array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 221

إغلاق هرمز اختبار وجودي للنظام الدولي وضرورة تَبنِّي عقيدة استشرافية عابرة للأزمات

الأربعاء، 29 نيسان/أبريل 2026

أخذ النظام العالمي القائم منذ القرن العشرين يتهاوى مع انتهاء خمسة قرون هيمنت فيها أوروبا على العالم عسكرياً واقتصادياً، وفرضت عليه مفاهيم نشأت على أرضها: الدولة القومية، والمساواة السيادية، والشمولية القانونية لميثاق الأمم المتحدة. واليوم، تتسع الفجوة بين البنية المؤسسية العالمية وبين واقع القوة الذي لم يعد محكوماً بقواعد القانون الدولي.

شهد يوم 28 فبراير 2026م، منعطفاً استراتيجياً جديداً في الشرق الأوسط. فقد شنت إسرائيل، بدعم مباشر من أمريكا، عملية عسكرية واسعة النطاق وُصفت بأنها "ضربة استباقية" تستهدف القدرات العسكرية والصاروخية الإيرانية. ردَّت طهران سريعاً بضربات صاروخية وطائرات مسيرة على إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، مما أثار مخاوف من تصعيد إقليمي كبير. مع مرور أكثر من ثلاثين يوماً طال أمد الصراع دون أن يُحدث تحولاً استراتيجياً حاسماً، وأدى فشل الحرب القصيرة إلى جعل الأمر أكثر خطورة إذ لم يعد الخليج مجرد مسرح عمليات، بل أصبح القلب النابض لأمن الطاقة العالمي. لقد تغير جوهر الصراع وتوقفت الحرب عن كونها عسكرية بحتة، وأصبحت ذات طابع اقتصادي وصناعي وجيواقتصادي واضح، وتحولت إلى منافسة على نقاط الضعف المتبادلة، ولم تعد إيران بحاجة إلى تحقيق نصر عسكري بالمعنى التقليدي، بل يكفيها زعزعة استقرار المنطقة، ورفع تكلفة التأمين البحري، وتعطيل حركة الملاحة، وإثارة الذعر في الأسواق، وإجبار خصومها على إنفاق موارد متزايدة لحماية الطرق والبنية التحتية وإحداث فوضى شاملة.

حرب بلا أفق سياسي

على الصعيد السياسي: تبدو الصورة مقلقة، فالأصوات الناقدة في أمريكا، والتصدعات داخل الجهاز الأمني، والخلافات حول الأهداف الحقيقية للحرب، تُشير إلى أن الصراع قد انطلق دون تحديد واضح لغايته السياسية. ويكشف تصعيد الضغط عن يأس استراتيجي، فعندما تتعرض عمليات إنتاج الطاقة ونقلها ومعالجتها وتصديرها للهجوم، فإن الأمر لم يعد مجرد تصعيد إقليمي بسيط، بل حرب طاقة شاملة، وحرب كهذه تدمر البنية التحتية وتعطل الأسواق وسلاسل التوريد والقدرات الصناعية والتوازنات الدبلوماسية. لقد أصبح الخليج ساحةً اختبار لمقاومة إيران، ولهشاشة النظام الدولي، والحرب التي بدأت تُعيد تشكيل الشرق الأوسط تُنذر بخطرٍ أوسع: زعزعة الاستقرار العالمي.

في المشهد الجيوسياسي الذي بيَّن ترابط المصالح الاقتصادية الدولية ومحورية منطقة الخليج في الميزان العالمي، كشفت أزمة مضيق هرمز خللاً بنيويّاً عميقاً في سلاسل الإمداد العالمية زلزل ركائز الأمن الطاقي واللوجيستي وأحدث صدمة في الطاقة وارتباكاً سعرياً، واختناقاً في الممرات البديلة وارتفاعاً في كلفة اللوجيستيات وتكاليف التأمين البحري.

