array(1) { [0]=> object(stdClass)#14491 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 221

السعودية تستثمر في مجلس التعاون ليكون مؤسسة متعددة الأطراف قادرة على الصمود الاقتصادي والدفاعي

الأربعاء، 29 نيسان/أبريل 2026

أصبحت مسألة "عدم اليقين"، من أهم المسائل التي تتناولها أدبيات العلاقات الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بأمن مجلس التعاون الخليجي "دول الخليج".  فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وإرسال الطائرات والمسيرات من قبل إيران على مواقع في دول الخليج؛ جعل دول الخليج أمام معضلة أمن استراتيجية: إذ أنها أصبحت بين خطر التمدد الإيراني، من جهة، ومن جهة أخرى، خطر الاعتماد المفرط على مظلة الحماية الأمريكية مما يعزز هيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط. إذ أن دول الخليج لا تريد أن تكون إسرائيل اللاعب الأكبر في المنطقة؛ وأن إدارة علاقاتها مع إسرائيل تتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على قنوات التواصل والحد من السلوكيات التي تهدد استقرار المنطقة. فالانفتاح على إيران قد أثبت هشاشته مع تصاعد الهجمات على البنية التحتية الخليجية؛ كما أن الانحياز الكامل إلى واشنطن يعني التعرض لمخاطر "التخلي" أو "الانجرار" إلى صراعات لا تخدم المصالح الخليجية.

الأمر الذي جعل المملكة العربية السعودية تقوم بعقد تحالفات جديدة. إذ أنه بعد اندلاع الحرب، قامت المملكة بعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية، انضم إليه مصر، وباكستان وتركيا. مما جعل باكستان تبرز كوسيط، لضمان عدم استبعاد المملكة من أي اتفاق قد تبرمه واشنطن وطهران؛ مما يمنح المملكة وزناً استراتيجيًا يتجاوز مظلة الأمن الأمريكية. إذ أن تركيا عضو في الناتو، وباكستان تمتلك أسلحة نووية وكلاهما يملكان جيوشاً وأسلحة تكنولوجية متقدمة. كما أن المملكة قد تسعى إلى قدرات دفاعية للطائرات بدون طيار من الدول المستاءة من عدم قابلية واشنطن للتنبؤ مثل كندا والدول الأوروبية. إذ أن المملكة قد بدأت ذلك بالفعل. إذ أنها وقعت مع أوكرانيا اتفاقية لدمج تكنولوجيا الطائرات بدون طيار في أنظمة الدفاع الجوي. كما أن المملكة تستثمر في مجلس التعاون الخليجي من خلال جعله مؤسسة متعددة الأطراف قادرة على الصمود الاقتصادي والدفاع عن جميع أعضائه. بحيث يكون هناك تقاربًا مع إيران بعد الحرب يضمن عدم استخدام أراضيها أهدافًا لإيران ووكلائها. الأمر الذي يجعل "التحوط" كخيار ثالث ليس فقط لتجنب المخاطر بل لتوزيعها.

