أزمة انفصال جنوب اليمن ليست مفاجئة لمن كان يراقب ما يحدث هناك منذ عام 2011م، وما حدث من منعطفات بعد عام 2015م. فقد تداخلت حسابات إقليمية أحدثت تغيرات عميقة تمهيدًا لمسار انفصالي، ذلك الحلم الذي لم يغب طويلًا عن الجنوبيين منذ عام 1990م. ما يستحق التوقف هو سرعة الاستجابة الإقليمية لاحتواء الانزلاق نحو الانفصال، وهذه الاستجابة سيتذكرها اليمن في المستقبل ويعرف قيمتها ويشكر عليها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان. فحتى الذين يرون أن من حق الجنوبيين أن يستعيدوا "دولة الجنوب" لا يرون أن هذه اللحظة مناسبة لحدوث ذلك.. فالدولة المركزية غير موجودة في اليمن الآن، مركز الثقل السياسي للحكومة المعترف بها دوليا بات في المملكة العربية السعودية، أما الحوثيون فيرتبطون بمحور إقليمي تقوده إيران، وخلال السنوات الأخيرة تداخل القرار الجنوبي مع رعاية إماراتية. ولا يمكن الحديث عن شكل الدولة، الانفصال أو البقاء، في بلد تآكلت فيه الدولة نفسها، وتآكلت نخبها السياسية والفكرية وبات هم الإنسان فيها البقاء على قيد الحياة ولو برغيف خبز يابس. ولذلك يصعب أن يُقدَّم الانفصال الآن كمشروع مجتمعي ناضج في ظل غياب الدولة وتعدد الرعايات الخارجية.
مشكلة اليمن أن الوحدة التي كان يحلم بها وحدثت في عام 1990م، حدثت على عجل، دون رؤية واحدة لمفهوم الوحدة. دخل كل طرف وهو يحمل تعريفًا مختلفًا لمعنى الدولة. الجنوب يرى الدولة جهازا مؤسسيًا وصيغة تحديث اجتماعي. أما الشمال فكان يرى الدولة تفاهمًا بين قوى محلية تُدار عبر شبكات النفوذ. ولم تستطع الدولة على مدى ثلاثة عقود، تقريبًا، أن تعالج هذه المشكلة وتبني وعيًا بالوحدة وبفكرة اليمن بعيدًا عن خطاب الجنوب والشمال. جرى القفز على كل ذلك حتى بعد حرب عام 1994م. لم يكن ينقص علي عبد الله صالح الدهاء؛ لكنه بعد الحرب وضع "الغلبة" محل "العقد الاجتماعي" وأعطى "الوحدة" معنى أقرب إلى النتيجة العسكرية منها إلى التسوية المتوازنة التي يمكن أن تذوب خلالها كل الأفكار الانفصالية. منذ تلك اللحظة صار الانفصال فكرة قادرة على العودة متى ضعفت الدولة المركزية، لا لأن الانفصال قدر تاريخي، بل لأن الدولة لم تنجح في تحويل الوحدة إلى تجربة مواطنة عادلة.
من يقرأ اليمن جيدًا، ويفهم سياقاته الثقافية الداخلية وتركيبته القبلية والمناطقية يستطيع أن يعرف أن أزمته أزمة بنية. أعني أن الأزمة نابعة من هشاشة الدولة، ومن الاقتصاد الضعيف، ومن التوازنات الأمنية التي لم تستطع أن تنتج مؤسسات قادرة على احتكار القوة أو توزيع الموارد بعدالة. وعندما تغيب المؤسسات، يصبح "الوطن" موضوع منافسة بين شبكات القوة، لا إطارًا مشتركًا لحماية الحقوق. القضية الجنوبية خرجت من هذا الفراغ، واتكأت على مظالم سياسية وحقوقية واقتصادية وتحولت إلى خطاب سيادي، ثم إلى حركة احتجاج، ثم إلى تنظيمات مسلحة وسياسية. وفي اللحظات التي ينهار فيها المركز ـ كما حدث في 2011م، ثم بصورة أكثر عمقًا بعد 2015م، ـ خرجت الفكرة من الظل إلى الشارع، وتحولت عدن إلى منصة احتجاج ضد "الوحدة" بوصفها تجربة إقصاء لا تجربة شراكة. ولنا أن نتصور حدوث كل هذا في وقت تغيب فيه الدولة المركزية.