أزمة مضيق هرمز

بنى الغرب قوته على السيطرة على البحار والقنوات والممرات المائية والطرق التي تربط المحيطات وكان التاريخ الاستراتيجي الحديث يدور حول مبدأ القدرة على المنع. اليوم يكشف مضيق هرمز عن جانب آخر: من يسيطر على الممر المائي من البر يستطيع تقويض التفوق البحري لمن يهيمن على أعالي البحار، إذ تسعى طهران إلى تنظيم حركة الملاحة بشكل انتقائي مما يعني ميلاد نظام بحري إقليمي جديد، وهنا يتقاطع البُعد الجيواقتصادي مع البُعد النقدي، فإذا مُنِحت امتيازات العبور للشحنات التي تُنقل خارج نطاق الدولار، سيتزعزع نموذج الطاقة الذي بُني على مدى عقود حول الحماية البحرية الأمريكية وهيمنة الدولار، ولن يقتصر الأمر حينها على حرية التجارة فحسب، بل سيتعداه إلى سيادة قواعد التجارة. وبما أن الولايات المتحدة لا تعتمد على مضيق هرمز لتأمين إمداداتها المحلية من الطاقة، في حين تتمتع إسرائيل باستقلال طاقي نسبي بفضل المخزون في شرق المتوسط، فإن أوروبا وآسيا ستدفعان الثمن الأكبر، نظراً لاعتمادهما الكبير على استمرارية تدفقات الطاقة من الخليج، بالتالي هم من يواجه خطر ارتفاع التكاليف، والتباطؤ الصناعي، والأزمات اللوجستية.

الجهات المتضررة من الحرب

لا تقتصر آثار الحرب على إيران وحدها، بل تمتد لتشمل حلفاء وشركاء من أشعلوها، وهذه نقطة جيوسياسية حاسمة، تكشف عن تباين متزايد بين مصالح واشنطن وتل أبيب من جهة، ومصالح الأوروبيين والآسيويين من جهة أخرى. وهذا سيضعف، على المدى المتوسط، التحالفات والثقة والتماسك الاستراتيجي. وعليه، لا تقتصر المسألة على الجانب العسكري، بل تتعلق ببقاء النظام الدولي القائم، وهذا تحدٍّ جذري، لواشنطن وللطريقة التي يتصور بها الغرب العولمة.

  • النظام العالمي

كان عام 1979م، نقطة تحول تاريخية في القرن العشرين إذ وقعت فيه ثلاثة أحداث ذات تداعيات طويلة الأمد: الثورة الإيرانية، التي غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط بإدخالها بُعداً طائفياً على التنافسات الإقليمية؛ وصعود دينغ شياو بينغ إلى السلطة في الصين، ليطلق أضخم تحول اقتصادي في تاريخ البشرية؛ والغزو السوفيتي لأفغانستان، الذي كان مقدمة لانهيار الاتحاد السوفيتي. يتكون النظام العالمي الحالي الآن من ثلاث رؤى إمبريالية متنافسة: رؤيا روسيا بوتين الساعية لاستعادة أراضيها؛ ورؤيا الصين شي جين بينغ، المصممة على استعادة مكانتها الرائدة في العالم؛ ورؤيا الولايات المتحدة دونالد ترامب، التي تعمل على تفكيك النظام الغربي باسم مفهوم نفعي للعلاقات الدولية.

  • الاتحاد الأوروبي

يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات غير مسبوقة إذ يجب أن يكون فاعلاً جيوسياسياً يتمتع باستقلالية استراتيجية، بالتالي فإن الدفاع عن القانون الدولي ركيزة أساسية لأوروبا قادرة على بناء تحالفات مع دول الجنوب العالمي متعددة التحالفات، لأن إعادة بناء النظام الدولي لن تكون مجرد تعديل بسيط، بل إعادة تأسيس فلسفية وسياسية. تعدُّ أوروبا الجزء الأضعف والأكثر عرضة للخطر في النظام الغربي، ويُمثّل ارتفاع أسعار الوقود تهديداً صناعياً وطاقياً واجتماعياً بالنسبة لها. كان توقيع الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015م، والذي نقضه ترامب عام 2018م، نجاحًا كبيرًا للدبلوماسية الأوروبية. لكن منذ ذلك الحين، وبسبب فشل الاتحاد الأوروبي في التفاوض مع نتنياهو وإجباره على احترام القانون الدولي في غزة والضفة الغربية، فقد مصداقيته تمامًا في المنطقة كمدافع عن التعددية وطرف فاعل محتمل في مفاوضات متوازنة.

