array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 223

سجلت إيران على مؤشرات الفساد 23 درجة من 100 مقارنة بمتوسط عالمي 43 أو في المرتبة 151 بين 180 دولة

الإثنين، 29 حزيران/يونيو 2026

تمثل المحاسبة الانتقائية - والتي يتم تعريفها هنا بوصفها تشمل التطبيق غير المتكافئ والمُسيّس لآليات مكافحة الفساد، حيث يتم استخدام الأدوات والآليات القانونية والمؤسسية ليس من أجل تحقيق العدالة بشكل شامل، بل كوسائل استراتيجية يرتكز عليها العمل في سبيل تحييد الخصوم السياسيين، وحماية الشبكات الحليفة، وترسيخ الهيمنة الفصائلية والعرقية - إحدى أكثر السمات تآكلًا في البنية الحاكمة لإيران ما بعد الثورة. وعلى عكس المحاسبة المنهجية التي تقوم على عمل منهجي دقيق تتكفل به مؤسسات شفافة قائمة على سيادة القانون وتُطبَّق بشكل متساوٍ بغضّ النظر عن الانتماءات السياسية، فإن المحاسبة الانتقائية بطبيعتها تمييزية؛ فهي تُجرّم المعارضة تحت غطاء مكافحة الفساد، بينما تمنح حصانة لسوء السلوك الحقيقي المتجذر داخل التحالف الحاكم، وهو ما يجد الكثير من السمات في النموذج الإيراني.

       في نفس السياق، جرى ترسيخ تلك الممارسة عبر عقود من الحوكمة المالية غير الشفافة، وخاصة من خلال ظاهرة "الخصخصة الصورية" (باللغة الفارسية: خصوصي سازی صوری)، حيث تم نقل أصول الدولة شكليًا إلى القطاع الخاص، لكنها في الواقع انتقلت إلى مؤسسات ثورية (البُنياد)، وتكتلات مرتبطة بشكل أكبر بالحرس الثوري، إلى جانب بروز وسطاء ذوي صلات سياسية مع النخبة الحاكمة، وهو الأمر الذي أدى إلى نشوء اقتصادات موازية واسعة تتمتع بحصانة كبيرة من الرقابة البرلمانية أو التدقيق القضائي. والمثير في الأمر أن هذا الغموض البنيوي ساهم في خلق بيئة خصبة لتوظيف الفساد كسلاح سياسي، تم توظيفه لاحقًا من طرف الفصائل المتشددة لضبط المنافسين الإصلاحيين والتضييق عليهم، إلى جانب هندسة المجتمع المدني بشكل يتناسب مع رؤية النظام، ما أدى في النهاية إلى ترسيخ مكانة المؤسسة الأمنية-العسكرية داخل الاقتصاد والدولة، وهو ما يمكن اعتباره كنتيجة منطقية لتلك الممارسات.

       ومع تراكم الآثار الاجتماعية والاقتصادية لنمط الحكم على مدى عقود طويلة، كان لابد من الانتظار حتى انفجار الأوضاع ضمن موجات الاحتجاج خلال عامي 2025 – 2026م، حيث عاد المواطنون الإيرانيون، أغلبيتهم سبق أن حشدتهم انتفاضة مهسا أميني عام 2022م، لمواجهة نظام سياسي أصبح ينظر إليه على أنه افتراسي وغير خاضع للمساءلة بأي شكل من الأشكال. وفي ضوء هذا السياق التاريخي، يبرز التساؤل التالي: كيف تم توظيف قضايا الفساد الكبرى كآليات لإعادة تشكيل التوازن السياسي بين الفصائل المتنافسة في إيران، وما هي التداعيات البنيوية لهذه المحاسبة الانتقائية على استقرار وشرعية النظام الإيراني على المدى الطويل؟

