تُطرح حاليًا على طاولة النقاش عدة قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها أمن الخليج؛ وذلك في ضوء الأوضاع الراهنة التي آلت إليها المنطقة في أعقاب الحرب على إيران.
أمن الخليج يعد قضية ذات طبيعة خاصة نظرًا لرغبة البلدان الخليجية في النأي بنفسها عن التورط في المواجهة العسكرية أو المشاركة في أية أعمال عدوانية. على النقيض، دأبت هذه الدول على امتداد الأعوام الأخيرة، على تطبيع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران مثلما تبين من خلال عودة العلاقات السعودية -الإيرانية بوساطة صينية.
حتى عقب اندلاع الهجمات الأمريكية ـــ الإسرائيلية على إيران، بذلت البلدان الخليجية قصارى جهدها من أجل خفض التصعيد، وتوثيق الروابط مع الداعمين الأمنيين المحتملين مثل باكستان، ومصر، وتركيا. وعلى الرغم من دورها السلمي المناهض للعنف، دفعت دول الخليج ثمنًا باهظًا من حيث الأضرار المادية والخسائر البشرية، في حين ظلت هدفًا للرد الإيراني الانتقامي دون تبرير واضح.
وفي الوقت الذي تعمدت طهران استهداف الأراضي الخليجية عبر هجماتها الصاروخية وطائراتها المسيرة، آثرت القيادة الخليجية، بدافع الحنكة والمسؤولية السياسية، عدم الانجرار إلى فخ الرد العسكري الانتقامي، أو إعلان الحرب، أو قطع العلاقات الدبلوماسية. ولعل السبب واضح وهو تجنيب المنطقة شرور مزيد من التصعيد وعدم تحويل الصراع لمأساة إقليمية. مع ذلك، لم تسلم من بعض الانتقادات التي ترى بأن عدم الرد عسكريًا يعكس ضعفًا؛ نظرًا لما تتمتع به دول الخليج من تقنيات متطورة وتسليح جيد منذ زمن بعيد.
بالتالي، لقد كان من البديهي، بل ومن الحريّ، التساؤل عن كيفية الحيلولة دون تكرار هذه الأزمة مستقبلاً. ولأجل فهمٍ أعمق للأسباب المغذية للأحداث الراهنة، بات من الضروري الإلمام بمختلف الاتجاهات؛ لتقييم مسارات جديدة لشراكاتٍ كفيلة بتوفير سبل حماية أفضل ضد أي عدوان مستقبلي غير مبرر على غرار العدوان الحالي. إن إجراء تقييم شامل ومتعمق يعد أمرًا ضروريًا ويستدعي جرأة سياسية. فهل الحكومات المعنية قادرة على إيجاد حلول جديدة وشاملة أم الاكتفاء بالتكيف مع الخطط التقليدية؟
المهمة ليست سهلة نظرًا إلى أن كافة القيادات الخليجية تنعم بخبرات وافية ولديها بالفعل روابط دولية راسخة وممتدة. ولكن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا؛ فإن التحليل الذي نحن بصدده يطرح العديد من الأسئلة المُلحة، ولكن دون إجابات شافية. المعضلة الأخرى تكمن في كيفية التيقن إذا ما سيتم ترجمة الاتفاقيات الرسمية بشأن توفير الحماية المُعاد تعديلها من مبادئ ومعاهدات على الورق إلى حقائق على الأرض وقتما اقتضت الضرورة. أيضًا التساؤل بشأن ما هو نوع الحماية المطلوبة؟ وكيف السبيل لتحقيقه؟ وهل سيقتصر على المدى القصير أم سيشمل المستقبل البعيد؟
من أجل وضع تصور للخيارات الجدية المتاحة، ينبغي لنا تقييم معطيات البيئة الدولية الراهنة:
لقد ظنت دول الخليج أنها في مأمن طالما لم تشكل خطرًا على جيرانها وتمتلك سجلًا ناصعًا كأعضاء في المجتمع الدولي والعديد من المؤسسات الدولية ذات الطبائع المختلفة.
الحلول الإقليمية قد تكون أولى الخيارات التي تتبادر إلى الذهن. حيث يمكن تدشين مجموعة تضم عددًا من دول المنطقة ذات الفكر المتماثل والجهات الفاعلة متوسطة الثقل ذات المصالح المتشابهة. وهنا، لابد لدول المنطقة أن تدرك أهمية أن ترى نفسها بوصفها داعماً لأمنها عوضًا عن تفويض آخرين بمهمة حمايتها، وأن تقود مسيرة هذا التغيير على المستوى الفكري والتطبيق العملي.
