بعد مرور سبعة وأربعين عاماً على قيام ثورة 1979م، يواجه النموذج الإيراني في إدارة التنوع معضلة بنيوية: إيران إلى أين تتجه؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي تفكيك الفضاء السوسيولوجي والسياسي لإيران، ليس كدولة قومية متجانسة، بل كإمبراطورية قديمة تحولت إلى دولة مركزية حديثة. يعيش في هذه الدولة خليط معقد من الجماعات التي تتأرجح وضعيتها بين إرث التعايش التاريخي، وبين وطأة الإقصاء الهيكلي الحاضر، وهو التوتر الذي تجسد رمزياً ومادياً في الفضاء العام الإيراني من خلال الفصل المكاني للمتحف الوطني الإيراني عام 1993م، إلى مبنيين منفصلين: "متحف إيران القديمة" لعزل الإرث الأخميني والساساني، و"متحف الآثار الإسلامية" لتكريس الهوية العقائدية الرسمية.
خريطة الفسيفساء الإيرانية القومية والدينية
تتشكل الديموغرافيا الإيرانية من لوحة فسيفسائية شديدة التداخل، حيث تلتقي الانتماءات العرقية الدينية والمذهبية لتخلق هويات مركبة ومتعددة الأبعاد. وكما يوضح كتاب "الأقليات العرقية والدينية في إيران" للباحثة (س. بهناز حسيني)، فإنه يمكن تشريح الخريطة العرقية والقومية إلى مركز وأطراف.
وهو التشريح الذي يبدأ من صراع "دلالة المصطلح"، حيث تفضل هذه المجموعات تعريف نفسها كـ "قوميات" لا كمجرد أقليات عددية، لتعزيز مطالبها بالاعتراف السياسي والمساواة في المواطنة. وضمن هذه الجدلية، يبرز المركز الفارسي ككتلة سكانية هي الأكبر (نحو نصف السكان أو أكثر قليلاً)، ويتمركزون في الهضبة الوسطى والمدن الكبرى كطهران وأصفهان وشيراز ويزد، بينما تحاط الهضبة الفارسية بحزام من القوميات غير الفارسية ذات الثقل العددي والجيوسياسي.
ويبرز في طليعة هذا الحزام الآذريون (الأتراك) الذين يتمركزون في شمال غرب إيران (أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل)، ويمثلون الأقلية اللغوية الأكبر عدداً، وتتميز هذه الجماعة باندماجها العالي في مفاصل الاقتصاد والدولة والبازار عبر التاريخ المعاصر لاسيما منذ العهد الصفوي لاشتراكهم في المذهب الشيعي، ومع ذلك تشهد بزوغ حركة إثنية متنامية تحتج على الإقصاء الثقافي الممنهج وتطالب بالتعليم باللغة التركية الآذرية إزاء تراجع مكانة تبريز لصالح مركزية طهران.
يليهم الأكراد الذين يستوطنون السلسلة الجبلية الغربية والشمالية الغربية (محافظات كردستان، كرمانشاه، وأجزاء من إيلام وأذربيجان الغربية)، بالإضافة إلى جيوب تاريخية مستقرة لأكراد خراسان في أقصى شمال شرق البلاد، ويمثل الأكراد النسيج الأكثر تعقيداً سياسياً لإرثهم القومي المنظم تاريخياً كجمهورية مهاباد عام 1946م، ولأن غالبيتهم من المذهب السني فقد تعامل المركز مع مناطقهم عبر عدسة أمنية صارمة تسببت في حرمانهم من التنمية المستدامة وفاقمت معدلات الفقر والبطالة مفرزة مشاعر اغتراب حادة.
وبالاتجاه نحو الجنوب والجنوب الشرقي، يبرز التهميش الطبقي والجغرافي مجسداً في العرب والبلوش، ففي محافظة خوزستان (الأهواز) جنوب غرب البلاد الغنية بالنفط والممتدة على طول شمال الخليج العربي، يعيش العرب مفارقة طبقية حادة فوق بحار من الثروات والمياه بينما يرزحون تحت وطأة تهميش اقتصادي وبيئي وتغيير ديموغرافي مفروض، مما ربط مطالبهم الثقافية بالعدالة التوزيعية وثروات الإقليم.
