array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 221

دول جنوب العالم أكثر استعدادًا للاضطلاع بدورٍ فاعل في أمن الخليج لاستقرار سلاسل الإمداد

الأربعاء، 29 نيسان/أبريل 2026

أدت حرب أمريكا وإسرائيل على إيران ليس فقط في الزج بدول الخليج في أتون صراعٍ قسري لم تكن طرفاً في تأجيجه، بل وأحدثت هزة امتدت توابعها عبر أسواق الطاقة العالمية، وكشفت عن عمق الترابط بين الأسواق الآسيوية ومنطقة الخليج. فبالنسبة لدول آسيا، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية نائية، بل بمثابة إعلان حالة طوارئ محلية. وذلك بعد أن أدى الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز إلى تحويل الصراع إلى تهديد اقتصادي وجودي، والتأثير على تدفقات الوقود، والغاز المسال، والمبيدات الحشرية، والسلع.

اتبعت الدول الآسيوية إستراتيجية مزدوجة: عزل الاقتصادات المحلية عن الصدمات مع الاستفادة من القنوات الدبلوماسية لخفض النزاع. أسفر ذلك عن تحقيق توازن معقد يجمع ما بين - مزيج من الحيادية، والرسائل الانتقائية، والبراغماتية في إدارة الأزمة، وربما لعب الوساطة. وقد آل ذلك إلى اضطلاع دول آسيوية وبالأخص، باكستان والصين، بأدوار حاسمة في تسهيل التوصل لاتفاق هش لوقف إطلاق النار رغم الغموض الذي لا يزال يكتنف مسار الحرب.

الدوافع، المكاسب والخسائر

الأهداف المزعومة من الحرب تمثلت في تقويض البنية الإيرانية من الطاقة النووية والقدرات العسكرية، والحد من نفوذ إيران الإقليمي، إضافة لتغيير النظام. بالنسبة لواشنطن، فقد تمحورت دوافعها حول تجسيد قوة الردع، والوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها، وبعث رسائل سياسية في الداخل. ومع ذلك، لم تحصد هذه المساعي سوى ثمارٍ هزيلة؛ فبرغم ما أظهرته من سطوة عسكرية، إلا أنها استدرجت تصعيداً انتقامياً وضع تدفقات الطاقة العالمية في عين العاصفة، وأقحم أمريكا في دوامة شاقة ومكلفة من إدارة الأزمات.

بالمثل، انطلقت الحسابات الإسرائيلية من تبني الرد الاستباقي، سعيًا لتبديد مخاوف أمنية حيال تمدد النفوذ الإيراني. غير أن اتساع رقعة الصراع وتفاقمه أسهما في تقليص عوائد الهجوم الإسرائيلي، ليلقى مصير النتائج الأمريكية.

من جانبها، أظهرت إيران قدرتها على الصمود وتكبيد خصومها الثمن. حيث جسدت استراتيجيتها القائمة على تهديد الممرات الملاحية الحيوية واستهداف البنية التحتية في الخليج ما تملكه من أوراق ضغط في حرب غير متكافئة. ولم تقتصر الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة على المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة فحسب، بل طالت أيضاً بنى تحتية مدنية واقتصادية، وهو ما انعكس سلباً، وإن كان بشكل غير مباشر، على مصالح إيران ذاتها.

دفعت طهران ضريبة قاسية في المقابل، تمثلت في فقدان قيادات بارزة، وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، ودمار واسع في بنيتها التحتية، فضلاً عن تفاقم عزلتها الدولية. كما أدى حصارها الجزئي لمضيق هرمز إلى ارتفاع التكاليف العالمية، مما تسبب في جفاء وتوتر علاقاتها مع شركاء رئيسيين في آسيا.

وبناءً على ما تقدّم، فإن المكاسب التي حققتها الأطراف الثلاثة لم تتجاوز كونها تكتيكية في أحسن أحوالها، في مقابل خسائر بنيوية فادحة؛ ما يجعلنا أمام حربٍ بلا منتصرين. بيد أن مكمن الخطر لا يتجسد فحسب في احتمالية العودة إلى المواجهات العسكرية، بل في ماهية التسوية النهائية لهذا الصراع.

