- الإقليم هو العنصر الثاني من عناصر الدولة الرئيسية، بعد السكان، وقبل الحكومة الوطنية. من بين عناصر الدولة الأخرى، يتبوأ الإقليم مكانة استراتيجية رفيعة. بدون الإقليم لا يمكن أن يستقر مواطنو الدولة.. ولن يتوفر موقع جغرافي بتضاريس له مجال حيوي تمارس عليه الحكومة الوطنية سيادتها، وفرض سلطتها. لا تتشابه أقاليم الدول، من حيث المكانة الاستراتيجية، ولا في تحديد مصير الدولة من حيث استقرارها وبقائها ووجودها المادي. بل أن الإقليم، يختلف عن بقية عناصر الدولة، في تحديد مصير وجود كيان الدولة من عدمه. الدولة لا تزول بسبب الاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي، حتى العنيف منها، كما هو الحال في الحرب الأهلية، بل إذا ما تمكنت قوة إقليمية أو دولية من غزو واحتلال إقليم الدولة، عندها تزول الدولة، بكل عناصرها عن الوجود المادي.
مواصفات إقليم الدولة وأهميته الاستراتيجية
إقليم الدولة هو عنصر مادي صلب (جزء من تضاريس اليابسة في كوكب الأرض). في الأساس، يتكون إقليم الدولة من ثلاث عناصر أساسية (يابسة ومياه ومجال جوي). قد لا تتوفر هذه العناصر المادية جميعاّ، في إقليم الدولة، خاصة عنصر المياه المطل على البحار أو المحيطات. هناك ما يسمى جغرافياّ بالدول المغلقة، التي لا تتشاطأ في جزء من إقليمها، على البحار أو على المحيطات. يمكن القول إن غالبية الدول تفتقر إلى إطلالة شاطئية على البحار أو المحيطات، تكون شواطئها دافئة وسواحلها. بل أن هناك من الدول ما يمكن تصنيفها بأنها دول، من الناحية الاستراتيجية شبه مغلقة أو داخلية، رغم إطلالة إقليمها على سواحل طويلة على البحار، لكن تتحكم دول أخرى في إطلالتها على أعالي البحار، إما بموانع طبيعية، مثل المضايق البحرية، أو بموانع غير طبيعية، كما هو حال العبور من قنوات اصطناعية تتحكم في العبور من خلالها دول أخرى.
من الناحية الاستراتيجية، إن إقليم دولة ما، تنطبق علية صفة السواحل الشاطئية، على إطلاقها، لابد أن يكون جزءًا من إقليمها، مهما بلغ طوله وصلاحية الملاحة فيه، طوال السنة يطل مباشرةّ على أعالي البحار. كل الدول العظمى، منذ نشأة الأنظمة الدولية الحديثة، نهاية القرن الخامس عشر، تطل جميعها من سواحل صالحة للملاحة، على البحار المفتوحة.. تستحق أن يُطلق عليها قوىّ بحرية. هناك دول كبرى وممكن أن يقال عنها دول عظمى، لكن منافستها على مكانة الهيمنة الكونية، تصطدم بالواقع الجيوسياسي لإقليمها لافتقاره لشواطئ ساحلية قابلة للملاحة، طوال السنة، تتناسب مع مساحة الدولة وتطلعاتها التوسعية، مما يحول بينها وتلبية طموحاتها الكونية، أو لعب موثر في حركة السياسة الدولية، كتلك الدول البحرية العظمى.
