لم تتوقف المخططات الإسرائيلية للتمدد في المنطقة منذ قيامها عام 1948م، وثبت ذلك مع حرب 1948م؛ حينما تجاوزت العصابات الصهيونية حدود الدولة المنصوص عليها في قرار التقسيم (181)، من دون خريطة لحدودها السياسية، ما يجعل إسرائيل دولة استثنائية في النظام الدولي؛ دولة بلا حدود رسمية، وكأنها تعلن نواياها وطموحاتها التوسعية. فالمشروع الصهيوني الاستعماري يتبنى تصورات شوفينية عنصرية قائمة أصلًا على فكرة التوسع، والمستند إلى تصورات توراتية تعتبر أن حدود إسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات.
تلاقت أهداف المشروع الصهيوني مع أهداف القوى الاستعمارية الغربية، التي لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ (إسرائيل) عبر زرع الخلافات الحدودية والسياسية والطائفية بين بلدان المنطقة، لضمان حالة التفتت والقطرية، وضمان تبعية تلك الدول للإمبريالية الغربية. ومع الحرب العالمية الثانية وصعود الولايات المتحدة كقوة عظمى، انتقلت رعاية المشروع الإسرائيلي من لندن إلى واشنطن، التي تبنت إسرائيل كأداة استراتيجية لإعادة هندسة المنطقة.
خلال العقدين الأخيرين، جرى تضخيم التهديد الإيراني/الشيعي وتقديمه على خطر المشروع الصهيوني، بالتوازي مع مساعي الولايات المتحدة لدمج إسرائيل في الإقليم عبر مسارات سياسية متجزأة، بدأت في اتفاقية السلام مع مصر، ثم "مسار أوسلو" مع الفلسطينيين ثم "اتفاقات أبراهام" مع عدد من دول المنطقة عام 2020م، ولا زالت الولايات المتحدة تسعى لمزيد من اتفاقات التطبيع.
مؤامرة السابع من أكتوبر: مدخل للتمدد الإسرائيلي
شكلت هجمات السابع من أكتوبر مغامرة عسكرية غير محسوبة، افتقدت لرؤية استراتيجية واضحة، أدانتْها غالبية الدول، ووفرت لإسرائيل فرصة تاريخية لتنفيذ مشروعها التوسعي، حيث نجح الإعلام الإسرائيلي والأمريكي في تصوير إسرائيل كضحية لهجوم إرهابي يهدد أمنها ويستهدف وجودها، بما وفر لإسرائيل الشرعية والدعم لحربها الوحشية على غزة، لاستعادة المخطوفين والقضاء على حركة حماس. فيما لا زال نتنياهو يستفرد بالقرار ويعيق تشكيل لجنة تحقيق رسمية للتحقيق في "إخفاقات السابع من أكتوبر"، ويقوم بتحييد كل معارضيه ويعبث بالنظام القضائي الإسرائيلي بهدف إخفاء الحقيقة، وهذا يؤكد ما قلناه سابقًا، بأن كثيرًا من الخفايا والأسرار تكتنف السياق العام لأحداث أكتوبر؛ فلن يكون هناك فرصة لتفكيك الحدث أو المراجعة، بعد أن صفت إسرائيل كل من لهم علاقة بمواقع المسؤولية والتخطيط لتلك الهجمات.
لم يقتصر الرد الإسرائيلي على غزة، بل استغلت إسرائيل هجمات أكتوبر والدعم الأمريكي لفرض هيمنتها ونفوذها على الإقليم، لضمان أمنها وتحقيق مكاسب جيوسياسية خارج حدودها، ويمكن إجمال أوجه التمدد الإسرائيلي في الإقليم وأهدافه إلى:
أ- أهداف أمنية وعسكرية
استغلت إسرائيل هجمات أكتوبر للربط بين المقاومة الفلسطينية والإرهاب، وعملت على تأمين حدودها وفرض مناطق عازلة منزوعة السلاح في غزة وجنوب لبنان وسوريا. فقد وجهت إسرائيل ضربة قاسية لحزب الله، وتشترط نزع سلاح حزب الله قبل الانسحاب من المواقع التي تحتلها جنوب لبنان. وفي سوريا تذرعت إسرائيل بحق الدفاع عن النفس وقصفت البُنى التحتية للجيش السوري، سيطرت على مناطق سورية بحجة حماية الدروز، وهي تصر على فرض مناطق عازلة في جنوب سوريا ولبنان وغزة، بما يعيد رسم الخارطة الأمنية للمنطقة.