ويوحي اتفاق وقف إطلاق النار المثير للجدل بأن الأطراف الفاعلة قد تكتفي بـ تسوية توافقية محدودة، دون معالجة التوترات الهيكلية. وفي ظل هذا السيناريو، قد تضع أمريكا أوزار حملتها العسكرية مكتفيةً بإعلان نصرٍ صوري، في حين تخرج إيران من الأزمة أكثر تماسكاً وصلابة. ومن جهة أخرى، لن تتردد إسرائيل في مواصلة عملياتها العسكرية العنيفة ضد خصومها في سعيها الدؤوب لفرض هيمنتها العسكرية، وهو ما يضع دول الخليج أمام مرحلة انتقالية تزداد فيها حدة الاضطرابات.

ضرورات استراتيجية: المشاركة الحيادية

تتشارك غالبية القوى الآسيوية-بما فيها الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية- واقعاً هيكلياً مشتركاً- وروابط اقتصادية عميقة مع أطراف الحرب الثلاثة. باكستان، التي لم تحظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، أصبحت وسيطًا رئيسيًا. وانطلاقاً من هذا التشابك المصيري، تعذر على هذه القوى الانحياز الصريح لأي كفة في الصراع، مما دفعها نحو تبني سياسة "المسافة الواحدة" كخيارٍ استراتيجي لا مفر منه.

مع ذلك، فإن الحيادية لا تعني السلبية. فبعد أن أصبحت الحرب تشكل تهديدًا لمصالح آسيا الاقتصادية، لاسيما أمن الطاقة، تحولت بلدان القارة من " الحفاظ على مسافة آمنة " إلى المشاركة الدبلوماسية النشطة. وذلك للحيلولة دون إطالة أمد اضطرابات إمدادات الطاقة؛ تفادي دوامات التضخم والتباطؤ الاقتصادي؛ حماية المواطنين في الخارج؛ حماية التجارة البحرية؛ والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى العالمية المتنافسة.

وقد تبلور هذا التلاقي في المصالح ليشكل نواةً لتحرك آسيوي مشترك يستهدف تهدئة الأجواء واحتواء فتيل الأزمة.

الصين: ضبط النفس والنفوذ الهادئ

اتسم رد فعل الصين بالحذر، باعتبارها أكبر مستورد لصادرات الشرق الأوسط من الطاقة وأكبر شريك تجاري للخليج، ونظرتها براغماتية بحتة تُعنى بالاستقرار الاقتصادي. نظرًا لأن ما يقرب من نصف وارداتها النفطية تمر عبر هرمز، وحدوث اضطراب يهدد نموها مباشرة.

وعلى الرغم من شراكتها الاستراتيجية مع إيران، تجنبت الصين التورط عسكريًا. ولجأت إلى نهج ثلاثي الأبعاد: أولًا، تبادل الرسائل الدبلوماسية عبر الدعوة لوقف إطلاق النار، والالتزام بالقانون الدولي، وحماية ممرات الشحن. ثانيًا، ممارسة ضغوط غير مباشرة من خلال حث طهران على تجنب تعطيل حركة الملاحة البحرية لفترة طويلة. ثالثًا، بعث إشارات انتقائية، وذلك من خلال نشر أصول بحرية والمشاركة في مناورات مشتركة لحماية مصالحها دون تصعيد. كما أنها لعبت دورًا حاسمًا في اللحظات الأخيرة لاتفاق وقف إطلاق النار بالتنسيق مع باكستان من خلال إقناع إيران بالقبول به. بما يعكس نفوذها الدبلوماسي المتنامي داخل المنطقة وإن كان مشوبًا بالحذر.

مع ذلك، تبين أن سياسة ضبط النفس الصينية لم تخلُ من أوجه القصور، إذ لا يزال نفوذ بكين محصوراً في الفضاء الاقتصادي، عاجزاً عن التحول إلى قوة أمنية فاعلة، إلا في حدود ما تمليه ضرورات حماية مشاريع "مبادرة الحزام والطريق". ونتيجة لذلك، فإن جنوح بكين نحو تجنب المخاطر قد كبّل قدرتها على التأثير، وقوّض دورها في صياغة النتائج الحاسمة على أرض الواقع.

وعلى صعيد ردود الأفعال الرسمية، عقد نائب وزير الخارجية الصيني لقاءات مع سفراء ست دول خليجية في بكين. كما قام المبعوث الصيني بزيارة عدة دول خليجية خلال مارس دون زيارة إيران أو إسرائيل. فيما نفت وزارة الشؤون الخارجية تقارير متداولة بشأن تزويد إيران بالصواريخ. واقتصرت المساعدات الإنسانية الصينية إلى إيران على جمع تبرعات بقيمة 200 ألف دولار فقط تم صرفها خلال شهر مارس.