دول شاطئية قارية
هناك دول كبرى، لها إطلالة على البحار أو المحيطات، لكنها من الناحية الاستراتيجية تعتبر دولٌ مغلقة، بحيث يكون توسعها وامتداد مجالها الحيوي قاريٌ في الأساس. لنأخذ مثلاّ: ألمانيا وروسيا.. ألمانيا خسرت الحربين الأولى والثانية، بسبب وضع إقليمها الجيوسياسي (القاري)، بضيق إطلالتها على بحر الشمال، مما حال دون طموحاتها الكونية، وجعل منها مثال للقوة القارية الحبيسة في إطار مجالها الحيوي القاري الصعب في أوروبا. لم يكن لألمانيا أي تواجد استعماري، مستقر ومستمر، خارج أوروبا، عدا مستعمرات متفرقة ومؤقتة في غرب وشرق إفريقيا (تنزانيا روندا بروندي ناميبيا الكاميرون توغو وغينيا الجديدة، في أقصى غرب المحيط الهادي)، خسرتها جميعًا بعد هزيمتها في الحرب العظمى. قارن هذا بوضع هولندا الاستعماري، عندما كانت قوة بحرية عظمى لها مستعمرات حول العالم (جزر الهند الشرقية "إندونيسيا حالياّ" سورينام أجزاء من البرازيل جنوب إفريقيا "كيب تاون" ونيو أمستردام "نيويورك نيوجيرسي حالياّ" غانا سيلان تايوان أنجولا ناميبيا). كل ذلك حققته، هولندا الصغيرة ذات الأرض المنخفضة الذي ينهش البحر من يابستها، بسبب وضعها البحري الاستراتيجي، وهي لا تقارن بقوة وعظمة وغنى جارتها العظمى ألمانيا.
روسيا، ظلت وما تزال قوة قارية، حتى أنها تفتقر للمبارة الاستراتيجية للتوسع، خارج إقليمها المتجمد في غالبيته، واقتصر همها الاستراتيجي على الدفاع وليس المبادرة للهجوم من أجل التوسع، أو حتى الدفاع عن نفسها. روسيا التي تتمتع بإقليم يستحوذ على أكثر من خمس يابسة كوكب الأرض، ويمتد بعرض قارتين عملاقتين (آسيا وأوربا)، تظل دولة داخلة أو مغلقة، رغم إطلالتها على البحر الأسود شرقاّ والمحيط الهادي غرباّ.
من ناحية إطلالة روسيا، على البحر الأسود ميناء (نوروفوسيسك) بحرٌ مغلقٌ في الأساس (البحر الأسود) تتحكم في مداخله ومخارجه تركيا بالتحكم من خلال مضايق طبيعية (البسفور والدردنيل). حتى لو خرجت سفن روسيا من هذه المضايق، التي تحكم العبور منها معاهدات دولية، فإن سفنها ما تلبث وتصطدم ببحر شبه مغلق (البحر الأبيض المتوسط)، الذي رغم كبره وإطلالة الكثير من الدول عليه، في جنوب أووربا وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، إلا أنه من ناحية الجغرافيا السياسية يظل بحراّ مغلقاّ، بمضيق طبيعي في أقصى الغرب (مضيق جبل طارق).. وجنوباّ هناك مخرج بحري صناعي (قناة السويس)، سرعان ما ينتهي ببحر مغلق، في نهايته يوجد مضيق طبيعي (مضيق باب المندب).
بالتبعية: روسيا، رغم إقليمها الواسع الغني بموارده الطبيعية، إلا أنها دولة مغلقة من ناحية جغرافية إقليمها السياسية. لهذا روسيا لم تكن يوماّ قوة بحرية عظمى، ولم تجد لها موطىء قدم خارج إقليمها المتجمد في معظمه، لذا كان ولا يزال حلمها الاستراتيجي الإطلال على المياه الدافية، دعك من أن يكون لها إطلالة على أعالي البحار بمواني ممتدة دافئة قابلة للملاحة، طول العام. هناك من قد يجادل: أن روسيا لها إطلالة على المحيط الهادي، ميناء (فيلاديفوستك). هذا جغرافياّ قد يكون واقع جغرافي حقيقي، إلا أنه يفتقر إلى القيمة الاستراتيجية، التي تليق بقوة عظمى. روسيا بالفعل لها إطلالة على المحيط الهادي، إلا أن هذا الميناء، من الناحية الاستراتيجية عديم الفائدة، لأنه متجمد ثمانية أشهر في السنة، وهذا الميناء، عدا كونه متجمد ثمانية أشهر في السنة، بعيد عن مركز الكثافة السكانية لروسيا وحكومتها المركزية، بحوالي ست نطاقات زمنية، حيث تقتصر الكثافة السكانية ووجود الحكومة المركزية، على الجانب الأوروبي الأصغر، من مساحة إقليمها الشاسع، مما تسبب في هزيمتها من قبل اليابان في حرب ١٩٠٥م. ولم تتمكن روسيا من بسط نفوذها الحقيقي على الميناء وضمان مرور سفنها عبر بحر اليابان، إلا بعد هزيمة الإمبراطورية اليابانية واستسلامها للأمريكيين عقب إلقاء قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي أغسطس ١٩٤٥م.
