في يونيو من العام الماضي، ومع إعلان وقف إطلاق النار الذي طوى صفحة ما عُرف بـ “حرب الأيام الاثني عشر"، تجلّى بوضوح أن تلك الخطوة لم تكن سوى تهدئة عابرة لا سلاماً مستداماً؛ إذ أخفقت لغة المدافع الصامتة في ردم فجوة التباينات والتطلعات الاستراتيجية الجوهرية بين واشنطن وتل أبيب وطهران، الأمر الذي أبقى فتيل المواجهات والعمليات العدائية قابلاً للاشتعال في أي لحظة. ورغم العودة إلى طاولة المفاوضات لكسر رتابة الجمود المحيط بالملف النووي، استمرت أطراف النزاع الثلاثة في حشد طاقاتها، كلٌّ على حدة، تحسباً لجولة تصعيد مرتقبة قد تكون الأشد ضراوة.
لقد شعر العالم بأسره بتداعيات العملية الأمريكية "الغضب الملحمي" التي شُنت في فبراير الماضي؛ إذ لم تقتصر آثارها على تعطل إمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج وما تلا ذلك من قفزات حادة في الأسعار، بل امتدت إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة، موجهة ضربات موجعة لقطاعات الطيران الإقليمي والدولي، والسياحة، والتجارة، والاستثمار، فضلًا عن سلاسل الإمداد الغذائي العالمية.
ومن المرجح أن يتوقف القتال عندما يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحييد البرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة، في حين ستسعى الحكومة الإيرانية إلى تسويق مشهد "النصر" وصمودها أمام أقوى آلة عسكرية في العالم. ومع ذلك، فإن وقف إطلاق النار لن يعيد الاستقرار السياسي إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط الأوسع، إذ تظل الحاجة ملحة لحلول دبلوماسية مبتكرة قادرة على معالجة جذور الصراع، وتمهيد الطريق نحو سلام دائم يشمل جميع الأطراف.
وقد اتسم الرد العسكري الإيراني، في المواجهات السابقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بأنه كان سريعًا ومحدودًا، حيث حرص الخبراء الاستراتيجيون في إيران على تجنب إشعال صراع إقليمي واسع أو الانخراط في مواجهة مباشرة مع خصوم أقوياء. غير أن هذه الاستراتيجية المدروسة لم يُكتب لها النجاح. فقد أسفرت المواجهات العسكرية المحدودة مع إسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024م، إلى جانب الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو 2025م، عن تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، مقابل تجرؤ خصومها. وبالتالي، مع بدء الضربات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ أواخر فبراير الماضي، تبنّت طهران استراتيجية "الحرب الشاملة"، مع التأكيد على بقاء النظام في صدارة أولوياتها. وتسعى إيران من خلال هذه الاستراتيجية إلى تكثيف الضغوط الداخلية والدولية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، على إدارة ترامب، بهدف دفع الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب. وتشمل هذه الاستراتيجية عرقلة تدفق ناقلات النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، وتعطيل إمدادات الوقود، ورفع أسعار الطاقة، فضلًا عن استهداف القواعد العسكرية الأمريكية، والمصالح الاقتصادية من شركات وبنوك واستثمارات في الدول المجاورة.
الولايات المتحدة
أدت الحرب المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران إلى تدعيم العلاقات الوثيقة بين البلدين لتصل إلى مستوى جديد وغير مسبوق. ففي السابق، اقتصر التعاون العسكري بين الحليفين على عمليات نوعية محدودة، مثل عملية "الألعاب الأولمبية" التي استهدفت تخريب المنشآت النووية الإيرانية خلال الفترة (2006–2010م). غير أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، تجنبت الدخول في حرب مشتركة شاملة ضد إيران، إلى أن تجاوزت إدارة الرئيس دونالد ترامب هذا الخط الفاصل. ورغم هذا التصعيد، فإن أهداف الحليفين لا تتطابق بشكل كامل؛ إذ يدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مدار مسيرته السياسية، لإسقاط النظام الإيراني. وفي سياق هذه الاستراتيجية، استهدفت إسرائيل مراكز شرطية ونقاط تفتيش أمنية في المناطق الشمالية الغربية ذات الغالبية الكردية داخل إيران، كما نفذت عمليات اغتيال طالت عددًا من القيادات البارزة، من بينهم قائد قوات "الباسيج" شبه العسكرية المسؤولة عن الأمن الداخلي.
