array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 219

انفصال جنوب اليمن لا يؤدي لدولتين فقط بل تفكك داخلي على أسس قبلية ومناطقية وميليشياوية

السبت، 28 شباط/فبراير 2026

اليمن من أقدم الحضارات في العالم، ويمتد عمقها التاريخي والثقافي آلاف السنين قبل الميلاد، كانت موطئًا لممالك قديمة مثل سبأ، وحمير، وقتبان ومعين وحضرموت، أسهمت هذه الممالك في ابتكار خط المسند والذي يعد من أقدم الخطوط السامية، وتميزت بطراز معماري فريد، وازدهرت فيها تجارة التوابل، والبن، واللبان، وسيطرت على طرق التجارة العالمية حتى وصفها الإغريق باسم العربية السعيدة تعبيرًا عن تقدمها وازدهارها.

وتكمن أهمية اليمن في موقعها الجغرافي الاستراتيجي المشرف على مضيق باب المندب وخليج عدن، مما يجعله نقطة ارتكاز عالمية للتبادل التجاري والنفطي بين الشرق والغرب، ولها ساحل جنوبي على بحر العرب وساحل غربي على البحر الأحمر.

تمتلك اليمن 216 جزيرة في البحر الأحمر، وبحر العرب أكبرها جزر سقطرى وكمران، وزقر، وحنيش، وأهمها جزيرة بريم (ميون) التي تقسم المضيق إلى ممرين، وتمنحه هذه الجزر والأرخبيلات المزيد من السيطرة الجغرافية على حركة الملاحة البحرية الدولية، كما أن الموقع الجغرافي لليمن وإشرافه مباشرة على مضيق باب المندب يجعله المتحكم في رابع أهم الممرات المائية ، وتتزايد أهمية المضيق كحلقة أساسية في تأمين خطوط إمدادات الطاقة العالمية، وبلغت إجمالي تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر المضيق حوالي 8.6-8.8 مليون برميل يومياً في عام 2023م،ثم انخفضت 50% في الأشهر الأولى من 2024م، لتصل إلى 4.0مليون برميل يومياً بسبب المخاطر الأمنية وتحويل المسارات ، بينما شكلت شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق وقناة السويس 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية في النصف الأول من عام 2023، ويمر بالمضيق أكثر من 21,000 قطعة بحرية سنوياً، ما يعادل نحو 57 قطعة يومياً.

ومما يميز موقع اليمن وجود شريط ساحلي ممتد طوله 2500 كم2، يمر بعشر محافظات يمنية ساحلية هي (حجة الحديدة، تعز، لحج، عدن، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة) والتي تطل جنوبًا وشرقًا على خليج عدن (مفتوح على المحيط الهندي) وبحر العرب وغربًا على البحر الأحمر، بما في ذلك سهل تهامة مما يمنحها أهمية استراتيجية عسكرية واقتصادية بالغة.

ثانياً: آثار التدخلات الإقليمية على اليمن

الموقع المتميز يجعل من اليمن ركيزة أساسية في الخارطة الجيوسياسية العالمية، حيث تسعى العديد من القوى الدولية لتأمين وجودها في هذه المنطقة الحيوية مما جعلها ساحة للصراعات والتدخلات الإقليمية والدولية أغرقتها في صراع داخلي معقد أدى إلى أزمة إنسانية كبرى، وتدمير للبنية التحتية، وضياع فرص التنمية.

وعانت اليمن من تزايد تغلغل النفوذ الإقليمي والخارجي وتفتيت الجهود الرامية لاستعادة الشرعية ومن أهم تلك التدخلات:

  • التدخل الإيراني عبر ميليشيات الحوثي الإرهابية وهذه العلاقة التي تفاخر ميليشيات الحوثي، واستفادت كثيراً من الدعم الإيراني، ما أدخل البلد في صراع مسلح، وعمقت الانقسام المجتمعي، وإعاقة الانتقال السياسي، والتحول الديمقراطي التي كان اليمن يتهيأ لها.
  • تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، بناء على رسالة بعث بها الرئيس عبدربه منصور هادي بهدف إنهاء التمرد الحوثي، واستعادة الدولة وعودة مؤسساتها، وعلى الرغم من العوائق التي اكتنفت هذا التدخل وخاصة أنه دخل في العام الحادي عشر منذ أن انطلقت عاصفة الحزم دون أن يحقق أهدافه المعلنة، الأمر الذي يدعونا إلى القول إن سياسة التوازنات السائدة في المرحلة السابقة لم تقد إلا إلى المزيد من التشظي داخل مكونات الشرعية، وأن الفرصة مواتية  لتوحيد تلك المكونات تحت سقف الجمهورية والوحدة، وحسم الصراع في اليمن وتحقيق أهداف التدخل في استعادة الدولة ودعم جهود الاستقرار في اليمن.
  • التدخل الإماراتي في اليمن تحت غطاء تحالف دعم الشرعية جعله طرفاً رئيسياً في الحرب الأهلية اليمنية، إذ كانت قواتها متواجدة إلى جانب القوات السعودية، تحت مبرر استعادة الدولة اليمنية، ودعم جهود الحكومة الشرعية، ولكنها انحرفت عن هذا الهدف، وركزت على بناء نسق خاص بها للسيطرة على الشريط الساحلي لليمن من الحديدة إلى حضرموت، كجزء من استراتيجيتها في تقديم ذاتها كمركز نشاط تجاري ولوجيستي، ومنحت نفسها الأولوية في السيطرة على الخطوط الساحلية الاستراتيجية وطرق النقل البحري في كل المنطقة كوريث لشركة الهند الشرقية. بل دعمت الحركات الانفصالية ومولتها، فهي من دعمت تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، وبنت ميليشيات خارج الشرعية وأسمتها بالأحزمة الأمنية، والنخب الشبوانية والحضرمية، ودعمت طارق صالح في بناء ما أسمته قوات الحرس الجمهوري بالساحل الغربي، وليبدو الأمر مقبولاً حاولت أن تخلق سردية محاربة القاعدة وداعش، لتقدم نفسها كشريك لأمريكا في حربها ضد الإرهاب، وحاولت استهداف حزب الإصلاح وهو جزء من المكونات السياسية اليمنية، وارتكبت جرائم بحق اليمنيين من سجون سرية واعتقالات واغتيالات، وضرب الجيش اليمني بالطيران كما في منطقة العلم، وإعاقة تواجد الحكومة الشرعية داخل العاصمة المؤقتة عدن... الخ. ما يعد إخلالًا بالغاية من التدخل المبرر لتواجدها في اليمن، والقيام بأعمال تعد جريمة عدوان في القانون الدولي، وانتهاك سافر لسيادة الدولة اليمنية.

ثالثاً: القضية الجنوبية من الفكرة حتى المطالبة بالانفصال

تعود جذور القضية الجنوبية إلى ثلاثينيات القرن التاسع عشر الميلادي حين كانت مناطق جنوب اليمن عبارة عن سلطنات ومشيخات متناثرة ومتناحرة، الأمر الذي سهل على بريطانيا احتلال عدن عام 1839م.

ثم أعلنت بريطانيا رسمياً في 11 فبراير 1959م، تأسيس ما عرف باتحاد إمارات الجنوب العربي الذي ضم 6محميات، ثم توسعت لتصبح 16 محمية، ورفضت السلطنة القعيطية، والكثيرية الانضمام، وبقيت خارج إطار اتحاد إمارات الجنوب العربي، وكان لها هيكلها الخاص حتى عام 1967م.

وفي أكتوبر 1963م، اندلعت ثورة التحرير في جنوب اليمن، وتمكن الثوار من قتل المندوب البريطاني السامي كينيدي تريفسكيس يوم 10 ديسمبر1963م، مما اضطر بريطانيا لسحب قواتها من عدن عام 1967م، وفور خروجها أعلن عن قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية بقيادة الرئيس قحطان الشعبي.