وغالبًا ما تتناول وسائل الإعلام الصينية الصراع باعتباره نتاجًا للضغط الأمريكي وانعدام استقرار إقليمي، مع التشديد على أن التصعيد لن يحقق سلامًا مستدامًا. فيما جادل الخبراء الصينيون بأن بكين لن تدعم إيران عسكريًا، مشيرين إلى أن الروابط الصينية-الإيرانية لا تشكل تحالفًا، بل شراكة استراتيجية. في حين يشهد الرأي العام الصيني انقسامًا بين شعور البعض بالتعاطف مع مقاومة إيران، وبين التشديد على ضرورة مواصلة الحياد الدبلوماسي وتجنب التورط في صراعات الشرق الأوسط.

وبشكل عام، حققت الدبلوماسية الصينية توازنًا دقيقًا، بما دفع واشنطن للسعي للحصول على مساعدة بكين في رفع الحصار المفروض على هرمز كشرط للقاء ترامب ونظيره الصيني بينغ.

فيما يتعلق بسائر شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تتخذ الأزمة طابعًا اقتصاديًا بامتياز. حيث تعتمد الدولتان اعتمادًا مفرطًا على واردات الطاقة الخليجية مقابل شح البدائل الفورية. وشملت استجابة الدولتين السحب من المخزونات الاستراتيجية؛ وترشيد استخدام الوقود، وتطبيق تدابير الحفظ؛ والعمل على تسريع التنويع في مصادر الطاقة بما في ذلك إعادة تشغيل المحطات النووية (في اليابان)؛ وتطبيق حزم اقتصادية لتحقيق الاستقرار المالي (كوريا الجنوبية). وعلى الرغم من هذه التدابير، شهدت البلدان تقلبات حادة في الأسواق، مما يسلط الضوء على الهشاشة الهيكلية التي تعاني منها تلك الاقتصاديات أمام الصدمات الخارجية في قطاع الطاقة.

باكستان: محور دبلوماسي غير متوقع

برزت باكستان وسيطاً محورياً في مفاوضات وقف إطلاق النار، مستفيدةً من حظوتها بمكانة موثوقة لدى الطرفين؛ ما أهلها لاستضافة المحادثات المباشرة بينهما منذ عام 1979م، ويأتي هذا الدور مدفوعاً بحساباتٍ استراتيجية؛ إذ يضع الاعتماد الباكستاني المفرط على واردات الطاقة الخليجية البلاد في مهب "الهشاشة الاقتصادية"، خاصة مع القفزات الحادة في أسعار النفط لإغلاق هرمز. ولم يقتصر أثر هذا التهديد -إلى جانب الاضطراب الإقليمي العام- على الجانب الاقتصادي، بل امتدت ارتداداته لتلقي بظلالها على المشهد السياسي الداخلي في باكستان.

لذلك عكفت إسلام آباد على تفعيل قنوات التواصل الخلفية، وتولّت نقل المقترحات والردود بين واشنطن وطهران. واضطلعت القيادة الباكستانية بدورٍ جوهري في جسر الهوة وتخطي العقبات التي استعصت على الدبلوماسية الرسمية التقليدية.

أفضى هذا المسار إلى مكسب دبلوماسي، نجحت من خلاله الدولة الباكستانية في ترسيخ حضورها كوسيطٍ يتمتع بالمصداقية. ومع خطِّ هذه السطور، تحتضن إسلام آباد جولات من المحادثات الأمريكية / الإيرانية لصياغة بنود وقف إطلاق النار والتوصل لتسوية نهائية؛ في حدثٍ يجسد أول تفاعل مباشر من نوعه بين الخصمين منذ ما يربو على أربعة عقود.

وتعد مسيرة باكستان من الغموض الدبلوماسي إلى السطوع نموذجًا جديرًا بالاهتمام والدراسة في كيفية تحويل الأزمة إلى غنيمة. وبالنظر إلى إنها لم تكد تلتقط أنفاسها من آثار نزاعها غير المحسوم أمام الهند عام 2025م، واستمرار معاناتها الاقتصادية، وعملياتها العسكرية ضد أفغانستان، أظهرت إسلام آباد شجاعة في تزعم جهود الوساطة لحل أزمة عالمية كبرى. يشار أيضًا إلى أنها استضافت اجتماعًا مشتركًا مع وزراء خارجية دول السعودية، وتركيا، ومصر قبل وقف إطلاق النار.

