قبل أكثر من عقد، وفي ندوة عُقدت في البحرين في أكتوبر 2013م، طُرح سؤال بدا آنذاك سابقًا لوقته أو متوجسًا من المستقبل، ومؤداه: هل يستطيع الخليج بناء منظومة أمن جماعي حقيقية تتجاوز التنسيق إلى التكامل؟ كاتب هذه السطور حذّر يومها من أن الاعتماد على الأمن الفردي لن يصمد أمام تحولات الإقليم، وأن التهديد القادم لن يأتي في صورة جيوش تقليدية بل في أدوات مرنة وعابرة للحدود. لذلك قرع الجرس باقتراحات منظومة من الخطوات تبدأ خليجية أولًا ثم تحالفات واضحة مع قوى يمكن الاعتداد عليها، ما جرى في حرب الأربعين يومًا لم يكن إلا الترجمة العملية لذلك التحذير. أي (استهداف الخليج بأدوات غير تقليدية) تمثلت في أكثر من ثمانية آلاف صاروخ ومسيّرة عبرت سماء المنطقة، لتضع دول الخليج أمام واقع لم يعد يحتمل التأجيل أو التفسير النظري أو التجاهل.
هذه الحرب الأربعينية لم تكن فقط مواجهة عسكرية. كانت اختبارًا مباشرًا لفكرة الأمن نفسها. هل هو قرار وطني منفرد؟ أم منظومة مشتركة؟ وهل يمكن لدولة واحدة في الخليج مهما بلغت قدراتها أن تحمي نفسها؟ فقد تحولت الشكوك من الجار الإيراني إلى أعمال عدائية مباشرة، وأرسلت إيران كل تلك الصواريخ والمسيرات، حتى أكثر مما أرسلته إلى ما تقول عنه أنه العدو (إسرائيل)، وعاثت مسيراتها في بيئة مفتوحة بهذا الشكل. الإجابة على سؤال الأمن جاءت من الميدان لا من الكتب. الكثافة، والتعدد، والسرعة، كلها عناصر كشفت حدود المقاربات القديمة. وحاجة دول الخليج إلى مقاربة جديدة وجادة.
أولًا: من الفرضية إلى التجربة
في عام 2013 م، كان الحديث يدور حول سيناريوهات. اليوم نحن أمام تجربة مكتملة. الصواريخ لم تعد احتمالًا، والمسيّرات لم تعد سلاحًا ثانويًا. أصبحت الأداة الأساسية في إدارة الصراع. وهذا التحول لا يتعلق فقط بإيران، بل بطبيعة الحروب الحديثة. الكلفة المنخفضة للطرف المهاجم تقابلها كلفة مرتفعة للدفاع. هذه المعادلة وحدها كافية لإعادة النظر في كل بنية الأمن التقليدي لدى دول الخليج.
التجربة أظهرت أن الدفاع لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تم اعتراضها، بل بقدرة الدولة على الاستمرار دون إنهاك. وهنا يظهر مفهوم جديد: أمن الاستدامة، لا أمن اللحظة، أي قدرة المنظومة على العمل تحت الضغط لفترة طويلة دون انهيار أو استنزاف مفرط ثم الهبوط الآمن بعد الصراع، ذلك يتطلب تفكيرًا جماعيًا يضع خططًا متوسطة وطويلة الأمد.
ثانيًا: الإغراق كاستراتيجية
الهجمات لم تعتمد على الدقة فقط، بل على الكثافة، وعشرات، بل مئات الأهداف في توقيتات متقاربة. هذا ما يمكن تسميته باستراتيجية الإغراق. الهدف ليس إصابة كل هدف بدقة، بل إنهاك الدفاعات وإرباكها. ومع تكرار الهجمات، يصبح الضغط تراكميًا، لا لحظيًا. ويشيع الهلع وكأن المهاجم هو المنتصر، خاصة أن معظم المؤسسات الحيوية الخليجية موجودة تقريبًا على خط واحد شرق جزيرة العرب.
هذه الاستراتيجية تفرض على دول الخليج إعادة التفكير في منظوماتها الدفاعية. ليس فقط من حيث الكفاءة التقنية، بل من حيث القدرة على العمل المشترك. فالدفاع المنفرد يستهلك موارده بسرعة. أما الدفاع المشترك، فيوزع العبء ويزيد من فرص الصمود، والدفاع المشترك يعني توحيد العقيدة العسكرية وتوحيد تدريب البشر، والاهتمام بامتلاك أدوات الحرب الحديثة على رأسها العلم السيبراني، ومعرفة العدو وتوقع خطواته بأقرب ما يكون من الدقة، وليس خافيًا أن استراتيجية إيران منذ عام 1979م، هي التوسع في الجوار وفرض الوصاية على شريحة من سكان الخليج (والعرب) وإنشاء الأذرع المؤتمرة بأمرها.