أولًا، الفساد الهيكلي في الأنظمة السلطوية: الوضع في إيران

      إن الحديث عن مفهوم "الفساد الهيكلي" في الأنظمة السلطوية، يقودنا مباشرة إلى فكرة أساسية وهي أنه لا يمكن فهم الفساد كحالات فردية شاذّة، بل انطلاقًا من كونه بنية مؤسسية متجذّرة في قواعد اللعبة السياسية وتوقّعات الفاعلين، وهو ما يجعل تغييرها مشروطًا في غالب الأحيان بكسر توازنات مصالح وشبكات ممتدّة. كما أن هناك من الأبحاث المرتبطة بنفس الموضوع من ترى أن الفساد المنهجي من زاوية وصفه كمشكلة فعل جمعي؛ حيث نجد أن الأفراد يتصرّفون عقلانيًا على أساس توقّعهم أن الآخرين فاسدون، فيُعاد إنتاج الفساد عبر تراكم الممارسات اليومية في بيئة تفتقر إلى حياد الدولة وسيادة القانون. وفي مثل هذه السياقات، تصبح مؤسسات الرقابة والقضاء والإعلام نفسها جزءًا من البنية الفاسدة، لا أدوات لتقويضها وتعديل آداءها بشكل يتناسب مع المبدأ الذي أسست من أجله.

       وفي الحالة الإيرانية، وعند تناول البُنياد والمؤسسات الشبه حكومية نجد أن الاقتصاد السياسي لإيران يقوم على شبكة متداخلة من الكيانات المعفاة من الشفافية والضرائب، ولا تخضع لرقابة البرلمان أو ديوان المحاسبات بأي شكل من الأشكال، كما تم تشكيل "نظام تشغيل" للاقتصاد القائم على الغموض والريع. ويمكن ملاحظة كيف أن الحرس الثوري يسيطر بشكل مباشر أو غير مباشر على نسبة كبيرة من الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، مستفيدًا في ذلك من عقود البنية التحتية، التهريب، والشركات الواجهة التي صممت لنفس الغرض. وسبق لوكالة رويترز أن كشفت في إحدى تحقيقاتها عن إمبراطورية مالية يديرها مكتب المرشد الأعلى عبر "ستاد" تُقدَّر قيمتها بحوالي 95 مليار دولار من الأصول، بمعنى أننا بصدد الحديث عما يعادل بالتقريب 100 مليار دولار خارج الأطر التقليدية للرقابة والمساءلة.

       كما أن انعكاس هذه البنية على المؤشرات الكمية كان واضحًا؛ فمثلًا سجّلت إيران في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024–2025 م، حوالي 23 درجة من 100، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 43، لتحتل المرتبة 151 من أصل 180 دولة، في أسوأ تصنيف لها منذ 2012م. إن هذا التراجع الرهيب ترافق مع عديد التحذيرات الداخلية وحتى الدولية من التأسيس لأزمة ثلاثية الأبعاد، وتشمل عجزًا ماليًا ضخمًا، بنية تحتية متداعية، وفسادًا متفشيًا. فقد سبق وأن قدّر صندوق النقد الدولي العجز الفعلي لإيران لسنة 2025 بنحو 1800 تريليون تومان، في سياق تُظهر فيه التقارير خسائر سنوية بمئات مليارات الدولارات نتيجة تهريب العملة، سوء إدارة الدعم، وتسرّب الموارد عبر الشبكات الزبائنية، كما أن صندوق النقد الدولي أشار إلى ارتفاع نسبة التضخم في إيران في عام 2025م، من 37 في المائة في تقريره السابق إلى 43.3 في المائة، وهو ما يضعها إلى جانب دول مثل فنزويلا والسودان وزيمبابوي في المرتبة الرابعة عالمياً من حيث التضخم.

ثانيًا، الخصخصة غير المكتملة كفضاء للمحاسبة الانتقائية: أي دور للحرس الثوري وشركات الظل؟

      حين سقط نظام الشاه عام 1979م، كانت إيران تعيش حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية، كما أن البنية الإدارية للدولة تغيّرت بشكل جذري، والإطارات والكفاءات القديمة إمّا أبعدت أو هاجرت، وهنا وجد النظام الجديد نفسه أمام اقتصاد مترنح يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط، لكنه مفتوح على ثغرات كبيرة كان لها تداعيات سلبية على النظام فيما بعد. ونفس تلك الفوضى لم تقتصر على النظام السياسي وفقط، بل امتدت إلى الأسواق والقطاعات المالية، وهو ما وفر بيئة خصبة لأول بذور الفساد في مرحلة ما بعد الثورة.