يقتضي الأمر أيضًا توافر الإرادة السياسية، نظرًا لأن آفة المنطقة هي انعدام السعي وراء العمل الجماعي الموحد والبحث، عوضًا عن ذلك، عن تشكيل فرق مختلفة تحت زعامة إحدى القوى الإقليمية باعتبارها رأس الحربة التي تجمع بين آراء مختلفة ومصالح مزعومة.
شاهدنا بالفعل مرشحين محتملين مثل مصر، وباكستان، والمملكة العربية السعودية، وتركيا؛ التي سعت كل منها للاضطلاع بدور الوساطة في حرب إيران. وربما افتقارها للتأثير والنفوذ اللازم كان السبب وراء عدم تقديم نفسها بصفتها صانع للصفقات. مع ذلك، فإن واصلت جهودها كجبهة إقليمية موحدة ونجحت في معايرة الرسائل المراد إيصالها بمهارة، قد تجد آذاناً صاغية في المستقبل. ولكن الأمر يتطلب أولا، إعادة الاستقرار للمنطقة، والقضاء على النزاعات المسلحة، وترسيخ آفاق التعاون السلمي.
على الصعيد التاريخي، قامت كل من إنجلترا وفرنسا بتقسيم الشرق الأوسط إلى دوائر نفوذ عقب سقوط الإمبراطورية العثمانية. حيث استأثرت لندن بالقدر الأكبر من التأثير على مجريات الحياة السياسية بدءًا من القاهرة إلى بغداد ومسقط. ورغم صعوبة تحديد تاريخ انتهاء السيادة البريطانية فعليًا على مصر، إلا أنه على الأرجح كان في عام 1956م، عقب مشاركتها إلى جانب فرنسا وإسرائيل في العدوان الثلاثي على قناة السويس. حيث أُجبرت القوات البريطانية والفرنسية حينها على مغادرة الأراضي المصرية بعد تحذير نهائي من قبل الرئيس الأمريكي الراحل داويت أيزنهاور.
أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة بحكم الأمر الواقع داخل المنطقة؛ وأدانت ممارسات لندن وباريس الاستعمارية غير المقبولة بعد عدواَنهما على قناة السويس. تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني جيمس كاميرون تزعما في عام 2011م، حملة قصف جوي على ليبيا بغرض تغيير النظام وسقوط نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. ولكن مجددًا، لم تنجح مآرب الدولتين، وتم تشكيل لجنة اتصال دولية. ولم يكن نظام القذافي ليسقط سوى بفضل الحملة العسكرية التي شنها حلف شمال الأطلسي "ناتو" تحت قيادة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما من وراء الكواليس. ووسط غياب وحدة الصف العربي واكتفاء جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي بالمصادقة رسميا على عملية الناتو.
بالعودة بالأذهان إلى أساس تواجد النفوذ الأجنبي داخل المنطقة، يُعد لقاء الرئيس الأمريكي روزفلت والعاهل السعودي الملك عبد العزيز بن سعود على متن الطراد الأمريكي "كوينسي" في قناة السويس في فبراير 1945م، حدثًا فارقًا. حيث كان فرانكلين روزفلت عائدا من قمة يالطا قبل شهرين من أن توافيه المنية، بينما كان العاهل السعودي مسافرًا من جدة. ودون الحاجة للخوض في تفاصيل اللقاء، لكنه ساهم في إرساء أساس لوجود مصالح مشتركة بين الدولتين، وهو ما ثبت صحته حينذاك، ولا يزال ساريًا حتى يومنا هذا.
بشكل عام، يتسنى القول بأن الولايات المتحدة تعتبر الداعم الرئيسي لأمن منطقة الخليج. ويعد كاتب هذا المقال التحليلي شاهدًا على اعتلاء منطقة الخليج أولوية على أجندة الإدارة الأمريكية أثناء النقاشات الداخلية التي شهدتها أروقة حلف الناتو بشأن الشراكات مع العرب خلال عامي 2003 و2004م. وهو ما أيده الجانب الأوروبي أيضًا، حتى وإن كانت روابطه التاريخية مترسخة داخل منطقة حوض البحر المتوسط.