منذ تحول الرئيس الباكستاني المفاجئ بيريز مشرف عقب هجمات سبتمبر 2001م، ودعمه للعمليات الأمريكية في أفغانستان، لم يسبق وأن بادرت باكستان بهذا القدر من السرعة والطموح للاضطلاع بدور في معترك يمس الفكر الاستراتيجي الأمريكي أو الشرق الأوسط. لعل الفارق أن التواصل بين إسلام آباد وواشنطن عام 2001م، تم من قبل الأخيرة بدافع الضرورة من أجل تحييد حركة طالبان. بينما هذه المرة، فكانت إسلام أباد هي التي تواصلت مع واشنطن بهدف تحسين مكانتها الدولية.

وفي ظل خيبة الأمل التي مُنيت بها سلطنة عمان وعزوفها عن الوساطة بين طهران وواشنطن إثر العرقلة الأمريكية لمحادثات السلام خلال عامي2025 و2026م، استثمرت باكستان هذا الفراغ الدبلوماسي بذكاء؛ ففعلت قنواتها الخلفية لتقديم مساعيها الحميدة. وبناءً على التحسن المتسارع في العلاقات الأمريكية الباكستانية، والتناغم الملموس بين قيادتي البلدين على مدار العام المنصرم، تمكنت إسلام آباد من توظيف صلاتها المباشرة بواشنطن لإحداث خرق إيجابي في جدار الأزمة.

كما أن قربها من طهران جعلها مؤهلة للعب دور الوسيط، إذ تضم باكستان ثاني أو ثالث أكبر تجمع سكاني شيعي بعد إيران والهند. جغرافيًا، تتشارك باكستان وإيران مساحة حدودية تمتد على مسافة 900 كيلومتر عبر إقليم بلوشستان. حيث يشكل الإقليم مبعث قلق إيراني بسبب الحركات الانفصالية البلوشية على حدودها. لذلك سعت طهران لتجنب استعداء باكستان تحسبًا لفتح الأخيرة جبهة ثانية ضدها إن تراءى لها.

ومن المنظور الخليجي، ساهم الاتفاق الدفاعي المتبادل الموقع بين باكستان والسعودية عام 2025م، في تسهيل التعاون مع الرياض. فضلًا عن، الروابط الجيدة التي تحظى بها إسلام آباد مع دول الخليج. وأشار المحللون إلى أن حقيقة أن باكستان ليست محسوبة على المعسكر الخليجي عززت قبولها لدى الجانب الإيراني. فباضطلاعها بدور الوسيط، تمنح إسلام آباد لطهران ميزة تفتقر إليها مسقط أو الدوحة، وهي توفير "مُلتقى بوزنٍ استراتيجي" يكفي لرفع الحرج عن القيادة الإيرانية عند الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ويُجنبها أي انطباعٍ بالإذعان أو الشعور بالهزيمة.

وبغض النظر على نتائج المحادثات، فقد نجحت إسلام آباد في تكريس حضورها كوسيط دولي لا غنى عنه، ضاربةً بذلك جملةً من العصافير بحجر واحد: إذ مكنها هذا الدور من ترميم علاقاتها مع واشنطن، وفتح الباب أمام دعم أمريكي محتمل لعملياتها في أفغانستان، كما مهدت الطريق لعودة الدفء إلى علاقاتها مع المنظومة الخليجية، متجاوزةً بذلك جفاء أزمة عام 2015م، حينما نأت بنفسها عن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وساهمت الوساطة في تلميع صورتها الدولية، وتعزيز حظوة القيادة العسكرية والمدنية في الداخل، فضلاً عن نيل تقدير "المارد الصيني" الذي رأى في شريكه الاستراتيجي حليفاً وفياً لم يتوانَ عن مد يد العون لشريكٍ آخر هو إيران.