     ومع اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية عام 1980م، تحولت إيران إلى اقتصاد حرب مغلق؛ فالنظام توجه نحو تخصيص معظم موارده للجبهة العسكرية، فيما عانى الداخل الإيراني من نقص حاد في السلع الأساسية، بدءًا من الغذاء وحتى الأدوية وقطع الغيار الصناعية وغيرها. ولتعويض هذا النقص، انتعش على الطرف الآخر ما عرف في إيران بالسوق السوداء، حيث تولّى المهرّبون مهمة إدخال السلع بطرق غير قانونية، وغالبًا عبر شبكات لها صلة بالحرس الثوري أو بمؤسسات قريبة من رجال الدين النافذين.

      وبعد ثماني سنوات انتهت الحرب، لكن بقيت آثارها الثقيلة من تضخم، بطالة، وبنية تحتية منهكة، وفي نفس الوضع تبنت حكومة هاشمي رفسنجاني، في الفترة من 1989م، إلى 1997م، سياسة إعادة الإعمار، والتي اعتمدت على الانفتاح الاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص والمشاريع الاستثمارية، لكن هذه السياسة التي رفعت شعار التنمية السريعة، سرعان ما تحولت إلى بيئة خصبة لازدهار الفساد، حيث استغلها رجال أعمال ومسؤولون لتحقيق مكاسب شخصية غير مسبوقة.

      ولعل أبرز مثال على ذلك كان قضية فاضل خداداد، رجل الأعمال الذي تحول اسمه في منتصف التسعينيات إلى مرادف لأول فضيحة مالية كبرى في الجمهورية الإسلامية، تلك الشخصية لم تكن مجهولة، بل يمكن اعتبارها من بين رجال الأعمال الصاعدين الذين استفادوا من الانفتاح الاقتصادي. وبداية القضية كانت عندما تم الكشف كيف أن خداداد، وبالتعاون مع مسؤولين في بنك صادرات إيران، تورط في عمليات اختلاس وتلاعب بالاعتمادات وصلت قيمتها إلى مئات الملايين من الدولارات، فالقضية بغض النظر عن كونها مجرد حادثة فساد مالي، بل هي أول اختبار حقيقي لمدى استعداد النظام لمحاسبة المتورطين الكبار.

      كما شهدت مرحلة التوجه نحو الخصخصة في إيران من 2004 إلى 2016م، تحت رئاسة أحمدي نجاد، عملية نقل أصول الدولة بمليارات الدولارات إلى كيانات شبه حكومية مثل الشركات التابعة للحرس الثوري والبنوك والمؤسسات، بدلاً من جهات اقتصادية حقيقية. والملفت للنظر هو كيف أن قيمتها تجاوزت أكثر من 80% من صفقات الخصخصة الحقيقية، ما مكن الشركات "شبه الخاصة" من سحب القيمة دون مساءلة، مع تقديرات بوجود خسائر هائلة هي أقرب للسرقة عبر عقود بدون مناقصة وديون غير مدفوعة. لقد استهدف الإصلاحيون، بما في ذلك المسؤولون المرتبطون بأجندات سابقة، بالتدقيق - كما هو الأمر في التحقيقات التي طالت شخصيات مرتبطة بالإساءة إداريًا - بينما لم تواجه الكيانات التابعة للحرس الثوري، التي سيطرت على 60-80% من القطاعات الرئيسية على غرار البناء والنفط، أي تبعات أو ملاحقات قانونية، وهو الأمر الذي دفع أكثر نحو تعزيز هذه الانتقائية لهيمنة الحرس الثوري، مما خنق الإصلاحات واستمر بالكفاءة المنخفضة، كما عانى روحاني لاحقا من انتقادات كبيرة بسبب غياب الرقابة.