مع ذلك، أصبحت الزعامة الأمريكية موضع نقاش بالتزامن مع العديد من الأحداث التي جرت على امتداد العقدين الماضيين. عقب الغزو الأمريكي للعراق، تعالت الأصوات في الداخل الأمريكي المطالبة بتجنيب البلاد التورط في حروب مستقبلية داخل المنطقة. وفي ضوء هذا، نسترجع كيف أبدى الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ترحيبًا بنتائج الانتخابات البرلمانية المصرية التي جرت عام 2010م، وموجة الاحتجاجات التي تلتها وأدت إلى سقوط نظام الرئيس المصري الراحل حسني مبارك وصعود جماعة الإخوان المسلمين للحكم.
يبدو ضربًا من ضروب المستحيل ومُنافيًا للمنطق أن يتخلى الخليج عن روابطه الوثيقة مع الحليف الأمريكي والحماية التي يوفرها، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضًا أن سياسة القوة العظمى في الأغلب تخضع للاعتبارات الداخلية. وقد شوهد ذلك في العديد من النماذج السابقة، آخرها الحرب الأمريكية على أفغانستان. بالتأكيد لا يمكن المقارنة بين المنطقتين بأية حال من الأحوال؛ حيث تتميز المنطقة الخليجية بآفاقها الاقتصادية الواعدة التي تعد موضع تقدير بالغ من قبل الأمريكيين. فضلًا عن، الأهمية الاستراتيجية التي تعتليها على الساحة الدولية.
الحماية الخارجية للخليج لم تعد مسألة مبدأ فحسب، بل يمكن إدارتها بطرق شتى منصوص عليها ضمن ميثاق الأمم المتحدة. حيث أصبح الشعور بخيبة الأمل والإحباط يتملك سكان الدول المتضررة، وبعضها مصنف ضمن قائمة "الدول الرئيسية خارج حلف الناتو"، إزاء عدم توفير الحماية الكاملة. من جهة أخرى، ساهمت الاتفاقات الحالية والقواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة داخل المنطقة، في تحجيم الرد الإيراني الانتقامي. ولكن التخطيط المستقبلي، يُحتم على دول شبه الجزيرة العربية العمل على تدعيم قوة الردع لديها، وتوحيد قيادتها، وتوسيع نطاقها لتمتد إلى مجالات أخرى.
الأزمة الرئيسية تكمن في أن جزءًا كبيرًا من فشل قوة الردع يعود إلى اختيار الولايات المتحدة طواعيةً التورط في حربٍ ضد إيران، والتي ثبت أنها أكثر تعقيدًا مما كان متصورًا في البداية؛ ومع ذلك، فقد كانت الهجمات الإيرانية المحدودة أقصى ما يمكنها القيام به. وباستشراف المستقبل، يمكن توقع استمرارية الوجود الأمريكي في الخليج بالنظر إلى أهميته لاعتبارات ومحاور عديدة، بيد أن المتغير الكامن قد يتمثل في العلاقة المتطورة مع إسرائيل. وفي هذا السياق، يمكن النظر في المقترح المصري الرامي إلى إيجاد شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل (الأسلحة النووية)؛ إذ يشكل اعتماد هذا المقترح علامة فارقة في قضية يتعين حلها عبر معاهدات ملزمة بنزع السلاح النووي، فضلاً عن أهمية التوصل لاتفاق طويل الأمد مع طهران بشأن برنامجها النووي.
محور أخر جدير بالاهتمام يتمثل في منظومة أمن الشرق الأوسط المستقبلية التي لم يعد ممكنًا أن ترتكز في المقام الأول على أمن إسرائيل. يمكننا أن نلمس كيف أطلقت إسرائيل لنفسها العنان في تحقيق هدفها المزعوم بشأن "الأمن الشامل" دون أن تعبأ بمصالح جيرانها من العرب، ناهيك عن مأساة الشعب الفلسطيني وقضيته الوجودية. حتى أن تمكنت تل أبيب من ترسيخ وجودها كقوة عسكرية مهيمنة داخل المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، مستفيدة من الدعم شبه المطلق الذي تقدمه الإدارة الأمريكية الحالية. في حين كان التدخل العسكري المباشر ضد طهران أمرا مرفوضا دائما في الأزمات السابقة. كما أن سياسة ضمان أمن إسرائيل التي تُعليها واشنطن غدت تشكل عبئا على كاهل الأمريكيين.