في الطرف المقابل، يقع البلوش في المحافظة الجنوبية الشرقية النائية (سيستان وبلوشستان) ليمثلوا ببيئتهم الصحراوية الصعبة على الحدود مع باكستان وأفغانستان الحالة الأشد حدة في معادلة الإقصاء، حيث يواجهون استبعاداً مزدوجاً (عرقياً ومذهبياً كسنة) من الوظائف السيادية، مما صاغ هوية راديكالية تتأرجح مطالبها بين الحقوق المدنية والتمرد المسلح.
ويتكامل هذا الحزام في الشمال الشرقي مع التركمان الذين يعيشون في محافظة غلستان ومناطق تركمان صحراء على الحدود مع جمهورية تركمانستان، والذين يشكلون بامتدادهم العرقي ومذهبهم السني رقماً إضافياً في حسابات المركز الحذرة لإدارة الحدود، ليخلص هذا التشريح إلى أن الأقليات في إيران ليست كتلة صماء واحدة، فبينما يبحث الآذري عن إنصاف لغوي، يقاتل الكردي لأجل اعتراف سياسي وتنموي، بينما يواجه العربي والبلوشي معارك وجودية ترتبط بالدين والطبقة والحق في الأرض والتنمية.
تتداخل التعددية الدينية مع الخريطة العرقية لتنتج فضاءً معقداً يمر عبر فلاتر السياسة والأمن والقوانين الدينية الصارمة التي فرضتها الدولة بعد عام 1979م، وكما توثق (إليز ساناساريان) في كتابها "الأقليات الدينية في إيران" فإن هذه المنظومة تقسم المجتمع إلى فئتين: أقليات معترف بها دستورياً، وأقليات غير معترف بها. إذ تحصر المادة 13 من الدستور الفئة الأولى في ثلاث مجموعات فقط (الزرادشتيون، واليهود، والمسيحيون من أرمن وآشوريين وكلدان)، ويمثلون نحو 0.2% من السكان يتوزعون تاريخياً بين طهران، وأصفهان، وأرومية، ويزد. ورغم منحهم كوتا برلمانية وحق إدارة أحوالهم الشخصية ومدارسهم، إلا أن هذا الاعتراف مشروط بامتثال كامل لسقف سياسي وقانوني صارم، إذ تكرس القوانين الجنائية (مثل قانون القصاص) تمييزاً بنيوياً بين المسلم وغير المسلم يجعل أمانهم مؤقتاً ومهزوزاً. وتحت هذا السقف القانوني الصارم، طورت الأقليات المعترف بها استراتيجيات بقاء متباينة، فبينما يتبع الأرمن والآشوريون سياسة الامتثال الذكي للحفاظ على خصوصيتهم الثقافية، يسعى اليهود للتوفيق بين هويتهم الدينية والتعقيدات السياسية الإقليمية، في حين يستفيد الزرادشتيون من رمزيتهم كجزء من الأصالة التاريخية الفارسية للحصول على حماية مجتمعية تخفف وطأة التمييز الفقهي.
وعلى الجانب الآخر، تقبع الأقليات الدينية والمذهبية غير المعترف بها في مناطق رمادية مجردة من الحماية القانونية. وفي مقدمتهم البهائيون، الذين يواجهون تهميشًا شاملا ويُحرمون من الحقوق المدنية كتوثيق الزواج أو دخول الجامعات مع مصادرة أملاكهم وملاحقة قياداتهم الروحية. يليهم المسلمون المتحولون إلى المسيحية (أصحاب كنائس البيوت السرية)، حيث يرى النظام في تغيير الدين فعلا تخريبيًا يهدد شرعية الجمهورية الإسلامية، ويواجهون أحكامًا قاسية بتهمة الردة والعمل ضد الأمن القومي. أما الصابئة المندائيون (بين 5 إلى 20 ألف نسمة في خوزستان)، فرغم صدور فتوى من المرشد الأعلى عام 2009 م، باعتبارهم من "أهل الكتاب"، إلا أنهم لم يُدرجوا دستورياً مما يحرمهم من تكافؤ الفرص، بينما يتعرض أهل الحق (اليارسانية) والفرق الصوفية للرفض لأنهم يطرحون تفاسير باطنية بديلة تتحدى الأرثوذكسية الدينية والسياسية الرسمية. ويخلص هذا التشريح إلى أن النظام أعاد إنتاج مفهوم "الذمية" القديم في قالب حديث، حيث يتم مقايضة الأمان النسبي للأقليات المعترف بها بالانصياع التام والولاء المطلق، بينما تُعزل المجموعات المغضوب عليها إيديولوجيا، لتظل الحياة على الهامش الديني في إيران حالة قلق وجودي دائم.