ثالثًا، فضيحة بابان والتهرب من العقوبات (2018–2026) وجه آخر للمحاسبة غير الانتقائية

      لقد كشفت عملية انفجار فضيحة الملياردير بابان زنجاني في 2018م، عن وجود شبكات للتهرب من العقوبات، حيث تم في نفس الفترة حجز 2.7 مليار دولار من مبيعات النفط للدولة، وتم في سبيل ذلك توظيف أكثر من 60 شركة واجهة في الإمارات وتركيا وماليزيا. صحيح أنه في البداية حكم على زنجاني بالإعدام في 2016م، لكن خُفف لاحقا بشكل غير متوقع، مما يعني توفير حماية له رغم صلاته بالحرس الثوري عبر شركات مثل سادرة. كما أنه تم القبض على نحو 100 مسؤول إصلاحي في حكومة روحاني وتم التحقيق معهم بتهم فساد، وهو الأمر الذي أضعف إدارته وسط الأزمات الاقتصادية ورسم الإصلاحيين كمتسترين على الفساد، لكن الشيء الأهم هو تجنب الحرس الثوري للمساءلة القانونية مما يبرز عدالة انتقائية تحمل فيها الإصلاحيون العبء كاملًا بينما بقيت شبكات الفساد دون أدنى متابعة أو مساءلة.

      من جانب آخر، قامت شبكات الحرس الثوري بتهريب النفط الإيراني بقيمة عشرات المليارات - الأرقام الرسمية تتحدث عن أكثر من 70 مليار دولار بشكل تراكمي - عبر أساطيل الظل ونقل النفط إلى سفن وواجهات مثل شركة سيبهر إنرجي، بشكل رئيسي إلى الصين، متجنبة بذلك عقوبات الولايات المتحدة الأمريكية منذ 2020. صحيح أن العقوبات الأمريكية استهدفت بشكل دقيق الوسطاء، لكن عمليات الحرس الثوري واصلت العمل خاصة في تمويل المشاريع العسكرية دون رقابة. في المقابل، واجه الإصلاحيون عقوبات السجن لمخالفات بسيطة أو بسبب الاحتجاجات، كما حدث في اعتقالات قادة جبهة الإصلاحيين في 2026، بينما حصل الفاسدون على العفو. إن هذه الوضعية تؤكد التحيز النظامي المدعوم بإمبراطورية الحرس الثوري الاقتصادية (أكثر من 50% من الناتج المحلي).

رابعًا، التوازن السياسي في إيران: الانقسام الفصائلي، هيمنة المؤسسة العسكرية والتآكل البنيوي

      يتسم المشهد السياسي في إيران بتوازن معقّد ومتزايد الهشاشة بين فواعل متنافسة، ومؤسسات عسكرية، ومجتمع مدني يعاني مزيدًا من الضغوط. حيث ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979م، اتسم النظام بوجود مراكز قوة متعددة ومتنازعة - وهي سمة تواجه اليوم ضغوطًا عميقة -، كما أن تلاقي فشل سياسات الخصخصة، وتراجع التيار الإصلاحي، والتوسع غير المنضبط للحرس الثوري، وشلل السلطة التنفيذية في ظل رؤساء متعاقبين، والعقوبات الخارجية القاسية، وانخفاض المشاركة الانتخابية إلى مستويات قياسية، كلها عوامل أخلت بشكل جوهري بالتوازن السياسي الداخلي في إيران.

      إن الخصخصة ذات الطابع النيوليبرالي التي قام بها النظام في إيران اتسمت منذ البداية بـ “الطابع الريعي"، حيث إنها ساهمت في استحواذ نخبة محدودة من القوى السياسية تدريجيًا على ملكية الشركات المخصخصة أو حصلت على مواقع في مجالس إدارتها على الأقل، خاصة في مجالات المؤسسات العامة غير الحكومية والهيئات العسكرية. وتم كذلك نقل أصول الدولة بشكل منهجي إلى مؤسسات ثورية وأوقاف دينية وهيئات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، وهذا الانتقال الهجين لم يحقق ديناميكية اقتصادية، بل عمّق من سوء الإدارة والفساد، ورسّخ هيمنة المؤسسة العسكرية على قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والبتروكيماويات.