ثم انهار ما يسمى باتحاد الجنوب العربي عام 1967م، عقب ثورة 14 أكتوبر ورحيل الاستعمار البريطاني، وعند سيطرة الجبهة القومية الاشتراكية على السلطة في 30 نوفمبر، أصدرت مرسوماً بضم حضرموت لما يعرف بعد ذلك بجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، والتي تحولت لاحقًا إلى ما يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وظل حلم الوحدة حاضرًا في كل برامج الحكومات التي تعاقبت على شمال اليمن وجنوبه في أعقاب ثورتي سبتمبر واكتوبر، حتى إن الاشتباكات الحدودية عام 1972م، بين دولتي شمال اليمن وجنوبه كانت على خلفية مساعي إقامة وحدة بين البلدين. وشهدت عدة مفاوضات بين شطري اليمن، حتى تحقق هذا الحلم عام 1990م، توحد شمال وجنوب اليمن في وحدة اندماجية.

وفي عام 1993م، تصاعدت حدة الخلافات بين شريكي الوحدة اليمنية علي عبد الله صالح، وعلي سالم البيض أدت لتوترات مستمرة اندلعت بعدها حرب صيف 1994م، انتهت بفشل محاولة الانفصال الجنوبي وهزيمة علي سالم البيض.

ونتيجة لسياسة الإقصاء والتهميش التي مارسها نظام علي عبد الله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام في المحافظات الجنوبية والعديد من المحافظات الشمالية، وسياسة الإقصاء للعديد من العسكريين والأمنيين، والموظفين المدنيين المشاركين في هذه الحرب وإحالة بعضهم للتقاعد القسري، أو تركهم دون تسويات عادلة ناهيك عن مظالم أخرى مورست في حق الشمال والجنوب مثل نهب الأراضي من نافذين عسكريين وقبليين.

ولمواجهة هذه المظالم بدأ الحراك الجنوبي 2007م، على شكل مطالب احتجاجية حقوقية، لكنها لم تجد أي اعتراف حكومي أو مسار قانوني لإنصافها، وخلال هذه الفترة تصاعدت الاحتجاجات، بقيادة جمعية المتقاعدين العسكريين والمدنيين وبرزت قيادات عدة لهذا الحراك من أبرزهم العميد ناصر النوبة، وحسن باعوم، ثم اكتسب هذا الحراك فاعلية سياسية بعد سقوط نظام صالح 2011م، وبدأت المطالبة بالانفصال نتيجة الشعور بالتهميش والإقصاء.

وانعقد مؤتمر القاهرة 2011م، وجمع شخصيات جنوبية، وطرح مقاربة تقوم على دولة اتحادية فدرالية من إقليمين لفترة انتقالية تنتهي باستفتاء يحدد مستقبل الجنوب.

وفي مؤتمر الحوار الوطني 2013م، الذي انعقد في صنعاء عقب ثورة فبراير بمشاركة واسعة من مختلف القوى اليمنية وبرعاية دولية وأممية توزعت على تسع فرق خصصت إحداها لمناقشة القضية الجنوبية وضمت40 عضوا مناصفة بين الشمال والجنوب لبلورة رؤية وطنية شاملة لمعالجة جذور الأزمة، وخلصت الى توصيف القضية الجنوبية كقضية سياسية وحقوقية عادلة، وأقر المشاركون خارطة طريق لتجاوز تراكمات الماضي تمثلت في التحول إلى دولة اتحادية من ستة أقاليم مع الالتزام بمعالجة المظالم التاريخية.

وعندما سيطرت ميليشيات الحوثي وصالح في 21 سبتمبر 2014م، على صنعاء دفعت الرئيس هادي للفرار، وطلب التدخل من التحالف العربي بقيادة السعودية لدعم الشرعية. بعد ذلك صعد المجلس الانتقالي الجنوبي 2017م، مدعوماً من الإمارات، وسيطر على عدن وبعض المحافظات الجنوبية وفي 2019م، سيطر الانتقالي على عدن، عاصمة الحكومة المؤقتة، وبمساعدة طيران تابع للإمارات ضرب القوات اليمنية في منطقة العلم ومنع دخولها عدن مما عمّق الانقسام وأدى لتوترات بين الحكومة والانتقالي، وكذلك بين اليمن والإمارات.

