array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 219

تحالف عربي ـ إقليمي قيد التشكيل لمجابهة تهديدات القرن الإفريقي والصومال واليمن

السبت، 28 شباط/فبراير 2026

الخطوة التي أقدمت عليها إسرائيل في شهر ديسمبر الماضي بالاعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة تذكر بالتحولات الجيو استراتيجية التي تعيشها منطقة القرن الإفريقي والشرق الأوسط على السواء ، وهي التحولات التي ستؤثر على كل العالم من واقع أهمية المجال الحيوي الجغرافي والاقتصادي والأمني  الذي تتمركز فيه هذه الأحداث، ومن واقع الآثار بعيدة المدى التي تعود على دول مهمة حول العالم ، والأمر الثاني التي تثيره هذه الخطوة هو التأكيد على طبيعة المشروع الصهيوني التوسعي في بنيته الأساسية والذي لا يفوت فرصة إلا وعمل على توسيع نفوذه وحضوره خصمًا على الأمن القومي العربي بما يشكل تهديدًا مباشرًا على استقرار الدول العربية وعلى وحدتها وسيادتها، كما أن هذه الخطوة أكدت بجلاء أن الدولة العبرية وفية لمخططاتها المعلنة بتجزئة الدول العربية والإسلامية أكثر مما هي مجزأة وتقسيمها أكثر مما هي مقسمة، إذ لا يمكن فهم هذه الخطوة بمعزل عن العقلية الإسرائيلية التي ترى أن شرط وجودها في هذه المنطقة يتوقف على إضعاف الآخرين عبر التفتيت والتجزئة، وهو ما تؤكده وثيقة ( ينون) التي نشرتها مجلة كيفونيم  عام 1983م،  والتي قام بترجمتها داعية السلام غير الصهيوني إسرائيل شاحاك، وهي وثيقة تلخص جوهر خطة إسرائيل للتعامل الاستراتيجي مع العالم الإسلامي وسبق أن قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون لاجتماع حلف الناتو في العام 1982م، وتقول إحدى فقراتها ( إن التعايش والسلام الحقيقي سوف يسودان البلاد فقط إذا فهم العرب بأنه لن يكون  لهم وجود ولا أمن دون التسليم بوجود سيطرة يهودية على المناطق الممتدة من النهر إلى البحر) وتتمثل خطورة مثل هذا الطرح في أنه ليس رؤية أكاديمية باردة في بطون الكتب ولكنه خطة عمل تنفذ على الأرض، فقد أعلن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في أغسطس الماضي خريطة إسرائيل الكبرى التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة ، غير أن المشروع الحقيقي أكبر من ذلك بكثير ، حيث أعلن الحليف القوي لنتنياهو بتسلئيل سموتريتش أن  ( حدود إسرائيل يجب أن تمتد لتشمل دمشق إضافة إلى 6 دول أخرى هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر والسعودية لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل إلى الفرات) . إذن هذا هو المدخل الحقيقي لقراءة طبيعة الخطوة الإسرائيلية التي قامت بها في الصومال، حيث يمكن اعتباره خطوة نحو تنفيذ حلمها الكبير بالسيطرة والتوسع على حساب الدول العربية ...

  لماذا الصومال وأرض الصومال:

 تتراوح أسباب إسرائيل للاعتراف بأرض الصومال بين أسباب أمنية واقتصادية، إذ بجانب هدفها الكبير بتحقيق اسطورتها القديمة المعنونة بإسرائيل الكبري من النيل إلى الفرات هناك أسباب أخرى كبيرة تترافق دوما مع مسيرتها التي تعتقد أنها ستصل إلى غايتها، وبالنسبة لأرض الصومال يأتي الموقع الاستراتيجي على رأس الأولويات، إذ يحتل إقليم أرض الصومال موقعًا استراتيجيًا مهمًا جدًا، فهو يقع على ساحل البحر الأحمر ويبلغ طوله حوالي الــ 500  ميل ويطل على خليج عدن الحيوي، وفي نفس الوقت يتمركز عند باب المندب الذي تمر عبره حوالي 12% من حجم التجارة الدولية ، و 40 %من حجم التجارة بين أوروبا والقارة الآسيوية بما في ذلك نفط الخليج العربي، كما أن الإقليم يتوفر على موانئ أخرى مثل هرجيسا وميناء بربرة الحيوي الذي يعد منفذًا رئيسيًا لدول القرن الإفريقي مثل جنوب السودان ودولة إثيوبيا، ويتوقع البنك الدولي أن ترتفع حركات البضائع  فيه من ثلاثة ملايين طن حاليًا إلى ثمانية عشر مليون طن بحلول العام 2050 م، وتتزايد أهمية هذا الميناء في رفده خزينة الإقليم بالعملة الصعبة ومساهمته في رفع مستوى معيشة المواطنين، ولكل هذه الأسباب سارعت بريطانيا إلى احتلال الإقليم في العام 1887 م، إبان الهجمة الأوروبية على القارة الإفريقية، هذا الاحتلال الذي سيتسبب لاحقًا في مشاكل داخلية كبيرة ويؤسس لأسباب الانشقاق والتوترات في المنطقة، إذ تقاسمت القوى الأوروبية أرض الصومال بينها لتخلق حواجز تاريخية، وتعمل على تقطيع الأواصر بين هذا الشعب ، فبجانب احتلال بريطانيا لإقليم أرض الصومال احتلت إيطاليا جمهورية الصومال (جنوب الصومال) وفي نفس الوقت احتلت فرنسا جمهورية جيبوتي، ومن المعروف أن العرق الصومالي هو المسيطر علي كل هذه المنطقة بما فيها إقليم أوغادين الذي تمت إضافته لإثيوبيا بجانب الإقليم الصومالي الذي تمت إضافته إلى الصومال عام 1948م، وبعد استقلال الصومال الذي سبقه استقلال إقليم أرض الصومال بأربعة أيام فقط في العام 1960  م، تحققت الوحدة الصومالية التي سعى إليها إقليم أرض الصومال، وظل الصومال نموذجًا لدولة ديمقراطية تتعاقب فيها الحكومات عبر الانتخابات الشفافة والتداول السلمي للسلطة، ولكن لم تنج الصومال من داء الانقلابات العسكرية التي اجتاحت القارة في ستينيات القرن الماضي حين انعكست آثار الحرب الباردة عليها، فوقع انقلاب الجنرال محمد سياد بري في العام 1969م، ونتيجة لسوء الإدارة والمظالم التي وقعت على الصوماليين والقمع الدموي الذي قام به نظام سياد بري ضد محتجين في إقليم أرض الصومال تكونت ذهنية زاهدة في الوحدة، وما أن سقط نظام سياد بري الذي جر معه الدولة نفسها إلى الهاوية حتى أعلن إقليم أرض الصومال استقلاله عن الصومال من جانب واحد، وطوال هذه المدة لم تعترف به أي دولة أو مؤسسة، ولكنه مضى في اعتبار نفسه دولة مستقلة، فشرع في تنظيم أموره السياسية والاقتصادية بناء على ذلك، وتمتع الإقليم باستقرار ملفت عما كان عليه الوضع في الصومال ، كما أنه واصل في تنظيم الانتخابات والتداول السلمي للسلطة.

 وبجانب الموقع الاستراتيجي هذا فإن إسرائيل كانت قلقة جدًا من تداعيات حرب 7 أكتوبر وهي ترى الصواريخ تتساقط عليها من اليمن، وفي نفس الوقت كانت  تفقد ميزات استخدام الممرات البحرية بحرية ودون عوائق، وهي تعلم أن أصابع إيران ليست بعيدة عن هذا التخطيط في هذه المنطقة الحيوية، ولذلك فإن تخطيطها يستهدف منع أي عدو لها من استخدام الممرات الحيوية ضد مخططاتها، وتأمين هذه المنطقة حال نشوء أي نواع مسلح بينها وبين إيران، وشواهد كثيرة تقول إن هذا النزاع واقع لا محالة وإن تأخرت ساعة انطلاقته، من جانب آخر تريد إسرائيل أن تحاصر المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية في هذه المنطقة المهمة جدًا لهما، إذ يشكل البحر الأحمر محورًا مهمًا للأمن القومي للقاهرة والرياض، فإذا كانت المملكة العربية السعودية ترى في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن ممرات حيوية لتأمين اقتصادها والمحافظة على استقرار المنطقة ككل، لتعلق هذه الممرات بالأوضاع في اليمن فإن القاهرة التي تتشارك مع المملكة كثيرًا من تلك الهموم تضيف إليها همًا آخر وهو انشغالها بالتحركات الإثيوبية التي تسعى وبكل قوة لترسيخ وجودها في إقليم أرض الصومال ليكون لها موطئ قدم يطل على البحر الأحمر ، وذلك بالإضافة إلى الخلاف الحاد حول سد النهضة، ولعل هذه الهموم هي التي دفعت الدولتين الكبيرتين لإحياء فكرة تشكيل قوة بحرية تابعة لمجلس الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر والذي يضم بجانب المملكة ومصر دول السودان وجيبوتي والصومال والأردن واليمن، وسبق إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال بأشهر تحركات سعودية ومصرية جادة للمضي قدمًا في تنفيذ هذه الفكرة، حيث التقى في سبتمبر الماضي كل من قائد القوات البحرية المصرية اللواء محمود عادل والفريق الركن محمد بن عبد الرحمن الغريبي  رئيس أركان القوات البحرية الملكية السعودية بالإسكندرية، وهو الأمر الذي يؤكد جدية الدولتين في السعي للمحافظة على الاستقرار في هذه المنطقة.