في المقابل، وبحكم كونها قوة عظمى، تضع الولايات المتحدة في اعتبارها تحييد التهديدات التي تطال جميع حلفائها في المنطقة، مع مراعاة التزاماتها الدولية وتداعيات الحرب على المستوى العالمي، بما يشمل ضمان عدم انقطاع إمدادات النفط والغاز، والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، ومتابعة الحرب في أوكرانيا، فضلًا عن تأمين منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ولذلك، شهدت أهداف الحرب على إيران تحولات متكررة، فقد بدأها ترامب بالسعي إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني وتدمير قدراته الصاروخية والبحرية، قبل أن تمتد إلى هدف تغيير النظام وفرض الاستسلام غير المشروط. وفي المقابل، لم يستبعد ترامب إمكانية التعامل مع قيادة "معتدلة" من داخل النظام الإيراني والإبقاء عليه، على غرار النهج الذي اتبعه سابقًا في فنزويلا.
وبالإضافة إلى الضغط الدولي، تواجه إدارة ترامب معارضة داخلية متنامية، من كلا التيارين اليساري واليميني. فقد رأى العديد من أعضاء الحزب الديمقراطي، إلى جانب شخصيات من حركة "اجعل أمريكا عظيمة مجددًا" الموالية لترامب أن الحرب تمثل خروجًا عن استراتيجية "أمريكا أولاً"، بل واعتبروا أن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى خوض هذا الصراع. ويؤكد منتقدو الحرب أن أي موارد تُستنزف في المواجهة مع إيران تأتي على حساب الاستعداد لمواجهة الصين، التي تُعد التحدي الاستراتيجي الأبرز. وفي هذا السياق، أشارت وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" للولايات المتحدة لعام 2025 م، إلى أن "الأيام التي كان يهيمن فيها الشرق الأوسط على ساحة السياسة الخارجية الأمريكية، سواء في التخطيط طويل الأمد أو التنفيذ اليومي، قد انتهت لحسن الحظ" ومع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد معدلات التضخم، فإن مستقبل الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، بات محفوفًا بالمخاطر.
التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة ودول الخليج
على مدار عقود، سعت دول الخليج جاهدةً لضبط إيقاع العداء المستحكم بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما يظل البرنامج النووي الإيراني هو الهاجس الأبرز الذي يؤرق واشنطن والعواصم الأوروبية، فإن الشاغل الجوهري لدول مجلس التعاون الخليجي ينصبُّ في المقام الأول على سياسات طهران الإقليمية.
وقبيل أحداث أكتوبر 2023م، كانت دول الخليج توجّه أصابع الاتهام لإيران بالسعي نحو بسط هيمنتها على المنطقة عبر توظيف شبكة من الفاعلين المسلحين من غير الدول. بيد أن العلاقات الخليجية-الإيرانية شهدت تحولاً لافتاً مع مطلع العقد الثالث من الألفية الثالثة؛ إذ جرى استئناف المسار الدبلوماسي، وأُعيد فتح السفارات، وتبادل المسؤولون الزيارات رفيعة المستوى. ويأتي هذا التحول مدفوعاً بتبني دول الخليج استراتيجيات اقتصادية طموحة تهدف إلى تنويع مواردها، وتعزيز دور القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية؛ وهي تطلعات يرتهن نجاحُها بوجود بيئة سياسية مستقرة، وإرساء دعائم سلام إقليمي مستدام.
