array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 220

كشفت هجمات 28 فبراير التدهور الأمني لضرب الممرات الحيوية وكلفة التأمين وجداول التسليم

الإثنين، 30 آذار/مارس 2026

تبدو أسواق الطاقة العالمية أكثر تنوعًا عما كانت عليه في السابق لزيادة الإنتاج من خارج منطقة الشرق الأوسط، وتوسع تجارة الغاز، والاحتياطيات الاستراتيجية، ومع ذلك كشفت الهجمات الأمريكية / الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي عن مواطن ضعف عميقة في قدرة هذه الأسواق على الصمود.

لقد برهنت تلك الأحداث على حقيقة أن استقرار الأسواق في أوقات الأزمات لا يتوقف على وفرة الإنتاج بقدر ما يرتهن بضمان النقل الآمن لموارد الطاقة بتكاليف تأمين معقولة. وتجلت هذه الحقيقة بوضوح إبان الرد العسكري الإيراني، وما تلاه من ارتباك في حركة الملاحة الجوية الإقليمية، وسعي المنتجين الخليجيين لرفع وتيرة صادراتهم.

من هنا، تبرز المكانة المحورية لمنطقة الشرق الأوسط في منظومة أمن الطاقة العالمي حيث لا يزال مضيق هرمز الشريان الحيوي الذي يتدفق عبره نصيب وافر من تجارة النفط. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية، عبر المضيق ما بين يناير ومايو 2025 م، نحو 14.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام، و5 ملايين برميل من المشتقات النفطية، وهو ما يعادل تقريباً 34% من إجمالي تجارة الخام العالمية. وقد استأثر المستهلكون الآسيويون بحصة الأسد من هذه الشحنات، حيث نالت الصين والهند وحدهما قرابة 46% منها. وفي ظل محدودية المسارات البديلة لنقل الطاقة، تظل الخيارات المتاحة لتجاوز هذه العقبة محصورة في عدد قليل من المصدرين الخليجيين، في مقدمتهم السعودية والإمارات.

  لماذا أصبحت الممرات المائية أكثر أهمية عن أي وقت؟

تعتمد منظومة أمن الطاقة الحديثة على محاور النقل، والتأمين، والأمور اللوجيستية بقدر اعتمادها على الإنتاج ذاته. فقد يتوفر النفط داخل الآبار أو مواقع التخزين لكنه ربما يفشل في الوصول للأسواق في الوقت المناسب، وبالدرجة الملائمة، أو بأسعار معقولة. وتتضاعف حدة الأزمات نتيجة الترابط الوثيق والتزامن الدقيق في سلاسل الإمداد والأسواق التي تُبادر بتسعير المخاطر قبل حدوثها، وشبح "الإغلاقات الجزئية" الذي يلاحقها، حيث تظل المسارات مفتوحة رسميا مع عدم صلاحيتها للاستخدام التجاري جراء عزوف شركات التأمين، والسفن، والممولين، والموانئ عنها باعتبارها مسارات محفوفة بالمخاطر.

مضيق هرمز والخليج العربي

جاء تقرير وكالة "رويترز" في 28 فبراير بعنوان "نظرة على قطاع الطاقة وبنيته التحتية في إيران"، ليسلط الضوء على الثقل النوعي لإيران في سوق النفط العالمي، كونها ثالث أكبر منتج داخل منظمة أوبك، بما يمثل قرابة 4.5% من معروض النفط العالمي. ويصل إنتاجها لمستوى 3.3 مليون برميل يوميًا من الخام، و1.3 مليون برميل من السوائل الأخرى، ويعبر 90% من صادراتها النفطية من خلال جزيرة "خرج". وقد أشير أيضًا إلى أنها أنتجت نحو 276 مليون متر مكعب من الغاز في عام 2024م، أغلبه من حقل بارس الجنوبي. ولفت التقرير إلى أن الهجمات السابقة ألحقت بالفعل أضرارًا بقطاع البنية التحتية للغاز الطبيعي.

