من الناحية السياسية والأمنية الدفاعية، يمكن أن يكون إقليم الدولة نعمة، أو يشكل تهديداّ أمنياّ مستمراّ وغير مستقرٍ، ومكلفاً إنفاقاً كبيراً من مواردها. قد تحظى الدولة بطبيعة تضاريسية ومناخية مواتية، وتهطل عليها أمطار موسمية أو يغطيها الجليد وتحيط بها الأنهار الجليدية، تخفف متطلبات الدفاع عن نفسها، للحد من مطامع جيرانها أو القوى الإقليمية والدولية القريبة أو المتموضعة بعيداً وراء البحار. وعادةّ ما تفرض الطبيعة الجيوسياسية لإقليم الدولة الحذر من المخاطر المحدقة بها، من البيئتين الإقليمية والدولية.. والحذر يتطلب الترقب الذي يتطلب الاستعداد لأي طارئ أمني خارجي أو داخلي، وقديماً: كان القتال يتطلب تلاحماً مباشراً بين الجيوش يقتضي زحف المشاة والفرسان يحملون معهم العتاد والمؤن. وكان يقتضي الغزو ركوب البحار وتجاوز المحيطات والصحاري. في كل الأحوال: كانت الحروب تقتضي التلاحم المباشر بين الجيوش، للسيطرة على الأرض، كأهم مقتضيات النصر، وضرورات تحقيق هزيمة العدو. أما اليوم، نظراً لتطور تكنلوجيا الأسلحة و"تكتيكات" الحروب فإن الدول المتحاربة تحاول تجنب الالتحام المباشر، لتمارس الحرب عن بعد، لتحقيق الأهداف بأقل تكلفة بشرية ممكنة، والنصر بكسر إرادة العدو، دون ما حاجة للمجازفة باحتلال الأرض، وكذا ضمان استمرار خضوع العدو، حتى دون اللجوء للحرب، بتطوير آليات ردع فعالة وكفء تَحُوُلُ دون تفكير العدو في احتمالية إدارة الصراع، بأدوات القتال التقليدية أو غير التقليدية.
نهاية حروب الجيوش الجرارة الزاحفة
لم تعد الدول تأخذ، في تطور واقع الدولة القومية الحديثة، بداية من القرن العشرين، منذ نظام عصبة الأمم، بالحروب التقليدية التي تعتمد على اقتحام أراضي العدو بجيوش زاحفة جرارة، بقصد الاحتلال والتوسع، ولا حتى محاولة إنهاء أو إنشاء الكيان الوجودي للدول عن طريق القوة الجبارة الزاحفة.
كان فشل ألمانيا في استراتيجية التوسع والهيمنة بالقوة على أوروبا والعالم، الذي تأكد فيما بعد بهزيمتها في الحرب العالمية الثانية، أول الإرهاصات العملية لتطبيق مقررات صلح وستفاليا (١٦٤٨م)، الذي أنهى الحروب الدينية في أوروبا، وأنشأ الدولة القومية الحديثة. وإن كان سبقت فرنسا ألمانيا، في هذا السياق في القرن التاسع عشر، عندما فشلت مشاريع نابليون التوسعية في أوروبا بهزيمته الساحقة في معركة واترلو (١٨١٥م)، التي أجبرت فرنسا على توقيع معاهدات باريس للسلام (٢٠ نوفمبر ١٨١٥م)، بين فرنسا والقوى الأربعة في تحالف الدول السبع المشاركة في معركة واترلو الفاصلة. بموجب تلك المعاهدات الأربع التي وقعت جميعها في وقت واحد، تنازلت فرنسا بموجبها عن الأراضي التي احتلتها للدول الأخرى، في حملة نابليون الأوروبية، وان احتفظت باريس بالسيادة على بعض أراضيها، التي كان من الممكن أن تخسرها في الحرب، تأكيداّ لمبدأ سيادة الدول على أراضيها، وتجريم أي احتلال من قبل أي قوة أخرى لأراضي الغير، بالقوة والاحتلال المباشر. مغامرات نابليون وهتلر في أوروبا كانت آخر محاولات التوسع الإقليمي عن طريق زحف للجيوش، سواء لإنشاء الدول أو تجريد دول من هويتها القومية الوجودية. منذ ذلك الحين لم يعد ما يسمى حق الفتح يؤخذ به ويتقبله النظام الدولي لإنشاء الدول آو إزالة وجودها.