تشكلت في 2013م، لجنة معالجة قضايا المبعدين عن وظائفهم في المحافظات الجنوبية، وصدر عنها العديد القرارات الرئاسية في عهد الرئيس هادي بالإضافة الى عدد من القرارات صدرت من قبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي بتاريخ ١٥/٥/٢٠٢٣م، لمعالجة أوضاع ٦٢الف حالة وتظلم عسكري -مدني- ومدني، من حالات الإبعاد القسري والتقاعد المبكر والانقطاع بسبب حرب 1994م.

وفي الثالث من ديسمبر 2025م، قام المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا باجتياح عسكري على المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة) التي كانت تحت سيطرة الحكومة اليمنية، وشكّل اجتياح المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة منعطفاً خطيراً أدخل البلاد في أتون أزمة خطيرة، لكن بسبب رفض أبناء المحافظات الشرقية حضرموت والمهرة ومقاومتهم لهذا الاجتياح، وتدخل الأشقاء في السعودية تم القضاء على هذا التمرد، ومن ثم قام قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي بإعلان حل المجلس، وأصدر في حينها رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قرار بإنهاء التدخل الإماراتي في اليمن، ودعت السعودية إلى حوار جنوبي/  جنوبي لاحتواء  نتائج الأزمة.

وفي 24 يناير 2026م، حدد مجلس حضرموت الوطني رؤيته للحوار الجنوبي / الجنوبي بإقليم كامل الصلاحيات في نظام أحادي فدرالي أو دولة مستقلة في حالة التقسيم، على لسان الأمين العام للمجلس عصام حبريش الكثيري في اللقاء الموسع بمدينة سيؤن بقوله: إن حضرموت يجب أن تمنح حقوقها كاملة في ظل المتغيرات السياسية الجارية مشيراً إلى أن المسار السياسي لحضرموت يتمثل في أن تكون إقليماً كامل الصلاحيات في دولة الأقاليم أو دولة مستقلة في حال حدوث أي تقسيم قادم.

وهذا الموقف له دلالات بالغة الأهمية يمكن على ضوئها قراءة المشهد اليمني القادم، فاذا كانت حضرموت من قبل قد أجهضت مشروع بريطانيا في إقامة ما يسمى باتحاد الجنوب العربي، فإنها بموقفها هذا قطعت الطريق أمام دعاة الانفصال مرة أخرى، وحددت شكل الدولة اليمنية القادمة بدولة اتحادية فدرالية وكأن التاريخ يكرر نفسه.

رابعاً: تداعيات الانفصال على اليمن

انفصال جنوب اليمن لا يعني عودة الوضع إلى ما كان عليه في الماضي من نظام دولتين (شمال/جنوب) مع احتمالات نزاعات حدودية محدودة، بل المشهد يهدد بخطر تفكك إضافي داخل كل كيان سواء على أساس (قبلي-مناطقي-مسلح)، وصراع على تنازع الشرعية، والتمثيل الدبلوماسي، واحتمال ظهور كيانات شبه مستقلة داخل الجنوب أو الشمال، فاليمن قد يتحول إلى نموذج تفكك دولة" بدل قيام دولتين، وهناك مخاطر أخرى متعددة نذكر منها:

  • في حال نجاح انفصال اليمن فإن المستفيد الأبرز من ذلك هو دولة الاحتلال الإسرائيلي، في اتساع خارطة التطبيع، وإخراج جنوب اليمن عن محيطه العربي والإقليمي، وتمدد نفوذها في المنطقة، وهيمنتها على الممرات المائية الحيوية في المنطقة، وقد كانت هناك تنسيقات جارية مع قيادات في الانتقالي، وتصريحات متبادلة للاعتراف بها على غرار أرض الصومال.
  • الفراغ الأمني الذي قد تستفيد منه جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة مثل داعش والقاعدة، وتحوّل بعض المناطق إلى ساحات صراع بالوكالة. بالإضافة إلى عسكرة الحدود الجديدة وسباق تسلح داخلي.
  • تأخر الحسم العسكري على تمرد ميليشيات الحوثي الإرهابية: حيث ساهم تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي في تأخر عملية الحسم العسكري نتيجة اعتباره أن معركة الشمال ليست معركته، ولأنه كان يرى في بقاء الحوثي مسيطرًا على الشمال سيساعده في تحقيق عملية الانفصال، كما إن بقاء مراكز القوى داخل الشرعية متناحرة، على الرغم من انشاء اللجنة العسكرية والأمنية لهيكلة قوى الشرعية الا إن مخرجاتها لم تطبق على أرض الواقع.
  • مخاطر اقتصادية لمشروع الانفصال تتمثل في انهيار شبكات الاقتصاد الموحد، وصراع على الموارد (النفط، الغاز، الموانئ، الضرائب) وتدهور العملة والتضخم.، واعتماد أكبر على المساعدات الخارجية، وتفاوت تنموي حاد بين الشمال والجنوب..
  • اجتماعيًا: هناك مخاطر متعددة للانفصال منها انقسام الهوية الوطنية، وهذا ما ظهر بوضوح في أدبيات دعاة الانفصال ومحاولتهم محو اسم اليمن من اسم المشروع الانفصالي والإبقاء على التسمية الاستعمارية لبريطانيا "الجنوب العربي" أضف إلى ذلك تزايد موجات نزوح داخلية وتفكك الروابط الأسرية والمجتمعية المتينة بين الشمال والجنوب، وتنامي حدة خطاب الكراهية والتعبئة المناطقية.

خامساً: التداعيات الإقليمية للانفصال على الخليج والسعودية

وبالنسبة للخليج والسعودية فإن انفصال اليمن لا يعني نهاية المشكلة بل بداية مرحلة جديدة من إدارة الفوضى التي ستمتد لفترات طويلة ومؤلمة، وحتى في أفضل السيناريوهات المحتملة سيحتاج الخليج استثمارًا أمنيًا واقتصاديًا لعقود طويلة باهظة التكاليف، وبقاء الميليشيات المتمردة في شمال اليمن أو جنوبه المرتهنة لقوى دولية أو إقليمية سيبقي اليمن ملفًا مفتوحًا دائم الاستنزاف والابتزاز يهدد أمن الخليج العربي والمنطقة برمتها، وأهم تلك التهديدات والمخاطر تتمثل في الآتي:

  • التداعيات الأمنية: في حال حدوث أي انفصال أو حتى بقاء المشهد مفكك فإن السعودية ستتعامل مع دولة جديدة ضعيفة على حدودها الجنوبية، واحتمال تحول الحدود إلى منطقة تهريب للسلاح والمخدرات، والاتجار بالبشر القادمين من القرن الإفريقي، وبحسب أغلب الشحنات المهربة من حبوب المخدرات والحشيش التي ضبطت فوق الأراضي اليمنية كانت موجهة أساسًا لدول الجوار، بما فيها المملكة العربية السعودية، وأن مهربي المخدرات يتخذون اليمن محطة ترانزيت.
  • التأثير السياسي: إن دعم أي كيان يمني على حساب آخر، والدخول في توازنات دقيقة بين الشمال والجنوب، في محاولة إدارة الصراعات الداخلية اليمنية بدل إنهائها تكلفتها أكبر على المدى الطويل.
  • الآثار الاقتصادية: يتحمل الأشقاء في السعودية كلفة الاستقرار الاقتصادي في اليمن، والمتمثلة في مساعدات مالية مستمرة، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، ودعم العملة والرواتب، بالإضافة إلى مشاريع تنموية لاحتواء الفوضى، كما إن احتمال زيادة الهجرة اليمنية نحو الخليج سيشكل ضغطًا على أسواق العمل والخدمات في السعودية.

كما إن أي اضطراب في جنوب اليمن يعني تهديد جديد على الملاحة الخليجية والدولية، وتهديد لصادرات النفط، وارتفاع كلفة النفط، وكلفة النقل البحري، وزيادة أسعار التأمين والشحن، وهذا ينعكس مباشرة على اقتصادات الخليج والسعودية.