وفي هذا السياق، تُفضل دول الخليج تبني مسار خفض التصعيد بدلًا من الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران، فقد أدانت بشدة انتهاك سيادتها الوطنية، وطالبت طهران بوقف هجماتها الصاروخية والطائرات المُسيّرة على أراضيها. ومع ذلك، وقبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير، حثت دول الخليج الرئيس دونالد ترامب على عدم توجيه ضربات عسكرية إلى إيران، كما ساهمت بدور محوري في المساعي الدبلوماسية الرامية إلى كسر حالة الجمود المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. ولذلك، تعكس مواقف دول الخليج حالة من الاستياء من الولايات المتحدة. ففي عام 2015م، وعندما أبرمت إدارة الرئيس باراك أوباما اتفاقًا نوويًا مع إيران، لم تُجرِ واشنطن مشاورات كافية وفعّالة مع دول الخليج، وقد تكرر هذا الأمر في الحرب الجارية حاليًا. حيث كانت المشاورات التي سبقت توجيه الضربات العسكرية لإيران محدودة للغاية، مما فاقم حالة الغضب الخليجي، لا سيما في ظل المخاوف من أن ترسخ إسرائيل سياسة العسكرة الدائمة للمنطقة. ورغم هذا التوتر، تظل الولايات المتحدة الشريك الأمني الرئيسي لدول الخليج. فعلى الرغم من أن إنتاجها من أنظمة الدفاع الجوي لا يواكب حجم الطلب الخليجي، فإن هذه المنظومات تظل الأكثر تطورًا وكفاءة. ومع توقف القتال، يُرجَّح أن تتجه دول الخليج إلى دراسة إنشاء شبكة دفاع إقليمي متكاملة وقوية، تعتمد على ربط أجهزة الاستشعار ومنظومات الاعتراض، إلى جانب تنسيق التخطيط العسكري، على أن تكون الولايات المتحدة في مركز هذه المنظومة الجديدة.
إن الولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من المنشآت العسكرية في منطقة الخليج بالتعاون مع الدول المضيفة، حيث تدعم هذه المنشآت عمليات القيادة المركزية الأمريكية، والدوريات البحرية، والعمليات الجوية، والخدمات اللوجستية، فضلًا عن مهام الأمن الإقليمي. ويلعب الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية، والمتمركز في البحرين، دورًا محوريًا في العمليات البحرية. وتُعد قاعدة العُديد الجوية في قطر أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، إذ تستضيف المقر المتقدم للقيادة المركزية، إلى جانب قيادة القوات الجوية الأمريكية في المنطقة. وفي الكويت، يُمثل معسكر عريفجان مقرًا متقدمًا للقيادة المركزية للجيش الأمريكي ومركزًا لوجستيًا رئيسيًا. كما تُعد قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات العربية المتحدة مركزًا حيويًا للقوات الجوية الأمريكية، حيث تدعم الطائرات المقاتلة وعمليات الاستطلاع، بما في ذلك الطائرات بدون طيار، وعمليات التزود بالوقود والمهام التشغيلية. كما تتمتع الولايات المتحدة أيضًا بحق الوصول إلى ميناء الدقم في سلطنة عمان، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية.
وعلى صعيدٍ موازٍ، منحت الولايات المتحدة كل من البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية صفة "حليف رئيسي من خارج حلف الناتو"؛ وهو تصنيف يُبرز عمق الروابط الاستراتيجية وعلاقات العمل الوثيقة مع الجيش الأمريكي بمعزل عن عضوية حلف الأطلسي. وتكفل هذه الصفة للدول الحائزة عليها امتيازات عسكرية ومالية، كأولوية النفاذ إلى المعدات الدفاعية المتطورة والمشاركة في برامج الأبحاث، غير أنها لا تقدم ضمانات أمنية مباشرة، كونها لا ترقى لمرتبة معاهدات الدفاع المشترك، بل تظل مؤشراً جوهرياً على متانة الشراكة والتعاون الأمني.
وفي سياقٍ متصل، صُنِفت دولة الإمارات العربية المتحدة "شريكاً دفاعياً رئيسياً"، وهو توصيف استثنائي يُمنح بموجب ترتيبات دقيقة، ليعكس مكانتها كحليف استراتيجي محوري؛ ما يمهد الطريق لتسهيل نقل التكنولوجيا المتقدمة، وتوسيع نطاق صفقات التسليح، وتعزيز أطر التعاون العسكري المشترك.