  • روسيا

للوهلة الأولى، يبدو فلاديمير بوتين من أكبر الخاسرين في هذه الحرب فبعد فنزويلا وكوبا يخسر حليفاً تقليدياً آخر مهماً، فهل ستُضعفه هذه الحرب وهل ستُجبره على تخفيف حربه في أوكرانيا؟ يبدو الأمر مستبعدًا. قدَّمت شحنات الأسلحة الإيرانية، وخاصة طائرات شاهد الانتحارية المُسيّرة، دعماً حاسماً لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، كما أن الكم الهائل من الذخائر الأمريكية التي تستخدمها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران هي أسلحةً لا يُمكن توريدها إلى أوكرانيا، وحاجة البنتاغون إلى تجديد مخزوناته في الأشهر المُقبلة تُهدد بعرقلة شحنات الأسلحة الأمريكية إلى أوكرانيا؛ والتوترات السعرية والإمدادية للنفط والغاز الناجمة عن هذا النزاع، وعن إغلاق مضيق هرمز، كلها مكاسب حقيقية لبوتين ستسمح له بتعزيز ميزانيته الحربية رغم تشديد العقوبات الأوروبية والأمريكية.

  • الصين

قد تكون الصين هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب، التي قد تفقدها مصدرًا رئيسيًا للنفط الرخيص والحيوي لاقتصاد يعتمد اعتماداً كبيراً على الإمدادات الخارجية. إلى ذلك، فإن هذه المنطقة حيوية لعبور صادراتها إلى أوروبا، والسماح للولايات المتحدة وحلفائها بالسيطرة عليها بمفردهم مخاطرة جيوسياسية كبيرة. أيضاً تخاطر الصين بفقدان ثقلها الجيوسياسي إذا بدت عاجزة عن تقديم العون لحلفائها في أوقات الشدة، خصوصاً وأنها أبرمت مع إيران اتفاقية تعاون استراتيجي عام 2021. حالياً، اختارت الصين التزام الصمت دبلوماسياً، لكن من المرجح أن تمارس نفوذها بكل السبل الممكنة لمنع نظام متحالف مع الولايات المتحدة من ترسيخ وجوده في إيران.

  • الأطراف الشريكة لإيران

فعَّلت إيران شبكتها من الوكلاء لتحويل الحرب إلى صراع متعدد الجبهات في البحر الأحمر والخليج، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية. وهذه هي استراتيجية الاستنزاف الإيرانية: إجبار الخصم على دفع أعلى ثمن ممكن على جبهات متعددة، فدخل حزب الله الصراع في وقت مبكر من شهر مارس، في حين تشن قوات الحشد الشعبي العراقية هجمات على القواعد الأمريكية، ويضيف الحوثيون بُعداً بحرياً، لاستنزاف الولايات المتحدة وإسرائيل بالوكالة. تُؤتي استراتيجية الاستنزاف ثمارها فهي تُجبر واشنطن وتل أبيب على توزيع جهودهما وإدارة عدة جبهات في آن واحد، ومن لبنان تبدو الحرب على إيران وكأنها آخر فصول إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

سيناريوهات انتهاء الحرب

ترزح إيران تحت ضغوط اقتصادية وعسكرية، لكنها ليست في وضع يسمح لها بالاستسلام، وفتح قناة مفاوضات غير مباشرة يكسبها الوقت، ويختبر نوايا أمريكا، ويُهيئها لانسحاب مشرف. هذا ليس ضعفاً، بل اعتراف بأن حرب الاستنزاف لها ثمن باهظ لا يمكن حتى لنظام متماسك تجاهله إلى ما لا نهاية. على المدى المتوسط، يبرز مساران: إما حرب استنزاف طويلة تستنزف كلا الجانبين، أو خروج تفاوضي يُضعف النظام ولكنه يُبقيه قائماً. كما لا ينبغي استبعاد الانهيار التام للنظام، الذي يُطرح غالباً باعتباره السيناريو الأقل ترجيحاً، ففي حال حرم الخنق الاقتصادي النظام من القدرة على دفع رواتب جنوده وموظفيه، قد تنقطع سلسلة الولاء فجأة.