وفي ظل المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، والآن البلدان الخليجية التي لم تسلم من تبعات الرد الإيراني، فإن الخطر محقق على مستويات عدة. ثمة خطر واضح بشأن حدوث اضطراب مباشر ناتج عن استخدام الألغام، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، والتعرض لناقلات النفط، والهجمات على الموانئ، أو استهداف المنصات البحرية ومرافق التحميل. وآخر غير مباشر يتجلى من خلال تغيير مسارات الشحن، وتعليق عمليات العبور، وفرض مناطق حظر عسكرية، وارتفاع حاد في رسوم الشحن والتأمين. كما لا يمكن إغفال خطر التصعيد الناتج عن الازدحام العسكري؛ فكلما ضاقت المسارات المائية بالحشود العسكرية، زادت احتمالية حدوث أخطاء ميدانية ناتجة عن التواجد المتزامن لناقلات الشحن التجارية، والقوات البحرية، والنشاط الدفاعي الجوي المكثف في حيز جغرافي ضيق. وهكذا، حتى الحوادث المحدودة كفيلة بزلزلة الأسواق، نظرًا لأن آليات التسعير لدى التجار لا تقتصر على الانقطاعات المؤكدة فحسب، بل تشمل "تسعير الاحتمالات" بحدوث اضطرابات مستمرة في تدفق الإمدادات.

باب المندب والبحر الأحمر

يمثل مضيق باب المندب خط الصدع الرئيسي الثاني في منظومة الطاقة، حيث يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ولا تقتصر قيمته الاستراتيجية على كونه معبراً حيوياً لإمدادات النفط فحسب، بل يتجاوز ذلك ليكون أحد أهم الشرايين التجارية العالمية. ويحمل تعطل الملاحة في هذا الممر طابعاً تشغيلياً معقداً، فرغم إمكانية إعادة توجيه الشحنات عبر رأس الرجاء الصالح، إلا أن هذا البديل يفرض استغراق مدد زمنية أطول وزيادة في استهلاك الوقود، وتراجع في طاقة الشحن، إلى جانب تنامي حالة عدم اليقين بشأن جداول التسليم. وقد أفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأن تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر باب المندب انخفضت بأكثر من 50% في الأشهر الثمانية الأولى عام 2024م.

في أتون المواجهة العسكرية الراهنة، يكتسب مضيق باب المندب ثقلاً استراتيجياً متصاعداً؛ إذ لم تعد المواجهة بين واشنطن وتل أبيب وطهران حبيسة مسرح جغرافي واحد. بل إن الضغوط على القوى الخليجية باتت تتردد أصداؤها في البحر الأحمر، مدفوعةً بتحركات الميليشيات المتحالفة، أو تكتيكات الرد العسكري غير المباشر والهجمات الانتهازية، وصولاً لترسيخ مناخ من الاستقطاب الإقليمي الحاد. إن اندلاع الصراع هدد شريانين حيويين مثل مضيق هرمز وباب المندب في آن واحد، ينقل الأزمة إلى مستوى من الخطورة يفوق بمراحل عواقب أزمة الممر الواحد. وتكمن هذه الخطورة في التأثير الشامل على لوجستيات نقل الطاقة وتجارة الحاويات بين قارتي آسيا وأوروبا.

البحر الأبيض المتوسط

تتمتع منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بحصانة نسبية تضعها بمنأى عن التهديدات المباشرة التي تتربص بمضيقي هرمز وباب المندب، إلا أن قيمتها الاستراتيجية لأمن الطاقة الأوروبي قد تضاعفت بشكل مطرد خلال السنوات الأخيرة. فمع اندفاع القارة العجوز لتنويع مصادرها بعيداً عن الغاز الروسي، استحال حوض المتوسط شرياناً حيوياً لعبور الطاقة، وركيزة أساسية في الخارطة الشاملة للبنية التحتية للوقود والغاز الطبيعي المسال في أوروبا. ولكن الخطورة في احتمال تمدد شرارة الصراع لتطال موانئ شرق المتوسط، أو ممراته الملاحية، أو أصول الطاقة القائمة فيه؛ فحدوث ذلك، في وقت ترزح فيه طرق الخليج والبحر الأحمر تحت وطأة ضغوط جسيمة، سيفقد أوروبا هامش المناورة اللوجستية في اللحظة التي تشتد فيها حاجتها لامتلاك خيارات بديلة ومستقرة.

الخلاصة الجيوسياسية: بناءً على هذا المشهد، لم يعد البحر المتوسط بالنسبة لأوروبا مجرد "البديل الجاهز" في قائمة الممرات البحرية، بل قد يتحول إلى "قيد ثانوي" يعيق قدرة القارة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية النابعة من الشرق الأبعد.