لكن ما يعني دول الخليج في هذه اللحظة وبشكل خاص سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية ليس السياق التاريخي رغم أهميته في فهم ما حدث.. ما يهم هذه الدول الآن هو طريقة انزلاق هذا التاريخ إلى الجغرافيا الأمنية. انفصال الجنوب اليمني إن حدث في أي ظرف من الظروف وتحت أي تسوية كانت من شأنه أن يعيد توزيع السلطة على الساحل اليمني الأطول والأكثر حساسية. وهذا يعني أن يتحول النزاع الداخلي في اليمن إلى مسألة أمن بحري وحدودي شديد الحساسية بالنسبة للمنطقة والعالم. يطل الشريط الساحلي في اليمن على بحر العرب، وعلى خطوط التجارة الدولية، وعلى باب المندب إضافة إلى مجموعة مهمة من الموانئ التي يمكن أن تتحول في ظل غياب الدولة المركزية إلى أدوات حرب ونفوذ وكالة. والفراغ في أي دولة، وخاصة اليمن، يدار عبر جماعات مسلحة ترى في تلك المنطقة سوقًا مفتوحة للسلاح والتهريب والابتزاز السياسي.
والمملكة العربية السعودية هي أول من يتلقى ارتداد هذا الاضطراب. حدودها الطويلة مع اليمن تُحوّل أي تفكك جديد إلى تهديد متعدد الطبقات: تسلل، وتهريب، وصواريخ ومسيّرات، وتنافس بين قوى يمنية تبحث عن سند خارجي. وكانت الرياض عبر التاريخ تنظر إلى اليمن باعتباره عمقًا أمنيًا أكثر من كونه جارًا بحكم الجغرافيا. لكن التجربة منذ 2015م، أثبتت أن إدارة اليمن بمنطق "الأمن الخالص" لا تكفي. الأمن يحتاج إلى دولة يمنية قابلة للحياة. والدولة القابلة للحياة تعني ـ قبل كل شيء ـ تسوية داخلية تسبق الترتيبات الأمنية، لا تُستبدل بها. وجزء كبير من الموارد التي ابتلعتها الحرب كان يمكن ـ لو وُجّه سياسيًا ـ أن يفتح مسار تسوية ويبني ذلك اليمن القابل للحياة فعلًا.
أما سلطنة عُمان فموقعها مختلف، لكن من الخطأ أن تختصر حساسية علاقتها باليمن في "حدود المهرة". ترتبط عُمان مع اليمن بعلاقات اجتماعية وتجارية وامتدادات بشرية وثقافية وعلاقات شديدة التداخل والتعقيد. وبحكم هذا التماس يصبح أي صراع، عسكري أو صراع نفوذ، في المهرة وحضرموت خطرًا مباشرًا على استقرارها الحدودي وعلى توازنها الإقليمي. لكن عُمان تملك، في المقابل، ما لا يملكه كثيرون؛ تملك رصيدًا كبيرًا من الثقة، ثقة اليمنيين قبل غيرهم، كما تملك قناة اتصال لا تستهلك بسرعة؛ لأن سمعتها الدبلوماسية قامت على خفض التوترات لا على الاستثمار فيها. وهذه ميزة استراتيجية لسلطنة عُمان في لحظة تتناقص فيها القنوات الموثوقة. وتُظهر التجربة أن بعض مقاربات النفوذ في اليمن تفضّل ترتيبات السيطرة المحلية على بناء دولة جامعة، وهو ما يدفع عمليًا نحو مزيد من التشظي في لحظة يبدو فيها اليمن ضعيفًا وليس في ذروة وعيه الفكري والسياسي حول الانفصال وجدواه وأثمانه.
لكن جوهر أزمة الجنوب اليوم ليس في "مطالب الانفصال" وحدها، بل في أن هذه المطالب تقع داخل مشهد يمني ممزق، وداخل جنوب ممزق أيضًا. لم يكن الجنوب في يوم من الأيام كتلة سياسية واحدة. تختلف عدن عن حضرموت، وشبوة لها حساباتها الخاصة، والمهرة لها حساسياتها، والتوازنات القبلية والاقتصادية تختلف من محافظة لأخرى. هذا التشظي لا يُلغي فكرة الانفصال، لكنه يجعلها خطرًا مضاعفًا إذا جرى التعامل معها كحل سريع. والانفصال في ظرف كهذا، وفي جميع الظروف في الحقيقة، لا يمكن أن يبدو مسارًا للاستقرار بقدر ما يبدو وصفة لصراع جديد جنوبي ـ جنوبي على من يمثل الجنوب ومن يحكمه ومن يملك الموانئ ومن يقرر مصير الثروة. وهذا بدوره سيجعل اليمن ينتقل من "وحدة متعثرة" إلى "انفصال متعثر"؛ أي من أزمة دولة إلى أزمة دولتين.
نحتاج هنا أن نفرق بين نوعين من السيناريوهات: سيناريوهات الاستقرار وسيناريوهات الانفجار.