الأطراف كمعضلة جيوسياسية للمركز
لا يتوقف هذا القلق عند حدود الاعتراف القانوني أو العقدي، بل يمتد ليشمل صراعاً أعمق حول الشرعية العددية والمكانة الجيوسياسية، ففي خضم هذا التوتر الهوياتي، تبرز الأرقام الإحصائية ليس كبيانات ديموغرافية مجردة، بل كأدوات اشتباك سياسي وأيديولوجي تعكس صراع الإرادات بين المركز والأطراف. فبينما يتمسك المركز بسردية "الأغلبية الفارسية" لتكريس شرعية اللغة الواحدة والسيادة المركزية، يتبنى نشطاء الأطراف تقارير دولية تهبط بنسبة الفرس إلى ما دون الـ 50%، مما يحول إيران في الأدبيات السياسية من دولة "أغلبية وأقليات" إلى "أمة أقليات". هذا النزاع الرقمي يجعل من خفض نسبة المكون الفارسي ورقة ضغط لتفكيك السردية المركزية والمطالبة بالفيدرالية كشرط للديمقراطية، لتتحول الديموغرافيا بذلك إلى جبهة حرب جيوسياسية ناعمة تضع مستقبل الدولة بين خيارين: إما مركب صلب ومنصهر خلف هوية مركزية، أو موزاييك قلق يرى في المركزية أداة للإقصاء.
وما يضاعف من حدة هذا القلق الرقمي اقترانه بمعضلة "الجغرافيا العابرة"، إذ تتميز أغلب أقليات الأطراف بامتدادات عرقية أو مذهبية مباشرة تتجاوز الحدود السياسية، فالآذريون يمتدون نحو جمهورية أذربيجان، والأكراد يتداخلون مع كردستان العراق وتركيا وسوريا، بينما يرتبط البلوش والعرب والتركمان بامتداداتهم القومية والقبلية في دول الجوار. هذا التداخل يحول هذه المجموعات في نظر صانع القرار الأمني في طهران من مجرد تجمعات سكنية إلى ثغرات محتملة للاختراق الخارجي أو مشاريع انفصالية كامنة، مما يجعل "الداخل المتعدد" في إيران يُنظر إليه دائماً من خلال عدسة التهديد الخارجي.
تقييم تجربة الجمهورية الإسلامية: هل تحقق الانسجام والتوافق؟
عند تقييم سياسات التنوع بعد 47 عاماً من الثورة، نجد أن النظام الإيراني لم يسعَ إلى بناء نموذج مواطنة قائمة على التعددية والمساواة القانونية، بل عمل على مأسسة أرثوذكسية فقهية وقومية حصرية.