التطورات المحتملة في سيناريو الحرب الراهنة وأثرها على الأسواق

الحرب البحرية وسيناريو "الإغلاق الناعم"

المشهد استهل فصوله عبر تصعيدٍ مرحلي لزعزعة الأمن البحري؛ إذ لطالما ارتكزت استراتيجية الردع الإيرانية على مبدأ تكبيد الخصوم خسائر جسيمة في عرض البحر، توظيفاً لترسانة الصواريخ، والطائرات المسيرة، والألغام، علاوةً على تكتيكات الملاحقة والمضايقة. وحتى إن أفلحت القوات البحرية الخارجية في تأمين الممرات المائية وإبقائها مفتوحة من المنظور التقني، فإن التداعيات الاقتصادية قد تُفضي إلى ما يُصطلح عليه بـ "الإغلاق الناعم". ويتمثل هذا المفهوم في إقدام شركات التأمين على رفع أقساطها بشكل حاد، وتأجيل موعد مغادرة السفن، وارتفاع أسعار تأجير ناقلات النفط، وتنامي حالة العزوف لدى المقرضين، وتشديد الإجراءات داخل الموانئ.

وعملياً، تتضافر هذه العوامل إلى تقليص الإمدادات ورفع كلفة الشحن. وقد وثقت تقارير رويترز قبيل الضربات هذا المنحى، حيث تجاوزت أسعار شحن ناقلات النفط العملاقة من الشرق الأوسط إلى الصين عتبة الـ 200 ألف دولار يومياً، مسجلةً بذلك أعلى مستوياتها منذ عام 2020م.

الهجمات على البنية التحتية للطاقة

يتمثل التطور الثاني المحتمل في تواتر الهجمات على البنية التحتية للطاقة؛ إذ تتسم منظومات الإنتاج والتصدير الإيرانية بتركيز جغرافي يجعل استهداف الموانئ والمحطات والمنشآت البحرية، أو مرافق معالجة الغاز ومراكز التخزين التابعة لها، كفيلاً بإحداث تداعيات كارثية على الأسواق. وحتى في حال القدرة على إجراء إصلاحات عاجلة، فإن تكرار هذه الضربات يرسخ حالة من عدم اليقين على المدى الطويل.

أما على صعيد أسواق الطاقة، فلا ينحصر الضرر في الفقدان المؤقت لعدد البراميل أو الشحنات، بل يمتد ليشمل سيادة الحذر من مغبة وقوع خسائر إضافية. وتُجمع تقارير رويترز المعنية بالبنية التحتية الإيرانية أو سياق الصراع الراهن، على مدى هشاشة مرافق التصدير وإنتاج الغاز في ظل المعطيات الحالية.

اتساع رقعة الصراع وتعدد مسارح المواجهة

يكمن التطور الثالث في تمدد التصعيد عبر مسارح إقليمية شتى؛ إذ سجلت الأحداث المتلاحقة منذ بدء الهجمات على إيران توسعاً ملحوظاً، تجاوز حدود المواجهة العسكرية الثنائية بين طهران وتل أبيب ليتحول إلى نذير حرب أشمل. وقد طال هذا التصعيد دول الخليج التي وجدت نفسها ضمن دائرة الانتقام الإيراني بزعم استضافتها للقواعد العسكرية الأمريكية.

التقلبات المالية وسيناريوهات التحوط الاستباقي

يبرز التضخم المالي كـرابع التطورات المحتملة؛ إذ لا ترهن أسعار النفط نفسها بالانقطاعات الفعلية للإمدادات فحسب، بل تتحرك مدفوعةً باحتمالات وقوعها أيضاً. وفي هذا السياق، تلقي مخاوف المستثمرين والخسائر المادية بظلال قاتمة على أداء قطاعات حيوية كالشحن، والبتروكيماويات، والطيران، والأسمدة.

ووفقاً لتقارير رويترز، يعكف تحالف أوبك+ على دراسة إقرار زيادة ملموسة في الإنتاج أعقاب الهجمات الأمريكية على إيران؛ وهي إشارات تعكس مساعي حثيثة من المنتجين لاحتواء حالة الذعر قبل أن تتحول إلى أزمة ذاتية التغذية. ومع ذلك، تظل هذه الخطوات مجرد تدابير "تسكينية" لا ترقى لمستوى العلاج الجذري؛ كون المنطقة التي تمد الأسواق بإمدادات الطوارئ هي ذاتها التي ترزح تحت وطأة شبح الاختناق.