الدول البحرية العظمى
كل الدول العظمى التي تمتعت بمكانة الهيمنة الكونية الرفيعه، جميعها كانت دول بحرية كبرى تتمتع بشواطئ ممتدة تطل مباشرةّ على محيطات مياهها دافىة وتتمتع بسواحل صالحة للملاحة طوال السنة، تسمح بإنشاء مواني تخولها الخروج عن نطاق إقليمها لإقامة مستعمرات لها حول العالم، وفرض نظام دولي تحت سيطرتها المباشرة، تحمل وحدها مسؤولية استقراره وجني عوائد طموحاتها الكونية المهيمنة، بالإضافة لتعزيز أمنها القومي بامتلاكها لأساطيل جبارة، توفر احتياجات دفاعية رادعة لأمنها القومي، وتعزز وجودها الاستراتيجي في أعالي البحار.
كل دولة فازت بقصب المنافسة على مكانة الهيمنة الكونية، هي في الأساس، دولة شاطىئية تتمتع بموقع استراتيجي يؤهلها لبناء قوة بحرية ضاربة، نتيجة لإشراف إقليمها على إطلالة استراتيجية على أعالي البحار. بفضل موقعها الجغرافي البحري الفريد، تمكنت بريطانيا عن طريق أسطولها البحري الجبار من أن تبني نظام دولي سُمْيَ باسمها (العهد البريطاني)، امتد لمائة عام (١٨١٥-١٩١٤م)، عندما كانت بريطانيا أول إمبراطورية في التاريخ لا تغيب عنها الشمس، واستحقت بجدارة لقب (بريطانيا العظمى). لقد تمكنت طوال قرن من الزمان سادت فيه العالم، ليس فقط بناء مستعمرات في جميع أنحاء العالم، بل والسيطرة على جميع المضايق الطبيعية (جبل طارق رأس الرجاء ماجلان ملقا باب المندب هرمز)، حتى يتسنى لأسطولها حرية الحركة، ومنع أساطيل المنافسة لها من التمتع بحرية الحركة في بحار العالم ومحيطاته.
الولايات المتحدة في العصر الحديث، بعد الحرب الكونية الثانية، تمتعت بسلطة كونية مهيمنة، عن طريق إقامة نظام دولي مؤسساتي (الأمم المتحدة)، حيث فرضت من خلاله سطوتها على أعضاء الأمم المتحدة، حارمةّ منافسيها الدوليين، من منازعتها، مكانة الهيمنة الكونية الرفيعة، التي تتقلدها. لم تكن أمريكا لتتمكن من السيطرة على العالم، لولا عبقرية إقليمها الممتد آلاف الأميال، بطول سواحلها الدافئة والقابلة للملاحة، طوال العام، المطلة بطول سواحلها البحرية على المحيطين الأطلسي شرقاّ والمحيط الهادي غرباّ. في أي وقت تستطيع الولايات أن تفرض حضورها الاستراتيجي في أي بقعة من بقاع العالم، تتطلب مصالحها الوطنية وأمنها القومي أن تتواجد بها.
الولايات المتحدة الأمريكية قوة كونية عظمى، بسبب عبقرية إقليمها الجيوسياسية، جعلت من العالم، نطاقاّ منيعاّ لأمنها القومي، خارج حدود إقليمها الطبيعي. الولايات المتحدة نتيجة لهذا الموقع الجغرافي الفريد لإقليمها، أضحت تنظر لأي حدث تراه في تقدير صانعي السياسة الخارجية في واشنطن، أنه يخل باستقرار نظام الأمم المتحدة الذي أنشأته بعد الحرب الكونية الثانية، على أنه خطر داهم وناجزعلى أمنها القومي، لا يجب أن تتهاون بشأنه أو تتسامح مع من تسول له نفسه تحدي مكانة الهيمنة الكونية، التي تتبوأها.