إن الصبغة الشيعية للدستور الإيراني تفرض تراتبية للمواطنة. فرغم تجنب الدستور للفظ "التشيع" صراحة في بعض المواد العامة مراعاة لخطاب الوحدة، إلا أن نبرته الفقهية الشيعية الاثني عشرية واضحة وحاكمة للهيكل السياسي. فالمادة الثانية تؤصل لعقيدة "الإمامة والقيادة المستمرة" كأصل بنيوي للدولة، والمادة الخامسة تمنح قيادة المجتمع لـ "الولي الفقيه" نيابة عن الإمام الثاني عشر الغائب. هذا البناء الدستوري يحول السلطة السياسية من عقد مدني بين مواطنين متساوين إلى تفويض غيبي مقدّس مشروط بالانتماء العقدي، مما ينعكس مباشرة على إدارة التنوع، حيث يُستعاض عن الشراكة الوطنية الكاملة بضوابط مؤسسية وإدارة مركزية تهدف للحفاظ على التوازنات القائمة. وفي هذا السياق، تواجه الأقليات القومية والمذهبية تحديات مركبة تبرز في الفجوة الواسعة للوصول إلى المناصب السيادية والقضاء الأعلى، بالإضافة إلى التعطيل الممنهج للمواد الدستورية التي تمنح الحق في التعليم باللغات الأم كالكردية والبلوشية والتركية، مما يجعل البنية المجتمعية عرضة للتصدع أمام الأزمات الحادة.
تأثير الحرب (الأمريكية/الإسرائيلية) على تماسك الأقليات الإيرانية
إن تحليل أثر التصعيد العسكري الراهن والضربات المتبادلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، يفرض سؤالاً ملحاً حول تماسك الجبهة الداخلية: هل يقود هذا الضغط الخارجي إلى مزيد من الالتفاف والحشد خلف الحكومة، أم يدفع الأقليات نحو الانفلات والبحث عن مكاسب فئوية؟
للإجابة عن ذلك، يجب إدراك أن هذا التصعيد سبقته مرحلة مفصلية بين عامي 2001 و2007م، كما يوضحها كتاب (راسموس كريستيان إيلينغ) الموسوم "الأقليات في إيران: القومية والإثنية بعد الخميني" حيث تحول ملف الأقليات في إيران إلى "هاجس أمني" نتيجة وقوع البلاد تحت تأثير الكماشة الأمريكية بعد غزو أفغانستان والعراق. هذا التموضع العسكري على الحدود الشرقية والغربية لطهران أحدث تحولاً بنيوياً في عقيدتها الأمنية، حيث باتت تنظر للأطراف (كردستان، بلوشستان، خوزستان) ليس كجغرافيا وطنية فحسب، بل كثغرات محتملة للاختراق الخارجي.
وعليه، فإن سلوك الأقليات في ظل التصعيد الحالي تحكمه معادلة دقيقة، فتاريخياً، يميل المجتمع الإيراني بمختلف مكوناته العرقية إلى إبداء نزعة دفاعية قوية عند تعرض البلاد لحرب مباشرة -كما حدث في حرب الثمانينيات مع العراق- بدافع حماية الكيان الوجودي ومنع السقوط في فوضى تشبه النماذج الإقليمية المتفككة.
لكن هذا الالتفاف مشروط بمدى كفاءة الدولة وقدرتها على الصمود، فإذا تحولت الحرب إلى استنزاف طويل الأمد وأدت إلى شلل اقتصادي وتدمير للبنية التحتية، فإن هذا الالتفاف سيتآكل سريعاً. وفي لحظة إنهاك المركز، قد تتجه بعض الأقليات القومية المنظمة، خاصة في المناطق التي شهدت اضطرابات عرقية تاريخية (مثل انتفاضة الأهواز 2005م، واحتجاجات كردستان 2005م، وهبة أذربيجان 2006م)، إلى انتهاز فرصة الضعف الأمني لتحقيق مكاسب مثل فرض الحكم الذاتي أو السيطرة على الموارد المحلية، مدفوعة بمرارات العقود الماضية من التهميش والحرمان والتطويق الأمني.
بذلك، فإن الحرب الحالية لا تخلق أزمات جديدة بقدر ما تعجل بإنضاج الأزمات الهيكلية الكامنة، حيث يظل "الداخل المتعدد" في إيران يُنظر إليه دائماً من خلال عدسة التهديد الخارجي، مما يجعل التماسك الوطني حالة قلقة ومرهونة بقوة القبضة المركزية.