يخلص هذا التحليل المعمق إلى أن تبني نهج المعاهدات الأمنية متعددة المستويات يمثل خياراً سديداً، لا سيما إذا جاءت منظومة دول مجلس التعاون الخليجي مترابطة شكلاً ومضموناً. ومما لا شك فيه أن كل شراكة تنفرد بطابعها المتميز، ومزاياها الخاصة، وما يكتنفها من تساؤلات، كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال ضمان التوافق التام بين جميع الشركاء الأمنيين.
وفي هذا السياق، يحظى حلف الناتو بمكانة رفيعة وأهمية بالغة؛ بفضل مساهمته في إضفاء الطابع المؤسسي على الروابط الأمنية بما يتجاوز أطر الترتيبات الثنائية البحتة. ويتجلى ذلك عبر مبادرة إسطنبول للتعاون، التي تطرح قائمة موسعة من الأنشطة العملية، وتسهم في مدّ شبكة أمان تعاونية تبدأ أولاً بين دول مجلس التعاون الخليجي، لتتوسع لاحقاً وتشمل الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى.
بناءً على ذلك، يجسد التحالف الغربي -بلا ريب- الشريك الأمني الأمثل من حيث الخبرات المتراكمة والقيمة العملية المضافة؛ إذ يضمن تحقيق التوافق والتشغيل البيني الكامل وإرساء معايير موحدة بين جميع أعضائه البالغ عددهم 32 دولة، فضلاً عما يتيحه لشركائه الانتقائيين من فرصة الاستفادة من إجراءات وآليات عمله على نحو غير مسبوق.
وإذا ما توافرت لدى دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، الرغبة الجادة في تحديث وتطوير قدرات قواتها العسكرية من الناحية العملية، فإن القناة الموصي بها هي تجديد الشراكة مع حلف الناتو؛ نظراً لحجم الخبرات التي يمكن اغتنامها بتكلفة تكاد تكون منعدمة. ولئن سادت في الماضي بعض التحفظات المدفوعة بالتخوف من التدخل في الشئون الداخلية، فقد دحضت التجارب الواقعية للدول الشريكة مع الحلف عدم صحة تلك المخاوف.
كذلك تفتح الشراكة مع الناتو مسارات حيوية للحوار والتشاور على المستوى الاستراتيجي -بما يشمل رؤساء الأركان- الأمر الذي يدعم التحليلات السياسية العسكرية ويقود إلى استباق الأزمات المحتملة والحيلولة دون وقوعها. كما تشكل هذه الشراكة جسراً آمناً لضمان النفاذ إلى شبكة اتصالات موسعة مع كبار مسؤولي الدفاع، تغطي طيفاً واسعاً من المجالات والقضايا الأمنية.
ينبغي أيضًا الاستفادة من بعض الدروس المستخلصة من حرب إيران
أولا وقبل أي شيء، كان لابد من وضع خطة مدروسة بعناية تصبو لتحقيق غايات واضحة على الأصعدة السياسية والاستراتيجية، وهو الأمر الذي لم يتحقق. ومن ثمّ، يبرز كأولوية قصوى عدم الاستهانة بإيران كقوة إقليمية تاريخية كانت وستظل قائمة في المنطقة.
ومن البديهي أيضاً الافتراض بأن طهران ستبقى الخصم اللدود للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، في الوقت الذي تبرهن فيه التجارب الواقعية على أن نهج المفاوضات يؤتي ثماراً أفضل بكثير من سياسة الضغوط المشددة. وبناءً على المعطيات الراهنة، قد نشهد في المستقبل تباعداً وانقساماً أكثر وضوحاً بين واشنطن وتل أبيب حيال هذا الملف.
وتظل الرسالة الأساسية والجوهرية الموجهة للدول العربية هي ضرورة وأهمية الإمساك بزمام مقدراتها وتحديد مصائرها بأيديها، حتى وإن كان هذا الطريق محفوفاً بالتحديات الجسام، والسعي الجاد للتخلص من حالة التشرذم والانقسام التي طالما لاحقت المنطقة. وبالتوازي مع ذلك، يجدر التذكير بأن اعتماد نهج دولي متعدد المستويات يشكل ضمانة قوية للأمن والاستقرار. كما لا ينبغي إغفال الأهمية الاستراتيجية لتعزيز الحضور الأوروبي في منطقة الخليج؛ إذ يمكن للعلاقات مع الشركاء الأوروبيين أن تمنح قيمة مضافة حقيقية، وتسهم بفاعلية في دعم ركائز الاستقرار، وصولاً إلى بناء شراكة متوازنة ومربحة لكافة الأطراف.