في العصر الحديث، وفي الشرق الأوسط، لا يعترف العالم باحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية، التي احتلتها عقب حرب يونيو ١٩٦٧م. كما تظل إسرائيل أبد الدهر دولة مشكوكٌ في شرعيتها ومهددة بالزوال، لأنها قامت على العدوان واحتلال أراضي الغير بالقوة. ويظل العالم يطالب بقيام الدولة الفلسطينية إثباتاً لحق الشعب الفلسطيني، غير القابل للتصرف في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة الوطنية على أرض فلسطين التاريخية، فالاحتلال لا يُوَرِثَ حقاّ بالتقادم.
تجدر الإشارة أن الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ، كان آخر زعيم (قومي)، على مستوى العالم، أنشأ دولته (القومية الحديثة) مستخدماّ حق الفتح لاستعادة ملك آبائه وأجداده. حروب الفتح التي خاضها الملك عبد العزيز لإعادة توحيد المملكة، لم تكن مثل حروب الاستقلال التي خاضتها شعوب أخرى للتحرر من المستعمر الأجنبي، فالمملكة لم تُحْتَلَ قط من مستعمر أجنبي، لذا سميت حروب الملك عبد العزيز فتوحاّ، وليست حروب تحرر وطني.
أمضى الملك عبد العزيز اثنين وثلاثين عاماّ (١٩٠٢-١٩٣٢م)، في حروب بطول شبه الجزيرة العربية وعرضها، مستخدما حق الفتح، لإعادة بناء الدولة السعودية الثالثة، باسم المملكة العربية السعودية، التي تُوِجَ ملكاً عليها في ٢٣ سبتمبر ١٩٣٢م، ومن يومها يحُتفل بهذا اليوم من كل سنة عيدًا وطنياً، بمناسبة تأسيس المملكة العربية السعودية، يطلق عليه اليوم الوطني السعودي.
الحروب عن بعد
استراتيجية القتال عن بُعدٍ تكمن في إيصال أهوال الحرب وإمكانات القوة الرادعة الجبارة، لأراضي ومجتمعات العدو، دون حاجة للالتحام المباشر للجيوش، للسيطرة المباشرة السياسية والأمنية، ولا حتى محاولة محو الطبيعية الوجودية لكيان العدو السياسي. باختصار: القتال عن بعد هدفه التقليل من التكلفة البشرية للحرب، من الطرف المباشر بالعدوان أو البادئ بالحرب، قصراً للتكلفة البشرية، ليس فقط في الجنود، بل درءاً لإيقاع إصابات جسيمة في المدنيين غير المقاتلين.. وكذا إيقاع أضرار جسيمة في المنشآت والبنى التحتية والمدنية، لإجبار العدو على الاستسلام، وردعه عن التفكير في القتال وكسر إرادته، إن هو فكر أو قرر النزال، ولم يستجب لرسائل الردع والتحذير، التي أرسلها الطرف البادئ بالقتال، قبل بدء الحرب.
كان الاختلاف الجوهري الاستراتيجي والتكتيكي بين الحربين العظميين هو التطور في تكنلوجيا السلاح. فالتطور في صناعة الدبابات أوجد سلاح الفرسان ّ"الميكانيكي"، بدلاّ من سلاح الفرسان التقليدي، الذي كان عماده الخيل والبغال. كما أن التطور في سلاح الجو مهد للمشاة البشرية اقتحام أراضي العدو، ودك تحصيناته، قبل اقتحام أراضيه واحتلالها. تطورات في أسلحة الحروب التقليدية جعلت الحروب أكثر تكلفة، وكثيرًا ما يأتي النصر بمرارة الهزيمة. كما أصبحت الحروب، في عصر الأسلحة الاستراتيجية غير التقليدية (النووية)، أكثر تكلفة وأقل جدوى حتى في التفكير في خيار الحرب، نفسها. صارت خيارات الحروب، سواء التقليدية وغير التقليدية، تُدار عن بُعد، أكثر من قعقعة السلاح.. وصليل السيوف.. وأزيز الطائرات.. وصخب الدبابات.. وضجيج القذائف، ودوي سقوط الصواريخ والقنابل.