الانعكاسات على سلاسل الإمداد العالمية

أي اضطراب يمس مضيقي هرمز أو باب المندب تتردد أصداؤه في شتى مفاصل الاقتصاد العالمي. فعلى سبيل المثال، يولد ارتفاع أسعار النفط أو الغاز الطبيعي المسال قفزة تلقائية في تكاليف الشحن والعمليات الصناعية، بينما يؤدي اضطرار السفن لتغيير مساراتها إلى زيادة استهلاك الوقود وتأخير سلاسل التسليم. علاوة على ذلك، فإن إطالة أمد الرحلات البحرية عبر المسارات البديلة يستنزف المعروض من السفن والحاويات، مما يؤجج حدة المنافسة في أسواق الشحن. والنتيجة هي "صدمة مركبة" تجمع بين غلاء الطاقة وتقلبات التجارة؛ وهو ما جسده تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بشأن هجمات البحر الأحمر، موضحاً كيف يمكن لانعدام الأمن في ممر مائي واحد أن يحرف تدفقات النفط نحو رأس الرجاء الصالح، ملقياً بضغوط هائلة على منظومة النقل العالمية.

وفي هذا السياق، تبرز الدول النامية كالحلقة الأضعف والأكثر عرضة للمخاطر؛ نظراً لارتباطها الوثيق باستهلاك الوقود، ومعاناتها من هشاشة العملات المحلية وضيق هوامش الربح، ناهيك عن محدودية مخزوناتها الاستراتيجية. ومن ثم، فإن الوثبات المفاجئة في أسعار الطاقة والشحن تذكي نيران التضخم، وتضاعف أعباء الدعم الحكومي، وتعمق أزمات الدين العام، وصولاً إلى تقويض الاستقرار المحلي. بناءً على ذلك، لا يمثل انعدام الاستقرار في الممرات البحرية أزمة طاقة فحسب، بل هو اختبار هيكلي لقدرة المنظومة التجارية على الصمود، وكفاءة إدارة التضخم، وصون الاستقرار السياسي.

ما شكل الاستجابة المحتملة للمجتمع الدولي؟

تنقسم الاستجابات الدولية إلى ثلاثة محاور: الدبلوماسي، الأمني، والاستقرار الاقتصادي. دبلوماسيًا، من المتوقع أن تسعى القوى العظمى والوسطاء الإقليميين إلى اعتماد قنوات فض النزاعات، وعقد تفاهمات مؤقتة، والعمل على الحيلولة دون امتداد الصراع إلى الفضاء البحري. ومن شأن أي تقدم دبلوماسي، حتى وإن كان محدودا، أن يحد من مخاوف الأسواق إذا عمل بشكل موثوق على خفض المخاطر الكارثية. على الصعيد الأمني، من المرجح أن تشهد الدوريات البحرية ومهام المرافقة لسفن الشحن اتساعًا. حيث تساعد هذه التدابير في الحد من التهديدات واستعادة الثقة بشكل جزئي، خاصةً ضد أعمال القرصنة أو الهجمات على السفن. مع ذلك قد تواجه هذه المهام قيودًا: ففي بؤر الصراع المشتعلة، يمكن للنشاط العسكري أن يزيد من خطر وقوع حوادث. كذلك لا يمكن لعمليات المرافقة البحرية أن تتبنى تعويضاً كاملاً عن التبعات الاقتصادية الناجمة عن هواجس شركات التأمين وجهات التشغيل، ما لم تنجح في تبديد مخاوفهم وبناء ثقة حقيقية في أمن الممرات. اقتصاديًا، قد تسهم الإمدادات الطارئة، والجهود المنسقة بين الجهات المنتجة، والسحب من المخزونات الاحتياطية، بالإضافة إلى طمأنة الرأي العام، في احتواء حالة الذعر. ولكنها تظل أدوات تفاعلية لكسب بعض الوقت دون معالجة أزمة هشاشة البنية الهيكلية الناتجة عن تركز ممرات نقل الطاقة العالمية في نطاق محدود من الممرات المائية المعرضة للاضطرابات السياسية.