تبعات الحرب على التوازنات والأحلاف الإقليمية والدولية

ستعيد هذه الحرب تشكيل موازين القوى بشكل دائم، وقد يُؤدي ضعف المحور الشيعي إلى إطلاق العنان لقوى سنية، أنظمة أو جماعات (مثل الإخوان المسلمين)، أو جماعات جهادية، قادرة على ملء الفراغ. أما بالنسبة لترامب، يُمثل الصراع الذي لا يُحقق نصراً حاسماً خطراً سياسياً داخلياً كبيراً، وتشتيتاً استراتيجياً ستستغله الصين. ليس من المؤكد أن يتمكن ترامب من الخروج من المأزق الإيراني، كما أن الحرب التي شنها ضد إيران تتناقض مع جميع وعوده الانتخابية بوقف التدخلات الخارجية البعيدة، إلا أنها تُتيح له ميزة الخروج من دوامة قضية إبستين على الساحة السياسية الداخلية من خلال مهاجمة عدو لا يُفكر أحد في الولايات المتحدة بالدفاع عنه. وقد يُساعده هذا الالتفاف على ترسيخ التحول الاستبدادي الذي يسعى لفرضه على الديمقراطية الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. مع ذلك، ستعتمد النتيجة النهائية على كيفية تطور الأحداث، إذ لا يوجد في هذه المرحلة ما يضمن نجاحه في الخروج سريعاً من المأزق الإيراني.

إقليمياً، كان سقوط جدار برلين لحظة محورية أطلقت عملية تفكك النظام السوفيتي، ونحن الآن في وضع قد يكون مشابهاً على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط لأن إيران هي اللاعب الرئيسي في المنطقة منذ عام 2003م، الذي شهد سقوط صدام حسين، وتوسع نفوذ إيران إقليمياً عبر وكلائها بذريعة الصراع ضد وجود إسرائيل. لقد أساءت طهران التقدير عندما استهدفت، بالإضافة إلى القواعد العسكرية الأمريكية، أهدافًا مدنية وبنية تحتية اقتصادية في دول الجوار القريب والأردن. الأمر الذي دفع هذه الدول إلى توحيد صفوفها في إطار مجلس التعاون الخليجي، رغم وجود توترات بينها في بعض الأحيان. أعلن الأردن منذ بداية الحرب أنه لن يكون مسرحاً للحرب بين إيران وإسرائيل، وأنه ليس طرفاً في الصراع على النفوذ بين المشروع الفارسي والمشروع الصهيوني.

