغة مستقبل البلاد، بات الشاغل الدبلوماسي الأسمى لنيودلهي يتركز حول صون مصالحها القومية؛ إذ غدت الروابط التجارية، وإمدادات الطاقة، وشؤون الجاليات الهندية في المنطقة، هي المحددات الجوهرية التي تُرسم بُناءً عليها ملامح سياسة الحياد الدبلوماسي المتعمد.
تدرك الدولة الهندية بعمق موازين قوتها ومكامن ضعفها، لاسيما الأخيرة؛ إذ تعي تماماً افتقارها للتفويض اللازم للاضطلاع بدورٍ فاعل في إدارة النزاعات أو تسويتها. وينبع عزوف نيودلهي عن اتخاذ مواقف استباقية في فض الأزمات الدولية من قناعة راسخة بأن تقمص دور الوسيط -باعتبارها قوةً خرجت من رحم الاستعمار- لن يثمر ديبلوماسياً، بل قد يفضي إلى نتائج عكسية. وبقدر رفضها الحازم لأي وساطة خارجية في قضاياها العالقة، كنقاط التماس الحدودية مع باكستان والصين، يشتدُّ نفورها من الانغماس في صراعات الآخرين أو محاولة تسويتها.
ويتجلى من خلال المثالين التاليين وآثارهما المتباينة ما بين سلبي وإيجابي الدافع وراء اتباع الهند سياسة عدم التدخل في أي من النزاعات العالمية بما في ذلك أزمات الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأحمر:
المثال الأول يخص الأزمة في سريلانكا، حيث تكبدت قوات حفظ السلام الهندية، التي تم نشرها عام 1987م، بموجب الاتفاقية الهندية -السريلانكية، خسائر بشرية تقدر بنحو 1100 شخص وفشلت في نزع السلاح عن حركة نمور تحرير إيلام. ورغم انسحابها الكامل عام 1990م، إلا أن عملياتها العسكرية داخل سريلانكا دفعت الحركة إلى استهداف رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي واغتياله.
أما الثاني يتعلق بموقفها من غزو العراق، مع امتناع نيودلهي عن الانضمام إلى التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة للإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003م. ورفضها فيما بعد إرسال قوات حفظ سلام دون تفويض أممي رغم تحذيرات الخبراء حينها من أن عدم انضمامها للحملة الأمريكية سيُكبدها خسائر لا تحمد عقباها. من بينها قيام الحكومة العراقية الجديدة بقطع إمدادات النفط وبالتالي الإضرار بأمن الطاقة الهندي. على النقيض من تلك التنبؤات المشؤومة، ظل النظام العراقي ما بعد صدام حسين محتفظًا بمكانته كأحد أكبر موردي النفط الخام إلى الهند.
اجتماع وزراء الخارجية
على الرغم من هذه الأسباب، استهلت الهند عام 2026 م، بالانخراط في حوار أمني وسياسي مع القوى المهيمنة في العالم العربي. حيث استضافت نيودلهي رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في شهر يناير. أعقب ذلك عقد اجتماع بالرياض جمع بين مسؤولين من الحكومة الهندية والمملكة العربية السعودية للتباحث بشأن القضايا الأمنية. كما شهد اجتماع وزراء الخارجية العرب والهند الذي استضافته نيودلهي في أواخر يناير أيضًا حضور وزراء ومبعوثين من كل من ليبيا، وسلطنة عمان، وفلسطين، والجامعة العربية، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، والبحرين، وجيبوتي، ومصر، والعراق، والأردن، والكويت، وموريتانيا، والمغرب، وسوريا، وتونس، واليمن.
وأكد وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشَانكار - في كلمته خلال الاجتماع الذي جاء قبيل زيارته المقررة لتل أبيب في فبراير- بأن تبعات النزاعات المتعددة في العالم العربي امتدادًا من ليبيا والسودان إلى لبنان وقطاع غزة " تطال الجميع بما في ذلك الهند باعتبارها منطقة مجاورة ".. داعيًا إلى" تدعيم قوى الاستقرار، والسلام، والازدهار".