الهند: توازن استراتيجي

حرصت الهند على الحفاظ على التوازن الاستراتيجي، في مشهدٍ بدا أشبه بالسير على حبلٍ دبلوماسي مشدود؛ لتشابك روابط نيودلهي العميقة مع كلٍ من أمريكا وإيران وإسرائيل، فضلاً عن القوى الخليجية. فمن جهة، أدانت الهند الهجمات على شركائها في الخليج كالإمارات والسعودية، مُشددةً على ضرورة صون الأمن البحري. ومن جهةٍ أخرى، أبقت على قنوات تواصلها مع إيران مفتوحة، مع التحوط السياسي وتجنب توجيه انتقاد مباشر للهجوم الأمريكي الإسرائيلي.

محليا، عكفت الحكومة الهندية على تطبيق سياسة موسعة لإدارة الأزمة. حيث قامت بتنويع واردات الطاقة لتشمل 40 دولة؛ مع الاستعانة بـ مخزوناتها الاستراتيجية من النفط؛ وترشيد إمدادات الغاز لمنح الأولوية للقطاعات الأساسية؛ كما أطلقت عمليات بحرية لتأمين مسارات الشحن. كذلك أظهرت نيودلهي زعامة إقليمية عبر توفير الوقود إلى دول الجوار مثل: سريِلانكا، ونيبال، وبنغلاديش، والمالديف، وتدعيم سياسة "الجوار أولا". مع ذلك، لم تأمن تبعات الحرب الاقتصادية بعد انخفاض قيمة العملة المحلية واستمرار ضغوط التضخم. فضلا عن، الانتقادات السياسية في الداخل بشأن الانحياز المتصور لأحد أطراف الحرب.

حرصت الهند على التوقيع على سجل التعازي بمقر البعثة الإيرانية بنيودلهي عقب اغتيال آية الله علي خامنئي. بما لبى جزءًا من تطلعات غالبية الشيعة في الهند، والبالغ عددهم نحو 40 مليونًا. كذلك حرصت الهند على التشجيع على الحوار والدبلوماسية، داعية كافة الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب التصعيد. مع ذلك، فإن عدم إدانتها الصريحة للهجوم على إيران، أثار انتقادات أحزاب المعارضة لما اعتبروه تخلى نيودلهي عن سياسة عدم الانحياز، وظهورها بمظهر المنحاز إلى أمريكا وإسرائيل.

على الصعيد الرسمي، أجرى رئيس الوزراء الهندي ووزير الشؤون الخارجية محادثات مع نظرائهم. كما عقدت الحكومة الهندية مباحثات مع سفراء دول مجلس التعاون في نيودلهي. واستغلت نيودلهي نفوذها السياسي للضغط على إيران كي تسمح بالمرور الآمن للسفن التي تحمل العلم الهندي عبر هرمز. كما وفرت مأوى لـ 183 من عناصر البحرية الإيرانية التابعة لإحدى السفن التي رست في الهند خلال مارس عقب اندلاع الحرب.

استطاعت الهند تأمين وصول نحو 70% من وارداتها من النفط الخام عبر مسارات بديلة، ارتفاعًا من 55% المسجلة قبل الأزمة. وعملت على توسيع قاعدة مورديها لتشمل 40 دولة، مع زيادة ملحوظة في وارداتها من أمريكا، وروسيا، والبرازيل، وغرب إفريقيا مثل نيجيريا وأنغولا. من جانبها، منحت واشنطن الهند إعفاءً مؤقتاً لمواصلة شراء النفط الخام الروسي، مما وفر لها مخزونًا حيويًا لتعويض أي نقص في إمدادات الشرق الأوسط. استفادت الهند أيضًا من موانئ سلطنة عمان، والسعودية، والإمارات، الواقعة خارج مضيق هرمز، للحفاظ على سلاسل الإمداد، ومنها موانئ صحار، والدقم، وصلالة، وينبع، والفجيرة.

معضلة أمن الخليج

تسببت حرب إيران في تعميق انعدام الثقة بين طهران وبلدان الخليج، عقب الهجمات المباشرة التي استهدفت البنية التحتية الخليجية. مع ذلك، ساعد الاعتماد الاقتصادي المتبادل والمخاطر المشتركة المحدقة نتيجة انعدام الاستقرار على خلق مبادرات للتواصل الحذر. وتتبلور المسارات المستقبلية في تقاربٍ محسوم بضوابط محددة، يصب تركيزه على تعزيز الأمن البحري وعدم الاعتداء؛ فضلاً عن تفعيل تدابير لبناء الثقة تضمن تحييد البنية التحتية الحيوية والأهداف المدنية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوساطة الخارجية، حيث يُتوقع من القوى الآسيوية والعالمية مواصلة اضطلاعها بدورٍ محوري في تمهيد سبل الحوار وتذليل عقباته.