ويتفاوت العدد الإجمالي للقوات الأمريكية في المنطقة وفقًا لعمليات تبديل الوحدات والمهام القتالية، لكنه تاريخيًا وصل إلى عشرات الآلاف في مختلف الدول المطلة على الخليج. وفي أوائل أبريل الماضي وصل عدد القوات الأمريكية إلى نحو 50 ألفًا. وتقع العديد من المنشآت تحت ملكية الدولة المضيفة مع منح الولايات المتحدة حقوق الوصول إليها، بدلًا من كونها قواعد أمريكية كاملة. وقد تطور الوجود الأمريكي في الخليج منذ حرب الخليج عام 1991م، ثم حرب العراق عام 2003م، مع التركيز على الردع، وضمان حرية الملاحة - خصوصًا قرب مضيق هرمز – بالإضافة إلى عمليات مكافحة الإرهاب.
خارطة الطريق
تتسم الحروب بديناميكية ذاتية تفرض واقعها الخاص، مما يؤدي إلى نتائج غير متوقعة وغير مخطط لها. وبينما لا يزال الوقت مبكراً لاستجلاء التداعيات الاستراتيجية بعيدة المدى للحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، فإن القراءة الفاحصة لمواقف الأطراف المنخرطة في النزاع، والاسترشاد بدروس الصراعات المعاصرة، تؤشر إلى جملة من الاتجاهات المحتملة:
أولاً: إن أي وقف مؤقت للعمليات القتالية لا يلامس الجذور العميقة للصراع لن يمهد الطريق لسلام مستدام، وهو ما برهنت عليه بوضوح التجارب السابقة في العراق وأفغانستان.
ثانيًا، لا يزال من غير الواضح كيف ستنعكس الشراكة الوثيقة بين تل أبيب وواشنطن على سياسات الولايات المتحدة وصورتها في العالم العربي. فمع استمرار الحروب في غزة ولبنان، تصاعدت حدة المواقف الشعبية العربية الرافضة لإسرائيل، وبالتالي للولايات المتحدة. وفي ضوء ذلك، يرجح أن تصبح قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط في عملية السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب أكثر تعقيدًا. فعلى مدار عقود، احتفظت الولايات المتحدة بموقعها كقوة عالمية رئيسية في السعي لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي.
وفي المقابل، أثبتت الحرب وتداعياتها أنه برغم محاولات "التحول نحو آسيا"، سيظل الشرق الأوسط أولوية قصوى في الأجندة السياسية الأمريكية؛ فالمنطقة تفرض ثقلاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه، بما يحتم على واشنطن الاستمرار في صون مصالحها الاقتصادية والمالية والاستراتيجية بالتنسيق مع القوى الإقليمية.
ثالثًا، منذ أكتوبر 2023م، حقّقت إسرائيل مكاسب عسكرية لافتة ضد جميع خصومها الإقليميين. غير أن هذه المكاسب لم تُعزّز الأمن في الدولة اليهودية، إذ لم يستثمر القادة الإسرائيليون منجزاتهم الميدانية في صياغة استراتيجية سياسية واضحة، تفضي إلى واقع يضمن لهم العيش بسلام مع جيرانهم. ورغم أن اتفاقيات أبراهام صمدت أمام الصراعات التي اندلعت في غزة ولبنان وإيران، إلا أن آفاق التطبيع مع أي دول أخرى لا تزال غامضة. وعلاوة على ذلك، فمن المرجّح أن تحظى استراتيجية “الاغتيالات الدقيقة” بمزيد من الفحص والدراسة. فقد أوردت التقارير على مدار سنوات أن إسرائيل تتحمل مسؤولية اغتيال عدد من القادة السياسيين والعسكريين لدى خصومها، ورغم هذه العمليات المستهدفة، لا تزال حماس وحزب الله وإيران تواصل قتالها ضد الدولة اليهودية، وقد حلّ مكان القادة المغتالين مزيد من القادة الأكثر تشددًا.
