array(1) { [0]=> object(stdClass)#14443 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 219

5 مراحل للعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية من الشراكة مع الشاه إلى الحرب المفتوحة

السبت، 28 شباط/فبراير 2026

تُعد العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية  والولايات المتحدة الأمريكية من أكثر العلاقات الثنائية تعقيداً وتوتراً في التاريخ الدولي المعاصر. تحولت هذه العلاقة من تحالف استراتيجي وثيق في عهد الشاه محمد رضا بهلوي إلى مواجهة شاملة أيدولوجية وسياسية وعسكرية بعد الثورة الإسلامية عام 1979م.

على مدى أكثر من أربعة عقود، شهدت هذه العلاقات دورات متكررة من التصعيد الحاد والتهدئة النسبية، مدفوعة بقضايا مركزية مثل البرنامج النووي الإيراني، دعم إيران لفصائل منضوية تحت "محور المقاومة"؛ العقوبات الاقتصادية الأمريكية الشديدة، والتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط.

في 6 فبراير 2026م، يقف الملف عند نقطة تحول حرجة عندما استأنفت محادثات غير مباشرة في العاصمة العمانية مسقط، مع وصف الجانبين لها بـ “البداية الجيدة"، وسط حشود عسكرية امريكية مكثفة بالقرب من المجال الحيوي الإيراني؛ ومشاكل اقتصادية بسبب العقوبات الأمريكية ادت إلی احتجاجات واعمال عنف منذ ديسمبر 2025 م، اضافة إلی زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في الحادي عشر من فبراير 2026م، لمناقشة ملف المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

يهدف المقال إلى تقديم استعراض تاريخي شامل وموضوعي منذ انتصار الثورة الاسلامية عام 1979م، وتأسيس الجمهورية الاسلامية علی أنقاض النظام الشاهنشاه السابق، مع تحليل الوضع الراهن، العوامل المؤثرة، واستشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة.

التطور التاريخي.. مراحل الصراع الرئيسية

المرحلة الأولى: القطيعة الأولى والأزمات الحادة 1979- 1989

بدأ الانهيار الجذري للعلاقات مع الثورة الإسلامية في شباط فبراير 1979م، التي أطاحت بالشاه المدعوم أمريكياً. كان الشاه حليفاً رئيسياً لواشنطن في الحرب الباردة، حيث دعمت الولايات المتحدة انقلاب عام 1953م، ضد رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدق للحفاظ على مصالح النفط الغربية. أثار هذا التدخل استياءً شعبياً إيرانياً عميقاً، استغله الإمام آية الله الخميني لتصوير أمريكا بـ “الشيطان الأكبر".

الأزمة الرئيسية كانت احتلال السفارة الأمريكية في طهران في نوفمبر عام 1979م، واحتجاز 52 دبلوماسياً أمريكياً لـ 444   يوماً، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً وفرض عقوبات اقتصادية أمريكية أولية.

فشلت عملية "مخلب النسر" التي قادتها القوات العسكرية الأمريكية في صحراء طبس الإيرانية  عام 1980م لإنقاذ الرهائن الأمريكيين المحجوزين في السفارة الأمريكية بطهران.

خلال الحرب الإيرانية  - العراقية " 1980–1988" دعمت واشنطن العراق سراً، بينما تورطت في فضيحة "إيران-كونترا" لبيع أسلحة سرية لإيران لتمويل متمردين في نيكاراغوا.

انتهت المرحلة بمواجهات بحرية في المياه الخليجية " 1987–1988”، أبرزها إسقاط البحرية الأمريكية طائرة ركاب إيرانية عام 1988م، مما أسفر عن مقتل 290 مدنياً.

المرحلة الثانية: الاحتواء المزدوج والعقوبات الدولية “1990- 2012".

مع نهاية الحرب الباردة، اعتمدت إدارتا بوش الأب وكلينتون سياسة "الاحتواء المزدوج" ضد إيران والعراق. صنفت إيران "دولة راعية للإرهاب" منذ 1984م، بسبب دعمها لحزب الله اللبناني بعد تفجيرات بيروت عام 1983م؛ وحركة حماس الفلسطينية. واستنادا علی ذلك فرضت الولايات المتحدة عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية المتعاملة مع قطاع الطاقة الإيراني الذي عرف بقانون داماتو. 

برزت المسألة النووية عام 2002م، مع الكشف عن منشآت نووية في مدينتي "نطنز" و "اراك" لم تكن إيران قد ابلغت عنها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما أثار مخاوف غربية من سعي إيران لامتلاك السلاح نووي رغم نفي طهران المتكرر والتأكيد علی انها لم تستكمل مشروعها لتبلغ به الوكالة المذكورة؛ علما ان إيران موقعة علی معاهدة حظر الانتشار النووي عام 1971م.

وبين الأعوام 2006 و2012م، أصدر مجلس الأمن الدولي ست قرارات عقابية، شملت حظراً على تصدير التكنولوجيا النووية، تجميد أصول، وحظر سفر مسؤولين إيرانيين.