كما سلط الوزير الهندي الضوء على مشاركة بلاده في مسعى إعادة السلام إلى قطاع غزة خلال مؤتمر السلام الذي استضافته مدينة شرم الشيخ في أكتوبر 2025م، فيما أشار إلى التهديد الذي تمثله جماعة الحوثي في اليمن على ممرات الشحن الدولي باعتباره أحد التبعات الإضافية للصراع المشتعل داخل البلاد.
يشار إلى أن الحضور الهندي في اليمن شهد تحسنًا ملحوظًا مع افتتاح مكتب تمثيلي للبعثة الهندية الدبلوماسية بمدينة عدن أواخر شهر أكتوبر، والذي من المتوقع أن يكون امتدادًا لمكتب الشؤون القنصلية والتنسيقية التابعة للسفارة الهندية بالمملكة العربية السعودية.
شهد الاجتماع أيضًا التباحث بشأن الأزمة في لبنان، حيث أكد جايشَانكار التزام بلاده بالمشاركة ضمن بعثة قوات حفظ السلام الأممية في لبنان" يونيفيل". وأما عن الشأن الليبي، فقد أوضح أن الجميع لديه مصلحة ومهتم بدفع عملية الحوار الوطني الليبي. وشدد أيضًا على أن سوريا دولة محورية لرفاه المنطقة ككل.
سيادة الصومال
أصدرت الحكومة الهندية في شهر يناير بيانًا رسميًا يدعم سيادة الصومال وسلامة أراضيه عقب الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال "صوماليلاند" الانفصالي أواخر 2025م. يعكس الموقف الهندي بشأن صوماليلاند مصالح استراتيجية أوسع نطاقًا داخل منطقتي القرن الإفريقي والمحيط الهندي. ووفقًا للمفوضية العليا للهند في نيروبي، التي تعد البعثة الدبلوماسية الهندية داخل الصومال، فقد دأبت الهند على مدِّ يد العون للصومال طيلة سنوات؛ عبر رفده بالمساعدات الإنسانية والإنمائية، فضلاً عن إطلاق برامج حيوية تستهدف بناء القدرات الوطنية.
وشهدت العلاقات الثنائية بين البلدين تعاونًا في قضايا الأمن البحري، لاسيما فيما يتعلق بأنشطة القرصنة داخل المياه قبالة السواحل الصومالية، والتي تؤثر بشكل مباشر على مسارات الشحن التجاري الهندية. كذلك شاركت الهند في تدريب قوات الأمن الصومالية ووسعت خطوط الائتمان لتطوير المشروعات التنموية.
مع ذلك، فإن الدعم الهندي الواضح والصريح لسيَادة الصومال يتعارض مع علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل. مما اضطر نيودلهي إلى دحض الشائعات المتواترة عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن إجراء رئيس الوزراء الهندي مودي محادثات مع قيادة أرض الصومال واستعداده للاعتراف بالمنطقة الانفصالية.
كذلك يتعارض الموقف الهندي إزاء الاعتراف بأرض الصومال مع نهجها الحذر فيما يخص أزمة جزر "غرينلَاند" وتدخل واشنطن العسكري في فنزويلا. حيث اكتفت نيودلهي حينها بوصف تلك المستجدات بأنها "مبعث قلق بالغ " داعية كافة الأطراف المعنية بمعالجة القضايا سلميًا عن طريق الحوار، وضمان السلام والاستقرار داخل المنطقة. وبالنظر إلى الشراكة الاستراتيجية الوطيدة الممتدة عبر أعوام طويلة بين واشنطن ونيودلهي، بالإضافة إلى النزاعات التي نشبت بين الجانبين حول التجارة والرسوم الجمركية العام الماضي، فقد صيغ البيان بحرص وعناية شديدين مع تجنب ذكر واشنطن أو إدانة الهجمات العسكرية. كذلك لم يشر إلى السيادة، أو سلامة الأراضي، أو القانون الدولي، أو الميثاق الأممي.