سيناريو الاستقرار الأكثر واقعية ـ والأقل كلفة على الشعب اليمني والجوار ـ هو إعادة تعريف الدولة اليمنية بصيغة واضحة في حوار وطني يمني يعطي الجنوب ضمانات سياسية واقتصادية وأمنية قابلة للتنفيذ، ويغلق ملفات ما بعد 1994م، التي تحولت إلى وقود دائم، بما في ذلك نزاعات الأرض والإقصاء الوظيفي وتسريح قطاعات من الجهازين المدني والعسكري. وهذا هو الحد الأدنى لبناء ثقة جديدة. ويبني ثقافة جديدة تقوم على فكرة المواطنة. الجميع مواطنون في اليمن بغض النظر عن المناطق التي ينتمون إليها. وهذا الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة، تبدأ من عدالة الدولة تجاه مواطنيها مرورًا ببناء الوعي عبر التعليم ووسائل الإعلام والخطاب الديني. سيحتاج الأمر إلى سنوات ولكن لو نفذ بمسؤولية وإيمان من شأنه أن يمنع اليمن من العودة إلى أزمة انفصال جديدة سواء ناتجة عن قرار داخلي أو استقطاب خارجي.
أما سيناريوهات الانفجار فتبدأ حين يتحول الجنوب إلى ساحة منافسة إقليمية مفتوحة، أو حين تتقاطع مشاريع الخارج مع تشظي الداخل. لم يعد صراع النفوذ في اليمن خافيًا على أحد ولولا حكمة سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية لدخل اليمن في حرب داخلية جديدة ظاهرها حرب انفصال وباطنها صراع خارجي على النفوذ. ولعل ما حدث يفتح وعيًا جديدًا حول تأثير استقرار اليمن على أمن واستقرار دول الخليج ما يجعلها تعمل بشكل مختلف في بناء يمن قابل للحياة.
يبقى السؤال المهم، لماذا لم تستطع الدولة اليمنية بناء وعي وحدوي جامع خلال العقود الثلاثة الماضية؟ أقرب إجابة على هذا السؤال الخطير هو أن الوعي الوحدوي يحتاج إلى عدالة. وأكثر المؤشرات تشير إلى أن الدولة في اليمن لم تستطع إنتاج مواطنة متساوية. كان الجنوبيون يشعرون على الدوام أن الوحدة صارت بوابة لإعادة توزيع السلطة لصالح نخب من خارج الجنوب، وأن الدولة بعد 1994م، لم تفتح بابًا حقيقيًا لتسوية مظالمهم. وحين تغلق الدولة باب التسوية، تُفتح باب الهوية السياسية البديلة: إقليم، قبيلة، حركة، أو مشروع انفصال. وفي هذه اللحظة يتحول شعار الوحدة ـ مهما كان نبيلًا ـ إلى رمز لفشل الدولة لا لنجاحها.
في تصوري أن على سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية مسؤولية كبيرة في هذه اللحظة التاريخية لليمن. يحتاج الجميع في اليمن اليوم، جنوبيون وشماليون، شرعيون وحوثيون أن يشعروا بيمنيتهم وبانتمائهم لليمن لا إلى غيره، اليمن الذي قلنا إنه لا بد أن يكون قابلا للحياة ويمكن للجميع أن يضحي من أجله موحدًا. يحتاج هذا الأمر إلى فتح حوار وطني لا يستثني أحدًا من مكونات اليمن، سواء المكونات المناطقية والقبلية والطائفية. فلا معنى لأي مشروع سياسي لا ينظر لليمنيين باعتبارهم سواسية تحت سقف الوطن.
وتستطيع، في تصوري، سلطنة عُمان صياغة مقاربة خليجية مبنية على فهم/ وتماس مع الثقافة اليمنية والعمق الاجتماعي والبناء القبلي تثبت أن اليمن لا يمكن أن يكون ساحة لإثبات النفوذ.. اليمن إذا أرادت دول الخليج أن تنظر له من كل الزوايا هو اختبار لنجاح دول الخليج في صناعة الاستقرار على حدودها.
في النهاية، الحديث عن "أمن الخليج" عبر بوابة جنوب اليمن لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتجاهل حقوق اليمنيين أو لتجميد مطالبهم. العكس هو الصحيح: أمن الخليج طويل الأمد لن يتحقق إلا إذا شعر اليمنيون ـ جميع اليمنيين ـ أن الدولة أو الكيان السياسي الذي يعيشون فيه يحميهم بالتساوي.
أهم ما يحتاجه اليمن في هذه اللحظة هو سلسلة خطوات عملية وصادقة تمنع المزيد من الانهيار وتصنع مساحة لعودة سياسية على قاعدة المواطنة لليمن وحده. والخلاصة النهائية أن اليمن القابل للحياة هو الضمانة الوحيدة لحدود خليجية قابلة للحياة.