ثالثًا: الأيديولوجيا كعامل قرار
السلوك الإيراني في هذه الحرب لا يمكن قراءته فقط من زاوية عسكرية. هناك بعد أيديولوجي واضح. تصور لدور إقليمي يتجاوز الحدود. هذا ما يجعل القرارات أقل ارتباطًا بحسابات الكلفة التقليدية. عندما تتقدم الأيديولوجيا، تتغير معايير القرار. اعتبار أن دول الخليج صغيرة وقليلة السكان، فهي الجائزة التي تسعى إليها طهران، متغطية تحت لحاف (تحرير فلسطين) جالبة معها بعض العرب السذج أو المهووسين.
هذا لا يعني غياب العقلانية في السياسة الإيرانية، بل تغير نوعها. عقلانية مختلفة، ترى النفوذ هدفًا بحد ذاته. المشكلة أن هذه المقاربة تحمل كلفة داخلية. كل توسع خارجي له ثمن داخلي. وهذا ما يجعل الاستراتيجية تبدو قوية في الخارج، لكنها مكلفة في الداخل.، هناك بطالة وفقر وقمع في الداخل الإيراني لا تخطئها العيون، كما أن هناك عدد من الجماعات المعارضة، وانتفاضات دورية ضد نظام الحكم، تقمع بقسوة وفظاظة.
رابعًا: الخليج في دائرة الاستهداف
رغم أن دول الخليج لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب، إلا أنها لم تكن خارجها في الواقع. استهداف منشآت، تهديد ممرات، ضغط مستمر. على الجبهة الداخلية لتوسيع الشقة في المجتمع الخليجي التعددي، الرسالة واضحة: لا حياد كامل في بيئة كهذه. الموقع الجغرافي يفرض دورًا، حتى لو لم يكن مرغوبًا. والأيدلوجيا تفرض المواجهة.
هذا يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة. كيف تحافظ على الاستقرار دون الانجرار إلى حرب لا تريدها؟ وكيف تبني ردعًا دون تصعيد؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بفهم أن الأمن لم يعد مسألة داخلية فقط.
خامسًا: نهاية وهم الأمن الفردي
أكبر درس من هذه الحرب هو سقوط فكرة الاكتفاء الذاتي الأمني. الدولة التي تدافع وحدها تُستنزف وحدها. التهديد لا يعترف بالحدود، فلماذا تبقى الاستجابة محصورة بها؟ لقد كتب العديد من المتابعين من أهل الخليج عن ضرورة توحيد الأمن لدول مجلس التعاون، ومع هذه الحرب الأربعينية (المفتوحة على كل الاحتمالات) زادت تلك الأصوات علوًا اليوم، كما عقدت ندوة فكرية جادة من مراكز بحث وجامعات حول أهمية النظر في أمن الخليج الجماعي، وربما الملف كله يحتاج إلى إعادة زيارة وتفعيل اليوم قبل الغد، فقد بينت التجربة أن الجميع أكثر قوة مع بعضهم.
في 2013م، قيل إن الأمن الخليجي يجب أن يكون منظومة. اليوم أصبح ذلك شرطًا. ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة عملية. كل تأخير في هذا الاتجاه يعني بقاء فجوات يمكن استغلالها.
سادسًا: من التنسيق إلى التكامل
التنسيق يعني تبادل معلومات. التكامل يعني توحيد قرار. الفرق كبير. في بيئة سريعة ومتغيرة، لا يكفي أن تعرف ما يحدث. يجب أن تكون جزءًا من الاستجابة. وهذا يتطلب بنية مؤسسية مشتركة، لا مجرد قنوات اتصال. تستطيع أن تتأكد من المعلومات وتنسق بينها وتضع خططًا لمواجهة المخاطر، لقد قيل مبكرًا إن (الطائرات المسيرة سوف تكون سلاح الفقراء) معلومة معروفة منذ زمن، سلاح مقاومة هذه أيضا معروف، كمثال على وجوب الاستعداد الجماعي المبكر.
التكامل لا يلغي السيادة، بل يعيد تعريفها. سيادة قادرة على العمل مع الآخرين، لا بمعزل عنهم. وهذا التحول يحتاج قرارًا سياسيًا قبل أن يكون تقنيًا.