التعاون مع مصدر التهديد

فالتحوط كمفهوم اقتصادي تم توظيفه في دراسة سلوك الدول غير المعلن في المجتمع الدولي، يعتبر جديدًا على أدبيات العلاقات الدولية، ولم يتم الوصول إلى اتفاق ثابت على تعريفه. وحيث أن ما يهمنا في هذا المقال، هو التصور العام عن هذا المفهوم خصوصاً في مجال حفظ الدول لأمنها، فإن الكثير من الأدبيات تعرف "التحوط" بمقارنته مع الحياد. إذ أن الحياد يعني عدم تدخل الدولة المحايدة في أي صراع، فيما يتيح التحوط لمن يتبناه مع الدولة الخصم التعاون في الوقت نفسه مع حلفاء ضدها. بمعنى آخر، أن تقوم الدولة المتحوطة بالتعاون مع مصدر التهديد لأمنها الوطني. هذا من أجل تجنب التهديدات أو الدخول في صراعات غير متكافئة.  وفي نفس الوقت تتبنى الدولة المتحوطة عناصر من التوازان الثابت في مواجهة التهديد من خلال الدخول في تحالفات مع القوى المنافسة للدولة التي تعاونت معها وذلك لزيادة قدراتها العسكرية وغير العسكرية. إذ أن التعاون مع مصدر التهديد لا يعني القبول به، وإنما لإدارة العلاقة معه من خلال الحوار والردع والاحتواء. وفي هذا السياق، يمكن أن يكون التعامل مع الطرف المنافس بهدف تقليل احتمال التصعيد، على أقل تقدير. فاستراتيجية التحوط تقع بين استراتيجيتي التوازن والحياد، وتلجأ إليها الدول الصغيرة والمتوسطة، عندما لا ترغب في دعم أي من الدولتين المتنافستين. ومن مظاهر هذه الاستراتيجية هي الفصل بين القضايا وتنويع الأهداف أو الشركاء. يقصد بذلك أن تلجأ الدولة المتحوطة إلى التحالف مع الدول في قضايا مختلفة للاستفادة من إمكانات تلك الدول. على سبيل المثال، أن تقوم دولة ما بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في القضايا الأمنية، وفي نفس الوقت تتعاون مع الصين في القضايا الاقتصادية.

إن استراتيجية التحوط أصبحت خياراً كمعادلة واقعية، "هجين"، كأداة توازن بين التحديات والقدرات الأمنية الخليجية. فمنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981م، كان المفهوم الأمني يقوم على فكرة "الاعتماد المتبادل مع القوى العظمى"، خصوصًا الولايات المتحدة. لكن التحولات في النظام الدولي، والتي أدت إلى تراجع الهيمنة الأمريكية كقوة أحادية القطب وصعود الصين وعودة روسيا، وتراجع فاعلية المنظمات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، التي أصبحت عاجزة في كثير من القضايا الدولية عن اتخاذ قرارات حاسمه، نتيجة اختلال توازن القوة لا سيما في مجلس الأمن، جعلت خيار التحوط الاستراتيجي أكثر إلحاحًا ومواءمة.  هذا لا يعني القطيعة مع التحالفات التقليدية، بقدر ما يعبر عن إعادة توازن دقيقة تُدار بها العلاقات الدولية بمنطق توزيع المخاطر، من خلال تفعيل قنوات الحوار الأمني، والعمل على احتواء التوترات بدلاً من تصعيدها.

 من التعايش إلى التهديد المباشر

 يرى عدد من الباحثين أن دول الخليج وإيران شهدت، في مرحلة ما قبل الحرب الأخيرة، مساراً من التقارب النسبي. فقد تمكنت دول الخليج من تطوير أدوات لإدارة التوتر مع طهران عبر مسارات دبلوماسية واقتصادية متعددة. الأمر الذي أسهم في خفض مستويات التصعيد، لا سيما بين المملكة وإيران خلال أزمة اليمن في 2022-2023م؛ إضافة إلى إعادة فتح السفارات واستئناف قنوات التواصل الدبلوماسي. لكن مع اندلاع الحرب وما تبعها من تصعيد عسكري وهجمات إيرانية متكررة على دول الخليج أدى إلى انهيار تدريجي لإمكانيات التعايش الاستراتيجي. إذ استهدفت تلك الهجمات منشآت حيوية مثل البنية التحتية الاقتصادية، ومواقع إنتاج النفط، والموانئ. مما جعل إيران أمام دول الخليج كمصدر للـتهديد المباشر للأمن الوطني. ونتيجة لذلك، اتجهت هذه الدول نحو مقاربة أكثر تشدداً تجاه طهران، مع تعزيز اتفاقيات الدفاع الثنائية، خصوصاً مع الولايات المتحدة، بما يعكس عودة لا بد منها للتحالف الأمني التقليدي مع واشنطن بوصفها الضامن الرئيسي.  