  • التأثير الجيوسياسي: في حالة انفصال اليمن يعني حدود سياسية جديدة غير مستقرة، واحتمال تحول اليمن إلى ساحة صراع وتنافس على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، واستخدام الكيانات اليمنية كورقة ضغط إقليمية، كما إن الخليج قد يضطر لبناء تحالفات بحرية جديدة وتعاون أمني أوسع مع قوى دولية لتعزيز وجوده العسكري في البحر الأحمر.
  • الآثار الاجتماعية والإنسانية: في حال حدوث انفصال غير منظم فإن المنطقة ستشهد موجات نزوح نحو السعودية وعمان، وزيادة التجارة غير النظامية عبر الحدود، وشبكات تهريب عابرة للحدود.

سادساً: تداعيات الانفصال على القرن الإفريقي

فصل جنوب اليمن سيضاعف مخاطر تهديد الملاحة الدولية وتنامي الصراع على السيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن العالمي. زيادة تهريب السلاح والبشر من القرن الإفريقي، وعدم الاستقرار عبر البحر الأحمر وهذا يضغط على الدول الهشة في شرق إفريقيا، وهناك قلق دولي من تحول اليمن إلى منطقة فوضى طويلة الأمد، وتدخلات دولية سياسية أو عسكرية غير مباشرة.

سابعاً: مرتكزات استراتيجية أمنية لتأمين المنطقة

تمر اليمن بظروف بالغة الخطورة تحتم تحركاً جماعياً فعالاً، من قبل الأشقاء في الخليج عامة، والسعودية خاصة بما تملك من ثقل دولي وإقليمي لوضع استراتيجية أمنية ترتكز على المحاور التالية:

  1. دعم جهود السلطة الشرعية في استعادة الدولة اليمنية على أسس مؤسسية عادلة وشاملة، وتقوية مؤسساتها لمنع حدوث أي فراغ سياسي، وتوحيد مكوناتها تحت سقف اليمن الجمهوري الموحد.
  2. دعم قدرات قوات خفر السواحل اليمنية، وتبادل الخبرات الإقليمية بالتنسيق مع القوى الدولية لتأمين مضيق باب المندب، والممرات المائية، وتبني مشاريع تنمية ساحلية ضمن رؤية عربية تربط ضفتي البحر الأحمر بالقرن الإفريقي.
  3. دعم انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي من خلال البدء بخطوات عملية لشراكة استراتيجية تدريجية تشمل؛ تعزيز التعاون الأمني والاستقرار السياسي، ودعم الاندماج الاقتصادي، والاستثمار، بما يحفظ استقرار مؤسسات الدولة.
  4. دعم جهود التنمية المستدامة، والإعمار في اليمن، وتعزيز قدراته على مواجهة الأزمات، وفتح وتقديم امتيازات فيما يخص فتح الأسواق أمام العمالة وتسهيل الحصول على الفيز، والاستثمار، وإعمار ما دمرته الحرب.
  5. تنسيق العمل الاستخباراتي بين الخليج واليمن لتعزيز جهود مكافحة التهريب والقرصنة، والإرهاب لضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة والمخدرات والاتجار بالبشر.
  6. بناء استراتيجية وطنية وإقليمية للأمن السيبراني لحماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات، وتبادل الخبرات، وتعزيز قدرات الأجهزة الحكومية اليمنية للتصدي للجريمة المنظمة. وإنشاء مركز إقليمي للأمن السيبراني البحري يراقب سلاسل التوريد الرقمية للموانئ والملاحة.
  7. دعم بناء المؤسسات السيادية وأهمها (أمن، دفاع، مالية، قضاء، تعليم، صحة) بتمويل مشروط بالمخرجات، والإصلاح المؤسسي والحوكمة.

وختاماً: يكمن مفتاح حل الأزمة في اليمن بدعم الأشقاء في السعودية والخليج العربي لبناء دولة يمنية اتحادية وموحدة، وجيش وطني بعقيدة قتالية وطنية، ومؤسسات سيادية مستقلة، وترسيخ أمن الممرات البحرية؛ لتحويل موقعها من نقطة ضعف إلى قوة فاعلة لصالح اليمن والمنطقة، وهذا يتطلب قيادة مرحلة لديها ملكات عقلية واعية، وخيال سياسي خصب، ومهارات تواصلية فعالة، وقدرة على تمثيل هوية جامعة، ومشترك وطني فوق وقائع متناقضة.

مقالات لنفس الكاتب