الأمن المائي
يُمثل الأمن المائي ركيزةً وجودية للدولة الهندية التي تربطها وشائج تاريخية ومستدامة بمنطقة البحر الأحمر، حيث يظلُّ مصيرها رهيناً باستقرار الأوضاع السياسية والملاحة البحرية في المحيط الهندي. وفي هذا السياق، طرحت الحكومة الهندية عام 2015 م، رؤيتها البحرية الأولى ضمن مبادرة (ساغار) -أي البحر- التي رفعت شعار "النمو والتقدم لكافة دول المحيط"، مما عزز مكانة نيودلهي كقوة تنسيقية محورية بين دول المنطقة. ومع حلول عام 2025، أعلنت الهند عن رؤيةٍ أكثر طموحاً واتساعاً تحت مسمى (ماهاساغار) -أو المحيط الكبير- التي تهدف إلى ترسيخ 'التقدم المتبادل والشامل في سبيل الأمن والنمو عبر الأقاليم.
تضع هذه المبادئ الدولة الهندية في مكانة داعم رئيسي للأمن البحري عبر مساحة مائية شاسعة. فضلًا عن الأهمية التي تتبوأها بالنسبة لحركة التجارة الدولية التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على البيئة الأمنية التي تُساهم نيودلهي وشركاؤها في تشكيلها. وبينما التزمت الهند الحياد الدبلوماسي وعدم إلقاء اللوم على أي طرف في كافة الأزمات المندلعة، اختلف نهجها في معالجة أزمة عدم الاستقرار التي عصفت بمنطقة البحر الأحمر. حيث اضطلعت القوات البحرية الهندية بدور مؤثر في حماية مصالحها القومية في المقام الأول، ودعم حرية الملاحة التجارية العالمية خلال عامي 2023 و2024م.
اللغز الإيراني
تتشابك المصالح الهندية بعمق مع الجانب الإيراني؛ حيث ضخت نيودلهي استثمارات قُدرت بنحو 500 مليون دولار لتطوير مشروع ميناء "تشابهار"، الذي يمثل بوابتها الاستراتيجية للنفاذ إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، وصولاً إلى روسيا وأوروبا، متجاوزةً بذلك ضرورة المرور بالأراضي الباكستانية. وعلى الرغم من بناء نيودلهي علاقات ثنائية وثيقة مع طهران قائمة على ركيزتي التجارة والاستثمار، إلا أن صفو هذه الروابط لم يسلم من الكدر جراء التوترات المستمرة بين طهران من جهة، وواشنطن وإسرائيل من جهة أخرى. ففي أعقاب الانسحاب الأمريكي من "خطة العمل الشاملة المشتركة" (الاتفاق النووي) عام 2028م، وجدت نيودلهي نفسها مضطرة لتقليص وارداتها من إيران. كما أن "صدمة ترامب الجمركية" التي أعلنها في ولايته الأولى عام 2019م، لم تترك للهند خياراً استراتيجياً سوى وقف إمدادات النفط الإيرانية؛ مما أدى إلى انحسار حاد في حجم التبادل التجاري مع شريكها الإيراني، ليهبط إلى نحو 1.68 مليار دولار فقط بحلول أكتوبر 2025م.
وفي الوقت ذاته، ألقت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران عام 2025م، مقترنةً بموقف ترامب حيال موجة الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، بظلال من التعقيد ليس على الجغرافيا السياسية الإقليمية فحسب، بل على المصالح الهندية أيضًا. ففي الثالث عشر من يناير، وجّه الرئيس ترامب تحذيراً جلياً عبر منصته للتواصل الاجتماعي، توعد فيه الدول التي ترتبط بعلاقات تجارية مع الجمهورية الإسلامية بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 25% على كافة مبادلاتها التجارية مع الولايات المتحدة.
جدير بالذكر أن الحكومة الهندية نجحت أخيرًا في التوصل إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة أوائل فبراير من أجل خفض التعريفات الجمركية من 50 % إلى 18%. ولكن في حال أقدم ترامب على تنفيذ وعيده، ستصبح الهند عرضة لزيادة بنسبة 43% من التعريفات الأمريكية. وبالتالي تقويض الاتفاق التجاري الذي تم إنجازه مؤخرًا. في أثناء ذلك، توشك مهلة الستة أشهر الإضافية التي منحتها واشنطن للشركات الهندية لكي تنسحب من ميناء تشابهار قبل أن تصبح عرضة للعقوبات على الانتهاء كما هو مقرر أواخر إبريل 2026م. فضلا عن المخاوف التي تعتري نيودلهي بشأن أمن الطاقة لديها. حيث يعد مضيق هرمز ممرًا حيويًا للطاقة، وتعبر خلاَله نحو 40% من واردات الخام الهندية ونصف وارداتها من الغاز الطبيعي. بالتالي، فإن معاودة واشنطن لضرب إيران مجددًا، يعرض نيودلهي إلى تحديات استراتيجية وخيمة.