جدلية المركز والأطراف وآفاق التحول بعد الحرب
بناءً على المعطيات السابقة وجدلية العلاقة بين المركز والأطراف، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات أساسية لمستقبل الدولة الإيرانية وإدارتها لملف الأقليات:
السيناريو الأول: استمرار المركزية القوية وإدارة الأزمات (الوضع الراهن الممتد) يفترض هذا السيناريو نجاح النظام الحاكم في امتصاص الصدمات العسكرية الخارجية والسيطرة على التضخم الاقتصادي، مع الحفاظ على تماسك النخبة الحاكمة والأجهزة الأمنية والعسكرية (الحرس الثوري والبسيج). يتضمن هذا المسار استمرار سياسة "الضبط الأمني الصارم" وتكريس "أمننة" ملف الأطراف التي بدأت منذ مطلع القرن الحالي، وتطويق أي حراك مطلبي بالقوة باعتباره "خيانة وطنية". بالتالي، ستبقى الأقليات في حالة امتثال قسري وتكيف استراتيجي مع البنية الصلبة للدولة، مع استمرار نزيف الهجرة للنخب الثقافية للأقليات، دون حدوث انفجار شامل.
السيناريو الثاني: تآكل المركزية وضعف قبضة النظام (سيناريو التفتت أو الفدرالية الفعلية) يتحقق هذا السيناريو إذا أدت الحرب والضغوط الاقتصادية المتراكمة، أو أزمة انتقال السلطة، إلى إضعاف شديد للأجهزة الأمنية وتراجع قدرة طهران على فرض إرادتها على الأقاليم الحدودية. في هذه الحالة، قد تتحول الأطراف (كردستان، بلوشستان، خوزستان) إلى مناطق حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع، حيث ستتولى النخب المحلية والقوى العشائرية إدارة شؤونها مستغلة روابطها العابرة للحدود التي تمثل "الخاصرة الرخوة" للمركز. هذا السيناريو قد يقود إما إلى "تفاوض تاريخي" يجبر طهران على التحول نحو الفدرالية السياسية كبديل عن الانهيار، أو إلى مواجهات داخلية إذا حاول المركز استعادة السيطرة بالقوة.
السيناريو الثالث: الانهيار الشامل والتغيير الجذري (سيناريو الصوملة أو البلقنة) وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويحدث في حال تعرض المركز لضربة عسكرية ساحقة تؤدي إلى تفكك الجيش والحرس الثوري وانهيار المؤسسات المركزية. وبسبب غياب أرضية للمواطنة المتساوية والتوافق المجتمعي طوال عقود، واعتماد الدولة على "فلاتر الأمن والقوانين الإقصائية"، قد تنزلق إيران نحو حروب أهلية عرقية ومذهبية. ستسعى كل مجموعة لتأمين جغرافيتها وتصفية الحسابات التاريخية، مما يحول إيران من "دولة فسيفسائية" إلى "كانتونات متصارعة"، وهو ما سيهدد الأمن الإقليمي بأكمله نظراً للامتدادات الحيوية لهذه الأقليات في دول الجوار.
خاتمة
بعد قرابة نصف قرن على الثورة، تقف إيران أمام حقيقة مفصلية: إن إحلال النقاء الأيديولوجي محل الامتداد التاريخي قد حوّل التعددية من ثروة وطنية إلى هاجس أمني يستنزف تماسك الدولة عند الأطراف. لقد كشف التحليل أن الحرب الخارجية لا تخلق أزمات جديدة بقدر ما تُعجّل بإنضاج الأزمات الهيكلية الكامنة، فجعلُ تماسك الدولة رهناً بالقبضة المركزية بدلاً من الانتماء الوطني يضع مستقبل البلاد على المحك. في نهاية المطاف، لن يتحدد مصير إيران بترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على الانتقال من "الدولة العقائدية الإقصائية" إلى "الدولة الوطنية الجامعة" القائمة على المواطنة. إن هذا التحول هو السبيل الوحيد لتحويل الأقليات من "خاصرة رخوة" للاختراق إلى دعامات استقرار قادرة على الصمود؛ فإيران اليوم ليست أمام خيار المفاضلة بين الأيديولوجيا والتعددية، بل أمام حتمية الاختيار بين التحول الوطني الشامل أو التحلل البنيوي من الأطراف إلى المركز.