القتال عن بُعد تراشقاّ بالطيران أو الصواريخ أو ما تطور مؤخرًا بالمسيرات الطائرة أو الزاحفة على وجه سطح الماء أو المتسللة تحت الماء، كلها وسائل تكنلوجية، التفوق فيها بين أطراف الصراع المتقاتلة، يمكنها من تحقيق أهداف الحرب، بتكلفة أقل، دون حاجة لقوات بشرية راجلة أو راكبة لاقتحام أرض العدو واحتلال إقليمه.
القتال عن بْعْدٍ، جعل من احتمالية تحول الحروب التقليدية، إلى استراتيجيات الحروب غير التقليدية، النووية بالذات، احتمالية مستبعدة، من الناحية الاستراتيجية والتكتيكية"، إلى حدٍ كبير. مشكلة الأسلحة غير التقليدية، استراتيجية في الأساس، تطال العقيدة القتالية لأطراف الصراع. معضلة السلاح غير التقليدي (النووي) تكمن في إمكاناته الاستراتيجية المتبادلة الجبارة المهلكة لأطراف القتال المباشرين والمقامرة بسيادة الإنسان ووجوده على كوكب الأرض، لدرجة عَدَمِيِة حتى التفكير في استخدامه، أصلاّ. لا يمكن لأي طرف نووي أن يعتنق عقيدة الضربة النووية الأولى ويضمن عدم رد العدو بضربة نووية ثانية، هذه تسمى في نظريات الصراع باستراتيجية ردع الهلاك الثنائي المتبادل المؤكد.
لكن حتى استراتيجية رعب الهلاك المتبادل لم تمنع أو تحد من حركة الصراع، باحتمالية تحول الحروب الباردة إلى تقليدية ساخنة، مع ارتفاع درجة تحول الأخيرة إلى حروب غير تقليدية (نووية)، لا تُبقي ولا تذر. تَبْقى بؤر الصراع بسبب الأوضاع الجيوسياسية المتباينة بين الدول متقدةٌ جذوتها تحت الرماد، ما بقيت جذوة الميل، إن لم نقل: غواية استخدام القوة متقدة في عقول وسلوكيات مؤسسات ورموز صناعة السياسة الخارجية للدول، كخيار مغرٍ لإدارة الأزمات وإحياء الصراعات على مسرح السياسة الدولية شبه الفوضوي، أو غير المنضبط.
كماشة خط النار.. معضلة الدول غير المتحاربة
ظاهرة الحرب عن بُعْدٍ، وإن استبعدت احتمالية الالتحام المباشر، إلا أنها لم تستبعد اللجوء إلى الحرب لإدارة الصراع العنيف بينها، ومحاولة إيصال ويلات الحرب وتبعاتها إلى أراضي الأطراف المتصارعة، التي قررت اللجوء لخيار الحرب، سواء كانت منفردة أو مجتمعة. هنا ينشأ ما يطلق عليه خط نار افتراضي، يتجاوز معضلة عدم وجود حدود مادية تضاريسية مشتركة تفصل بين الدول المتحاربة، سواء كانت منيعة أو مكشوفة.