الختام
تعد الهند رابع أكبر الاقتصادات العالمية ودولة رائدة على مستوى دول الجنوب العالمي، فضلًا عن كونها لاعبًا رئيسيًا داخل منطقة المحيطين الهادي-الهندي. ويشير موقعها داخل النظام العالمي متعدد التحالفات إلى أن لديها من النفوذ ما يخولها تبني مواقف أكثر حدة وصرامة إزاء القضايا التي تمس مصالحها الاستراتيجية. ولكن في واقع الأمر، من غير المرجح أن تتخذ نيودلهي أي رد فعل تجاه أيا من الأزمات الدولية يتجاوز ما هو أبعد من دعوة كافة الأطراف إلى حل نزاعاتهم من خلال الأطر السلمية.
وبرغم المخاطر المتفاقمة داخل منطقتي الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، إلا أنها لن تجبر نيودلهي عن التخلي عن نهجها لتقوم بدور استباقي كطرف وسيط. وذلك بفعل تضافر عدة عوامل، أبرزها التركيز على القضايا المحلية، ومحدودية الأدوات الدبلوماسية الكفيلة بإحداث فارق ملموس، فضلاً عن ضبابية النتائج والرفض المبدئي للوساطات الخارجية. ومع ذلك، لا يعكس الموقف الهندي انعداماً في الثقة، بل هو "ضبط نفس استراتيجي" بامتياز؛ إذ تحرص نيودلهي على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع كافة الأطراف، متبعةً نهجاً دبلوماسياً هادئاً وسط ضجيج الصراعات العالمية المتلاحقة.
بناءً على ذلك، يتطلب استشراف المستقبل من الدولة الهندية تحركاً يتجاوز مربع المتفرج؛ فإدراك أن السلام والاستقرار في جوارها الإقليمي والعالمي شرطٌ لازم لاستدامة نموها الاقتصادي بات ضرورة ملحة، فكلما تعاظمت القوة الاقتصادية، تضاعفت المسؤولية الملقاة على عاتقها تجاه المجتمع الدولي. بيد أن هذه المسؤولية يجب أن تقترن بالحذر والخطوات المدروسة، مستلهمةً في ذلك تجربة غريمها الصيني، الذي حصر تدخلاته في نزاعات محدودة رغم ثقله العالمي (كوساطته بين السعودية وإيران). لذا، لا ينبغي أن يكون الاستحواذ على دور "صانع السلام الأوحد" هو غاية القيادة الهندية، بل الأجدر أن يتحقق ذلك ضمن ائتلاف من "الدول الاستراتيجية المستجيبة للصراعات"، والاستفادة من خصوصية السياسة الخارجية الهندية في تفعيل "دبلوماسية القمم"، لجمع الدول ذات الرؤى المتسقة، بما فيها الأطراف المتحاربة، حول طاولة مفاوضات واحدة.
وفي غمرة هذه المساعي، لابد من رفع راية التعاون بين دول 'الجنوب العالمي'، والتحالف مع الشركاء في الخليج وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، لإيجاد مسارات للسلام خارج الأطر الغربية التقليدية. وتمتاز هذه الدول بطابعها الحيادي وغير المنحاز، على النقيض من القوى الغربية التي تعثرت مراراً في حل أزمات العالم. ومن ثمَّ، يتعين على هذه الدول البحث عن أطر ووساطات غير رسمية ترتكز على مبادئ عدم التدخل والمفاوضات الهادئة؛ بما يضمن تذليل العقبات أمام حماية مصالحها القومية، وتلبية تطلعات الأطراف المتنازعة، والإسهام في تحقيق المنفعة العالمية الشاملة.