ب- أهداف سياسية
عقب هجمات أكتوبر صرح بنيامين نتنياهو بأن رد إسرائيل "سيغير وجه المنطقة وسيحدث خريطة جيوسياسية جديدة"، كما طالب سكان غزة بالرحيل فورًا. وعاد نتنياهو في مارس الماضي ليعلن تبنيه ما يسمى "إسرائيل الكبرى"، تزامن ذلك مع حملة استيطانية مسعورة في مناطق E1 بالضفة الغربية ويعبر غلاة اليمين الصهيوني عن مطامع اليمين الديني في الاستيطان وضم مزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، ومؤخرًا سنت إسرائيل قوانين تشرعن سيطرتها على أراضي الخليل والسماح بنقل ملكيتها للأفراد اليهود. هذا يؤكد استغلال إسرائيل الحدث لتهجير السكان وتكريس فصل غزة، ما يضع مخطط التهجير في قلب المشروع التوسعي.
ت- أهداف اقتصادية واستراتيجية مرتبطة بالوصول لمياه النيل والممرات التجارية
لم يخف المشروع الاستعماري الصهيوني مطامعه في مياه نهر النيل، لكن مصر ترفض توصيل مياه النيل لإسرائيل، فيما ظلت الأيدي الخفية لإسرائيل تعمل للوصول إلى منابع النيل، وتحييد الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس كممر مائي استراتيجي، ما يهدد الأمن القومي المصري المرتكز بالأساس على مياه النيل وعوائد قناة السويس. وقد مثلت حالة الفوضى على إثر ما سمي بالربيع العربي فرصة لإسرائيل للتغلغل في مناطق استراتيجية وحماية مصالحها وتعزيز أمنها القومي عبر التغلغل في إفريقيا.
وجدت إسرائيل في ملف سد النهضة فرصة للتغلغل في إثيوبيا، كذلك في جنوب السودان عبر دعم "قوات الدعم السريع". كما اعترفت مؤخرًا بسيادة إقليم "أرض الصومال" في خرق واضح لميثاق الأمم المتحدة، وذلك لتعزيز حضورها في البحر الأحمر بعد تعرض مصالحها للتهديد خلال الحرب، وهي تسعى لتأمين وصولها لأهم الممرات البحرية في العالم.
ث- مشروع "الممر الاقتصادي" ومواجهة النفوذ الصيني في المنطقة
هناك تفاهم أمريكي ــ إسرائيلي يسعى إلى مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة عبر الانخراط في مشروع "الممر الاقتصادي" الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، هذا المشروع، الذي طرحته الولايات المتحدة في قمة العشرين بنيودلهي عام 2023م، ويهدف إلى منافسة مبادرة "الحزام والطريق" الصينية. ويمثل ميناء حيفا مركزًا رئيسيًا في المشروع، لتتحول إسرائيل إلى مركز اقتصادي وتكنولوجي يربط آسيا بأوروبا.
مخطط تهجير الغزيين: الأداة الأخطر في المشروع التوسعي
يعد مخطط تهجير الغزيين أخطر أدوات المشروع الإسرائيلي، إذ يجمع بين أبعاد عسكرية وسياسية واقتصادية وديموغرافية، ويكشف عن نية واضحة لإعادة تشكيل الواقع السكاني في فلسطين بما يخدم مشروع "إسرائيل الكبرى". ومن الناحية العسكرية والأمنية، دمرت إسرائيل أكثر من 80% من البُنى التحتية في غزة، وحولتها إلى بيئة طاردة غير قابلة للحياة، بما يدفع الغزيين للهجرة. أما من الناحية السياسية والدبلوماسية، فقد ضمنت مصالح إسرائيل في القرار الأمريكي الأخير الذي أقر في مجلس الأمن بشأن غزة رقم 2803، الذي يفتح الباب أمام وصاية دولية أو إدارة مؤقتة، وهو ما يسهل تمرير التهجير تحت غطاء قانوني.