هذا الخط الهلامي الذي يفصل القوى المتحاربة في "سيناريو" الحرب عن بُعْد، عادةّ ما تكون أقاليم سيادية وضعها موقع أقاليم بلدانها الجغرافي في قلب ومدى خط النار، لتشترك في القتال بإرادتها أو خارج إرادتها. في كل الأحوال تُتبادل النيران بين أطراف القتال المتحاربة الرئيسية، عبر أجواء تلك الدول الذي فرض عليها موقع أقاليمها الجيوسياسي في خط النار المشتعل عن بُعْدٍ بين الأطراف الرئيسية المتحاربة، لتصبح هذه الدول التي وجدت نفسها في هذا الخط الهلامي للنيران المتبادلة، في مرمى النيران المتبادلة بين أطراف الحرب الرئيسية، فإذا لم يصيبها شرر الحرب المتطاير، فإنها لا تسلم من أضرار الحرب المتطايرة عبرها وفوقها ومن حولها أو كما يقول المثل: العيار الطائش إن لم يصب يدوش.
ليس بالضرورة يكون وضع الدول غير المتحاربة الخطير هذا، نتيجة للوضع الجيوسياسي غير المواتي أمنياً لهذه الدول، أحياناّ تكون الإصابة متعمدة ومباشرة من الأطراف المتحاربة، التي تتراشق النيران عن بُعْد، رغبةّ في توسيع نطاق الحرب وتوريط دول غير متحاربة في أتون الحرب، لصب مزيداً من الزيت على النيران، للضغط على آخرين خارج الصراع إما للمشاركة، أو المساهمة في وقفها، أو توزيع تكلفتها وضررها على أكبر عدد من الدول، وليس مجرد اقتصار أضرار الحرب على الأطراف المباشرة، أو يكون الأمر راجعًا لـ "ميكانيكية" الحرب، التي مع الوقت تستنفذ وقودها، بإرادتها هي، وليس بإرادة أطرافها المباشرين وغير المباشرين.
متلازمة الناقة والبعير
الموقع الجغرافي للدولة أحياناّ يكون أخطر متغير على أمنها القومي. ليس بسبب غناه بالموارد الطبيعية.. ولا السوق الكبير، ولا بسبب نظامها السياسي غير المستقر… ولكن بالدرجة الأولى بسبب أن موقعها الجغرافي مغرٍ لاستضافة واستدعاء صراعات إقليمية ودولية، خاصةّ إذا كانت الدولة تفتقر للقوة الكافية والفعالة لجعل إقليمها بعيداّ عن الصراعات الإقليمية.. وفي منأى عن ساحات الصراع الدولية الكبرى.
القوى الدولية الكبرى في صراعاتها العنيفة بعيداّ عن موقع إقليمها، غالباّ تختار ساحات صراعاتها بعيدة عن إقليمها. لكن هذا الاختيار ليس بالضرورة يكون صائباّ، وليس بالضرورة يكون من الناحية الاستراتيجية اختياراّ موفقاّ. هناك مشاكل لوجستية تجعل من الصعوبة إيصال قواتها والحفاظ على إمدادها بالعتاد والمؤنة بصورة آمنة وبتكلفة محتملة. أهم من ذلك الجانب السياسي المتمثل بوجود قاعدة داخلية صلبة مقتنعة بالأهداف السياسية من الانخراط في صراعات عنيفة بعيدة عن الحدود المتصلة مع العدو.
كثيراّ ما حمت مقولة الناقة والجمل أطرافاّ ثالثة من المشاركة في حروب، لأنه ببساطة لا ناقة لهم في الحرب ولا بعير. حكمة أول من قال بها الحكيم العربي الحارث بن عَبّاد (٤٦٤ – ٥٧٠م) للنأي بقومه عن حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب، بسبب ناقة. وفي العصر الحديث أفتى شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي (١٨٨١ – ١٩٤٥م) بعدم دخول مصر الحرب العالمية الثانية، لأنها ببساطة حربٌ لا ناقة لمصر فيها ولا جمل.