ماذا عن القوى الإقليمية؟
ما ينطبق على القوى العظمى في أهمية موقع إقليمها الجيوسياسي الاستراتيجية، ينطبق أيضاّ على القوى الإقليمية، مع الفارق، إقليم الدولة، كما سبق، إما يكون نعمةّ للدولة أو وبالاّ عليها، من الناحية الاستراتيجية. الدول التي لايتمتع إقليمها بتوفر أنظمة دفاعية ذاتية، سواء كانت طبيعية أو اصطناعية، ممكن أن يكون إقليمها عبئاّ أمنياّ عليها. الدولة قد يكون إقليمها يزخر بموارد طبيعية غنية، وبقدرات سكانية جبارة ومبدعة، إلا أنه في حالة عدم وجود أنظمة دفاعية فعالة لحماية ثرواتها الطبيعية وتوفير الأمن المطلق لسكانها، مع افتقار إقليمها لإمكانات دفاعية فعالة، سواء كانت طبيعية أو غير ذلك، ممكن أن يكون هذا الوضع الجيوسياسي المكشوف لإقليمها يشكل لها من الناحية الاستراتيجية خطراً داهماً وناجزاً، خاصة في أوقات الأزمات الإقليمية وتقلبات الأوضاع على مستوى مسرح السياسة الدولية.
بالمثل: قد يكون إقليم الدولة بقدرته على التحرر من سلبياته الجيوسياسية، الناشئة من جغرافية المكان، وذلك بمدى اقترابه أو ابتعاده عن نقطة الأمان الاستراتيجي، بين أن تكون الدولة داخلية أو شاطئية تطل على البحار أو المحيطات، بالذات إذا كانت مياهها الإقليمية تطل مباشرة على أعالي البحار، أو على بحار وإن كانت تخفف من جيوسياسية موقعها، بإطلالتها على بحار هي مغلقة بطبيعتها، وعليها أن تمر بمضايق طبيعية أو قنوات اصطناعية لتصل إلى المحيطات المفتوحة في أعالي البحار. قد تكون. الدولة تتمتع بإقليم ممتد وغني، إلا أنها لا تتمع بإطلالة مفتوحة مباشرة على أعالي البحار، وضع من الناحية الاستراتيجية يضعف من وضعها الجيوسياسي، خاصةّ في أوقات الحروب والأزمات الإقليمية والدولية.
حرب الخليج الرابعة
هذا هو الوضع الذي يسود أقاليم الشرق الأوسط. الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران موخراّ (للتنويه: هذه المقالة كتبت والحرب لم تضع أوزارها، بعد) أظهرت كم هو من الناحية الاستراتيجية إقليم الدولة ذو أهمية خاصة جداّ، بالذات للدول التي لا تطل مباشرةّ على أعالي البحار، مما يعرضها لخطر ليس فقط من حيث تقليل الأضرار الأمنية التي قد تصيبها جراء تطاير شرر الحرب، بقدر ما يسببه وضع إقليمها الجيوسياسي، من أضرار وعوائق تتسبب بها سلاسل الإمداد، سواء من حيث تصريف صادراتها أو استقبال وارداتها.
شكلت هذه الحرب نموذجاً "كلاسيكياً" لتقييم قدرة الدولة، ليس فقط في تجنب شرر الحرب المتطاير، التي هي ليست طرفاً مباشراً فيها، بل بالتأثير على سلاسل الإمداد، التي تتحكم في علاقاتها التجارية مع العالم. دول الخليج العربية، بالذات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، عانت من الوضع الجيوسياسي الخطر، في ساحة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وبين إيران من الجانب الآخر.