ومن المستبعد حدوث تطبيع كامل على المدى القصير، ولكن ربما يُفسَح المجال لتعاون براغماتي بدافع الضرورة. بالنسبة للتسويات طويلة الأجل، فلابد أن تجد دول الخليج سبيلًا لكي تصبح جزءًا من المحادثات الأمريكية-الإيرانية. كي لا يتم تهميش دورها في تسوية صراع يمس أمنها القومي بشكل مباشر، على غرار ما حدث خلال المفاوضات التي أثمرت عن الاتفاق النووي الموقع عام 2015م، وينبغي لها أيضًا إيجاد وسيلة لإعادة إصلاح العلاقات مع طهران وهو أمر متروك للزمن، والقدرة على التحلي بالصبر، والحنكة الدبلوماسية.

على مدار عقود، رأت دول خليجية فوائد استراتيجية في استضافة قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، باعتبارها ركيزة محورية للبنية الأمنية الخاصة بها. ورغم أن بعضًا من هذه الدول مثل الإمارات والكويت لم يتم تصميم قواعد أمريكية عسكرية لها خصيصًا، لكنها قبلت بوجودها إلى جانب شركاء آخرين. ولطالما نُظر إلى هذه المنشآت على أنها مظلة أمنية تُشكل رادعًا قويًا ضد أي عدوان إقليمي، وضمان لاستمرار تدفق صادرات الطاقة العالمية دون انقطاع.

في الواقع، لقد كانت جزءًا من مسعى بناء القدرات العسكرية، مما أتاح للدول المضيفة إمكانية النفاذ إلى نمط متقدم من التعاون العسكري، والتدريب التكتيكي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية الحيوية، بما يسهم جميعه في بناء قابلية التشغيل البيني بين تلك الدول والشركاء الآخرين داخل منطقة تعاني من اضطرابات مزمنة.

مع ذلك، لم تسلم دول الخليج من السهام الإيرانية في الرد على الهجوم الأمريكي / الإسرائيلي والتي اتسمت بمداها الواسع وآثارها التدميرية. حيث لم يقتصر الرد الإيراني على المنشآت العسكرية الأمريكية داخل الخليج، بل وشملت استهداف بنية تحتية مدنية واقتصادية. وقد آثرت البلدان الخليجية سياسة ضبط النفس التي غالبًا ما يساء فهمها على أنها ضعف، ولكنها تعبر في الواقع عن موقف مدروس بدافع الحفاظ على السلامة العامة. كما تعكس التزامًا استراتيجيًا لضمان عدم تقويض النظام الإقليمي ما بعد الحرب.

وفي حين أن الحكم لم يُحسم بعد بشأن ماهية البنية الأمنية لدول الخليج خلال فترة ما بعد الحرب، إلا أنه من غير المتوقع أن يثني ذلك القوى الخليجية عن المضي قدماً في نهج "التنويع الأمني" الذي اختطته لنفسها قبل زهاء عقدٍ. وفي هذا السياق، تتمتع قوى آسيوية كالصين والهند وباكستان وكوريا الجنوبية، من بين دول أخرى، بترتيبات أمنية متعددة الأطراف مع العواصم الخليجية، توازيها علاقات دبلوماسية متزنة مع طهران.

وفي ظل هذه الآلية الأمنية الجماعية الآخذة في التطور، والتي تظل فيها أمريكا ظهيراً استراتيجياً لا غنى عنه، يبدو أن دول "الجنوب العالمي"، المعززة بمصالح اقتصادية هائلة ومتبادلة مع الخليج، ستكون أكثر استعداداً للاضطلاع بدورٍ فاعل في أمن المنطقة. وقد يتجسد هذا الدور بوضوح في مضمار الأمن غير التقليدي، من خلال التصدي للجهات الفاعلة من غير الدول ومكافحة أعمال القرصنة؛ وهو أمر يكتسب أهمية محورية لضمان ديمومة التبادل التجاري، وإنجاح مشروعات الربط البيني، واستقرار سلاسل الإمداد الحيوية بين الخليج والجنوب.

مقالات لنفس الكاتب