السؤال المطروح حالياً هو حول إمكانية تصدير النفط والغاز دون المرور بمضيق هرمز: تحاول دول الخليج، في قلب الجغرافيا السياسية الراهنة، بناء طرق برية تحافظ على تدفق النفط والغاز إلى الأسواق كبديل للمضيق أو كمسار تعويضي، منها خط "شرق-غرب" الذي يعبر الأراضي السعودية وينتهي في ميناء ينبع على البحر الأحمر والذي تضاعفت أهميته مؤخراً مع اشتداد الصراع الإقليمي. كذلك خط حبشان الفجيرة الإماراتي الذي يخفف عن الإمارات تبعات توترات المضائق، وخط سوميد المصري الذي تحول إلى محور عالمي مع التوترات الأخيرة. مع ذلك لا توجد فعلياً خطوط لنقل الغاز القطري والإماراتي بعيداً عن المضائق مما يبقيه عملياً مرهوناً بمضيق هرمز. في السياق نفسه، اكتسب مشروع طريق الربع الخالي البري الذي سيربط سلطنة عمان بالمملكة العربية السعودية وظيفة استراتيجية كممرٍ للشاحنات في اللحظة التي تغلق فيها النيران المضائق والممرات البحرية. في الواقع يحتاج الخليج إلى شبكة بدائل إقليمية توسع خياراته، وإلى مشروع جماعي يتضمن شق طرق برية ومدَّ سكك حديدية وبناء مراكز تخزين، مع إجراءات حدودية مرنة وتدفقات لوجستية، لتتحول البنية التحتية إلى جزء من إدارة المخاطر الإقليمية، وبالتالي سياسة استثمارية طويلة الأمد، إذ لم يعد ممكناً الفصل بين التجارة والأمن.  لقد غيَّرت الحرب المعطيات الجيوسياسية وأنماط التفكير في دول المنطقة ودفعت باتجاه التركيز على الربط البري ولا سيما السككي الإقليمي وتسهيل حركة الشحن ورفع كفاءة سلاسل الإمداد وتسهيل حركة الشحن والركاب فوقَّعت تركيا والأردن وسوريا مذكرة تفاهم ثلاثية لتعزيز التعاون في قطاع النقل بينهم، عبر إعادة إحياء الممر الشمالي–الجنوبي الاستراتيجي الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بـالبحر الأحمر، وتسهيل حركة الطيران التجاري والشحن الجوي، وتطوير الموانئ والبنى التحتية البحرية، وفي السياق نفسه أعلنت تركيا عن رغبة في إعادة إحياء الخط الحديدي الحجازي التاريخي.

العبرة

كان إغلاق مضيق هرمز اختبارًا وجوديًّا للنظام الدولي، واختباراً للجاهزية، كشف عن ضرورة تَبنِّي عقيدة «استشرافية» عابرة للأزمات، لتفادي ارتدادات أي صراعات إقليمية مماثلة مستقبلًا. كان التطور النوعي الأبرز امتداد الصراع ليشمل البنية التحتية للطاقة، لكن تأثير هذا الهجوم لم يقتصر على إيران، بل امتد إلى قطر، وزعزع استقرار ميزان الغاز الإقليمي، وأثار الذعر في الأسواق، وأشعل أزمة أوسع بكثير، وهنا تكمن المعضلة الجيواقتصادية. فعندما تبدأ الحرب باستهداف هياكل تتطلب سنوات لإعادة بنائها - كالفولاذ الخاص، وسلاسل التوريد الصناعية المعقدة، ورؤوس الأموال الضخمة - يتحول الصراع من مجرد حدث عسكري إلى دمار طويل الأمد، وهذا تحديدًا ما تتجاهله الأسواق لكنه لا يغير الواقع المادي: فتدفقات الطاقة معرضة للخطر، وشركات التأمين البحري تغير سلوكها، والتكاليف في ازدياد، والمخاطر النظامية تتراكم. قد تُشكّل هذه الحرب نقطة تحوّل في مواقف دول الخليج، التي ستطالب بمواقف واضحة وإجراءات متبادلة من الدول التي ساندتها قبلاً ولا سيما أوروبا، وعلى الصعيد الجيوسياسي، قد يُسرّع هذا الصراع من وتيرة إعادة تشكيل التحالفات الجارية، ولا سيما التقارب الاستراتيجي بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا. وعلى الصعيد الجيواقتصادي، تُؤجّج هذه التطورات النقاشات حول تحدّي الدور المهيمن للدولار في التجارة الدولية، في حين تدفع الصين بمبادرات لتطوير معاملات الطاقة باليوان. إذاً، قد تُسرّع هذه الحرب من وتيرة التوجهات الجارية بالفعل أي تحوّل مركز ثقل النظام الدولي نحو آسيا، وظهور نظام عالمي جديد تتوق إليه بكين وموسكو وطهران بشغف.

مقالات لنفس الكاتب