في عهد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد "2005–2013"، تصاعدت المواجهة مع إيران عندما تم اغتيال علماء نوويين إيرانيين اتهمت فيه طهران جهاز المخابرات الاسرائيلي الموساد وبدعم امريكي بالضلوع بهذه العمليات.

المرحلة الثالثة: الدبلوماسية المؤقتة " 2013- 2020"

مع انتخاب حسن روحاني عام 2013م، لرئاسة الجمهورية في إيران، فتحت نافذة دبلوماسية عبر مفاوضات سرية عُمانية في عهد الرئيس الأمريكي باراك اوباما أدت إلى اتفاق مؤقت عام 2013م، ثم الخطة الشاملة المشتركة "JCPOA" في يوليو من العام  2015 م، والذي عرف بــ "الاتفاق النووي" الذي حد انشطة تخصيب اليورانيوم الإيرانية  بنسبة 3.67 بالمئة لمدة 15 عاما ؛ وان لايتجاوز المخزون من اليورانيوم المخصب 300 كيلوغرام مع رقابة مشددة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل رفع كامل للعقوبات الاقتصادية تتزامن مع تنفيذ الاتفاق الذي ينتهي في اكتوبر 2025م. لقد اتاح هذا الاتفاق انتعاشاً اقتصادياً إيرانياً مؤقتاً وانخفاض التوترات بشكل ملحوظ بين طهران وواشنطن الا ان انتخاب المرشح الجمهوري دونالد ترامب في نوفمبر من العام 2016م، لرئاسة الجمهورية أعاد التوتر بين البلدين بعدما شهدت العلاقات الثنائية حالة من الثقة المتبادلة النسبية؛ حيث اقدم الرئيس ترامب في مايو 2018م، الانسحاب من الاتفاق النووي معتبرا اياه "اتفاق سيء" لعدم تغطيته منظومة الصواريخ البالستية أو الأنشطة الإقليمية ، وأعاد فرض "الضغوط القصوی" مما دفع إيران إلی زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلی 60 % بعدما تخلت الدول الأوروبية عن تنفيذ بنود الاتفاق النووي .

ومع عودة تنظيم الدولة للمنطقة في سوريا والعراق؛ عادت لغة التهديد تتصاعد من البلدين وبلغ ذروة هذا التصعيد عندما اقدمت الولايات المتحدة اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الاستخباراتي في يناير عام 2020م؛ تلاه رد إيراني بالصواريخ علی قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق.

المرحلة الرابعة: الجمود؛ التصعيد العسكري والاحتجاجات "2021 – 2925 "

في عهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، جرت مفاوضات غير مباشرة بين طهران وواشنطن خلال الأعوام "2021- 2022" في العاصمة النمساوية فيينا لإحياء الاتفاق النووي لكن هذه المفاوضات بائت بالفشل بعد تمسك الجانب الإيراني بضمانات لإزالة العقوبات وعدم رغبة الجانب الأمريكي اعطاء مثل هذه الضمانات.

وبعد دخول الرئيس ترامب البيت الابيض وفوز الرئيس مسعود بزشكيان بالانتخابات الرئاسية شهدت طهران وواشنطن في ابريل من العام 2025م، مفاوضات في العاصمة العمانية مسقط حيث تم عقد 5 جولات ؛ إلا أن الرئيس ترامب اعطى الضوء الاخضر لإسرائيل بالهجوم على إيران قبل 48 ساعة من موعد الجولة السادسة التي كان مقررا لها ان تعقد في 15 يونيو من ذلك العام؛ وقد استكمل الرئيس ترامب عمله في اصدار اوامره لطائرات B2 للاقلاع من الاراضي الأمريكية واستهداف المنشأءات النووية الإيرانية  في "نطنز وفوردو واصفهان" مما أدی الی تحطيم طاولة المفاوضات التي كانت قائمة برعاية عمانية   .

المرحلة الخامسة: الوضع الراهن فبراير 2026

بذلت دول عربية كمصر وقطر وعمان إضافة إلی تركيا جهود سياسية لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ونجحت في عقد الجولة الأولی من مفاوضات مسقط 2 في العاصمة العمانية شارك فيها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي رأس الوفد الإيراني فيما شارك الجانب الأمريكي بوفد راسه استيف ويتكوف مندوب الرئيس الأمريكي للشرق الاوسط وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي ترامب. الجانبان وصفا مفاوضات الجولة الأولی "بداية جيدة" لكن كل المعلومات لم تكن تتحدث عن مسير المفاوضات علی السجادة الحمراء بسبب التزم كل طرف بشروطه لكن الجانبين اتفقا علی الاستمرار لكن دون تقدم ملموس.

الولايات المتحدة الأمريكية تصر علی تفكيك انشطة تخصيب اليورانيوم؛ واخضاع البرنامج النووي الإيراني لرقابة دولية مشددة؛ واعادة هيكلية الصواريخ البالستية الإيرانية  بالشكل الذي لاتتعدی 500 كيلومتر اضافة إلی اعادة النظر في دور إيران الاقليمي؛ فيما ترى إيران إنها تستطيع أن تزيل القلق من برنامجها النووي فيما ترفض مناقشة منظومة صواريخها مع أي جهة أجنبية لأنها – كما تقول طهران – القوة الدفاعية التي تملكها ولا تريد الاعتداء على الغير.