لكن هذه الحكمة الاستراتيجية، لم تحمِ دول الخليج العربي، ليس من شرر الحرب الأخيرة المتطاير، بل أخطر: من الإصابة المتعمدة والمباشرة من الأطراف المباشرة، بالذات من جانب الجار الجغرافي والتاريخي. تقول الإحصاءات أن ما استهدفته وأصابته النيران الإيرانية ضد دول مجلس التعاون، يزيد بأربعة أضعاف أو خمسة، من تلك التي استهدفت به إسرائيل.. وما قيل عن مواقع عسكرية لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، مهما زعمت النخب الإيرانية أنها لم تتعمد الإضرار بجيرانها العرب في الغرب وأن استهدافها جيرانها العرب بنيران الحرب، في معظمها كانت بالخطأ، وكثيراّ ما كانت طهران تزعم أن تلك الهجمات لم تكن مصدرها الأراضي الإيرانية، بل أقدمت عليها أمريكا وإسرائيل!
تحييد مخاطر الوضع الجيوسياسي والتصدي للموروث التاريخي
طهران من ناحية وواشنطن، من جهة أخرى، عدم تعمدهما الإضرار بأمن دول مجلس التعاون، لا ينفي النية المبيتة الغادرة لكليهما، بتوريط دول الخليج العربية في تلك الحرب، لخلق شرعية سياسية وأخلاقية، خاصة من الطرف الإيراني لإحياء ثارات تاريخية مع العرب، تجاوزت أربعة عشر قرناّ، عندما قوضَ العرب الفاتحون إمبراطورية آل ساسان التاريخية وورثوا أراضيها ليس فقط في أرض السواد غرباّ في العراق، بل وصل العرب إلى أعماق أراضي الفرس شرقاّ، حتى آخر امتداد جيوسياسي لإمبراطوريتهم شرقاّ، حتى الصين، وشمالاّ حتى أقاليم وسط وغرب آسيا، بمحاذاة أقاليم الإمبراطورية القيصرية الروسية الجنوبية.
شواهد على عداء الفرس المتأصل للعرب، الذي لم ينجح دخولهم الإسلام من استئصال مرارته. منذ ما سُمي بالثورة الإسلامية في إيران ١٩٧٨م، ما فتئ نظام الملالي يجتهد في تصدير الثورة للدول العربية غرباّ. ولم توقفهم حربهم الفاشلة ضد العراق (١٩٨٠-١٩٨٨م) في اختراق بوابة العرب الشرقية، لجأ الملالي لمحاولة تصدير ثورتهم، بوكالة عملائهم واتباعهم من الشيعة في أراضي العرب شرق السويس وجنوب شبه الجزيرة العربية.
أما الطرف الآخر من معادلة الحرب الأخيرة، فإسرائيل لا تخفى عداءها الاستراتيجي للعرب وأطماعها التوسعية في الأرضي العربية، تحضيراّ لمخططاتها التوسعية لبناء دولتهم المزعومة من النيل للفرات. لقد كشف الصهاينة، مؤخرًا عما أسموه بإسرائيل الكبرى التي تصل شمالاّ من جنوب هضبة الأناضول لتمتد جنوباّ لوسط شبه الجزيرة العربية، حتى المدينة المنورة.. وشرقاّ حتى شمال الخليج العربي وجنوب الكويت. لذا من مصلحة إسرائيل توريط دول الخليج في الحرب، لإضعافهم، حتى إذا ما أُتخذ قرار التوسع لبناء إسرائيل الكبرى تكون المنطقة جاهزة لإعْمَالِ السكين تقطيعاّ في أوصالها.