هذه الدول العربية الست، بالإضافة إلى العراق، وإلى حدٍ ما تركيا، التي تشكل حيزاّ من منطقة الشرق الأوسط، أصابتها لعنة الوضع الجيوسياسي المزمن في الإقليم. رغم أن هذه الدول لم تكن طرفاّ في تلك الحرب، إلا أن وضع دولها الجيوسياسي يأبى إلا أن يكون لها نصيب من نيران تلك الحرب وشررها المتطاير. كانت هناك محاولات من أطراف تلك الحرب لتوريط هذه الدول الدخول في معمعة القتال، لكن هذه الدول رفضت (حتى وقت كتابة هذا المقال) كل تلك المحاولات لتوريطها في حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لكن السيناريو الخاص بعلاقة إقليم الدولة، خاصةّ ما له علاقة بوضع إقليم كل دولة فيما له علاقة بذلك الجزء من الإقليم، الدي يفصل بين ما إذا كانت الدولة شاطئية أم داخلية. برزت هذه الإشكالية عندما تعرض الممر الملاحي الأبرز فيما يخص صادرات تلك الدول النفطية، عندما أعاقت الحرب عملية تصدير النفط من منطقة الخليج العربي، لزبائنه في آسيا، على وجه الخصوص، بالإضافة إلى أوروبا، بل أن بعض الدول العربية على الخليج العربي، لم تعاني فقط من مشكلة إعاقة صادراتها النفطية، بل حتى إعاقة تجارتها الخارجية، بالذات فيما يخص الإمدادات التموينية الأساسية، لسد احتياجات سكانها المعاشية، بل الأخطر أن بعض تلك الدول أستهدفت قدراتها الإنتاجية والتصدرية من النفط، فقط لوضع أقاليمها الجيوسياسية في مرمى تبادل النيران بين الدول المتحاربة، صدفةّ أو عمداّ، لتوريط تلك الدول في حربٍ لا ناقة لهذه الدول فيها ولا بعير.
عدا دولة الإمارات التي لها منفذ على بحر عُمان يفضي إلى بحر العرب ومنه إلى المحيط الهندي، بقية الدول العربية المطلة على الخليج العربي تحت رحمة العبور من مضيق هرمز، في اتجاهي حركة التجارة الخارجية مع العالم، تصديراّ واستيراداّ. حتى دولة الإمارات العربية التي يمكن أن يقال إن لها منفذاّ بحرياّ على أعالي البحار (ميناء الفجيرة)، قرب موقعها الجغرافي من ساحة المعارك، قلص إلى حدٍ كبير هذ الميزة الاستراتيجية لأبو ظبي، عند استهداف أحد أو أكثر من أطراف الحرب المباشرين، لميناء الفجيرة، مما أزال هذه الميزة الاستراتيجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، بإطلالتها على أعالي البحار.
إقليم المملكة العربية السعودية نموذجًا للعبقرية النسبية
قد تكون المملكة العربية السعودية أقل دول منطقة القتال تضرراّ من الحرب، بسبب وقوع حقول النفط وموانئ تصديره، على خط نار تراشق الدول المتحاربة. لكن تظل المملكة أكثر من غيرها من دول الخليج، فيما يخص سلامة خطوط تجارتها العالمية، تصديراّ واستيراداّ. المملكة العربية السعودية مبكراّ احتاطت لمثل سيناريو الحرب هذا في منطقة الخليج، بإنشاء أنبوب نفط (شرق غرب "بتولاين") بطول ١٢٠٠ كيلومتر، بعرض شبه الجزيرة العربية بين مواقع صناعة النفط شرقاّ على الخليج العربي إلى مدينة ينبع على البحر الأحمر، بقدرة استيعابية (تصديرية) تقدر بسبعة ملايين برميل يومياّ، أي ما يمثل ٧٠٪ من إنتاج المملكة النفطي.
لكن المملكة العربية السعودية عند تقيمنا لقياس عبقرية موقعها الجغرافي استراتيجياّ، يمكن القول إنها من الناحية الاستراتيجية في منطقة بين الدول الداخلية وتلك المطلة مباشرة على أعالي البحار. موانئ المملكة الشرقية، تجعل من وضع إقليمها الجيوسياسي، أقرب للدولة شبه المغلقة، خاصة في أوقات الحروب والأزمات، مثل حرب الخليج الرابعة الأخيرة، لأن حقولها النفطية ومدنها القريبة من ساحة المعركة استهدفت من قبل الأطراف المتحاربة، بالإضافة إلى ضعف قدرتها التصديرية من النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز. لذا المملكة تحاول أن يكون لها منفذاّ لبحر عُمان لصادراتها النفطية ووارداتها التموينية. كما من حيث قدرتها التصديرية وممارستها لحرية التجارة الدولية، لا نستطيع أن نقول بثقة: أن إقليم المملكة العربية السعودية جغرافياّ يأتي ضمن المرتبة الأولى، من الناحية الاستراتيجية، للدول التي لها سواحل دافئة وقابلة للملاحة، طوال العام، مطلة مباشرةّ على أعالي البحار.