 ومن المؤكد أن خطوة الاعتراف هذه لم تكن مسألة طارئة استجدت بعد أحداث السابع من أكتوبر ولكنها مسيرة طويلة من التخطيط والإعداد ساهمت فيها أطراف عدة ، فقد كانت أصابع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة واضحة في هذه المسألة منذ فترة، حتي أن مخططي الحزب الجمهوري الذين كانوا يعملون ضمن حملة الرئيس ترامب  الانتخابية قد أدرجوها في خطتهم المعروفة بــ ( مشروع 2025 م)  وورد في ذلك المشروع الذي تشرف عليه ( هيريتيج فاونديشن ) أهمية الاعتراف بإقليم أرض الصومال كواحدة من مقترحات تلك المجموعة لمحاصرة النفوذ الصيني (الخبيث) حسب وصفها، كما أن نوابا في الكونغرس قدموا مشاريع قوانين من أجل ذلك الاعتراف، وأجازت لجنة العلاقات الخارجية  بالكونغرس واحدة من تلك المشروعات، وذلك بعد زيارة للرئيس السابق لأرض الصومال ومشاركته في فعالية أكاديمية في (هيريتيج فاونديشين) التي ترعى هذا المشروع، ويمكن فهم هذه المساعي على خلفية الاستعداد الذي أبدته قيادات إقليم أرض الصومال بالاعتراف بإسرائيل في سعيها نحو حيازة وجود دولي قانوني ومعترف به، وتعتقد تلك القيادات أن بوابة العبور نحو ذلك الاعتراف تمر عبر تل أبيب، ولم تعلن الإدارة الأمريكية حتى الآن موقفًا رسميًا من هذا الملف ولكن يبدو أن الفتور بين الولايات المتحدة وإثيوبيا بسبب ملف سد النهضة وحاجة الولايات المتحدة لدولة مثل السعودية في صفها سيعمل على تأخير أي تحرك أمريكي نحو هذا المسعى ، هذا إن لم تعمل على تهدئة محتملة في المنطقة، هذا بجانب تلك الأسباب فإنها لا تزال تركز على محاربة الجماعات المتطرفة في هذه المنطقة، وأي وجود إسرائيلي نشط قد يعمل على إفشال المجهودات الإقليمية والدولية المبذولة لمكافحة الإرهاب.

تداعيات الاعتراف:

 لأهمية موقع الصومال الكبير على البحر الأحمر بشاطئه الذي يتجاوز الثلاثة آلاف كيلومتر أصبحت هذه المنطقة ساحة للحضور الدولي عبر ما يمكن تسميته بديبلوماسية القواعد العسكرية، ففضلًا عن استضافة جيبوتي لستة من القواعد العسكرية الكبيرة لدول الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واليابان وإسبانيا والصين وإيطاليا، انتبهت الصومال نفسها لأهمية موقعها الحيوي الذي يمكن أن يرفعها من دولة هامشية ظلت توسم في الإعلام الدولي كنموذج للدولة الفاشلة التي تتفشي فيها المجاعات والحروب والإرهاب إلى دولة مهمة لا يستغني عنها العالم إن هي وظفت هذا الموقع المطل على البحر الأحمر ، ولذلك تستضيف الصومال اليوم عددًا من القواعد العسكرية  لدول تركيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية  والصين والإمارات العربية التي أنهت معها مقديشو اتفاقياتها الأمنية.