أما واشنطن، فأجندتها في توريط العرب في منطقة الخليج العربي، في الحرب، فهي الأخطر. واشنطن لم تكتفِ الإخلال بالتزاماتها الأمنية تجاه استقرار منطقة الخليج، بل أظهرت بوضوح خطورة تآمرها مع مخططات إسرائيل التوسعية. لقد سبق وأعطت الإدارة الحالية الضوء لإسرائيل التجهيز بوضع الخطط التوسعية لبناء إسرائيل الكبرى، سواء بتبني وتسويق سردية النخب الصهيونية العنصرية التلمودية المتطرفة، التي تزعم أن هناك حقوقاّ لليهود في المنطقة تنفيذاّ لوعد الرب لإسرائيل وحق اليهود في أراضي العرب، كما تصورها مخططات إسرائيل التوسعية. كما أن التلميح بالاستيلاء على نفط إيران، ما الذي يمنع واشنطن من الادعاء مستقبلاّ أن نفط العرب من حق الولايات المتحدة، لأن الشركات الأمريكية هي التي اكتشفته، وأن شركات النفط الكبرى، هي في الأصل أمريكية وجرى تأميمها عنوةّ واقتداراّ من قبل دول المنطقة. ولا نبالغ إذا قلنا: أن أهم أهداف وعلامات استعادة عظمة أمريكا العتيدة احتلال حقول النفط في المنطقة، وربما نفط العالم، شرقه وغربه.
استراتيجية الردع المزدوج السعودة
ليس صحيحاّ أن العرب، ليس لديهم استراتيجية ردع لمواجهة خطر الكماشة التقليدية وغير التقليدية (الإسرائيلية / الإيرانية) المزدوجة، الناتجة عن وضع إقليمهم الجيوسياسي غير المواتي أمنياّ، بين عدوٍ وخصمً إقليميين. السعودية لم تركن أبداّ لأي وعودٍ أمنية، من قبل أي قوة أجنبية، قد يوكل إليها ضمان أمن منطقة الخليج العربي واستقرارها. كما أن مؤسسات صناعة السياسة الخارجية في الرياض، لم يفت عنها لحظة واحدة، أن أولويات أمريكا الأمنية، هي الدفاع عن إسرائيل ظالمة وموغلة في الظلم، رغم الحقيقة الاستراتيجية الجلية، بأن الدولة العبرية هي عامل عدم الاستقرار الأخطر للمنطقة، بل وحتى على سلام العالم.
في حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران (١٩٨٠-١٩٨٨م) لم تكتفِ الرياض بدعم صمود بوابة العرب الشرقية، لدرجة أنها شاركت، بصورة مؤثرة، وإن كانت غير مباشرة في إفشال مخططات طهران التوسعية، عن طريق حصر مسرح عمليات تلك الحرب في إطار مجالها الجغرافي المحدود، وحالت دون امتدادها إلى ما وراء ذلك الحيز الضيق لنطاق مسرح عملياتها العنيف. عندما أرادت طهران توسيع نطاق تلك الحرب، في أوج عنفها، حيث حاولت طهران استهداف سفن الدول العربية، بل وتجرأت على خوض تجربة المساس بأمن المملكة، ورسم الملك فهد بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ ما سمي حينها بخط الملك فهد الأحمر، موصلاّ رسالة جادة وصارمة لنظام الملالي في طهران أن محاولة تجاوز ذلك الخط لا يعني سوى الحرب، وذلك بعد أن حاول سرب من طائرات الـ F14 الإيرانية دخول المجال الجوي للمملكة، فتصدت له طائرات سلاح الجو الملكي السعودي بطائرات F15 Eagle المتطورة واسقطت طائرتين من الطائرات الإيرانية المهاجمة، ووصلت رسالة الردع السعودية لطهران، ولم تكرر المحاولة، مرة أخرى.
الرياض لم تكتفِ حينها بهذا الردع المحدود لخط الملك فهد الأحمر، بل أرادت توسيع نطاق ردعها الاستراتيجي، ليكون مزدوجاّ، هذه المرة، يطال كلاّ من طهران وتل أبيب معاّ، في آن. لقد اكتشفت الرياض أن طائرات الـ F15 Eagle ، التي استلمتها حديثاّ نُزعت منها أجهزة الرادار الإليكترونية المتقدمة، مما يجعل هذه الطائرات عديمة الكفاءة العملياتية المتكاملة، لدرجة جعلها عمياء حرفياّ عن خطر أنظمة دفاعات العدو الجوية. وكان لابد من إيجاد حليف استراتيجي بديل، يكرس لاستراتيجية المملكة الدفاعية التي تقوم على الاعتماد الذاتي لتوفير أقصى درجات الأمن القومي للمملكة، عن طريق تطوير استراتيجية الردع المزدوج الناشئ من عدوٍ وخصم إقليميين، يشكلان خطرًا استراتيجيًا داهمًا وناجزًا لأمن المملكة العربية السعودية، وللأمن القومي العربي، بصفة عامة.