رابعًا، ليس من المرجح أن تُفضي الهجمات التي شنّتها إيران على القواعد العسكرية الأمريكية، والفنادق، والبنوك، والبنية التحتية للطاقة في دول الخليج إلى تقويض التعاون العسكري الراسخ بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، والذي يمتد لعقود، في ظل ما وفره الجانبان من موارد كبيرة لتعزيز هذا التعاون وترسيخه على مستويات متعددة. ومع ذلك، قد تميل دول الخليج إلى توسيع هامش تحركاتها في السياسة الخارجية، من خلال تنويع شراكاتها الدفاعية والانفتاح على تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا وأوروبا. ويبقى مستقبل العلاقات بين مجلس التعاون الخليجي وإيران أحد أبرز عوامل عدم اليقين خلال المرحلة المقبلة. ففي منتصف مارس، أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن الثقة في إيران قد تلاشت. ورغم عمق التباينات الاستراتيجية بين الجانبين، تظل الحاجة قائمة إلى البحث عن مسارات مشتركة تُسهم في استعادة الاستقرار وترسيخ الأمن على ضفتي الخليج.
خامسًا، فجّرت الحرب واحدة من أعنف أزمات الطاقة عالميًا، في ظل ما خلّفه تعطّل إمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج من تداعيات ممتدة على المديين المتوسط والطويل، طالت الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء. ومن المرجح أن تتجه دول الخليج نحو توظيف الموارد الضخمة لصناديقها السيادية في إعادة تأهيل بنية قطاع الطاقة التحتية، وتطوير قدرات خطوط الأنابيب البديلة التي تتجاوز مضيق هرمز.
وفي هذا الإطار، يُتوقع تنامي الزخم الاستثماري في عدد من المسارات الاستراتيجية؛ ومن أبرزها ميناء جاسك الإيراني المطل على بحر عُمان، وخط كركوك-جيهان العراقي الواصل إلى البحر المتوسط، وخط أنابيب شرق-غرب السعودي الممتد إلى البحر الأحمر، إضافة إلى خط حبشان-الفجيرة الإماراتي المنتهي عند خليج عُمان. ورغم ما تكتنف هذه المسارات حالياً من تحديات فنية ومحدودية في السعات التشغيلية، فإنها تظل خيارات واعدة وقابلة للتوسعة والتطوير.
وفي المقابل، بات تنويع مصادر الطاقة، سواء على مستوى الموردين أو مزيج الطاقة ذاته، أولوية قصوى للدول المستهلكة. فمنذ الصدمة النفطية الأولى (1973- 1974م)، لم تنقطع مساعي هذه الدول لتقليص ارتهانها لإمدادات الخليج، إلا أن تلك الجهود لم تبلغ غاياتها الكاملة بعد. وتظل الدول المنتجة في الخليج محتفظة بمزاياها التنافسية؛ من انخفاض تكاليف الإنتاج وضخامة الاحتياطيات المؤكدة، إلى الموقع الجغرافي العبقري الذي يربط الأسواق الأوروبية بالآسيوية، فضلاً عن تفوق بنيتها التحتية؛ مما يضمن للمنطقة بقاءها لاعباً محورياً لا غنى عنه في أسواق الطاقة العالمية.
وفي الوقت ذاته، يُنتظر أن تمنح هذه الحرب دفعة قوية للاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة المتجددة كبدائل استراتيجية، رغم استمرار هيمنة الوقود الأحفوري على عصب الاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور.
وفي النهاية، عندما يتوقف القتال ويهدأ الصخب، ستبرز الحاجة الملحة إلى حلول دبلوماسية مبتكرة وقادرة على معالجة جذور الصراع. فعقب حرب تحرير الكويت عام 1991م، استضافت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مؤتمر مدريد للسلام، الذي كان بمثابة منتدى متعدد الأطراف للحوار والتفاوض. وربما تبرز الحاجة اليوم إلى عقد منتدى مماثل بمشاركة قادة من الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا والقوى الإقليمية.
لطالما عاش العرب واليهود والأتراك والإيرانيون ومختلف المجتمعات العرقية والدينية جنبًا إلى جنب على مدى آلاف السنين، ويجب أن يواصلوا السعي نحو التعايش السلمي وتحقيق الازدهار الاقتصادي المشترك. ومن المؤكد أن الحرب وتداعياتها ستفرز تحديات كبيرة، لكنها ستفتح أيضًا الباب أمام فرص هائلة.