ويسود الاعتقاد بوجود حالة من "عدم ثقة" مطلقة بين الجانبين الإيراني والأمريكي وهذه الحالة من "عدم الثقة" لاتجعل المفاوضات تسير بشكل طبيعي بالشكل الذي يتيح لإيران ازالة القلق عند الجانب الأمريكي مقابل ازالة كافة العقوبات المفروضة عليها.

وفي الوقت الذي زار امين مجلس الامن القومي الإيراني علي لاريجاني مسقط في 10 فبراير 2026م، ولقائه سلطان عمان هيثم بن طارق في محاولة لاستشراف النوايا الأمريكية بشأن المفاوضات؛ زار رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن لحث الرئيس الأمريكي علی عدم الاتفاق مالم يحصل من إيران ضمانات باحترام وصيانة الامن القومي الاسرائيلي.

اوساط مواكبة تعتقد ان العامل الاسرائيلي يٌعتبر من التحديات الكبيرة التي تواجه المفاوضات الإيرانية  الأمريكية الذي يمنعها من التوصل لاتفاق ينهي التوتر في منطقة الشرق الأوسط؛ لان تل أبيب لاتقبل بأقل من إسقاط النظام السياسي في إيران من خلال مواجهة عسكرية مباشرة بين طهران وواشنطن يعمل علی تنفيذها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتری هذه الأوساط أن واشنطن تريد الدخول مع طهران في حرب ليست حربها وإنما هي حرب إسرائيل على إيران؛ ولذلك تدفع طهران أصدقائها في المنطقة لقبول وجهة النظر الإيرانية  في دعوة واشنطن للضغط علی إسرائيل من أجل التوصل مع طهران لاتفاق يزيل القلق عند الجانب الأمريكي من كافة المواضيع التي ترتبط بإيران؛ مقابل ازالة كافة العقوبات المفروضة على إيران.

السيناريوهات المستقبلية

وفي مثل هذه الأجواء خصوصًا في ظل المفاوضات المطروحة حاليًا تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل مفاوضات مسقط 2:

  1. استمرار المفاوضات مع التوصل إلی اتفاق محدود يشمل تجميد بعض الأنشطة النووية مقابل إزالة بعض العقوبات كالسماح بتصدير النفط أو فتح محدود لآلية سويفت للتعاملات المالية بالشكل الذي يحافظ علی حالة "لا سلم ولا حرب" مع استمرار التوتر الإقليمي. وهذا الاحتمال يكتسب من القوة 50 – 60 %.
  2. تصعيد عسكري محدود بسبب فشل المفاوضات تتخلله ضربات جوية جراحية مع رد إيراني محدود علی غرار ما تم في حرب يونيو حزيران الماضي. وهذا الاحتمال وإن كان لايتجاوز 25 – 35 % إلا أنه مقلق للأمن والاستقرار في الإقليم.
  3. تؤدي مفاوضات مسقط 2 إلی اتفاق شامل طويل الامد يقدم كل طرف تنازلات من أجل التوصل لهذا الاتفاق لكن مثل هذا الاحتمال يصعب تصديقه استنادًا للأجواء الحالية لكن يبقی احتمالًا يتراوح بين 10 – 15%.
  4. تكون حرب إقليمية مفتوحة تهدف من خلالها الولايات المتحدة إسقاط النظام السياسي في إيران في حين تعمل إيران للاستفادة من كافة إمكانياتها العسكرية والأمنية لضرب العمق الإسرائيلي إضافة إلی القواعد الأمريكية في الجوار الإيراني مع تهديد القطع العسكرية الأمريكية بما في ذلك حاملات الطائرات الأمريكية. وهذا السيناريو مكلف لكافة الأطراف ما عدا إسرائيل التي تری فيه السيناريو المطلوب والهدف الذي تسعى إليه لتغير النظام في إيران وصولا لتقسيم وتفتيت إيران. وتقول إيران إذا حدث مثل هذا السيناريو فإنها ستستهدف العمق الإسرائيلي بعنف باعتباره القاعدة الأمريكية الأكبر في المنطقة.

 الخاتمة

منذ العام 1979م، شكلت العلاقات الإيرانية  ـ الأمريكية نمطاً من الصراع المدار، مدفوعاً باختلافات ايدولوجية ومصالح جيوسياسية خصوصا بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية  "1980 – 1988" وانتهاء الحرب الباردة وحدوث فراغ في النظام الأمني الإقليمي.

مفاوضات مسقط 2 توفر فرصة للتهدئة والتوصل لاتفاق ينهي هذا الحراك الذي يؤثر بشكل مباشر علی الأمن والاستقرار في المنطقة. وعلی دول الإقليم العمل علی إنهاء هذا التصعيد في إطار اتفاق مستدام يتزامن مع إطار أمني تشارك فيه كافة دول المنطقة بما في ذلك إيران لتعزيز الأمن.

مقالات لنفس الكاتب