سابعًا: الممرات الحيوية
مضيق هرمز ليس مجرد ممر، بل هو شريان اقتصادي عالمي، وأي تهديد له يتجاوز المنطقة. وهذا يمنح دول الخليج فرصة، كما يفرض عليها مسؤولية. فرصة بناء تحالفات أوسع، ومسؤولية لحماية استقرار لا يخصها وحدها. ولقد كتب حول أهمية مضيق هرمز في الأدبيات الخليجية منذ فترة مبكرة (لكاتب هذه السطور) كتاب بعنوان (البترول والتغير الاجتماعي) نشر مبكرًا في عام 1975م، وكان وقت الشاه، والمخاوف منذ ذلك الزمن اقترح في ذلك الكتاب مشروعات استراتيجية، من أجل القفز على مشكلة المضيق، كمثل إقامة سكة حديد سريعة من شمال الخليج حتى بحر العرب وعدد من الاقتراحات، وهو دليل على أن ذلك المضيق كان هاجس المهتمين في الخليج مبكرًا.
تنويع الممرات والخيارات لم يعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل ضرورة أمنية. كل بديل يقلل من المخاطر، ويزيد من المرونة.
ثامنًا: الحرب كاشفة
الحروب لا تخلق الحقائق، بل تكشفها. ما كان يُقال نظريًا أصبح واضحًا. الفجوات، نقاط الضعف، حدود الأنظمة. وهذا بحد ذاته فرصة. لأن التشخيص الدقيق هو بداية العلاج.
التحدي هو تحويل الدرس إلى سياسة. لا يكفي الاعتراف بالمشكلة. يجب بناء حل.
تاسعًا: نحو عقيدة أمنية جديدة
العقيدة القديمة قامت على الردع التقليدي. الجديدة يجب أن تقوم على المرونة. القدرة على التكيف، على الامتصاص، على الاستمرار. هذه ليست شعارات، بل متطلبات عملية.
الأمن لم يعد سلاحًا فقط، بل هو اقتصاد، تقنية، مجتمع. أي خلل في أحدها ينعكس على البقية.
عاشرًا: دور الخارج
الاعتماد على الحلفاء جزء من المعادلة، لكنه لا يمكن أن يكون الأساس. الخارج يدعم، لكنه لا يحل محل الداخل هذا ما أثبتته تجارب كثيرة. التوازن مطلوب. شراكات متعددة، لكن مع قاعدة داخلية صلبة.
حادي عشر: الكلفة
كل قرار له ثمن. الحرب كشفت أن الكلفة لا تُقاس فقط بما يُدمَّر، بل بما يُستنزف. الموارد، الوقت، الاستقرار النفسي. هذه عناصر لا تظهر في التقارير العسكرية، لكنها حاسمة في الحسابات الاستراتيجية.
تقليل الكلفة هو الهدف الحقيقي لأي استراتيجية. وليس فقط تحقيق الانتصار.
ثاني عشر: الزمن عامل حاسم
الزمن في هذه الحرب كان عنصرًا ضاغطًا. كل يوم يحمل استنزافًا. وهذا يعيدنا إلى فكرة الاستدامة. من يستطيع الصمود أطول؟ هذا هو السؤال. السرعة مهمة، لكن القدرة على الاستمرار أهم.
ثالث عشر: الدرس السياسي
السياسة والأمن وجهان لعملة واحدة. لا يمكن فصل القرار الأمني عن السياق السياسي. وحدة الموقف تعزز القوة. التباين يضعفها. وهذا يعيد طرح فكرة العمل الخليجي المشترك، ليس فقط أمنيًا، بل سياسيًا.
رابع عشر: ما بعد الحرب
انتهاء القتال لا يعني انتهاء التهديد، بل بداية مرحلة جديدة، إعادة تقييم، بناء، استعداد. هذه المرحلة هي الأهم.
من لا يراجع نفسه بعد الحرب، يكرر أخطاءها.
خامس عشر: الخلاصة ما بين منامة 2013 م، وحرب الأربعين يومًا، المسافة ليست زمنية فقط، بل مفهومية. ما كان يُطرح كتحذير أصبح واقعًا. وما كان يُعتبر خيارًا أصبح ضرورة. الأمن الخليجي اليوم أمام لحظة حاسمة. إما أن يتحول إلى منظومة حقيقية، أو يبقى عرضة للاختبار في كل أزمة.