حرمت إسرائيل سكان غزة من مقومات الحياة بما يدفعهم إلى الهجرة القسرية أو الطوعية، وذلك بهدف تقليص الكثافة السكانية وإضعاف قدرتهم على الصمود، بما يضمن لإسرائيل السيطرة على الأرض وإعادة هندسة التركيبة السكانية لصالح مشروعها التوسعي.
رغم الرفض الدولي الواسع لمخطط التهجير، كشفت تقارير عن مباحثات إسرائيلية مع دول إفريقية وآسيوية لاستقبال الفلسطينيين من غزة، مقابل مغريات مالية وسياسية، مثل الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" كدولة مستقلة. حيث تنظر إسرائيل إلى الإقليم كوجهة محتملة لهجرة الغزيين. وبذلك يتضح أن التهجير ليس مجرد سياسة ظرفية، بل أداة استراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني والإقليمي.
مخاطر التمدد الإسرائيلي على الأمن العربي والإقليمي
استغلت إسرائيل أحداث أكتوبر كفرصة تاريخية لفرض هيمنة إقليمية عبر قمع المقاومة المسلحة، كذلك فإن تهجير الغزيين سيخلق ضغطًا هائلًا على مصر ودول الطوق، ويعيد رسم الخريطة السكانية والسياسية للمنطقة.
في البحر الأحمر، تسعى إسرائيل إلى تعزيز نفوذها عبر دعم قوى انفصالية في السودان، والاعتراف بأرض الصومال، بما يتيح لها موطئ قدم عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وفي البحر المتوسط، عززت تعاونها الأمني والعسكري مع اليونان وقبرص، ما يدعم سيطرتها البحرية على حساب تركيا. كما يواجه الأردن تحديات إضافية مع سيطرة إسرائيل على مياه نهر الأردن والأغوار، والتلويح بطرد سكان الضفة نحو الأردن. وتستخدم إسرائيل تكتيكات متعددة ضمن سياستها الخارجية مثل صناعة عدو مشترك، وتعزيز الصراعات الطائفية والمذهبية، بالإضافة إلى الضغط الأمريكي على الدول العربية لدمج إسرائيل في المنطقة وإعادة هندسة الإقليم جيوسياسيًا، بما يراعي المصالح الإسرائيلية.
خاتمة
ظهرت ردة فعل إسرائيل على هجمات السابع من أكتوبر، مبيتة كجزء من مشروع استعماري شامل يستهدف إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية التي توظف كل أدواتها لفرض واقع جديد يكرس هيمنتها الإقليمية ويقوض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة. وتستغل إسرائيل الغطاء الأمريكي وأشكال الدعم المختلفة لتعظيم مكاسبها الجيوسياسية في الإقليم على حساب المصالح العربية. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التنبه لمخاطر التمدد الإسرائيلي على الأمن القومي العربي، والتصدي لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين خارج أرضهم.
مواجهة المخططات الإسرائيلية تتطلب استراتيجية عربية جديدة، تقوم على تعزيز صمود الفلسطينيين، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، والبناء على مخرجات "إعلان نيويورك" لمواجهة المخططات الإسرائيلية التي تسعى إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، بالإضافة إلى التهديد بمراجعة اتفاقات التطبيع أو تجميدها، مع تكثيف المصالح الاقتصادية لردع إسرائيل. وقد خطت المملكة العربية السعودية خطوات مهمة في طريق المصالحات العربية والإقليمية وبناء سبل الاستقرار في المنطقة، في ضوء تحسن العلاقات مع إيران ومؤخرًا مع تركيا.