إن وجود إسرائيل في إقليم أرض الصومال سيعمل علي إثارة مخاوف قوى مهمة من تلك التي تحتفظ بقواعد عسكرية في الصومال، وفي مقدمة تلك القوى دولة تركيا التي تعتبر من أكبر القوى المؤثرة في الصومال سياسيًا وعسكريًا، وخلافاتها مع الدولة العبرية تمتد لتغطي حيز واسع من الملفات الإقليمية مثل سوريا وقطاع غزة، وهذا الوجود سيكون نقطة خلاف أخرى تضاف إلى نقاط الخلاف بين الدولتين، أما الصين وإن كانت استراتيجيتها تعتمد على الوجود الهادئ في المنطقة بما يمكنها من ترسيخ وجودها في القارة الإفريقية لتحقيق أهدافها الاقتصادية، إلا أنها ولكي تحقق تلك الأهداف تحتاج إلى الاستقرار في هذه المنطقة، وأي نزاع ينشب فيها فإنه سيعمل على عرقلة خططها للتوسع التجاري مع الدول الإفريقية، وبالتالي فإنها تنظر بعين المراقب الحذر للتحركات الإسرائيلية في هذه المنطقة، ولا يخفى أن إنهاء الصومال لاتفاقياته الأمنية والاقتصادية مع الإمارات له صلة مباشرة بالأزمة في اليمن وتداعياتها على منطقة القرن الإفريقي، وهوما يعني أن العين السعودية مفتوحة في هذه المنطقة بكامل التيقظ والنظر الاستراتيجي، وبخصوص مصر فإنها ترى أن أمنها القومي يرتبط مباشرة بالتطورات في هذه المنطقة ولذلك لم تتأخر عن إرسال آلاف الجنود إلى الصومال ضمن بعثة الاستقرار التابعة للاتحاد الإفريقي، وقوات أخرى منفصلة ضمن بروتوكول التعاون العسكري الموقع بين الدولتين ..

 تبقى دولة إثيوبيا ضمن الفاعلين الرئيسيين في هذه المنطقة، وتقف موقفًا مغايرًا لدول الإقليم باعتبار ارتباط مصالحها الخاصة بالتواجد على البحر الأحمر ، وسبق أن وقعت اتفاقًا بالخصوص مع إقليم أرض الصومال مما أثار أزمة حادة مع الصومال نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر وساطة ناجحة في تخفيف التوتر ، ولكن مع ذلك لم تغير إثيوبيا تصميمها في الوصول للموانئ عبر إقليم أرض الصومال، وهي وإن لم تعلن اعترافها بالإقليم صراحة ولكن كل الدلائل تشير إلى أن التقارب بينهما يتجاوز ما هو معلن بتسهيل سلطات الإقليم لإثيوبيا الوصول إلى البحر الأحمر ، ومن الواضح كذلك أنها تنسق مواقفها مع أطراف أخرى عربية وعبرية لإقرار أوضاع على الأرض تكرس للأمر الواقع ، ويبدو أنها تؤجل إعلان اعترافها نظرًا لأوضاعها الداخلية المهددة بالانفجار في أكثر من إقليم .

  وقد أبانت الفترة القصيرة التي تلت إعلان إسرائيل قرارها بالاعتراف بإقليم أرض الصومال تحركات إقليمية واسعة قادتها المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر ، وبدا أن هناك تحالفًا يتشكل الآن لمجابهة هذه التهديدات على هذه الدول، وبما أن هذه التطورات جاءت متزامنة مع ما يحدث في اليمن بين المملكة والشرعية من جهة والإمارات والقوى الانفصالية في اليمن من جهة أخرى فإنها ساعدت على تسارع تبلور مواقف الأطراف المهتمة بالأوضاع في هذا الإقليم، ومن الواضح كذلك أن التنسيق بين المملكة وتركيا ومصر ومعهم أطراف أخرى إسلامية وعربية سيعمل على تخفيف المخاطر التي يمكن أن تترتب من التواجد الإسرائيلي في هذه المنطقة المهمة من العالم .

مقالات لنفس الكاتب