array(1) { [0]=> object(stdClass)#14443 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 219

رؤية السعودية للأمن الإقليمي: الصبر الاستراتيجي وتراكم القوة وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية القادرة

السبت، 28 شباط/فبراير 2026

لم يعد الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط مفهوماً جامداً يقاس بميزان القوى العسكرية وحدها، ولا يختزل في معادلات الردع التقليدية أو في شبكات التحالفات الصلبة كما كان الحال في العقود الماضية.

العالم يتغير بوتيرة متسارعة، لذا نجد أن القوة الدولية، تتحرك وأشكال التهديد تتبدل، ولم تعد الفضاءات التي تدور فيها الصراعات محصورة في البر والبحر والجو، بل امتدت إلى الاقتصاد والفضاء السيبراني والإعلام والوعي المجتمعي، وفي هذا السياق المتحول تجد الدول نفسها أمام اختبار تاريخي: إما أن تعيد تعريف أمنها وموقعها في النظام الإقليمي والدولي، أو أن تبقى أسيرة معادلات قديمة لم تعد قادرة على توفير الحماية والاستقرار.

في قلب هذه التحولات برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة العربية الأكثر قدرة على قراءة التحول الدولي واستيعاب انعكاساته على الإقليم والأكثر استعداداً لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي، انطلاقاً من مصالحها الوطنية ومن إدراكها لمسؤوليتها الجيوسياسية، فلم يعد دورها مقتصراً على حماية حدودها أو الدفاع عن توازنات تقليدية، بل تطور إلى محاولة واعية لإعادة هندسة بيئة الأمن الإقليمي ذاتها، عبر مقاربة تجمع بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي.

لقد شهدت المنطقة خلال العقدين الماضيين سلسلة من الاضطرابات العميقة التي كشفت هشاشة بنى الدولة في عدد من الأقطار العربية، وأظهرت أن الخطر لم يعد يقتصر على جيوش نظامية معادية، بل يتمثل في انهيار الدولة نفسها، وفي صعود فاعلين مسلحين عابرين الحدود، وفي أيديولوجيات تستثمر في الانقسام الطائفي والسياسي، هذه التحولات فرضت على المملكة إعادة النظر في فلسفتها الأمنية، فالأمن لم يعد مسألة جغرافيا فقط بل مسألة منظومة شاملة تشمل الدولة والمجتمع والاقتصاد والهوية.

وانطلاقًا من هذا الإدراك تطور المفهوم السعودي للأمن الإقليمي ليصبح أكثر شمولاً وعمقاً فكان الهدف قديماً ردع التهديد عند حدوده والآن أصبح الهدف منع تشكيله في الأصل، ولم يعد كافياً إدارة الأزمات بعد اندلاعها، بل أصبح ضرورياً الاستثمار في الوقاية الاستراتيجية وهذا التحول في الفهم يعكس انتقالاً من عقلية الدفاع عن الوضع القائم إلى عقلية صناعة بيئة أكثر استقراراً.

البيئة الدولية أسهمت في هذا التحول فمع تراجع أحادية القطبية وصعود ملامح تعددية دولية غير مستقرة لم يعد ممكناً الاعتماد على مظلة واحدة أو رهان واحد، لذا نجد أن الدول الكبرى تعيد أولوياتها، والتحالفات لم تعد ثابتة كما كانت، ففي هذا السياق اختارت المملكة مسار الاستقلالية الاستراتيجية، فحافظت على شراكاتها التقليدية لكنها في الوقت نفسه وسعت شبكة علاقاتها الدولية، واتبعت سياسة تنويع الخيارات بدل الارتهان لمحور واحد، وهذا التوجه لا يعكس تذبذباً بل يعكس قراءة واعية لحقيقة أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يكون رهينة لتجاذبات القوى الكبرى، وأن الدولة التي تملك هامش حركة أوسع تكون أقدر على حماية مصالحها .