وفي الوقت نفسه، اتجهت دول الخليج خلال السنوات الماضية إلى تنويع شركائها الدوليين، عبر توسيع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع روسيا والصين. وقد لعبت بكين دور الوساطة في خفض التصعيد بين الرياض وطهران بشأن الملف اليمني، في حين عززت موسكو علاقاتها التجارية وصفقات السلاح مع دول الخليج ضمن سياق الحفاظ على حيادها في الحرب الأوكرانية. إلا أن اندلاع الحرب أعاد تشكيل هذه الحسابات، إذ أصبح واضحاً أن القدرات الدفاعية الوطنية الخليجية لا تزال غير كافية لمواجهة التهديدات المتصاعدة، ما دفع نحو الاعتماد المتزايد على القدرات الأمريكية، خصوصاً في أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو ما أعاد ترسيخ موقع الولايات المتحدة كفاعل أساسي للأمن الخليجي.

وبذلك، حتى مع استمرار دول الخليج في الحفاظ على قنوات تعاون اقتصادية أو دفاعية مع روسيا والصين، فإن الاتجاه العام يميل إلى كفة تعميق الاعتماد الأمني على واشنطن. كما أن سلوك إيران التصعيدي أسهم في تعزيز الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، في وقت كانت طهران تسعى فيه إلى تقليص هذا الوجود. وقد راهنت إيران، من خلال تصعيدها، على رفع كلفة الصراع لدفع دول الخليج نحو تسوية سريعة مع الولايات المتحدة، إلا أن النتائج جاءت معاكسة، حيث أدى ذلك إلى تعزيز اصطفاف خليجي-أمريكي أكثر وضوحًا. ونتيجة لذلك، زادت العزلة الإقليمية لإيران، مع تراجع القنوات الدبلوماسية والاقتصادية التي كانت تُستخدم سابقاً لخفض التصعيد، لتحل محلها ترتيبات أمنية وتحالفات أكثر صرامة موجهة ضدها.

إعادة النظر في تحوط جديد

وبرغم ذلك، فإن النموذج الذي قام على ضمانة أمنية شبه مطلقة من قوة عظمى واحدة لم يعد الخيار الأمثل للأمن الخليجي. إذ لم يعد سلوك الولايات المتحدة قابلا للتنبؤ كما كان عليه، ولم تعد أولوياته متطابقة بالضرورة مع أولويات حلفائه من دول الخليج. وفي المقابل، صعود قوى دولية أخرى تسعى إلى توسيع حضورها، سواء عبر العلاقات الاقتصادية أو الأمنية أو الوساطة الدبلوماسية، أتاح لدول الخليج مساحة لتنويع علاقاتها. فقد وقعت المملكة اتفاقية دفاع متبادلة مع باكستان، وعززت الإمارات العلاقات الدفاعية مع الهند؛ ووقعت المملكة والإمارات وقطر اتفاقيات دفاعية مع أوكرانيا. وحيث أن ذلك لن يستبدل الولايات المتحدة كشريك أمني رئيسي للخليج، إلا أن وجود دول أخرى للجوء إليها يمكن أن يمنح دول الخليج مزيدًا من التوازن والنفوذ في التعامل مع واشنطن.

وبما أن التحوط الذي مارسته دول الخليج سمح لها التعاون مع أطراف متعارضة في آن واحد، مما جعل خياراتها مفتوحة في بيئة غير مستقرة، إلا أن ممارستها له كرد فعل على الأزمات الإقليمية دون إطار مؤسسي يجعل دول الخليج في منطقة استراتيجية ضبابية. فبدلًا من أن تتعامل مع نظام أحادي واضح في التزاماته، يجعلها تقوم بمخاطرة بناء شبكة معقدة من الالتزامات يصعب التوفيق بينها في الأزمات. فتعدد الشركاء المتعارضين قد يضعف القدرة التفاوضية بدلًا من أن يعززها، إذا ما أدركت الأطراف المتعارضة أن الدولة المتحوطة تسعى لإرضاء الجميع. هنا، يتحول التحوط من أداة للتوازن وإدارة المخاطر إلى مصدر من مصادر عدم الاستقرار.