      الملاحظ أنه عندما تولى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي السلطة عام 1997م، وجّه أحد إصلاحاته إلى تنشيط المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لكنه في جهة أخرى فشل في تجاوز المأزق البنيوي للنظام، حيث شكّلت انتخابات 2009 م، المثيرة للجدل وقمعها العنيف نقطة تحول كبرى؛ فقد أبانت تلك الأحداث عن تحويل النظام تدريجيًا لمصدر شرعيته من الشعب إلى المؤسسة العسكرية. ونتيجة لذلك، لم يعد بالإمكان كبح نفوذ المؤسسة الأمنية، بعد أن استنزف رصيدهم السياسي دون تحقيق التغيير البنيوي المنشود.

       إن تحول الحرس الثوري من مؤسسة أمنية إلى القوة السياسية والاقتصادية المركزية في إيران جعله ينتقل في أدواره من وصفه حامي الثورة، إلى حام للتيار الأصولي في السياسة الانتخابية، ومع الحرب الأخيرة لسنة 2026 م، أصبحت هذه الهيمنة أكثر وضوحًا، حيث شهدنا انتقالًا للسلطة الفعلية إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو الذي يتمتع فيه قادة الحرس بنفوذ واسع. وينظر فيه إلى المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي على أنه مدين بتعيينه للحرس الثوري، ما يجعله أقرب إلى "مُصدِّق شكلي" لقرارات النخبة الأمنية-العسكرية.

الخاتمة
       يكشف تحليل المحاسبة الانتقائية والفساد البنيوي في إيران عن نظام سياسي يعيش توترًا هيكليًا عميقًا، حيث إن الفساد ليس ظاهرة عرضية في الحكم، بل هو مكوّن أساسي منه. كما أن التطبيق الانتقائي للرقابة المالية، حيث تعمل كيانات مرتبطة سياسيًا مثل التكتلات التابعة للحرس الثوري، والمؤسسات الخيرية الثورية (البُنياد)، والشركات المرتبطة بالدولة الموجودة خارج نطاق المساءلة الحقيقية، قد ساهم في النهاية عن إنتاج نظام اقتصادي ذو مستويين. وهذا التفاوت نفسه يعزز مباشرة نفوذ التيار المتشدد، الذي كان ومازال يسيطر على شبكات مالية غير شفافة ويستخدم تلك الموارد للهيمنة على العمليات الانتخابية، وقمع البدائل الإصلاحية، وترسيخ سلطته المؤسسية.

       إن تفشي الفساد أضحى يشكل تهديدًا وجوديًا لاستدامة النظام السياسي في إيران، فقد انهارت الثقة العامة في مؤسسات الدولة إلى مستويات تاريخية متدنية، كما يتضح من نسبة المشاركة القياسية المنخفضة التي بلغت 41% في الانتخابات البرلمانية لعام 2024م، وهو ما يمكن قراءته على أنه انسحاب مدني لا يعكس اللامبالاة بقدر ما يعكس رفضًا متعمدًا لنظام ينظر إليه على أنه فاقد للشرعية..

       في النهاية يمكن القول إن هناك سيناريوهين محتملين بدرجة خاصة من الواقعية في الحالة الإيرانية، فالأول يتمثل في إمكانية التوجه نحو إصلاح جزئي مدار، حيث تدفع الضغوط الاقتصادية - المتفاقمة بفعل العقوبات وسوء الإدارة الداخلية - النظام إلى تقليص الفساد بشكل انتقائي في القطاعات الظاهرة، مع الحفاظ على الامتيازات البنيوية للنخبة الأمنية-العسكرية. أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر زعزعة للاستقرار، فيتمثل في حصول انهيار داخلي، حيث يتصاعد التنافس الفصائلي على الموارد المتناقصة إلى نقطة الانفجار، مما يؤدي إلى تفكك مؤسسي أو اضطرابات اجتماعية واسعة قد يعجز النظام عن احتوائها.

مقالات لنفس الكاتب