وفي موازاة هذا التحول الخارجي شهد الداخل السعودي عملية إعادة بناء شاملة لمفهوم الدولة الحديثة ، فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي تعيشها المملكة في اطار (رؤية المملكة 2030) ليست منفصلة عن البعد الأمني بل تشكل احد أعمدته الأساسية، فالدولة التي تنجح  في تنويع اقتصادها وتطوير مؤسساتها وتعزيز مشاركة مجتمعها تتبنى حصانة داخلية تقلل من قابلية الاختراق، وتزيد من قدرتها على التأثير الإقليمي، لأن الأمن لا يبدأ من السلاح بل يبدأ من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ومن ثقة المواطن في مؤسسات الدولة .

هذا الربط بين الأمن والتنمية يمثل أحد أبرز ملامح التحول السعودي، فالمملكة أدركت أن هشاشة الاقتصاد يمكن أن تتحول إلى تهديد أمني وان البطالة والفقر والتهميش بيئات خصبة للتطرف والفوضى، لذلك جاء الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والتقنية بوصفه استثماراً طويل الأمد يؤدي إلى الاستقرار، وعندما تتبنى دولة بهذا الحجم مشروعاً تنموياً طموحاً فإن انعكاساته لا تبقى داخل حدودها بل تمتد إلى محيطها الإقليمي حيث تصبح نموذجاً ومصدر ثقة واستقرار.

إلى جانب التنمية اعتمدت المملكة سياسة دبلوماسية نشطة تقوم على خفض التوترات وتوسيع مساحات الحوار ، فالمنطقة عانت طويلاً من صراعات استنزفت الجميع دون أن تنتج حلولاً دائمة ، ومن هنا برز توجه سعودي نحو هندسة التهدئة بدل الاكتفاء بإدارة الصراع وهذا لا يعني التخلي عن أدوات الردع او تجاهل التهديدات، بل يعني توظيف القوة ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تقليل بؤر التوتر وتحويل مسارات الصراع إلى مسارات سياسية، فالاستقرار المستدام لا يبنى بالقوة الصلبة، بل يحتاج إلى قنوات اتصال وإلى قدرة على إدارة الخلاف دون انزلاق دائم إلى المواجهة .

ويمثل الخليج العربي محوراً مركزياً في هذه الرؤية، فاستقرار الخليج ليس شأنًا محلياً، بل قضية ذات أبعاد دولية، نظراً لدوره في أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، ومن هذا المنطلق تسعى المملكة إلى تعزيز مفهوم الأمن الجماعي الخليجي عبر التنسيق السياسي والعسكري والاقتصادي وبناء شبكة أمان إقليمية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة، غير أن هذا المسار ليس خاليًا من التعقيدات إذ تتباين أحيانًا أولويات الدول وتتداخل الحسابات الوطنية مع الضغوط الدولية ومع ذلك يبقى تعزيز التكامل الخليجي حجر الزاوية في أي تصور سعودي لأمن خليجي عربي أوسع .

إن التحديات التي تواجه هذا المشروع ليست سهلة فالمنطقة لا تزال تعاني من هشاشة في بعض دولها وكذلك وجود جماعات مسلحة لا تخضع لمنطق الدولة، ومن احتمالات تصعيد مفاجئ نتيجة حسابات خاطئة أو تدخلات خارجية، كما أن التحولات في سوق الطاقة العالمي والانتقال إلى مصادر بديلة يفرضان على الدول المنتجة للنفط إعادة تموضع استراتيجي طويل الأمد، إلا أن ما يميز المقاربة السعودية هو تبنيها عقلية إدارة المخاطر بدل انتظارها والاستعداد المسبق للتكيف مع التحولات بدل الاكتفاء بردود الفعل.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة تبدو المملكة اليوم كفاعل يسعى إلى إعادة صياغة للأمن الجماعي الإقليمي كمهندس محتمل لمرحلة جديدة، وتعتبر انتقال من أمن الضرورة التي تفرضه التهديدات المباشرة إلى أمن الرؤية الذي يبنى على تصور بعيد المدى لمستقبل المنطقة، وهذا الانتقال يتطلب شجاعة سياسية وقدرة على الموازنة بين الحزم والمرونة وبين حماية المصالح والانفتاح على التسويات.