بالتالي، يقتضي الأمر صياغة استراتيجية موثوقة بعيدة المدى لحماية الممرات والمضائق، تضطلع بمهامها على مسارات متوازنة؛ تهدف إلى تعزيز الرؤية الميدانية، وتحصين النقاط الأكثر عرضة للمخاطر، وتقليص الكلف الناجمة عن التعطل، مع الحيلولة دون تحول أمن الملاحة إلى ساحة للصراعات بالوكالة. ويتطلب هذا المسار تضافر الجهود في محاور عدة، أبرزها:

  • تعزيز الوعي بالمجال البحري: عبر تفعيل أنظمة التتبع بالأقمار الصناعية، وتحليلات التعرف الآلي، والرادارات الساحلية، مع بناء قواعد بيانات مشتركة لتوثيق الحوادث والبلاغات المرفئية.
  • التحصين الهيكلي للنقاط الحيوية: ويشمل حماية الموانئ ومحطات التصدير والأنظمة اللوجستية ضد تهديدات الطائرات المسيرة، وأعمال التخريب، والهجمات السيبرانية، وتكتيكات الزوارق السريعة.
  • تطوير بروتوكولات إدارة الأزمات: من خلال تحسين آليات منع الحوادث العرضية واعتماد إجراءات مرافقة موحدة، مع دمج الاستجابات الأمنية لمواجهة تهديدات القرصنة والميليشيات في باب المندب والبحر الأحمر.
  • المقاربة الإقليمية الشاملة: وتتمثل في التعامل مع منطقة القرن الإفريقي كمتغير استراتيجي حاسم؛ إذ يلقي انعدام الاستقرار هناك بظلاله المباشرة على أمن البحر الأحمر، ويخلق بيئة خصبة للاتجار غير المشروع واستغلال الجماعات المسلحة.

تأمين الممرات دون ترسيخ الاعتمادية أو الإملاءات الخارجية

يكمن التحدي الأكبر في تأمين الممرات المائية دون تحويلها إلى ساحات دائمة للوصاية الدولية؛ إذ يظل النموذج الأكثر استدامة هو "الملكية الإقليمية" المدعومة بمساندة خارجية محدودة ومدروسة. ومن هذا المنطلق، يجب أن تنبثق مراكز تعزيز الوعي البحري، وآليات التنسيق الملاحي، وبروتوكولات الاستجابة للحوادث من صلب المنطقة وتحت إشرافها السيادي، على أن يقتصر الدور الخارجي على رفد التكنولوجيا والتدريب والدعم المؤقت، دون الحاجة لتشييد هياكل قيادية فضفاضة تكرّس التبعية والاعتمادية.

كما يقتضي الأمر تأطير التعاون الوظيفي حول ثوابت حرية الملاحة وأمن التجارة وتأمين الممرات، بعيداً عن سياسات المحاور والكتل؛ فكلما صُوّر أمن الممرات كصراع بين معسكرين، زادت احتمالية تسييسه واستهدافه على حد سواء. إن الوضوح القانوني، والأوامر الصريحة، والعمليات القائمة على التوافق، هي العناصر الجوهرية لمجابهة حالة الغموض التي تغذي الشكوك وتؤجج السرديات المتصاعدة في المنطقة.

الختام: ارتهان استقرار الطاقة باستقرار المسارات البحرية

كشفت هجمات 28 فبراير 2026 م، عن الثغرة الحقيقية في جدار منظومة الطاقة العالمية؛ إذ لم يعد الخطر الوشيك متمثلاً فحسب في الانهيار المفاجئ لإمدادات الإنتاج، بل في التدهور الأمني المتسارع الذي يضرب الممرات الحيوية، وأسواق الشحن، وكلف التأمين، وجداول التسليم. ومع تصاعد حدة الصراع، يقف مضيق هرمز في طليعة المواقع المتلقية للصدمة، لتنتقل ارتداداتها تباعاً إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى الشواطئ الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط.

 وعلى الرغم من قدرة المجتمع الدولي على الحد من تبعات الصراع عبر الأطر الدبلوماسية والحماية البحرية واستقرار الأسواق، إلا أن هذه الأدوات تظل في جوهرها "تفاعلية"، بينما يقتضي التحلي بالصلابة الدائمة تدشين منظومة أمن بحري تحت قيادة إقليمية، تعزز القدرات المحلية، وتحصن المراكز الحيوية، وتقلص الاعتماد على الهياكل المفروضة خارجياً. إن الأزمة الراهنة لا تعدو كونها كاشفة لحقيقة جوهرية واحدة: لقد بات استقرار منظومة الطاقة مرادفاً لاستقرار الممرات البحرية.

مقالات لنفس الكاتب