في عملية استخباراتية فذة فاجأت المملكة العالم، بمن فيه أمريكا نصب منظومة دفاع صاروخي صينية متقدمة، مداها دائرة نصف قطرها ٢٥٠٠ كلم، تغطي إيران بأكملها وتصل لإسرائيل، مزودة بصواريخ بالستية من طراز (رياح الشرق) ذات قوة تدميرية هائلة مزودة برؤوس تقليدية شديدة التفجير عظيمة الدمار، مع إمكانات تزويدها برؤوس نووية، عند الحاجة. بنشر هذه المنظومة الصاروخية، ذات الردع الفعال، تكون المملكة قد مضت شوطاّ طويلاّ في استراتيجيتها الدفاعية، التي تقوم أساساّ على إمكانات الردع الذاتي، لاي تهديد أمني يمكن أن يتطور في أي وقت.
خاتمـــة
لقد أحسنت دول الخليج أنها لم تنجر لحربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. وأحسنت المملكة العربية السعودية في استشراف خطورة وضع المنطقة الجيوسياسي، وحمت صادراتها من النفط مخاطر المرور من مضيق هرمز، بإنشاء خط أنابيب شرق غرب، لتصدير معظم صادراتها من منابع النفط الغنية على الخليج العربي، غرباّ إلى مدينة ينبع على البحر الأحمر. كما أن هناك تفكير لدى مؤسسات صناعة السياسة الخارجية السعودية ببناء خط أنابيب جنوباّ، حتى سواحل شبه الجزيرة العربية جنوباّ على بحر العرب. حتى أن الرياض احتاطت مقدماّ، بوقت كافٍ لأي خطر يتهدد أمنها القومي، سواء أتى هذا الخطر من الشرق أم من الشمال، أو حتى من الجنوب، إذا ما تطورت حروب في المنطقة بالوكالة. كل ذلك في سبيل استراتيجية أمنية قوية، للتخفيف من مخاطر الوضع الجيوسياسي الهش للمنطقة. تجدر الإشارة أن مؤسسات صناعة السياسة الخارجية السعودية لم تتنبه فقط لإيجاد بديل لتصدير النفط من موانئها على البحر الأحمر، بل كان في ذهن مؤسسات الحكم في الرياض، خطورة الاعتماد على التزامات واشنطن تجاه أمن المنطقة واستقرارها.
الأهم: في هذه المرحلة مع تجربة الحرب الأخيرة أن يتبنى العرب، خاصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، استراتيجية ردع كفء وفعالة، يستفيدوا بها من دروس الحرب الأخيرة ولهم في تجربة المملكة العربية السعودية في التعامل مع حرب الخليج الأولى وتداعياتها، وما تلى ذلك من حروب، لمواجهة مخاطر الوضع الجيوسياسي الهش للمنطقة، لبناء استراتيجية أمنية منيعة متكاملة، تراعي بموضوعية طبيعة الوضع الجيوسياسي الهش للمنطقة، تتفادى بها وتحيد بموجبها خطر الكماشة الأمنية، التي فرضت الوضع الجيوسياسي والتاريخي الذي يهدد أمن المنطقة واستقرارها، ويضمن ازدهارا مستداماّ لمجتمعاتها.
هذا لا يتأتى إلا بالاستفادة القصوى من موارد المنطقة الغنية (البشرية والطبيعية)، في بناء قوة استراتيجية رادعة ذاتية، حتى لا تتكرر "سيناريوهات" الحروب المتكررة، التي تزداد خطورتها الأمنية، من حربٍ لأخرى.