ان إعادة هندسة الأمن الإقليمي ليست مشروعًا قصير الأمد بل هي مسارًا طويلًا تحكمه تعقيدات التاريخ والجغرافيا والسياسة، غير أن ما تشهده المملكة من تحولات داخلية عميقة وما تمارسه من دبلوماسية نشطة وما تملكه من ثقل اقتصادي وروحي وسياسي يمنحها قدرة فريدة على التأثير في هذا المسار، فهي لا تتحرك بوصفها دولة تبحث عن دور بل بوصفها دولة تعيد تعريف دورها بما يتناسب مع مرحلة إقليمية جديدة.

وفي عالم يتراجع فيه اليقين وتختلط في التحالفات وتتشابك فيه المصالح تصبح القدرة على صناعة الاستقرار ميزة استراتيجية نادرة، والمملكة العربية السعودية عبر رؤيتها المتجددة ومقاربتها الشاملة للأمن تسعى إلى أن تكون أحد أعمدة هذا الاستقرار ليس عبر الهيمنة أو الإملاء بل عبر بناء توازنات عقلانية ودعم الدولة الوطنية وربط الأمن بالتنمية وتجويل الإقليم من ساحة صراع دائم إلى فضاء قابل للإدارة والتفاهم.

وعندما ننظر إلى الدور العربي فقد ظل أسير فكرة الإجماع المستحيل، فسنوات طويلة أهدرت في انتظار توافق شامل لا يأتي، بينما كانت الأزمات تتفاقم، لذلك المقاربة السعودية كسرت هذا القيد النفسي والسياسي وانتقلت إلى منطق الدوائر الفاعلة بدل الكتلة المعطلة وإلى العمل مع القادرين على الفعل بدل الارتهان للأضعف، هذا التحول يبدو صادماً للبعض لكنه في الحقيقة يعكس نضجاً استراتيجياً طال انتظاره، كما إن ربط التنمية بالأمن شكّل ضربة مباشرة للفكر العربي التقليدي الذي فصل بين السياسة والاقتصاد، فالاستثمار في الدول الهشة ودعم الاستقرار المالي والمشاركة في إعادة الإعمار لم تعد تقدم بوصفها مساعدات بل بوصفها أدوات لإعادة تشكيل التوازنات وتقليص مساحات الفوضى، فالدولة التي تملك اقتصاداً متيناً ونفوذًا استثماريًا تستطيع أن تؤثر دون أن تطلق رصاصة واحدة.

غير ان هذا المسار لا يخلو من مقاومة الخصوم وكذلك مقاومة من داخل البيئة العربية نفسها، فهناك قوى اعتادت على الفوضى، ونخب راكمت مصالحها في ظل الضعف، وترى في أي مشروع استقرار تهديداً لها.

إن إعادة تعريف الأمن الإقليمي كما تطرحه السعودية لا تعني نهاية الصراعات فوراً لكنها تعني نهاية الوهم بأن الأمن يمنح وأن الدور يورث وأن الاستقرار يتحقق بدون كلفة، إنها رؤية تقوم على الصبر الاستراتيجي وتراكم القوة وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية القادرة.

إنها لحظة إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن الإقليمي ومفهوم الدور العربي في عالم متغير، وفي هذه اللحظة تبدو المملكة وكأنها تنتقل من موقع المتأثر بالتحولات إلى موقع المشارك في صياغتها ومن حالة الدفاع عن التوازن إلى حالة المساهمة في تشكيله وهذا التحول إذا استمر وتعمق قد يشكل أحد أهم المنعطفات في تاريخ الأمن الإقليمي العربي في العقود القادمة.

مقالات لنفس الكاتب