وفي هذا السياق، يمكن لدول الخليج أولًا، أن تكون انتقائية في استراتيجية التحوط لتكون أكثر مؤسساتية ووضوحاً. بحيث لا تكون العلاقات التعاونية بين دول الخليج والدول الأخرى على قدم المساواة. بمعنى آخر، أن يتم فصل المسارات الاستراتيجية بوضوح. فالتعاون الدفاعي لا يجب أن يربط تلقائيًا بالتعاون التكنولوجي أو الاقتصادي مع الطرف ذاته. مما يعزز الثقة فيما بين دول الخليج والدول الأخرى متعارضة المصالح. ثانياً، في ظل محدودية فاعلية الأمم المتحدة وتراجع القدرة التنظيمية للنظام الدولي، يصبح من الضروري تطوير آليات إقليمية جزئية تركز على وظائف محددة مثل الأمن البحري، أو الدفاع الجوي، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية. ثالثاً، على مستوى اختيار الشركاء، فإن الخروج من الإطار التقليدي يُعد شرطًا لتعزيز فعالية التحوط. فبدل الاقتصار على الشركاء المعتادين، يمكن لدول الخليج توسيع نطاق علاقاتها لتشمل قوى متوسطة ومتقدمة تكنولوجيًا. على سبيل المثال، اليابان شريكاً استراتيجياً في أمن الطاقة والتكنولوجيا، فيما توفر كوريا الجنوبية خبرات متقدمة في الصناعات الدفاعية والأنظمة الصاروخية. كما أن ألمانيا تُعد فاعلاً رئيسياً في مجالات التكنولوجيا الصناعية والبنية التحتية، بينما تتيح فرنسا القوة العسكرية والقرار النسبي في القرار الاستراتيجي، إذ أنها عضو دائم في مجلس الأمن وعضو في الناتو. ويمكن كذلك النظر إلى أستراليا وكندا وكذلك إيطاليا كشركاء في مجالات الأمن البحري والتقنيات المتقدمة.

خلاصة القول، إن ما يحدث حاليًا جراء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران يضع دول الخليج أمام خيارات معقدة. فهي لا تستطيع، على الأقل في الوقت الراهن وحتى على المدى القريب، الانفكاك من وثاق المظلة الأمنية الأمريكية. لكنها، أيضاً، في الوقت ذاته لم تعد قادرة على القبول بحالة عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بسلوك حليفها الأمني الرئيسي ممثلًا بالولايات المتحدة. مما يجعل استمرار دول الخليج باستراتيجية التحوط أمراً ضرورياً لا بد منه. لكنها ليست كافية في صيغتها الحالية. إذ أن على دول الخليج إعادة النظر في مأسستها، بدلاً من جعلها استراتيجية استجابة لأحداث بعينها. ويكون ذلك من خلال، أولاً، تكامل القدرات الدفاعية الخليجية، وذلك عبر دمج أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتطوير آليات مشتركة للإنذار المبكر وتبادل المعلومات، بما يقلل الاعتماد الأحادي ويعزز القدرة الدفاعية الذاتية. ثانياً، إعادة تعريف العلاقة مع القوى العظمي، خصوصًا الولايات المتحدة، بحيث تقوم على الشراكة المشروطة لا الضمانات المطلقة. الأمر الذي يتيح لدول الخليج هامشاً أوسع للتفاوض. ثالثاً، إدارة التوتر مع إيران بمنطق هجين يجمع بين الردع والتعاون بحيث لا يختزل الأمن في المواجهة ولا يتحول الانفتاح إلى هشاشة استراتيجية. إن نجاح دول الخليج لن يقاس بقدرتها على تجنب المخاطر فحسب، بل على مدى قدرتها على إعادة تعريفها للأمن الاستراتيجي بطريقة تجعل من التحوط أداة للاستقرار لا مجرد وسيلة للبقاء في منطقة رمادية بين الصراع والتسوية.

مقالات لنفس الكاتب