باستثناء الجانب الشرقي من إقليم المملكة العربية السعودية الأكثر تعرضاّ للأزمات المزمنة في منطقة الخليج العربي، إطلالة المملكة غرباّ على البحر الأحمر، لا يمكن القول، أنها من الناحية الاستراتيجية تطل مباشرةّ على أعالي البحر. جنوباّ هناك باب المندب، وهو مضيق طبيعي يتحكم في خط الملاحة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وصولاّ للمحيط الهادي، ثم إلى ما وراء ذلك من أعالي البحار. شمالاّ تقع قناة السويس، وهي ممر مائي اصطناعي يتحكم في الملاحة بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، اللذان بدورهما بحران مغلقان ينتهيان إلى مضايق بحرية طبيعية، قبل عبور الملاحة فيهما إلى أعالي البحار. تاريخياّ: أغلقت قناة السويس طوال سبع سنين، بسبب حرب يونيو ١٩٦٧م، مما أضطر حركة تجارة المملكة مع العالم، تقتصر على المرور من باب المندب.
الخاتمة
كل دولة لها إقليم يحدد وضعها الجغرافي، من الناحية الاستراتيجية. إقليم الدولة ليس مجرد قطعة من اليابسة يقيم عليها سكان الدولة، وتفرض عليه حكومتها الوطنية سيادتها، بالقوة القاهرة، فحسب… بل يمثل إقليم الدولة وضعاً جيوسياسيًا، يرتبط بمصير وجود الدولة نفسها وقياس فرص بقائها. هذه الخاصية الاستراتيجية البارزة لإقليم الدولة، قد تجعل من إقليم الدولة أهم عناصرها المرتبطة مباشرة بكينونة الدولة نفسها ومنعتها ومتانة قدراتها الأمنية الدفاعية.
الدول كما لا تتشابه أقاليمها، ليس فقط من حيث مساحة الإقليم وغناه، لكنها تتفاوت أيضاّ استراتيجياّ، من حيث القدرات الدفاعية والمنعة الأمنية. تتحد عبقرية إقليم الدولة جيوسياسيًا، بصفات تضاريسية، تتعدى ضرورة توفر عناصر الإقليم الثلاث (اليابسة والمياه الإقليمية والمجال الجوي). المهم: هنا، بالنسبة لقرب وبعد إقليم الدولة بقرب وبعد وضعه الجيوسياسي من قيمة عبقرية المكان، وهي النقطة الحاسمة في تحقيق أقصى درجات الأمن والحضور الإقليمي والدولي.
بعد استبعاد الدول الداخلة أو المغلقة، من دائرة تقيّيم الوضع الجيوسياسي لإقليم الدولة، بسبب عدم إطلالتها البحرية، من كل حدود مساحتها، وانغلاقها ضمن حدود مساحية صلبة فقط، تشمل كامل حدودها الدولية، تبرز أهمية الإطلالة البحرية استراتيجياّ، ولو في جزء من حدود الدولة الدولية. لا يكفي أن تكون الدولة لها إطلالة بحرية لنقول إن إقليمها يتمتع بميزة استراتجية فذة، تقربه من مستوى العبقرية الجيوسياسية المنيعة، أمنياّ وتحدد، سياسيًا، مجال حضور الدولة إقليمياّ ودولياّ. بل لنفضي صفة العبقرية الاستراتيجية لإقليم الدولة، لابد أن يكون لها إطلالة مباشرة على أعالي البحار، تعزز من الإمكانات الدفاعية، وربما تلبي طموحاتها التوسعية، وفي أضعف الإيمان تساهم في الحضور الدولي والإقليمي، على مسرح السياسة الدولية العاصف المتلاطم الأمواج المشبع بالأزمات.






